Al-AlusiAt‑Tawbah · 9:112–113

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:112–113

9:112Page 205

ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٢

[Such believers are] the repentant, the worshippers, the praisers [of Allāh], the travelers [for His cause], those who bow and prostrate [in prayer], those who enjoin what is right and forbid what is wrong, and those who observe the limits [set by] Allāh. And give good tidings to the believers.

﴿التّائِبُونَ﴾ نَعْتٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وقَطْعٌ لِأجْلِ المَدْحِ أيْ هُمُ التّائِبُونَ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ (التّائِبِينَ) بِالياءِ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ أوْ مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (التّائِبُونَ) مُبْتَدَأً والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ مِن أهْلِ الجَنَّةِ أيْضًا وإنْ لَمْ يُجاهِدُوا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ فَإنَّ كُلًّا فِيهِ عامٌّ والحُسْنى بِمَعْنى الجَنَّةِ

وقِيلَ: الخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿العابِدُونَ﴾ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ وقِيلَ: خَبَرُهُ ﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ﴿يُقاتِلُونَ﴾ والأوَّلُ أظْهَرُ إلّا أنَّهُ يَكُونُ المَوْعُودُ بِالجَنَّةِ عَلَيْهِ هو المُجاهِدَ المُتَّصِفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ لا كُلَّ مُجاهِدٍ وبِذَلِكَ يُشْعِرُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: الشَّهِيدُ مَن كانَ فِيهِ الخِصالُ التِّسْعُ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ

وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يُنافِي ذَلِكَ ما صَحَّ مِن حَدِيثِ مُسْلِمٍ مِن أنَّ «مَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وهو صابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدَبِّرٍ كُفِّرَتْ خَطاياهُ إلّا الدَّيْنَ» فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ المُجاهِدَ قَدْ لا يَكُونُ مُتَّصِفًا بِجَمِيعِ ما في الآيَةِ مِنَ الصِّفاتِ وإلّا لا يَبْقى لِتَكْفِيرِ الخَطايا وجْهٌ، وكَأنَّهُ مِن هُنا اخْتارَ الزَّجّاجُ كَوْنَهُ مُبْتَدَأً والخَبَرُ مَحْذُوفٌ كَما سَمِعْتَ إذْ في الآيَةِ عَلَيْهِ تَبْشِيرُ مُطْلَقِ المُجاهِدِينَ بِما ذُكِرَ وهو المَفْهُومُ مِن ظَواهِرَ الأخْبارِ. نَعَمْ دَلَّ كَثِيرٌ مِنها عَلى أنَّ الفَضْلَ الوارِدَ في المُجاهِدِينَ مُخْتَصٌّ بِمَن قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ تَعالى هي العُلْيا وأنَّ مَن قاتَلَ لِلدُّنْيا والسُّمْعَةِ اسْتَحَقَّ النّارَ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ما يَقْتَضِي ذَلِكَ فَلْيُفْهَمْ، والمُرادُ مِنَ التّائِبِينَ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ الَّذِينَ تابُوا عَنِ الشِّرْكِ ولَمْ يُنافِقُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُمُ الَّذِينَ تابُوا عَنِ الشِّرْكِ والذُّنُوبِ، وأيَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ التّائِبِينَ في تَقْدِيرِ الَّذِينَ تابُوا وهو مِن ألْفاظِ العُمُومِ يَتَناوَلُ كُلَّ تائِبٍ فَتَخْصِيصُهُ بِالتّائِبِ عَنْ بَعْضِ المَعاصِي تَحَكُّمٌ. وأُجِيبُ بِأنَّ ذِكْرَهم بَعْدَ ذِكْرِ المُنافِقِينَ ظاهِرٌ في حَمْلِ التَّوْبَةِ عَلى التَّوْبَةِ عَنِ الكُفْرِ والنِّفاقِ وأيْضًا لَوْ حُمِلَتِ التَّوْبَةُ عَلى التَّوْبَةِ عَنِ المَعاصِي يَكُونُ ما ذُكِرَ بَعْدُ مِنَ الصِّفاتِ غَيْرَ تامِّ الفائِدَةِ مَعَ أنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الظّاهِرُ اجْتِنابُهُ لِلْمَعاصِي، والمُرادُ

صفحة 31

مِنَ العابِدِينَ الَّذِينَ أتَوْا بِالعِبادَةِ عَلى وجْهِها، وقالَ الحَسَنُ: هُمُ الَّذِينَ عَبَدُوا اللَّهَ تَعالى في أحايِينِهِمْ كُلِّها أما واللَّهِ ما هو بِشَهْرٍ ولا شَهْرَيْنِ ولا سَنَةٍ ولا سَنَتَيْنِ ولَكِنْ كَما قالَ العَبْدُ الصّالِحُ: ﴿وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ وقالَ قَتادَةُ: هم قَوْمٌ أخَذُوا مِن أبْدانِهِمْ في لَيْلِهِمْ ونَهارِهِمْ، ﴿الحامِدُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ تَعالى عَلى كُلِّ حالٍ كَما رُوِيَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ فالحَمْدُ بِمَعْنى الوَصْفِ بِالجَمِيلِ مُطْلَقًا وقِيلَ: هو بِمَعْنى الشُّكْرِ فَيَكُونُ في مُقابَلَةِ النِّعْمَةِ أيِ الحامِدُونَ لِنَعْمائِهِ تَعالى وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الحَمْدَ في كُلِّ حالٍ أوْلى وفِيهِ تَأسٍّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أوَّلُ مَن يُدْعى إلى الجَنَّةِ الحَمّادُونَ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ عَلى السَّرّاءِ والضَّرّاءِ» . وجاءَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا أتاهُ الأمْرُ يَسُرُّهُ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصّالِحاتُ، وإذا أتاهُ الأمْرُ يَكْرَهُهُ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ» .

﴿السّائِحُونَ﴾ أيِ الصّائِمُونَ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَأجابَ بِما ذُكِرَ. وإلَيْهِ ذَهَبَ جُلَّةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ

وجاءَ عَنْ عائِشَةَ: «سِياحَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الصِّيامُ» وهو مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّ الصَّوْمَ يَعُوقُ عَنِ الشَّهَواتِ كَما أنَّ السِّياحَةَ تَمْنَعُ مِنها في الأكْثَرِ أوْ لِأنَّهُ رِياضَةٌ رُوحانِيَّةٌ يَنْكَشِفُ بِها كَثِيرٌ مِن أحْوالِ المُلْكِ والمَلَكُوتِ فَشَبَّهَ الِاطِّلاعَ عَلَيْها بِالِاطِّلاعِ عَلى البُلْدانِ والأماكِنِ النّائِيَةِ إذْ لا يَزالُ المُرْتاضُ يَتَوَصَّلُ مِن مَقامٍ إلى مَقامٍ ويَدْخُلُ مِن مَدائِنِ المَعارِفِ إلى مَدِينَةٍ بَعْدَ أُخْرى عَلى مَطايا الفِكْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ السّائِحِينَ هُمُ المُهاجِرُونَ، ولَيْسَ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سِياحَةٌ إلّا الهِجْرَةُ

وأخْرَجَ هو وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهم طَلَبَةُ العِلْمِ لِأنَّهم يَسِيحُونَ في الأرْضِ لِطَلَبِهِ وقِيلَ: هُمُ المُجاهِدُونَ لِما أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي أُمامَةَ «أنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في السِّياحَةِ فَقالَ: إنَّ سِياحَةَ أُمَّتِي الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى» . والمُخْتارُ ما تَقَدَّمَ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وإنَّما لَمْ تُحْمَلِ السِّياحَةُ عَلى المَعْنى المَشْهُورِ لِأنَّها نَوْعٌ مِنَ الرَّهْبانِيَّةِ، وقَدْ نَهى عَنْها وكانَتْ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ في بَنِي إسْرائِيلَ.

﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ أيْ في الصَّلَواتِ المَفْرُوضاتِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، فالرُّكُوعُ والسُّجُودُ عَلى مَعْناهُما الحَقِيقِيِّ، وجَعَلَهُما بَعْضُهم عِبارَةً عَنِ الصَّلاةِ لِأنَّهُما أعْظَمُ أرْكانِها فَكَأنَّهُ قِيلَ: المُصَلُّونَ ﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيِ الإيمانِ ﴿والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ أيِ الشِّرْكِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في الأمْرَيْنِ، ولَوْ أبْقى لَفْظَ النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلى عُمُومِهِ لَكانَ لَهُ وجْهٌ بَلْ قِيلَ: إنَّهُ الأوْلى والعَطْفُ هُنا عَلى ما في المُغْنِي إنَّما كانَ مِن جِهَةِ أنَّ الأمْرَ والنَّهْيَ مِن حَيْثُ هُما أمْرٌ ونَهْيٌ مُتَقابِلانِ بِخِلافِ بَقِيَّةِ الصِّفاتِ لِأنَّ الآمِرَ بِالمَعْرُوفِ ناهٍ عَنِ المُنْكَرِ وهو تَرْكُ المَعْرُوفِ والنّاهِي عَنِ المُنْكَرِ آمِرٌ بِالمَعْرُوفِ فَأُشِيرَ إلى الِاعْتِدادِ بِكُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ وأنَّهُ لا يَكْفِي فِيهِ ما يَحْصُلُ في ضِمْنِ الآخَرِ، وحاصِلُهُ عَلى ما قِيلَ: إنَّ العَطْفَ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّقابُلِ أوْ لِدَفْعِ الإيهامِ

ووَجَّهَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ ذَلِكَ بِأنَّ بَيْنَهُما تَلازُمًا في الذِّهْنِ والخارِجِ لِأنَّ الأوامِرَ تَتَضَمَّنُ النَّواهِيَ ومُنافاةً بِحَسَبِ الظّاهِرِ لِأنَّ أحَدَهُما طَلَبُ فِعْلٍ والآخَرَ طَلَبُ تَرْكٍ فَكانا بَيْنَ كَمالِ الِاتِّصالِ والِانْقِطاعِ المُقْتَضِي لِلْعَطْفِ بِخِلافِ

صفحة 32

ما قَبْلَهُما وقِيلَ: إنَّ العَطْفَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُما في حُكْمِ خَصْلَةٍ واحِدَةٍ كَأنَّهُ قِيلَ: الجامِعُونَ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ ويَرُدُّ عَلى ظاهِرِهِ أنَّ ﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ في حُكْمِ خَصْلَةٍ واحِدَةٍ أيْضًا فَكانَ يَنْبَغِي فِيهِما العَطْفُ عَلى ما ذُكِرَ إذْ مَعْناهُ الجامِعُونَ بَيْنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ ويُدْفَعُ بِأدْنى التِفاتٍ، وأمّا العَطْفُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ أيْ فِيما بَيَّنَهُ وعَيَّنَهُ مِنَ الحَقائِقِ والشَّرائِعِ فَقِيلَ لِلْإيذانِ بِأنَّ العَدَدَ قَدْ تَمَّ بِالسّابِعِ مِن حَيْثُ إنَّ السَّبْعَةَ هو العَدَدُ التّامُّ والثّامِنُ ابْتِداءُ تَعْدادٍ آخَرَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ يُسَمّى واوَ الثَّمانِيَةِ وإلَيْهِ مالَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ مِمَّنْ أثْبَتَ واوَ الثَّمانِيَةِ وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَرْضَهُ النُّحاةُ كَما فَصَّلَهُ ابْنُ هِشامٍ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقَهُ وقِيلَ: إنَّهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما قَبْلَهُ مُفَصَّلُ الفَضائِلِ وهَذا مُجْمَلُها يَعْنِي أنَّهُ مِن ذِكْرِ أمْرٍ عامٍّ شامِلٍ لِما قَبْلَهُ وغَيْرِهِ ومِثْلُهُ يُؤْتى بِهِ مَعْطُوفًا نَحْوُ زَيْدٌ وعَمْرٌو وسائِرُ قَبِيلَتِهِ كُرَماءُ فَلِمُغايَرَتِهِ بِالإجْمالِ والتَّفْصِيلِ والعُمُومِ والخُصُوصِ عُطِفَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلَيْهِ وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ لِأنَّ مَن لَمْ يُصَدِّقْ فِعْلُهُ قَوْلَهُ لا يُجْدِي أمْرُهُ نَفْعًا ولا يُفِيدُ نَهْيُهُ مَنعًا

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ المُرادَ بِحِفْظِ الحُدُودِ ظاهِرُهُ وهي إقامَةُ الحَدِّ كالقِصاصِ عَلى مَنِ اسْتَحَقَّهُ، والصِّفاتُ الأُوَلُ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (والآمِرُونَ) صِفاتٌ مَحْمُودَةٌ لِلشَّخْصِ في نَفْسِهِ، وهَذِهِ لَهُ بِاعْتِبارِ غَيْرِهِ فَلِذا تَغايَرَ تَعْبِيرُ الصِّنْفَيْنِ فَتُرِكَ العاطِفُ في القِسْمِ الأوَّلِ وعُطِفَ في الثّانِي، ولَمّا كانَ لا بُدَّ مِنِ اجْتِماعِ الأوَّلِ في شَيْءٍ واحِدٍ تُرِكَ فِيها العَطْفُ لِشِدَّةِ الِاتِّصالِ بِخِلافِ هَذِهِ فَإنَّهُ يَجُوزُ اخْتِلافُ فاعِلِها ومَن تَعَلَّقَتْ بِهِ، وهَذا هو الدّاعِي لِإعْرابِ ﴿التّائِبُونَ﴾ مُبْتَدَأً مَوْصُوفًا بِما بَعْدَهُ، (والآمِرُونَ) خَبَرُهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الكامِلُونَ في أنْفُسِهِمُ المُكَمِّلُونَ لِغَيْرِهِمْ وقُدِّمَ الأوَّلُ لِأنَّ المُكَمِّلَ لا يَكُونُ مُكَمِّلًا حَتّى يَكُونَ كامِلًا في نَفْسِهِ، وبِهَذا يَتَّسِقُ النَّظْمُ أحْسَنَ اتِّساقٍ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ وهو وجْهٌ وجِيهٌ لِلْعَطْفِ في البَعْضِ وتُرِكَ العَطْفُ في الآخَرِ خَلا أنَّ المَأْثُورَ عَنِ السَّلَفِ كابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وغَيْرِهِ تَفْسِيرُ الحافِظِينَ لِحُدُودِ اللَّهِ بِالقائِمِينَ عَلى طاعَتِهِ سُبْحانَهُ وهو مُخالِفٌ لِما في هَذا التَّوْجِيهِ ولَعَلَّ الأمْرَ فِيهِ سَهْلٌ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ 112﴾ أيْ هَؤُلاءِ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ ووَضْعُ المُؤْمِنِينَ مَوْضِعُ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مِلاكَ الأمْرِ هو الإيمانُ وأنَّ المُؤْمِنَ الكامِلَ مَن كانَ كَذَلِكَ وحَذْفُ المُبَشَّرِ بِهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ أمْرٌ جَلِيلٌ لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ البَيانِ

9:113Page 205

مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسۡتَغۡفِرُواْ لِلۡمُشۡرِكِينَ وَلَوۡ كَانُوٓاْ أُوْلِي قُرۡبَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١١٣

It is not for the Prophet and those who have believed to ask forgiveness for the polytheists, even if they were relatives, after it has become clear to them that they are companions of Hellfire.

﴿ما كانَ﴾ أيْ ما صَحَّ في حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وحِكْمَتِهِ وما اسْتَقامَ ﴿لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِاللَّهِ تَعالى عَلى الوَجْهِ المَأْمُورِ بِهِ ﴿أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ بِهِ سُبْحانَهُ ﴿ولَوْ كانُوا﴾ أيِ المُشْرِكُونَ ﴿أُولِي قُرْبى﴾ أيْ ذَوِي قَرابَةٍ لَهم وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ أُخْرى قَبْلَها مَحْذُوفَةٍ حَذْفًا مُطَّرِدًا أيْ لَوْ لَمْ يَكُونُوا أُولِي قُرْبى ولَوْ كانُوا كَذَلِكَ ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ﴾ أيْ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ ﴿أنَّهُمْ﴾ أيِ المُشْرِكِينَ ﴿أصْحابُ الجَحِيمِ 113﴾ بِأنْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ أوْ نَزَلَ الوَحْيُ بِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ لا يُؤْمِنُونَ أصْلًا وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ الِاسْتِغْفارِ لِأحْيائِهِمُ الَّذِينَ لا قَطْعَ بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ، والمُرادُ مِنهُ في حَقِّهِمْ طَلَبُ تَوْفِيقِهِمْ لِلْإيمانِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاقْتِضاءِ فَلا يُقالُ: إنَّهُ لا فائِدَةَ في طَلَبِ المَغْفِرَةِ لِلْكافِرِ، والآيَةُ عَلى الصَّحِيحِ نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ

صفحة 33

والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وآخَرُونَ عَنِ المُسَيَّبِ بْنِ حَزَنٍ قالَ: «لَمّا حَضَرَتْ أبا طالِبٍ الوَفاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعِنْدَهُ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أيْ عَمِّ قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ فَقالَ: أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ: يا أبا طالِبٍ أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعْرِضُها عَلَيْهِ وأبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ يُعاوِدانِهِ بِتِلْكَ المَقالَةِ فَقالَ أبُو طالِبٍ آخِرَ ما كَلَّمَهُمْ: هو عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأبى أنْ يَقُولَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ فَنَزَلَتْ ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ﴾» الآيَةَ

واسْتَبْعَدَ ذَلِكَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ بِأنَّ مَوْتَ أبِي طالِبٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِنَحْوِ ثَلاثِ سِنِينَ وهَذِهِ السُّورَةُ مِن أواخِرِ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا الِاسْتِبْعادُ مُسْتَبْعَدٌ فَأيُّ بَأْسٍ أنْ يُقالَ: كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْتَغْفِرُ لِأبِي طالِبٍ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ إلى وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ فَإنَّ التَّشْدِيدَ مَعَ الكُفّارِ إنَّما ظَهَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ وذَكَرَ نَحْوًا مِن هَذا صاحِبُ التَّقْرِيبِ، وعَلَيْهِ لا يُرادُ بِقَوْلِهِ: فَنَزَلَتْ في الخَبَرِ أنَّ النُّزُولَ كانَ عَقِيبَ القَوْلِ بَلْ يُرادُ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ، فالفاءُ فِيهِ لِلسَّبَبِيَّةِ لا لِلتَّعْقِيبِ. واعْتَمَدَ عَلى هَذا التَّوْجِيهِ كَثِيرٌ مِن جُلَّةِ العُلَماءِ وهو تَوْجِيهٌ وجِيهٌ خَلا أنَّهُ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: أخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَوْتِ أبِي طالِبٍ فَبَكى فَقالَ: اذْهَبْ فَغَسِّلْهُ وكَفِّنْهُ ووارِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ورَحِمَهُ. فَفَعَلْتُ وجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ أيّامًا ولا يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ﴾» إلَخْ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ النُّزُولَ قَبْلَ الهِجْرَةِ لِأنَّ عَدَمَ الخُرُوجِ مِنَ البَيْتِ فِيهِ مُغَيًّا بِهِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ بِضَعْفِ الحَدِيثِ لَكِنْ لَمْ نَرَ مَن تَعَرَّضَ لَهُ والأوْلى في الجَوابِ عَنْ أصْلِ الِاسْتِبْعادِ أنْ يُقالَ: إنَّ كَوْنَ هَذِهِ السُّورَةِ مِن أواخِرِ ما نَزَلَ بِاعْتِبارِ الغالِبِ كَما تَقَدَّمَ فَلا يُنافِي نُزُولَ شَيْءٍ مِنها في المَدِينَةِ والآيَةُ عَلى هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ أبا طالِبٍ ماتَ كافِرًا وهو المَعْرُوفُ مِن مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ

ورَوى ابْنُ إسْحَقَ في سِيرَتِهِ عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ بَعْضِ أهْلِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن خَبَرٍ طَوِيلٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِأبِي طالِبٍ في مَرَضِ مَوْتِهِ وقَدْ طَمِعَ فِيهِ: أيْ عَمِّ فَأنْتَ فَقُلْها يَعْنِي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أسْتَحِلُّ بِها لَكَ الشَّفاعَةَ يَوْمَ القِيامَةِ وحَرَّضَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ فَقالَ: واللَّهِ يا ابْنَ أخِي لَوْلا مَخافَةُ السُّبَّةِ عَلَيْكَ وعَلى بَنِي أبِيكَ مِن بَعْدِي وأنْ تَظُنَّ قُرَيْشٌ أنِّي قُلْتُها جَزَعًا مِنَ المَوْتِ لَقُلْتُها ولا أقُولُها إلّا لِأسُرَّكَ بِها فَلَمّا تَقارَبَ مِن أبِي طالِبٍ المَوْتُ نَظَرَ العَبّاسُ إلَيْهِ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فَأصْغى إلَيْهِ بِأُذُنِهِ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي لَقَدْ قالَ أخِي الكَلِمَةَ الَّتِي أمَرْتَهُ أنْ يَقُولَها فَقالَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: لَمْ أسْمَعْ» . واحْتَجَّ بِهَذا ونَحْوِهِ مِن أبْياتِهِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْإقْرارِ بِحَقِّيَّةِ ما جاءَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشِدَّةِ حُنُوِّهِ عَلَيْهِ ونُصْرَتِهِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الشِّيعَةُ الذّاهِبُونَ إلى مَوْتِهِ مُؤْمِنًا وقالُوا: إنَّهُ المَرْوِيُّ عَنْ أهْلِ البَيْتِ وأهْلُ البَيْتِ أدْرى وأنْتَ تَعْلَمُ قُوَّةَ دَلِيلِ الجَماعَةِ فالِاعْتِمادُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ العَبّاسِ دُونَهُ مِمّا تَضْحَكُ مِنهُ الثَّكْلى والأبْياتُ عَلى انْقِطاعِ أسانِيدِها لَيْسَ فِيها النُّطْقُ بِالشَّهادَتَيْنِ وهو مَدارُ فَلَكِ الإيمانِ، وشَدَّةُ الحُنُوِّ والنُّصْرَةُ مِمّا لا يُنْكِرُهُ أحَدٌ إلّا أنَّها بِمَعْزِلٍ عَمّا نَحْنُ فِيهِ، وأخْبارُ الشِّيعَةِ عَنْ أهْلِ البَيْتِ أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ، وإنَّهُ لَأوْهَنُ البُيُوتِ. نَعَمْ لا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ الخَوْضُ فِيهِ كالخَوْضِ في سائِرِ كُفّارِ قُرَيْشٍ مِن أبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِ

صفحة 34

فَإنَّ لَهُ مَزِيَّةً عَلَيْهِمْ بِما كانَ يَصْنَعُهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن مَحاسِنِ الأفْعالِ، وقَدْ رُوِيَ نَفْعُ ذَلِكَ لَهُ في الآخِرَةِ أفَلا يَنْفَعُهُ في الدُّنْيا في الكَفِّ عَنْهُ وعَدَمِ مُعامَلَتِهِ مُعامَلَةَ غَيْرِهِ مِنَ الكُفّارِ، فَعَنْأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «قالَ وقَدْ ذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ: لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفاعَتِي يَوْمَ القِيامَةِ فَيُجْعَلُ في ضِحْضاحٍ مِن نارٍ» . وجاءَ في رِوايَةٍ أنَّهُ «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّ عَمَّكَ أبا طالِبٍ كانَ يَحُوطُكَ ويَنْصُرُكَ فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ فَقالَ: نَعَمْ وجَدْتُهُ في غَمَراتِ النّارِ فَأخْرَجْتُهُ إلى ضِحْضاحٍ مِن نارٍ» وسَبُّهُ عِنْدِي مَذْمُومٌ جِدًّا لا سِيَّما إذا كانَ فِيهِ إيذاءٌ لِبَعْضِ العَلَوِيِّينَ إذْ قَدْ ورَدَ: «لا تُؤْذُوا الأحْياءَ بِسَبِّ الأمْواتِ» و«مِن حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ»

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمًا إلى المَقابِرِ فَجاءَ حَتّى جَلَسَ إلى قَبْرٍ مِنها فَناجاهُ طَوِيلًا ثُمَّ بَكى فَبَكَيْنا لِبُكائِهِ ثُمَّ قامَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ فَقامَ إلَيْهِ عُمَرُ فَدَعاهُ ثُمَّ دَعانا فَقالَ: ما أبْكاكُمْ؟ قُلْنا: بَكَيْنا لِبُكائِكَ قالَ: إنَّ القَبْرَ الَّذِي جَلَسْتُ عِنْدَهُ قَبْرُ آمِنَةَ وإنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي في زِيارَتِها فَأذِنَ لِي واسْتَأْذَنْتُهُ في الِاسْتِغْفارِ لَها فَلَمْ يَأْذَنْ لِي وأنْزَلَ عَلَيَّ ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ﴾ إلَخْ فَأخَذَنِي ما يَأْخُذُ الوَلَدَ لِلْوالِدَةِ مِنَ الرِّقَّةِ فَذاكَ الَّذِي أبْكانِي» ولا يَخْفى أنَّ الصَّحِيحَ في سَبَبِ النُّزُولِ هو الأوَّلُ. نَعَمْ خَبَرُ الِاسْتِئْذانِ في الِاسْتِغْفارِ لِأُمِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَدَمُ الإذْنِ جاءَ في رِوايَةٍ صَحِيحَةٍ لَكِنْ لَيْسَ فِيها أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أتى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكى وأبْكى مَن حَوْلَهُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أنْ أسْتَغْفِرَ لَها فَلَمْ يَأْذَنْ لِي واسْتَأْذَنْتُ أنْ أزُورَ قَبْرَها فَأذِنَ لِي، فَزُورُوا القُبُورَ فَإنَّها تُذَكِّرُكم بِالمَوْتِ». واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِهَذا الخَبَرِ ونَحْوِهِ عَلى أنَّ أُمَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمَّنْ لا يُسْتَغْفَرُ لَهُ وفي ذَلِكَ نِزاعٌ شَهِيرٌ بَيْنَ العُلَماءِ ولَعَلَّ النَّوْبَةَ تُفْضِي إلى تَحْقِيقِ الحَقِّ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском