Al-AlusiAt‑Tawbah · 9:117–118

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:117–118

9:117Page 205

لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ مِنۢ بَعۡدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٖ مِّنۡهُمۡ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّهُۥ بِهِمۡ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١١٧

Allāh has already forgiven the Prophet and the Muhājireen and the Anṣār who followed him in the hour of difficulty after the hearts of a party of them had almost inclined [to doubt], and then He forgave them. Indeed, He was to them Kind and Merciful.

﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ قالَ أصْحابُ المَعانِي المُرادُ ذِكْرُ التَّوْبَةِ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ إلّا أنَّهُ جِيءَ في ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَشْرِيفًا لَهم وتَعْظِيمًا لِقَدْرِهِمْ وهَذا كَما قالُوا في ذِكْرِهِ تَعالى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ إلَخْ أيْ عَفا سُبْحانَهُ عَنْ زَلّاتٍ سَبَقَتْ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ وقِيلَ: المُرادُ ذِكْرُ التَّوْبَةِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَلَيْهِمْ والذَّنَبُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن بابِ خِلافِ الأوْلى نَظَرًا إلى مَقامِهِ الجَلِيلِ وفُسِّرَ هُنا عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِالإذْنِ لِلْمُنافِقِينَ في التَّخَلُّفِ وبِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ حَقِيقِيًّا إذْ لا عِصْمَةَ عِنْدَنا لِغَيْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويُفَسَّرُ بِما فُسِّرَ أوَّلًا

وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِن بابِ خِلافِ الأوْلى بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّ ذَنْبَهم كانَ المَيْلَ إلى القُعُودِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ حَيْثُ وقَعَتْ في وقْتٍ شَدِيدٍ وقَدْ تُفَسَّرُ التَّوْبَةُ بِالبَراءَةِ عَنِ الذَّنْبِ والصَّوْنِ عَنْهُ مَجازًا حَيْثُ إنَّهُ لا مُؤاخَذَةَ

صفحة 40

فِي كُلٍّ، وظاهِرُ الإطْلاقِ الحَقِيقَةُ، وفي الآيَةِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّحْرِيضِ والبَعْثِ عَلى التَّوْبَةِ لِلنّاسِ كُلِّهِمُ ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ ولَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿فِي ساعَةِ العُسْرَةِ﴾ أيْ في وقْتِ الشِّدَّةِ والضِّيقِ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالسّاعَةِ لِزِيادَةِ تَعْيِينِهِ وكانَتْ تِلْكَ الشِّدَّةُ حالَهم في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَإنَّهم كانُوا في شِدَّةٍ مِنَ الظَّهْرِ يَعْتَقِبُ العَشَرَةُ عَلى بَعِيرٍ واحِدٍ وفي شِدَّةٍ مِنَ الزّادِ تَزَوَّدُوا التَّمْرَ المُدَوَّدَ والشَّعِيرَ المُسَوَّسَ والإهالَةَ الزَّنِخَةَ وبَلَغَتْ بِهِمُ الشِّدَّةُ أنْ قَسَمَ التَّمْرَةَ اثْنانِ ورُبَّما مَصَّها الجَماعَةُ لِيَشْرَبُوا عَلَيْها الماءَ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةُ وفي شِدَّةٍ مِنَ الماءِ حَتّى نَحَرُوا الإبِلَ واعْتَصَرُوا فُرُوثَها كَما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وفي شِدَّةِ زَمانٍ مِن حِمارَةِ القَيْظِ ومِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ ومِن هُنا قِيلَ لِتِلْكَ الغَزْوَةِ: غَزْوَةُ العُسْرَةِ ولِجَيْشِها جَيْشُ العُسْرَةِ

ووَصْفُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ بِالِاتِّباعِ في هَذِهِ السّاعَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم حَرِيُّونَ بِأنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ وفِيهِ أيْضًا تَأْكِيدٌ لِأمْرِ التَّحْرِيضِ السّابِقِ ﴿مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ﴾ بَيانٌ لِتَناهِي الشِّدَّةِ وبُلُوغِها الغايَةَ القُصْوى وهو إشْرافُ بَعْضِهِمْ إلى أنْ يَمِيلُوا إلى التَّخَلُّفِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقِيلَ: هو إشْرافُ بَعْضِهِمْ إلى أنْ يَمِيلُوا عَنِ الثَّباتِ عَلى الإيمانِ وحُمِلَ ذَلِكَ عَلى مُجَرَّدِ الهَمِّ والوَسْوَسَةِ وقِيلَ: كانَ مَيْلًا مِن ضُعَفائِهِمْ وحَدِيثِي عَهْدِهِمْ بِالإسْلامِ وفي كادَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ و﴿قُلُوبُ﴾ فاعِلُ ﴿يَزِيغُ﴾ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لَكادَ ولا تَحْتاجُ إلى رابِطٍ لِكَوْنِها خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ وهو المَنقُولُ عَنْ سِيبَوَيْهِ وإضْمارُ الشَّأْنِ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الرَّضِيِّ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ في أفْعالِ المُقارَبَةِ إلّا في كادَ وفي النّاقِصَةِ إلّا في كانَ ولَيْسَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْمُ كادَ ضَمِيرَ القَوْمِ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ أيْضًا، والرّابِطُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في ﴿مِنهُمْ﴾ وهَذا عَلى قِراءَةِ ﴿يَزِيغُ﴾ بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ وحَفْصٍ والأعْمَشِ وأمّا عَلى قِراءَةِ (تَزِيغُ) التّاءِ الفَوْقانِيَّةِ وهي قِراءَةُ الباقِينَ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ﴿قُلُوبُ﴾ اسْمَ كادَ و(تَزِيغُ) خَبَرَها وفِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اسْمِها ولا يَصِحُّ هَذا عَلى القِراءَةِ الأُولى لِتَذْكِيرِ ضَمِيرِ ﴿يَزِيغُ﴾ وتَأْنِيثِ ما يَعُودُ إلَيْهِ وقَدْ ذَكَرَ هَذا الوَجْهَ مُنْتَخَبُ الدِّينِ الهَمْدانِيُّ وأبُو طالِبٍ المَكِّيُّ وغَيْرُهُما وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّ في جَعْلِ القُلُوبِ اسْمَ كادَ خِلافُ وضْعِهِ مِن وُجُوبِ تَقْدِيمِ اسْمِهِ عَلى خَبَرِهِ كَما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ابْنُ الحاجِبِ في شَرْحِ المُفَصَّلِ وفي البَحْرِ أنَّ تَقْدِيمَ خَبَرِ كادَ عَلى اسْمِها مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ تَرْكِيبِ كانَ يَقُومُ زَيْدٌ وفِيهِ خِلافٌ والأصَحُّ المَنعُ وأجابَ بَعْضُ فُضَلاءِ الرُّومِ بِأنَّ أبا عَلِيٍّ جَوَّزَ ذَلِكَ وكَفى بِهِ حُجَّةً وبِأنَّ عَلَيْهِ كَلامُ ابْنِ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ وكَذا كَلامُ شُرّاحِهِ ومِنهم أبُو حَيّانَ وجَرى عَلَيْهِ في ارْتِشافِهِ أيْضًا ولا يَعْبَأُ بِمُخالَفَتِهِ في البَحْرِ إذْ مَبْنى ذَلِكَ القِياسُ عَلى بابِ كانَ وهو لا يُصادِمُ النَّصَّ عَنْ أبِي عَلِيٍّ، عَلى أنَّ في كَوْنِ أبِي حَيّانَ مِن أهْلِ القِياسِ مَنعًا ظاهِرًا فالحَقُّ الجَوازُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اسْمُ كادَ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى جَمْعِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ أيْ مِن بَعْدِ ما كادَ الجَمْعُ، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ القَوْمُ أيْ مِن بَعْدِ ما كادَ القَوْمُ وضَعُفَ بِأنَّهُ أُضْمِرَ في كادَ ضَمِيرٌ لا يَعُودُ إلّا عَلى مُتَوَهِّمٍ، وبِأنَّ خَبَرَها يَكُونُ قَدْ رُفِعَ سَبَبِيًّا، وقَدْ قالُوا: إنَّهُ لا يَرْفَعُ إلّا ضَمِيرًا عائِدًا عَلى اسْمِها وكَذا خَبَرُ سائِرِ أخَواتِها ما عَدا عَسى في رَأْيٍ، ولا يَخْفى وُرُودُ هَذا أيْضًا عَلى تَوْجِيهَيِ القِراءَةِ الأُولى لَكِنَّ الأمْرَ عَلى التَّوْجِيهِ الأوَّلِ سَهْلٌ وجَوَّزَ الرَّضِيُّ تَخْرِيجَ الآيَةِ عَلى التَّنازُعِ وهو ظاهِرٌ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ ويَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ إعْمالُ الأوَّلِ إذْ لَوْ أُعْمِلَ الثّانِي لَوَجَبَ أنْ يُقالَ في الأوَّلِ (كادَتْ) كَما قَرَأ بِهِ أُبَيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ

صفحة 41

ولا يَجُوزُ كادَ إلّا عِنْدَ الكِسائِيِّ فَإنَّهُ يَحْذِفُ الفاعِلَ وكَأنَّ الرَّضِيَّ لَمْ يُبالِ بِما لَزِمَ عَلى هَذا التَّخْرِيجِ مِن تَقْدِيمِ خَبَرِ كادَ عَلى اسْمِهِ لِما عَرَفْتَ مِن أنَّهُ لَيْسَ بِمَحْذُورٍ عَلى ما هو الحَقُّ وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنْ ﴿كادَ﴾ زائِدَةٌ ومَعْناها مُرادٌ كَكانَ ولا عَمَلَ لَها في اسْمٍ ولا خَبَرٍ لِيَخْلُصَ مِنَ القِيلِ والقالِ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ (مِن بَعْدِ ما زاغَتْ) بِإسْقاطِ كادَ وقَدْ ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى زِيادَتِها في نَحْوِ لَمْ يَكَدْ مَعَ أنَّها عامِلَةٌ مَعْمُولَةٌ فَهَذا أوْلى

وقَرَأ الأعْمَشُ (تُزِيغُ) بِضَمِّ التّاءِ وجَعَلُوا الضَّمِيرَ عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِلْمُتَخَلِّفِينَ سَواءٌ كانُوا مِنَ المُنافِقِينَ أمْ لا كَأبِي لُبابَةَ ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ بِناءً عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم والتَّأْكِيدُ يَجُوزُ عَطْفُهُ بِثُمَّ كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ وإنْ كانَ كَلامُ أهْلِ المَعانِي يُخالِفُهُ ظاهِرًا وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَوْبَتَهُ سُبْحانَهُ في مُقابَلَةِ ما قاسُوهُ مِنَ الشَّدائِدِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْلِيقُ بِالمَوْصُولِ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْفَرِيقِ والمُرادُ أنَّهُ تابَ عَلَيْهِمْ لِكَيْدُودَتِهِمْ وقُرْبِهِمْ مِنَ الزَّيْغِ لِأنَّهُ جُرْمٌ مُحْتاجٌ إلى التَّوْبَةِ عَلَيْهِ فَلا تَكْرارَ لِما سَبَقَ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ 117﴾ اسْتِئْنافٌ تَعْلِيلِيٌّ فَإنَّ صِفَةَ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ مِن دَواعِي التَّوْبَةِ والعَفْوِ وجُوِّزَ كَوْنُ الأوَّلِ عِبارَةً عَنِ ازالَةِ الضَّرَرِ والثّانِي عَنْ إيصالِ النَّفْعِ وأنْ يَكُونَ أحَدُهُما لِلسَّوابِقِ والآخَرُ لِلَّواحِقِ

9:118Page 206

وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١١٨

And [He also forgave] the three who were left alone [i.e., boycotted, regretting their error] to the point that the earth closed in on them in spite of its vastness1 and their souls confined [i.e., anguished] them and they were certain that there is no refuge from Allāh except in Him. Then He turned to them so they could repent. Indeed, Allāh is the Accepting of Repentance,2 the Merciful.

﴿وعَلى الثَّلاثَةِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿النَّبِيِّ﴾ وقِيلَ: إنَّ ﴿تابَ﴾ مُقَدَّرٌ في نَظْمِ الكَلامِ لِتَغايُرِ هَذِهِ التَّوْبَةِ والتَّوْبَةِ السّابِقَةِ وفِيهِ نَظَرٌ أيْ وتابَ عَلى الثَّلاثَةِ ﴿الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ أيْ خَلُفَ أمْرُهم وأُخِّرَ عَنْ أمْرِ أبِي لُبابَةَ وأصْحابِهِ حَيْثُ لَمْ يَقْبَلْ مِنهم مَعْذِرَةً مِثْلَ أُولَئِكَ ولا رُدَّتْ ولَمْ يَقْطَعْ في شَأْنِهِمْ بِشَيْءٍ إلى أنْ نَزَلَ الوَحْيُ بِهِمْ فالإسْنادُ إلَيْهِمْ إمّا مَجازًا أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ في النَّظْمِ الجَلِيلِ وقَدْ يُفَسَّرُ المُتَعَدِّي بِاللّازِمِ أيِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ وهم كَعْبُ بْنُ مالِكٍ مِن بَنِي سَلِمَةَ وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ مِن بَنِي واقِفٍ ومُرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ويُقالُ فِيهِ: ابْنُ رَبِيعَةَ وفي مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ وصْفُهُ بِالعامِرِيِّ وصَوَّبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ العُمَرِيُّ بَدَلَهُ

وقَرَأ عِكْرِمَةُ ورَزِينُ بْنُ حُبَيْشٍ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ (خَلَفُوا) بِفَتْحِ الخاءِ واللّامِ خَفِيفَةً أيْ خَلَفُوا الغازِينَ بِالمَدِينَةِ أوْ فَسَدُوا مِنَ الخالِفَةِ وخُلُوفِ الفَمِ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ ومُحَمَّدٌ الباقِرُ وجَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ (خالَفُوا) وقَرَأ الأعْمَشُ: (وعَلى المُخَلَّفِينَ) وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ﴾ أنَّهُ غايَةٌ لِلتَّخْلِيفِ بِمَعْنى تَأْخِيرِ الأمْرِ أيْ أُخِّرَ أمْرُهم إلى أنْ ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ ﴿بِما رَحُبَتْ﴾ أيْ بِرَحَبِها وسِعَتِها لِإعْراضِ النّاسِ عَنْهم وعَدَمِ مُجالَسَتِهِمْ ومُحادَثَتِهِمْ لَهم لِأمْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهم بِذَلِكَ وهو مَثَلٌ لِشِدَّةِ الحَيْرَةِ والمُرادُ أنَّهم لَمْ يَقَرُّوا في الدُّنْيا مَعَ سِعَتِها وهو كَما قِيلَ:

كَأنَّ بِلادَ اللَّهِ وهي فَسِيحَةٌ عَلى الخائِفِ المَطْلُوبِ كِفَّةُ حابِلِ

﴿وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ قُلُوبُهم وعَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ مَجازًا لِأنَّ قِيامَ الذَّواتِ بِها ومَعْنى ضِيقِها غَمُّها وحُزْنُها كَأنَّها لا تَسَعُ السُّرُورَ لِضِيقِها وفي هَذا تَرَقٍّ مِن ضِيقِ الأرْضِ عَلَيْهِمْ إلى ضِيقِهِمْ في أنْفُسِهِمْ

صفحة 42

وهُوَ في غايَةِ البَلاغَةِ ﴿وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلا إلَيْهِ﴾ أيْ عَلِمُوا أنْ لا مَلْجَأ مِن سَخَطِهِ إلّا إلى اسْتِغْفارِهِ والتَّوْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وحَمْلُ الظَّنِّ عَلى العِلْمِ لِأنَّهُ المُناسِبُ لَهم ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ وفَّقَهم لِلتَّوْبَةِ ﴿لِيَتُوبُوا﴾ أوْ أنْزَلَ قَبُولَ تَوْبَتِهِمْ في القُرْآنِ وأعْلَمَهم بِها لِيَعُدُّهُمُ المُؤْمِنُونَ في جُمْلَةِ التّائِبِينَ أوْ رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِالقَبُولِ والرَّحْمَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى لِيَسْتَقِيمُوا عَلى التَّوْبَةِ ويَسْتَمِرُّوا عَلَيْها وقِيلَ: التَّوْبَةُ لَيْسَتْ هي المَقْبُولَةَ والمَعْنى قِبَلَ تَوْبَتَهم مِنَ التَّخَلُّفِ لِيَتُوبُوا في المُسْتَقْبَلِ إذْ صَدَرَتْ مِنهم هَفْوَةٌ ولا يَقْنَطُوا مِن كَرَمِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ﴾ المُبالِغُ في قَبُولِ التَّوْبَةِ لِمَن تابَ ولَوْ عادَ في اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ ﴿الرَّحِيمِ 118﴾ المُتَفَضِّلُ عَلَيْهِمْ بِفُنُونِ الآلاءِ مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ لِأفانِينِ العِقابِ

أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ وكانَ قائِدَ كَعْبٍ مِن بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ قالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مالِكٍ يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في غَزاةِ تَبُوكَ «قالَ كَعْبٌ: لَمْ أتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في غَزاةٍ غَزاها قَطُّ إلّا في غَزْوَةِ تَبُوكَ غَيْرَ أنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ في غَزاةِ بَدْرٍ ولَمْ يُعاقِبْ أحَدًا تَخَلَّفَ عَنْها إنَّما خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ حَتّى جَمَعَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلى غَيْرِ مِيعادٍ ولَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ حِينَ تَواثَقْنا عَلى الإسْلامِ وما أُحِبُّ أنَّ لِي بِها مَشْهَدَ بَدْرٍ وإنْ كانَتْ بَدْرٌ أذْكَرَ في النّاسِ مِنها وأشْهَرَ وكانَ مِن خَبَرِي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ أنِّي لَمْ أكُنْ قَطُّ أقْوى ولا أيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ في تِلْكَ الغَزاةِ، واللَّهِ ما جَمَعْتُ قَبْلَها راحِلَتَيْنِ قَطُّ حَتّى جَمَعْتُهُما في تِلْكَ الغَزاةِ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَلَّما يُرِيدُ غَزاةً إلّا ورّى بِغَيْرِها حَتّى كانَتْ تِلْكَ الغَزْوَةُ فَغَزاها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في حَرٍّ شَدِيدٍ واسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا ومَفاوِزَ واسْتَقْبَلَ عَدُوًّا كَثِيرًا فَجَلّى لِلْمُسْلِمِينَ أمْرَهم لِيَتَأهَّبُوا أُهْبَةَ عَدُوِّهِمْ وأخْبَرَهم بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ والمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَثِيرٌ لا يَجْمَعُهم كِتابٌ حافِظٌ يُرِيدُ الدِّيوانَ قالَ كَعْبٌ: فَقَلَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَتَغَيَّبَ إلّا ظَنَّ أنَّ ذَلِكَ سَيَخْفى لَهُ ما لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وغَزا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تِلْكَ الغَزاةَ حِينَ طابَتِ الثِّمارُ والظِّلُّ وأنا إلَيْها أصْغَرُهم فَتَجَهَّزَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنُونَ مَعَهُ وطَفِقْتُ أغْدُو لِكَيْ أتَجَهَّزَ مَعَهم فَأرْجِعَ ولا أقْضِيَ شَيْئًا فَأقُولُ لِنَفْسِي: أنا قادِرٌ عَلى ذَلِكَ إذا أرَدْتُ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمادى بِي حَتّى اسْتَمَرَّ بِالنّاسِ الجِدُّ فَأصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غادِيًا والمُسْلِمُونَ مَعَهُ ولَمْ أقْضِ مِن جَهازِي شَيْئًا وقُلْتُ: أتَجَهَّزُ بَعْدَ يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ ألْحَقُهُ فَغَدَوْتُ يَوْمَ ما فَصَلُوا لِأتَجَهَّزَ فَرَجَعْتُ ولَمْ أقْضِ مِن جَهازِي شَيْئًا ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ ولَمْ أقْضِ شَيْئًا فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمادى بِي حَتّى انْتَهَوْا وتَفارَطَ الغَزْوُ فَهَمَمْتُ أنْ أرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهم ولَيْتَ أنِّي فَعَلْتُ ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذَلِكَ لِي وطَفِقْتُ إذا خَرَجْتُ في النّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُحْزِنُنِي أنْ لا أرى إلّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ في النِّفاقِ أوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَهُ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى بَلَغَ تَبُوكَ فَقالَ وهو جالِسٌ في القَوْمِ بِتَبُوكَ: ما فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ؟ قالَ رَجُلٌ

صفحة 43

مِن بَنِي سَلِمَةَ: حَبَسَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ بُرْداهُ والنَّظَرُ في عِطْفَيْهِ. فَقالَ لَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَما قُلْتَ واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ إلّا خَيْرًا. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَلَمّا بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ تَوَجَّهَ قافِلًا مِن تَبُوكَ حَضَرَنِي شَيْءٌ فَطَفِقْتُ أتَفَكَّرُ الكَذِبَ وأقُولُ: بِماذا أخْرُجَ مِن سَخَطِهِ غَدًا أسْتَعِينُ عَلى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِن أهْلِي فَلَمّا قِيلَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ أظَلُّ قادِمًا زاحَ عَنِّي الباطِلُ وعَرَفْتُ أنِّي لَمْ أنْجُ مِنهُ بِشَيْءٍ أبَدًا فَأجْمَعْتُ صِدْقَهُ فَأصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قادِمًا وكانَ إذا قَدِمَ مِن سَفَرٍ بَدَأ بِالمَسْجِدِ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنّاسِ فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ جاءَ المُتَخَلِّفُونَ فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ ويَحْلِفُونَ لَهُ وكانُوا بِضْعَةً وثَمانِينَ رَجُلًا فَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلانِيَتَهم واسْتَغْفَرَ لَهم ووَكَلَ سَرائِرَهم إلى اللَّهِ حَتّى جِئْتُ فَلَمّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضِبِ ثُمَّ قالَ لِي: تَعالَ فَجِئْتُ أمْشِي حَتّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَ لِي: ما خَلَّفَكَ ألَمْ تَكُنْ قَدِ اشْتَرَيْتَ ظَهْرَكَ؟ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِن أهْلِ الدُّنْيا لَرَأيْتُ أنْ أخْرُجَ مِن سَخَطِهِ بِعُذْرٍ لَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا ولَكِنْ واللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليَوْمَ بِحَدِيثٍ كَذِبٍ تَرْضى عَنِّي بِهِ لِيُوشِكَنَّ اللَّهُ تَعالى بِسَخَطِكَ عَلَيَّ ولَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فَيْهِ أنِّي لَأرْجُوَ فِيهِ عُقْبى مِنَ اللَّهِ تَعالى، واللَّهِ ما كانَ لِي عُذْرٌ واللَّهِ ما كُنْتُ قَطُّ أفْرَغَ ولا أيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أمّا هَذا فَقَدْ صَدَقَ فَقُمْ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ تَعالى فِيكَ. فَقُمْتُ وبادَرَنِي رِجالٌ مِن بَنِي سَلِمَةَ واتَّبَعُونِي فَقالُوا لِي: واللَّهِ ما عَلِمْناكَ كُنْتَ أذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذا ولَقَدْ عَجَزْتَ أنْ لا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما اعْتَذَرَ بِهِ المُتَخَلِّفُونَ ولَقَدْ كانَ كافِيَكَ مِن ذَنْبِكَ اسْتِغْفارُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟ قالَ: فَوَ اللَّهِ ما زالُوا يُرايِبُونِي حَتّى أرَدْتُ أنْ أرْجِعَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي ثُمَّ قُلْتُ: هَلْ لَقِيَ هَذا مَعِي أحَدٌ؟ قالُوا: نَعَمْ لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلانِ قالا ما قُلْتَ وقِيلَ لَهُما مِثْلَ ما قِيلَ لَكَ. فَقُلْتُ: مَن هُما؟ قالُوا: مُرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ. فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صالِحَيْنِ قَدْ شَهِدا بَدْرًا لِي فِيهِما أُسْوَةٌ فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُما لِي قالَ: ونَهى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ كَلامِنا أيُّها الثَّلاثَةُ مِن بَيْنِ مَن تَخَلَّفَ عَنْهُ فاجْتَنَبَنا النّاسُ وتَغَيَّرَ لَنا حَتّى تَنَكَّرَتْ لِي في نَفْسِي الأرْضُ فَما هي بِالأرْضِ الَّتِي كُنْتُ أعْرِفُ فَلَبِثْنا عَلى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً فَأمّا صاحِبايَ فاسْتَكانا وقَعَدا في بُيُوتِهِما وأمّا أنا فَكُنْتُ أشَدَّ القَوْمِ وأجْلَدَهم فَكُنْتُ أشْهَدُ الصَّلاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ وأطُوفُ بِالأسْواقِ فَلا يُكَلِّمُنِي أحَدٌ وآتِي رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو في مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاةِ فَأُسَلِّمُ وأقُولُ في نَفْسِي هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلامِ أمْ لا ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنهُ وأُسارِقُهُ النَّظَرَ فَإذا أقْبَلْتُ عَلى صَلاتِي أقْبَلَ إلَيَّ فَإذا التَفَتُّ نَحْوَهُ أعْرَضَ حَتّى إذا طالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِن هَجْرِ المُسْلِمِينَ مَشَيْتُ حَتّى تَسَوَّرْتُ حائِطَ أبِي قَتادَةَ وهو ابْنُ عَمِّي وأحَبُّ النّاسِ إلَيَّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَواللَّهِ ما رَدَّ السَّلامَ عَلَيَّ فَقُلْتُ لَهُ: أبا قَتادَةَ أنْشُدُكَ اللَّهَ تَعالى هَلْ تَعْلَمُ أنِّي أُحِبُّ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. قالَ: فَسَكَتَ فَعُدْتُ فَنَشَدْتُهُ فَسَكَتَ فَعُدْتُ فَنَشَدْتُهُ فَقالَ: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ فَفاضَتْ عَيْنايَ وتَوَلَّيْتُ حَتّى تَسَوَّرْتُ الجِدارَ فَبَيْنا أنا أمْشِي بِسُوقِ المَدِينَةِ إذا نَبَطِيٌّ مِن أنْباطِ الشّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بِطَعامٍ يَبِيعُهُ بِالمَدِينَةِ يَقُولُ: مَن يَدُلُّ عَلى كَعْبِ بْنِ مالِكٍ؟ فَطَفِقَ النّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إلَيَّ حَتّى جاءَ فَدَفَعَ إلَيَّ كِتابًا مِن مَلِكِ غَسّانَ وكُنْتُ كاتِبًا فَإذا فِيهِ: أمّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنا أنَّ صاحِبَكَ قَدْ جَفاكَ ولَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ تَعالى بِدارِ هَوانٍ ولا مَضْيَعَةٍ فالحَقْ بِنا نُواسِيكَ. فَقُلْتُ حِينَ قَرَأْتُها: وهَذِهِ أيْضًا مِنَ البَلاءِ فَتَيَمَّمْتُ بِها التَّنُّورَ

صفحة 44

فَسَجَرْتُهُ فِيها حَتّى إذا مَضَتْ أرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الخَمْسِينَ إذا بِرَسُولِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَأْتِينِي فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَأْمُرُكَ أنْ تَعْتَزِلَ امْرَأتَكَ. قُلْتُ: أُطَلِّقُها أمْ ماذا أفْعَلُ؟ قالَ: بَلِ اعْتَزِلْها ولا تَقْرَبْها وأرْسَلَ إلى صاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ فَقُلْتُ لِامْرَأتِي: الحَقِي بِأهْلِكِ لِتَكُونِي عِنْدَهم حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ تَعالى في هَذا الأمْرِ فَجاءَتِ امْرَأةُ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هِلالًا شَيْخٌ ضائِعٌ ولَيْسَ لَهُ خادِمٌ فَهَلْ تَكْرَهُ أنْ أخْدُمَهُ؟ فَقالَ: لا ولَكِنْ لا يَقْرَبَنَّكِ. قالَتْ: وإنَّهُ واللَّهِ ما بِهِ حَرَكَةٌ إلى شَيْءٍ واللَّهِ ما زالَ يَبْكِي مِن لَدُنْ أنْ كانَ مِن أمْرِهِ ما كانَ إلى يَوْمِهِ هَذا فَقالَ لِي بَعْضُ أهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في امْرَأتِكَ فَقَدْ أذِنَ لِامْرَأةِ هِلالٍ أنْ تَخْدُمَهُ. فَقُلْتُ: واللَّهِ لا أسْتَأْذِنُ فِيها رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وما أدْرِي ماذا يَقُولُ إذا اسْتَأْذَنْتُهُ وأنا رَجُلٌ شابٌّ قالَ: فَلَبِثْتُ عَشْرَ لَيالٍ فَكَمُلَ لَنا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِن حِينِ نَهى عَنْ كَلامِنا ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلاةَ الفَجْرِ صَباحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلى ظَهْرِ بَيْتٍ مِن بُيُوتِنا فَبَيْنا أنا جالِسٌ عَلى الحالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى عَنّا قَدْ ضاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي وضاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ سَمِعْتُ صارِخًا أوْفى عَلى جَبَلِ سَلْعٍ يَقُولُ بِأعْلى صَوْتِهِ: يا كَعْبُ بْنَ مالِكٍ أبْشِرْ فَخَرَرْتُ ساجِدًا وعَرَفْتُ أنْ قَدْ جاءَ فَرَجٌ فَآذَنُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا حِينَ صَلّى الفَجْرَ فَذَهَبَ النّاسُ يُبَشِّرُونَنا وذَهَبَ قِبَلَ صاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ ورَكَضَ إلى رَجُلٍ فَرَسًا وسَعى ساعٍ مِن أسْلَمَ وأوْفى عَلى الجَبَلِ فَكانَ الصَّوْتُ أسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ فَلَمّا جاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبِي وكَسَوْتُهُما إيّاهُ بِبِشارَتِهِ واللَّهِ ما أمْلِكُ غَيْرَهُما يَوْمَئِذٍ فاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُما فانْطَلَقْتُ أؤُمُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَتَلَقّانِي النّاسُ فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ يُهَنِّئُونَنِي بِالتَّوْبَةِ يَقُولُونَ: لِيَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ حَتّى دَخَلْتُ المَسْجِدَ فَإذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ في المَسْجِدِ حَوْلَهُ النّاسُ فَقامَ إلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتّى صافَحَنِي وهَنَّأنِي واللَّهِ ما قامَ إلَيَّ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ غَيْرُهُ قالَ: فَكانَ كَعْبٌ لا يَنْساها لِطَلْحَةَ قالَ كَعْبٌ: فَلَمّا سَلَّمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ وهو يَبْرُقُ وجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ: أبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ ولَدَتْكَ أُمُّكَ. قُلْتُ: أمِن عِنْدِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ أمْ مِن عِنْدِ اللَّهِ؟ قالَ: لا بَلْ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا سُرَّ اسْتَنارَ وجْهُهُ حَتّى كَأنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ فَلَمّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ مِن تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِن مالِي صَدَقَةً إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. قالَ: أمْسِكْ بَعْضَ مالِكَ فَهو خَيْرٌ لَكَ. قُلْتُ: إنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ. وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما نَجّانِي اللَّهُ تَعالى بِالصِّدْقِ وإنَّ مِن تَوْبَتِي أنْ لا أُحَدِّثَ إلّا صِدْقًا ما بَقِيتُ، فَواللَّهِ ما أعْلَمُ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ أبْلاهُ اللَّهُ تَعالى في الصِّدْقِ بِالحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أحْسَنَ مِمّا أبَلّانِي اللَّهُ تَعالى، واللَّهِ ما تَعَمَّدْتُ كَذِبَةً مُنْذُ قُلْتُ ذَلِكَ إلى يَوْمِي هَذا وإنِّي لِأرْجُوَ أنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ تَعالى فِيما بَقِيَ قالَ: وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿لَقَدْ تابَ﴾ الآيَةَ فَواللَّهِ ما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيَّ مِن نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أنْ هَدانِي اللَّهُ سُبْحانَهُ لِلْإسْلامِ أعْظَمَ في نَفْسِي مِن صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمَئِذٍ أنْ لا أكُونَ كَذَبْتُهُ فَأهْلِكَ كَما هَلَكَ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِلَّذِينِ كَذَّبُوهُ حِينَ نَزَلَ الوَحْيُ شَرَّ ما قالَ لِأحَدٍ فَقالَ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الفاسِقِينَ﴾»

وجاءَ في رِوايَةٍ «عَنْ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ كَلامِي وكَلامِ صاحِبَيَّ فَلَبِثْتُ كَذَلِكَ حَتّى طالَ عَلَيَّ الأمْرُ وما مِن شَيْءٍ أهَمَّ إلَيَّ مِن أنْ أمُوتَ فَلا يُصَلِّيَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى

صفحة 45

اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ يَمُوتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأكُونَ مِنَ النّاسِ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ فَلا يُكَلِّمُنِي أحَدٌ مِنهم ولا يُصَلِّي عَلَيَّ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَوْبَتَنا عَلى نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الأخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ وكانَتْ مُحْسِنَةً في شَأْنِي مُعِينَةً في أمْرِي فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: يا أُمَّ سَلَمَةَ تِيبَ عَلى كَعْبِ بْنِ مالِكٍ. قالَتْ: أفَلا أُرْسِلُ إلَيْهِ أُبَشِّرُهُ؟ قالَ: إذًا تُحَطِّمُكُمُ النّاسُ فَيَمْنَعُونَكُمُ النَّوْمَ سائِرَ اللَّيْلِ حَتّى إذا صَلّى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَلاةَ الفَجْرَ آذَنَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا»

هَذا وفي وصْفِهِ سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ بِما وصَفَهم بِهِ دَلالَةٌ وأيَّةُ دَلالَةٍ عَلى قُوَّةِ إيمانِهِمْ وصِدْقِ تَوْبَتِهِمْ وعَنْ أبِي بَكْرٍ الوَرّاقِ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ فَقالَ: أنْ تَضِيقَ عَلى التّائِبِ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وتَضِيقَ عَلَيْهِ نَفْسُهُ كَتَوْبَةِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ وصاحِبَيْهِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском