Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:108–109
9:108Page 204
لَا تَقُمۡ فِيهِ أَبَدٗاۚ لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ ١٠٨
Do not stand [for prayer] within it - ever. A mosque founded on righteousness from the first day1 is more worthy for you to stand in. Within it are men who love to purify themselves; and Allāh loves those who purify themselves.
﴿لا تَقُمْ﴾ أيْ لِلصَّلاةِ ﴿فِيهِ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَسْجِدِ ﴿أبَدًا﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما تَفْسِيرُ ﴿لا تَقُمْ﴾ بِلا تُصَلِّ عَلى أنَّ القِيامَ مَجازٌ عَنِ الصَّلاةِ كَما في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَقُومُ اللَّيْلَ. وفي الحَدِيثِ: «مَن قامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ» .
﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ﴾ أيْ بُنِيَ أساسُهُ ﴿عَلى التَّقْوى﴾ أيْ تَقْوى اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ، و(عَلى) عَلى ما يَتَبادَرُ مِنها، ولا يَخْفى ما في جَعْلِ التَّقْوى وهي - هي - أساسًا مِنَ المُبالَغَةِ، وقِيلَ: إنَّها بِمَعْنى مَعَ وقِيلَ: لِلتَّعْلِيلِ لِاعْتِبارِهِ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الِاتِّخاذِ واللّامُ إمّا لِلِابْتِداءِ أوْ لِلْقَسَمِ أيْ واللَّهِ لَمَسْجِدٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَمَسْجِدٌ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ صِفَتُهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأُسِّسَ ومِن لِابْتِداءِ الزَّمانِ عَلى ما هو الظّاهِرُ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ لِلْكُوفِيِّينَ في أنَّها تَكُونُ لِلِابْتِداءِ مُطْلَقًا، ولا تَتَقَيَّدُ بِالمَكانِ، وخالَفَ في ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ ومَنَعُوا دُخُولَها عَلى الزَّمانِ وخَصُّوهُ بِمُذْ ومُنْذُ وتَأوَّلُوا الآيَةَ بِأنَّها عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ مِن تَأْسِيسِ أوَّلِ يَوْمٍ، وتَعَقَّبَهُ الزَّجّاجُ وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ ذَلِكَ ضَعِيفٌ لِأنَّ التَّأْسِيسَ المُقَدَّرَ لَيْسَ بِمَكانٍ حَتّى تَكُونَ - مِن - لِابْتِداءِ الغايَةِ فِيهِ. وأُجِيبُ بِأنَّ مُرادَهم مِنَ التَّأْوِيلِ الفِرارُ مِن كَوْنِها لِابْتِداءِ الغايَةِ في الزَّمانِ وقَدْ حَصَلَ بِذَلِكَ التَّقْدِيرُ ولَيْسَ في كَلامِهِمْ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها لا تَكُونُ لِابْتِداءِ الغايَةِ إلّا في المَكانِ، وقالَ الرَّضِيُّ: لا أرى في الآيَةِ ونَظائِرِها مَعْنى الِابْتِداءِ إذِ المَقْصُودُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ شَيْئًا مُمْتَدًّا كالسَّيْرِ والمَشْيِ ومَجْرُورُ مِن مِنهُ الِابْتِداءُ نَحْوَ: سِرْتُ مِنَ البَصْرَةِ أوْ يَكُونُ أصْلًا لِشَيْءٍ مُمْتَدٍّ نَحْوَ: خَرَجْتُ مِنَ الدّارِ إذِ الخُرُوجُ لَيْسَ مُمْتَدًّا ولَيْسَ التَّأْسِيسُ مُمْتَدًّا ولا أصْلًا لِمُمْتَدٍّ بَلْ هُما حَدَثانِ واقِعانِ فِيما بَعْدُ (مِن) وهَذا مَعْنى في و(مِن) في الظُّرُوفِ كَثِيرًا ما تَقَعُ بِمَعْنى في انْتَهى.
وفِي كَوْنِ التَّأْسِيسِ لَيْسَ أصْلًا لِمُمْتَدٍّ مَنعٌ ظاهِرٌ. نَعَمْ ذَهَبَ إلى احْتِمالِ الظَّرْفِيَّةِ العَلّامَةُ الثّانِي ولَهُ وجْهٌ وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ الِاسْتِدْلالُ ولا يَكُونُ في الآيَةِ شاهِدٌ لِلْكُوفِيِّينَ، والحَقُّ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الآياتِ وكَلامِ العَرَبِ يَشْهَدُ لَهم والتِزامُ تَأْوِيلِ كُلِّ ذَلِكَ تَكَلُّفٌ لا داعِيَ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ و(أحَقُّ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ كُلُّ مَسْجِدٍ أوْ مَسْجِدُ الضِّرارِ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرُ أوْ هو عَلى زَعْمِهِمْ وقِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى حَقِيقٌ أيْ حَقِيقٌ ذَلِكَ المَسْجِدُ بِأنْ تُصَلِّيَ فِيهِ، واخْتُلِفَ في المُرادِ مِنهُ فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والضَّحّاكِ أنَّهُ مَسْجِدُ قُباءٍ، وقَدْ جاءَتْ أخْبارٌ في فَضْلِ الصَّلاةِ فِيهِ فَأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ:
صفحة 20
«صَلاةٌ في مَسْجِدِ قُباءٍ كَعُمْرَةٍ». قالَ التِّرْمِذِيُّ: لا نَعْرِفُ لِأُسَيْدٍ هَذا شَيْئًا غَيْرَ هَذا الحَدِيثِ. وفي مَعْناهُ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ ظُهَيْرِ بْنِ رافِعٍ الحارِثِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن صَلّى في مَسْجِدِ قُباءٍ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ والخَمِيسِ انْقَلَبَ بِأجْرِ عُمْرَةٍ». وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ مَسْجِدُ المَدِينَةِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واسْتَدَلُّوا بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والنِّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «اخْتَلَفَ رَجُلانِ في المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى فَقالَ أحَدُهُما: هو مَسْجِدُ قُباءٍ وقالَ الآخَرُ: هو مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأتَيا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ والسَّلامُ فَسَألاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هو هَذا المَسْجِدُ لِمَسْجِدِهِ ﷺ وقالَ: في ذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ يَعْنِي مَسْجِدَ قُباءٍ» . وجاءَ في عِدَّةِ رِواياتٍ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هو مَسْجِدِي هَذا، وأيَّدَ القَوْلَ الأوَّلَ بِأنَّهُ الأوْفَقُ بِالسِّباقِ واللِّحاقِ وبِأنَّهُ بُنِيَ قَبْلَ مَسْجِدِ المَدِينَةِ وجَمَعَ الشَّرِيفُ السَّمْهُودِيُّ بَيْنَ الأخْبارِ وسَبَقَهُ إلى ذَلِكَ السُّهَيْلِيُّ وقالَ: كُلٌّ مِنَ المَسْجِدَيْنِ مُرادٌ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمِ تَأْسِيسِهِ، والسِّرُّ في إجابَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ السُّؤالَ عَنْ ذَلِكَ بِما في الحَدِيثِ دَفْعُ ما تَوَهَّمَهُ السّائِلُ مِنِ اخْتِصاصِ ذَلِكَ بِمَسْجِدِ قُباءٍ والتَّنْوِيهُ بِمَزِيَّةِ هَذا عَلى ذَلِكَ، ولا يَخْفى بَعْدَ هَذا الجَمْعِ فَإنَّ ظاهِرَ الحَدِيثِ الَّذِي أخْرَجَهُ الجَماعَةُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ بِمَراحِلَ عَنْهُ، ولِهَذا اخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ القَوْلَ الثّانِيَ وأيَّدَهُ بِأنَّ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أحَقُّ بِالوَصْفِ بِالتَّأْسِيسِ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ وبِأنَّ التَّعْبِيرَ بِالقِيامِ عَنِ الصَّلاةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ يَسْتَدْعِي المُداوَمَةَ ويُعَضِّدُهُ تَوْكِيدُ النَّهْيِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أبَدًا﴾ ومُداوَمَةُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ تُوجَدْ إلّا في مَسْجِدِهِ الشَّرِيفِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ
وأمّا ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مِن أنَّ قَوْلَهُ جَلَّ وعَلا: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ نَزَلَتْ في أهْلِ قُباءٍ وكانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالماءِ فَهو لا يُعارِضُ نَصَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأمّا مًا رَواهُ ابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي أيُّوبَ وجابِرٍ وأنَسٍ مِن «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أثْنى عَلَيْكم خَيْرًا في الطُّهُورِ فَما طُهُورُكم هَذا؟ قالُوا: نَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ ونَغْتَسِلُ مِنَ الجَنابَةِ. قالَ: فَهَلْ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ؟ قالُوا: لا غَيْرَ أنَّ أحَدَنا إذا خَرَجَ إلى الغائِطِ أحَبَّ أنْ يَسْتَنْجِيَ بِالماءِ. قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هو ذاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ» . فَلا يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ أهْلِ قُباءٍ ولا يُنافِي الحَمْلَ عَلى أهْلِ مَسْجِدِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الأنْصارِ، وأنا أقُولُ: قَدْ كَثُرَتِ الأخْبارُ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في أهْلِ قُباءٍ فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ خُزَيْمَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ «عَنْ عُوَيْمِ بْنِ ساعِدَةَ الأنْصارِيِّ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أتاهم في مَسْجِدِ قُباءٍ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أحْسَنَ عَلَيْكُمُ الثَّناءَ في الطُّهُورِ في قِصَّةِ مَسْجِدِكم فَما هَذا الطُّهُورُ الَّذِي تَطَهَّرُونَ بِهِ؟ فَذَكَرُوا أنَّهم يَغْسِلُونَ أدْبارَهم مِنَ الغائِطِ»
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ والبَغَوِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ عَنْ أبِيهِ نَحْوَ ذَلِكَ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأهْلِ قُباءٍ: ما هَذا الطُّهُورُ الَّذِي خُصِّصْتُمْ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ ؟ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما مِنّا أحَدٌ يَخْرُجُ مِنَ الغائِطِ إلّا غَسَلَ مَقْعَدَتَهُ».
صفحة 21
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَرْثِ بْنِ نَوْفَلٍ نَحْوَهُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ورُوِيَ القَوْلُ بِنُزُولِها في أهْلِ قُباءٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ كابْنِ عُمَرَ وسَهْلٍ الأنْصارِيِّ وعَطاءٍ وغَيْرِهِمْ، وأمّا الأخْبارُ الدّالَّةُ عَلى كَوْنِ المُرادِ بِالمَسْجِدِ المَذْكُورِ في الآيَةِ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَكَثِيرَةٌ أيْضًا وكَذا الذّاهِبُونَ إلى ذَلِكَ كَثِيرُونَ أيْضًا والجَمْعُ فِيما أرى بَيْنَ الأخْبارِ والأقْوالِ مُتَعَذِّرٌ، ولَيْسَ عِنْدِي أحْسَنُ مِنَ التَّنْقِيرِ عَنْ حالِ تِلْكَ الرِّواياتِ صِحَّةً وضَعْفًا فَمَتى ظَهَرَ قُوَّةُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى عُوِّلَ عَلى الأقْوى. وظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ يُشْعِرُ بِأنَّ الأقْوى رِوايَةُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مَسْجِدُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَعْنى تَأْسِيسِهِ عَلى التَّقْوى مَن أوَّلِ يَوْمٍ أنَّ تَأْسِيسَهُ عَلى ذَلِكَ كانَ مُبْتَدَأً مِن أوَّلِ يَوْمٍ مِن أيّامِ وُجُودِهِ لا حادِثًا بَعْدَهُ ولا يُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِن أوَّلِ الأيّامِ مُطْلَقًا ضَرُورَةً. نَعَمْ قالَ الذّاهِبُونَ إلى أنَّ المُرادَ بِالمَسْجِدِ مَسْجِدُ قُباءٍ إنَّ المُرادَ مِن أوَّلِ أيّامِ الهِجْرَةِ ودُخُولِ المَدِينَةِ
قالَ السُّهَيْلِيُّ: ويُسْتَفادُ مِنَ الآيَةِ صِحَّةُ ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ شاوَرَهم في التّارِيخِ فاتَّفَقَ رَأْيُهم عَلى أنْ يَكُونَ مِن عامِ الهِجْرَةِ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي أعَزَّ اللَّهُ فِيهِ الإسْلامَ والحِينُ الَّذِي أمَّنَ فِيهِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبُنِيَتِ المَساجِدُ، وعُبِدَ اللَّهُ تَعالى كَما يَجِبُ، فَوافَقَ رَأْيُهم هَذا ظاهِرَ التَّنْزِيلِ، وفَهِمْنا الآنَ بِنَقْلِهِمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ هو أوَّلُ أيّامِ التّارِيخِ الَّذِي نُؤَرِّخُ بِهِ الآنَ فَإنْ كانَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أخَذُوهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ فَهو الظَّنُّ بِهِمْ لِأنَّهم أعْلَمُ النّاسِ بِتَأْوِيلِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى وأفْهَمُهم بِما فِيهِ مِنَ الإشاراتِ وإنْ كانَ ذَلِكَ عَنْ رَأْيٍ واجْتِهادٍ فَقَدْ عَلِمَهُ تَعالى وأشارَ إلى صِحَّتِهِ قَبْلَ أنْ يُفْعَلَ إذْ لا يُعْقَلُ قَوْلُ القائِلِ فَعَلْتُهُ أوَّلَ يَوْمٍ إلّا بِالإضافَةِ إلى عامٍ مَعْلُومٍ أوْ شَهْرٍ مَعْلُومٍ أوْ تارِيخٍ كَذَلِكَ ولَيْسَ هَهُنا إضافَةٌ في المَعْنى إلّا إلى هَذا التّارِيخِ المَعْلُومِ لِعَدَمِ القَرائِنِ الدّالَّةِ عَلى غَيْرِهِ مِن قَرِينَةِ لَفْظٍ أوْ حالٍ فَتَدَبَّرْهُ فَفِيهِ مُعْتَبَرٌ لِمَنِ ادَّكَرَ وعَلِمَ لِمَن رَأى بِعَيْنِ فُؤادِهِ واسْتَبْصَرَ انْتَهى.
ولا يَخْفى عَلى المُطَّلِعِ عَلى التّارِيخِ أنَّ ما وقَعَ كانَ عَنِ اجْتِهادٍ وأنَّ قَوْلَهُ: ولَيْسَ هَهُنا إضافَةٌ إلَخْ مَحَلُّ نَظَرٍ، ويُسْتَفادُ مِنَ الآيَةِ أيْضًا عَلى ما قِيلَ النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ في مَساجِدَ بُنِيَتْ مُباهاةً أوْ رِياءً وسُمْعَةً أوْ لِغَرَضٍ سِوى ابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ تَعالى، وأُلْحِقَ بِذَلِكَ كُلُّ مَسْجِدٍ بُنِيَ بِمالٍ غَيْرِ طَيِّبٍ
ورُوِيَ عَنْ شَقِيقٍ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ لَمّا فَتَحَ اللَّهُ الأمْصارَ عَلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أمَرَ المُسْلِمِينَ أنْ يَبْنُوا المَساجِدَ وأنْ لا يَتَّخِذُوا في مَدِينَةٍ مَسْجِدَيْنِ يُضارُّ أحَدُهُما صاحِبَهُ، ومَن حَمَلَ التَّطْهِيرَ فِيها عَلى ما نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ السّابِقَةُ قالَ: يُسْتَفادُ مِنها سُنِّيَّةُ الِاسْتِنْجاءِ بِالماءِ، وجاءَ مِن حَدِيثِ البَزّارِ تَفْسِيرُهُ بِالجَمْعِ بَيْنَ الماءِ والحَجَرِ وهو أفْضَلُ مِنَ الِاقْتِصارِ عَلى أحَدِهِما، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالتَّخَلُّصِ عَنِ المَعاصِي والخِصالِ المَذْمُومَةِ وهو مَعْنى مَجازِيٌّ لَهُ، وإذا فُسِّرَ بِما يَشْمَلُ التَّطْهِيرَ مِنَ الحَدَثِ الأكْبَرِ والخَبَثِ والتَّنَزُّهَ مِنَ المَعاصِي ونَحْوِها كانَ فِيهِ مِنَ المَدْحِ ما فِيهِ، وجُوِّزَ في جُمْلَةِ ﴿فِيهِ رِجالٌ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً مُبَيِّنَةً لِأحَقِّيَّةِ القِيامِ في ذَلِكَ المَسْجِدِ مِن جِهَةِ الحالِ بَعْدَ بَيانِ الأحَقِّيَّةِ مِن جِهَةِ المَحَلِّ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمُبْتَدَأِ جاءَتْ بَعْدَ خَبَرِهِ، وأنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (فِيهِ) وعَلى كُلٍّ حالٌ فَفِيها تَحْقِيقٌ وتَقْرِيرٌ لِاسْتِحْقاقِ القِيامِ فِيهِ، وقُرِئَ (أنْ يَطَّهَّرُوا) بِالإدْغامِ
﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ 108﴾ أيْ يَرْضى عَنْهم ويُكْرِمُهم ويُعْظِمُ ثَوابَهم وهو المُرادُ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ
صفحة 22
الأشاعِرَةِ وأشْياعِهِمْ وذَكَرُوا أنَّ المَحَبَّةَ الحَقِيقِيَّةَ لا يُوصَفُ بِها سُبْحانَهُ، وحَمَلَ بَعْضُهُمُ التَّعْبِيرَ بِها هُنا عَلى المُشاكَلَةِ، والمُرادُ مِنَ المُطَّهِّرِينَ إمّا أُولَئِكَ الرِّجالُ أوِ الجِنْسُ ويُدْخِلُونَ فِيهِ
9:109Page 204
أَفَمَنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقۡوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٍ خَيۡرٌ أَم مَّنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٖ فَٱنۡهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ جَهَنَّمَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٩
Then is one who laid the foundation of his building on righteousness [with fear] from Allāh and [seeking] His approval better or one who laid the foundation of his building on the edge of a bank about to collapse, so it collapsed with him into the fire of Hell? And Allāh does not guide the wrongdoing people.
﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ أيْ مَبْنِيَّهُ فَهو مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ واسْتُعْمِلَ بِمَعْنى المَفْعُولِ وعَنْ أبِي عَلِيٍّ أنَّ البُنْيانَ جَمْعٌ واحِدُهُ بُنْيانَةٌ ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ واحِدُهُ ما ذُكِرَ وإلّا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ. والتَّأْسِيسُ وضْعُ الأساسِ وهو أصْلُ البَنّاءِ وأوَّلُهُ، ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الإحْكامِ وبِهِ فَسَّرَهُ بَعْضُهم هُنا، واخْتارَ آخَرُونَ التَّفْسِيرَ الأوَّلَ لِتَعْدِيَةٍ بِعَلى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ﴾ فَإنَّ المُتَبادَرَ تَعَلُّقُهُ بِهِ وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ في أسَّسَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى والمُرادُ مِنَ الرِّضْوانِ طَلَبُهُ بِالطّاعَةِ مَجازًا وإنْ شِئْتَ قَدَّرْتَ المُضافَ لِيَكُونَ المُتَعاطِفانِ مِن أعْمالِ العَبْدِ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما قالُوا في نَظائِرِهِ أيْ أبْعَدَ ما عُلِمَ حالُهم فَمَن أسَّسَ بُنْيانُهَ عَلى تَقْوى وخَوْفٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى وطَلَبَ مَرْضاتَهُ بِالطّاعَةِ ﴿خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ﴾ أيْ طَرَفَهُ ومِنهُ أشَفى عَلى الهَلاكِ أيْ صارَ عَلى شَفاءٍ وشَفى المَرِيضُ لِأنَّهُ صارَ عَلى شَفا البُرْءِ والسَّلامَةِ ويُثَنّى عَلى شَفَوانِ والجُرُفُ بِضَمَّتَيْنِ البِئْرُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ وقِيلَ: هو الهُوَّةُ وما يَجْرُفُهُ السَّيْلُ مِنَ الأوْدِيَةِ لِجَرْفِ الماءِ لَهُ أيْ أكْلِهِ وإذْهابِهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ ﴿جُرُفٍ﴾ بِالتَّخْفِيفِ وهو لُغَةٌ فِيهِ ﴿هارٍ﴾ أيْ مُتَصَدِّعٍ مُشْرِفٍ عَلى السُّقُوطِ وقِيلَ: ساقِطٌ وهو نَعْتٌ لِجُرُفٍ وأصْلُهُ هاوِرٍ أوْ هايِرٍ فَهو مَقْلُوبٌ ووَزْنُهُ فالِعٌ وقِيلَ: إنَّهُ حُذِفَتْ عَيْنُهُ اعْتِباطًا فَوَزْنُهُ فالٍ والإعْرابُ عَلى رائِهِ كَبابٍ وقِيلَ: إنَّهُ لا قَلْبَ فِيهِ ولا حَذْفَ وأصْلُهُ هَوْرٌ أوْ هِيرٌ عَلى وزْنِ فِعْلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ كَكَتِفٍ فَلَمّا تَحَرَّكَ حَرْفُ العِلَّةِ وانْفَتَحَ ما قَبْلَهُ قُلِبَ ألِفًا والظّاهِرُ أنَّهُ وضَعَ شَفا الجُرُفِ في مُقابَلَةِ التَّقْوى فِيما سَبَقَ، وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ حَيْثُ شَبَّهَ الباطِلَ والنِّفاقَ بِشَفا جُرُفٍ هارٍ في قِلَّةِ الثَّباتِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِذَلِكَ والقَرِينَةُ المُقابِلَةُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ تَرْشِيحٌ وباؤُهُ إمّا لِلتَّعْدِيَةِ أوْ لِلْمُصاحَبَةِ ووُضِعَ في مُقابَلَةِ الرِّضْوانِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَأْسِيسَ ذَلِكَ عَلى أمْرٍ يَحْفَظُهُ مِمّا يَخافُ ويُوَصِّلُهُ إلى ما أدْنى مُقْتَضَياتِهِ الجَنَّةُ، وتَأْسِيسُ هَذا عَلى ما هو بِصَدَدِ الوُقُوعِ في النّارِ ساعَةً فَساعَةً ثُمَّ المَصِيرُ إلَيْها لا مَحالَةَ، والِاسْتِعارَةُ فِيما تَقَدَّمَ مَكْنِيَّةٌ حَيْثُ شُبِّهَتْ فِيهِ التَّقْوى بِقَواعِدِ البِناءِ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا في النَّفْسِ ودَلَّ عَلَيْهِ ما هو مِن رَوادِفِهِ ولَوازِمِهِ وهو التَّأْسِيسُ والبُنْيانُ واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ مَعْنى الآيَةِ أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَ دِينِهِ عَلى قاعِدَةٍ مُحْكَمَةٍ هي التَّقْوى وطَلَبَ الرِّضا بِالطّاعَةِ خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ عَلى قاعِدَةٍ هي أضْعَفُ القَواعِدِ وأرْخاها فَأدّى بِهِ ذَلِكَ لِخَوْرِهِ وقِلَّةِ اسْتِمْساكِهِ إلى السُّقُوطِ في النّارِ، وإنَّما اخْتِيرَ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ لِما أنَّهُ أنْسَبُ بِتَوْصِيفِ أهْلِ مَسْجِدِ الضِّرارِ بِمُضارَّةِ المُسْلِمِينَ والكُفْرِ والتَّفْرِيقِ والإرْصادِ وتَوْصِيفِ أهْلِ مَسْجِدِ التَّقْوى بِأنَّهم يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ التَّطْهِيرُ عَنِ المَعاصِي والخِصالِ المَذْمُومَةِ لِأنَّ المُقْتَضى بِزَعْمِ البَعْضِ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى لا التَّطْهِيرِ المَذْكُورِ في الأخْبارِ وأمْرُ الِاسْتِعارَةِ عَلى هَذا التَّوْجِيهِ عَلى طَرْزِ ما تَقَدَّمَ في التَّوْجِيهِ الأوَّلِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في الجُمْلَةِ الأُولى تَمْثِيلٌ لِحالِ مَن أخْلَصَ لِلَّهِ تَعالى وعَمِلَ الأعْمالَ الصّالِحَةَ
صفحة 23
بِحالِ مَن بَنى بِناءً مُحْكَمًا يَسْتَوْطِنُهُ ويَتَحَصَّنُ بِهِ وأنْ يَكُونَ البُنْيانُ اسْتِعارَةً أصْلِيَّةً والتَّأْسِيسُ تَرْشِيحًا أوْ تَبَعِيَّةً وكَذا جُوِّزَ التَّمْثِيلُ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ وإجْراءُ ذَلِكَ فِيها ظاهِرٌ بَعْدَ اعْتِبارِ إجْرائِهِ في مُقابِلِهِ وفاعِلُ (انْهارَ) إمّا ضَمِيرُ البُنْيانِ وضَمِيرُ (بِهِ) لِلْمُؤَسِّسِ وإمّا لِلشَّفا وضَمِيرُ - بِهِ - لِلْبُنْيانِ وإلَيْهِ يَمِيلُ ظاهِرُ التَّفْسِيرِ المارِّ آنِفًا
وظاهِرُ الأخْبارِ أنَّ ذَلِكَ المَسْجِدَ إذا وقَعَ وقَعَ في النّارِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: واللَّهِ ما تَناهى أنْ وقَعَ في النّارِ، وذَكَرَ لَنا أنَّهُ حُفِرَتْ فِيهِ بُقْعَةٌ فَرُئِيَ مِنهُ الدُّخانُ
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلَهُ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ فِيها: مَضى حِينَ خُسِفَ بِهِ إلى النّارِ. وعَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ يُقالُ: إنَّهُ بُقْعَةٌ مِن نارِ جَهَنَّمَ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنِّي والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى مُؤْمِنٌ بِقُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وأنَّهُ جَلَّ جَلالُهُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ لَكِنِّي لا أُؤْمِنُ بِمِثْلِ هَذِهِ الظَّواهِرِ ما لَمْ يَرِدْ فَيا خَبَرٌ صَحِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عُمَرَ (أُسِّسَ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ في المَوْضِعَيْنِ وقُرِئَ (أساسُ بُنْيانِهِ وأُسُّ بُنْيانِهِ) عَلى الإضافَةِ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ وأسَسَ بِفَتَحاتٍ ونُسِبَتْ إلى عاصِمٍ وإساسُ بِالكَسْرِ قِيلَ: وثَلاثَتُها جَمْعُ أُسٍّ وفِيهِ نَظَرٌ فَفي الصِّحاحِ الأُسُّ أصْلُ البِناءِ وكَذَلِكَ الأساسُ والأسَسُ مَقْصُورٌ مِنهُ وجَمْعُ الأُسِّ أساسٌ مِثْلَ عُسٍّ وعِساسٍ وجَمْعُ الأساسِ أُسُسٌ مِثْلَ قَذالٍ وقُذُلٍ وجَمَعَ الأُسُسَ آساسٌ مِثْلَ سَبَبٍ وأسْبابٍ انْتَهى.
وجُوِّزٍ في في أُسُسٍ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو (وتَقْوًى) بِالتَّنْوِينِ وخَرَّجَ ذَلِكَ ابْنُ جِنِّيٍّ عَلى أنَّ الألِفَ لِلْإلْحاقِ كَما في أرْطى ألْحَقَ بِجَعْفَرٍ لا لِلتَّأْنِيثِ كَألِفِ تَتْرى في رَأى وإلّا لَمْ يَجُزْ تَنْوِينُهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ (فانْهارَ بِهِ قَواعِدُهُ في نارِ جَهَنَّمَ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ 108﴾ أيْ لِأنْفُسِهِمْ أوِ الواضِعِينَ لِلْأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها أيْ يُرْشِدُهم إلى ما فِيهِ صَلاحُهم إرْشادًا مُوجِبًا لا مَحالَةَ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences