Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:119–125
9:119Page 206
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩
O you who have believed, fear Allāh and be with those who are true.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيما لا يَرْضاهُ ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ 119﴾ أيْ مِثْلَهم في صِدْقِهِمْ: وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ (وكُونُوا مِنَ الصّادِقِينَ) وكَذا رَوى البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ كَذَلِكَ والخِطابُ قِيلَ: لِمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَيَكُونُ المُرادُ بِالصّادِقِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا في إيمانِهِمْ ومُعاهَدَتِهِمُ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى الطّاعَةِ: وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عامًّا لَهم ولِغَيْرِهِمْ فَيَكُونُ المُرادُ بِالصّادِقِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا في الدِّينِ نِيَّةً وقَوْلًا وعَمَلًا وأنْ يَكُونَ خاصًّا بِمَن تَخَلَّفَ ورَبَطَ نَفْسَهُ بِالسَّوارِي فالمُناسِبُ أنْ يُرادَ بِالصّادِقِينَ الثَّلاثَةُ أيْ كُونُوا مِثْلَهم في الصِّدْقِ وخُلُوصِ النِّيَّةِ
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ نافِعٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا والمُرادُ بِالصّادِقِينَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابُهُ وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عُمَرَ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ المُرادَ كُونُوا مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وآخَرُونَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: أُمِرُوا أنْ يَكُونُوا مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وأصْحابِهِما وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ أنَّ المُرادَ كُونُوا مَعَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وبِهَذا اسْتَدَلَّ بَعْضُ الشِّيعَةِ عَلى أحَقِّيَّتِهِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بِالخِلافَةِ، وفَسادُهُ عَلى فَرْضِ صِحَّةِ الرِّوايَةِ ظاهِرٌ وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِالثَّلاثَةِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْخِطابِ والظّاهِرُ عُمُومُ الخِطابِ ويَنْدَرِجُ فِيهِ التّائِبُونَ انْدِراجًا أوَّلِيًّا وكَذا عُمُومُ مَفْعُولِ ﴿اتَّقُوا﴾ ويَدْخُلُ فِيهِ المُعامَلَةُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أمْرِ المَغازِي دُخُولًا أوَّلِيًّا أيْضًا وكَذا عُمُومُ ﴿الصّادِقِينَ﴾ ويُرادُ بِهِمْ ما تَقَدَّمَ عَلى احْتِمالِ عُمُومِ الخِطابِ
وفِي الآيَةِ ما لا يَخْفى مِن مَدْحِ الصِّدْقِ واسْتُدِلَّ بِها كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ مَن لَمْ يُبِحِ الكَذِبَ في مَوْضِعٍ مِنَ المَواضِعِ لا تَصْرِيحًا ولا تَعْرِيضًا وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: لا يَصْلُحُ الكَذِبُ في جِدٍّ ولا هَزْلٍ ولا أنْ يَعِدَ أحَدُكم صِبْيَتَهُ شَيْئًا ثُمَّ لا يُنْجِزُهُ وتَلا الآيَةَ والأحادِيثَ في ذَمِّهِ أكْثَرَ مِن أنْ تُحْصى والحَقُّ إباحَتُهُ في مَواضِعَ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «كُلُّ الكَذِبِ يُكْتَبُ عَلى ابْنِ آدَمَ إلّا رَجُلٌ كَذَبَ في خَدِيعَةِ حَرْبٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ أوْ رَجُلٍ يُحَدِّثُ امْرَأتَهُ لِيُرْضِيَها» وكَذا إباحَةُ المَعارِيضِ. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «إنَّ في المَعارِيضِ لَمَندُوحَةً عَنِ الكَذِبِ» .
9:120Page 206
مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرۡغَبُواْ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِۦۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ لَا يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ وَلَا نَصَبٞ وَلَا مَخۡمَصَةٞ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوۡطِئٗا يَغِيظُ ٱلۡكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ عَدُوّٖ نَّيۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٢٠
It was not [proper] for the people of Madīnah and those surrounding them of the bedouins that they remain behind after [the departure of] the Messenger of Allāh or that they prefer themselves over his self.1 That is because they are not afflicted by thirst or fatigue or hunger in the cause of Allāh, nor do they tread on any ground that enrages the disbelievers, nor do they inflict upon an enemy any infliction but that it is registered for them as a righteous deed. Indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of the doers of good.
﴿ما كانَ﴾ أيْ ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ ﴿لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ﴾ كَمُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ
صفحة 46
وأشْجَعَ وغِفارٍ وأسْلَمَ وأضْرابِهِمْ ﴿أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ عِنْدَ تَوَجُّهِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الغَزْوِ ﴿ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيْ لا يَصْرِفُوها عَنْ نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ ولا يَصُونُوها عَمّا لَمْ يَصُنْها عَنْهُ بَلْ يُكابِدُونَ ما يُكابِدُهُ مِنَ الشَّدائِدِ وأصْلُهُ لا يَتَرَفَّعُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ بِأنْ يَكْرَهُوا لِأنْفُسِهِمُ المَكارِهَ ولا يَكْرَهُوها لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلْ عَلَيْهِمْ أنْ يَعْكِسُوا القَضِيَّةَ وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ الواحِدِيِّ حَيْثُ قالَ: يُقالُ رَغِبْتُ بِنَفْسِي عَنْ هَذا الأمْرِ أيْ تَرَفَّعْتُ عَنْهُ وفي النِّهايَةِ يُقالُ: رَغِبْتُ بِفُلانٍ عَنْ هَذا الأمْرِ أيْ كَرِهْتُ لَهُ ذَلِكَ
وجُوِّزَ في ﴿يَرْغَبُوا﴾ النَّصْبُ بِعَطْفِهِ عَلى ﴿يَتَخَلَّفُوا﴾ المَنصُوبِ بِأنْ وإعادَةُ (لا) لِتَذْكِيرِ النَّفْيِ وتَأْكِيدِهِ وهو الظّاهِرُ والجَزْمُ عَلى النَّهْيِ وهو المُرادُ مِنَ الكَلامِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ النَّفْيِ لِلْمُبالَغَةِ وخَصَّ أهْلَ المَدِينَةِ بِالذِّكْرِ لِقُرْبِهِمْ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعِلْمِهِمْ بِخُرُوجِهِ، وظاهِرُ الآيَةِ وُجُوبُ النَّفِيرِ إذا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى الغَزْوِ بِنَفْسِهِ
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ اسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ الجِهادَ كانَ فَرْضَ عَيْنٍ في عَهْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبِهِ قالَ ابْنُ بَطّالٍ: وعَلَّلَهُ بِأنَّهم بايَعُوهُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلا يَجِبُ النَّفِيرُ مَعَ أحَدٍ مِنَ الخُلَفاءِ ما لَمْ يَلُمِ العَدُوَّ ولَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهُ بِدُونِهِ وقَدَّرَ بَعْضُهم في الآيَةِ مُضافًا إلى رَسُولِ اللَّهِ أيْ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ وعَلَيْهِ يَكُونُ الحُكْمُ عامًّا وفِيهِ بَحْثٌ
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ حُكْمَ الآيَةِ حِينَ كانَ الإسْلامُ قَلِيلًا فَلَمّا كَثُرَ وفَشا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الإسْلامَ كانَ فاشِيًا عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، ولا يَخْفى ما في الآيَةِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالمُتَخَلِّفِينَ رَغْبَةً بِاللَّذائِذِ وسُكُونًا إلى الشَّهَواتِ غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ بِما يُكابِدُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ كانَ تَخَلُّفُ جَماعَةٍ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما عَلِمْتَ لِذَلِكَ وجاءَ أنَّ أُناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ تَخَلَّفُوا ثُمَّ إنَّ مِنهم مَن نَدِمَ وكَرِهَ مَكانَهُ فَلَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَيْرَ مُبالٍ بِالشَّدائِدِ كَأبِي خَيْثَمَةَ فَقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - بَلَغَ بُسْتانَهُ وكانَتْ لَهُ امْرَأةٌ حَسْناءُ فَرَشَتْ لَهُ في الظِّلِّ وبَسَطَتْ لَهُ الحَصِيرَ وقَرَّبَتْ إلَيْهِ الرُّطَبَ والماءَ البارِدَ فَنَظَرَ فَقالَ: ظِلٌّ ظَلِيلٌ ورُطَبٌ يانِعٌ وماءٌ بارِدٌ وامْرَأةٌ حَسْناءُ ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الضِّحِّ والرِّيحِ ما هَذا بِخَيْرِ مَقامٍ، فَرَحَّلَ ناقَتَهُ وأخَذَ سَيْفَهُ ورُمْحَهُ ومَرَّ كالرِّيحِ فَمَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ طَرْفَهُ إلى الطَّرِيقِ فَإذا بِراكِبٍ يَزْهاهُ السَّرابُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: كُنْ أبا خَيْثَمَةَ فَكانَهُ فَفَرِحَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واسْتَغْفَرَ لَهُ» ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن وُجُوبِ المُشايَعَةِ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ﴾ أيْ شَيْءٌ مِنَ العَطَشِ وقُرِئَ بِالمَدِّ والقَصْرِ ﴿ولا نَصَبٌ﴾ ولا تَعَبٌ ما ﴿ولا مَخْمَصَةٌ﴾ ولا مَجاعَةٌ ما ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في جِهادِ أعْدائِهِ أوْ في طاعَتِهِ سُبْحانَهُ مُطْلَقًا ﴿ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ﴾ أيْ يُغْضِبُهم ويُضَيِّقُ صُدُورَهم والوَطْءُ الدَّوْسُ بِالأقْدامِ ونَحْوِها كَحَوافِرِ الخَيْلِ وقَدْ يُفَسَّرُ بِالإيقاعِ والمُحارَبَةِ ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: آخِرُ وطْأةٍ وطَأها اللَّهُ تَعالى بِوَجٍّ. والمَوْطِئُ اسْمُ مَكانٍ عَلى الأشْهَرِ الأظْهَرِ، وفاعِلُ ﴿يَغِيظُ﴾ ضَمِيرُهُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ يَغِيظُ وطْؤُهُ لِأنَّ المَكانَ نَفْسَهُ لا يَغِيظُ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا عائِدًا إلى
صفحة 47
الوَطْءِ الَّذِي في ضِمْنِهِ، وإذا جُعِلَ المَوْطِئُ مَصْدَرًا كالمَوْرِدِ فالأمْرُ ظاهِرٌ ﴿ولا يَنالُونَ﴾ أيْ ولا يَأْخُذُونَ ﴿مِن عَدُوٍّ نَيْلا﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الأخْذِ فَهو مَصْدَرٌ كالقَتْلِ والأسْرِ والفِعْلُ نالَ يَنِيلُ وقِيلَ: نالَ يَنُولُ فَأصْلُ نَيْلًا نَوْلًا فَأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً عَلى غَيْرِ القِياسِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَأْخُوذِ فَهو مَفْعُولٌ بِهِ لَيَنالُونَ أيْ لا يَنالُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا ﴿كُتِبَ لَهم بِهِ﴾ أيْ بِالمَذْكُورِ وهو جَمِيعُ ما تَقَدَّمَ ولِذا وحَّدَ الضَّمِيرَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ عَلى البَدَلِ: قالَ النَّسَفِيُّ وحَّدَ الضَّمِيرَ لِأنَّهُ لَمّا تَكَرَّرَتْ لا صارَ كُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى البَدَلِ مُفْرَدًا بِالذِّكْرِ مَقْصُودًا بِالوَعْدِ ولِذا قالَ فُقَهاؤُنا: لَوْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ خُبْزًا ولا لَحْمًا حَنِثَ بِواحِدٍ مِنهُما ولَوْ حَلِفَ لا يَأْكُلُ لَحْمًا وخُبْزًا لَمْ يَحْنَثْ إلّا بِالجَمْعِ بَيْنَهُما والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ﴿ظَمَأٌ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ أيْ لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا كَذا إلّا مَكْتُوبًا لَهم بِهِ ﴿عَمَلٌ صالِحٌ﴾ أيْ ثَوابُ ذَلِكَ فالكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ وقَدْ يُجْعَلُ كِنايَةً عَنِ الثَّوابِ وأُوِّلَ بِهِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِن كِتابَةِ الأعْمالِ والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ والمُرادُ أنَّهم يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ اسْتِحْقاقًا لازِمًا بِمُقْتَضى وعْدِهِ تَعالى لا بِالوُجُوبِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ مَن قَصَدَ خَيْرًا كانَ سَعْيُهُ فِيهِ مَشْكُورًا مِن قِيامٍ وقُعُودٍ ومَشْيٍ وكَلامٍ وغَيْرِ ذَلِكَ وعَلى أنَّ المَدَدَ يُشارِكُ الجَيْشَ في الغَنِيمَةِ بَعْدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ لِأنَّ وطْءَ دِيارِهِمْ مِمّا يَغِيظُهم ولَقَدْ أسْهَمَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِابْنَيْ عامِرٍ وقَدْ قَدِما بَعْدَ تَقَضِّي الحَرْبِ واسْتَدَلَّ بِها - عَلى ما نَقَلَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ - أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى جَوازِ الزِّنا بِنِساءِ أهْلِ الحَرْبِ في دارِ الحَرْبِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ 120﴾ عَلى إحْسانِهِمْ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْكُتُبِ، والمُرادُ بِالمُحْسِنِينَ إمّا المَبْحُوثُ عَنْهم ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِمَدْحِهِمْ والشَّهادَةِ لَهم بِالِانْتِظامِ في سِلْكِ المُحْسِنِينَ وأنَّ أعْمالَهم مِن قَبِيلِ الإحْسانِ ولِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ المَأْخَذِ لِلْحُكْمِ وإمّا الجِنْسُ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا
9:121Page 206
وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةٗ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةٗ وَلَا يَقۡطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمۡ لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢١
Nor do they spend an expenditure, small or large, or cross a valley but that it is registered for them that Allāh may reward them for the best of what they were doing.
﴿ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً﴾ ولَوْ تَمْرَةً أوْ عَلّاقَةَ سَوْطٍ ﴿ولا كَبِيرَةً﴾ كَما أنْفَقَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في جَيْشِ العُسْرَةِ، وذِكْرُ الكَبِيرَةِ بَعْدَ الصَّغِيرَةِ وإنْ عُلِمَ مِنَ الثَّوابِ عَلى الأُولى الثَّوابُ عَلى الثّانِيَةِ لِأنَّ المَقْصُودَ التَّعْمِيمُ لا خُصُوصُ المَذْكُورِ إذِ المَعْنى ولا يُنْفِقُونَ شَيْئًا ما فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّ الظّاهِرَ العَكْسُ وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ التَّرْتِيبَ بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ الوُقُوعِ وقِلَّتِهِ وتَوْسِيطُ لا لِلتَّنْصِيصِ عَلى اسْتِبْدادِ كُلٍّ مِنهُما بِالكُتُبِ والجَزاءِ لا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ولا يَقْطَعُونَ﴾ أيْ ولا يَتَجاوَزُونَ في سَيْرِهِمْ لِغَزْوٍ ﴿وادِيًا﴾ وهو في الأصْلِ اسْمُ فاعِلٍ مِن ودِيَ إذا سالَ فَهو بِمَعْنى السَّيْلِ نَفْسِهِ ثُمَّ شاعَ في مَحَلِّهِ وهو المُنْعَرِجُ مِنَ الجِبالِ والآكامِ الَّتِي يَسِيلُ فِيها الماءُ ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً في مُطْلَقِ الأرْضِ ويُجْمَعُ عَلى أوْدِيَةٍ كَنادٍ عَلى أنْدِيَةٍ وناجٍ عَلى أنْجِيَةٍ ولا رابِعَ لِهَذِهِ عَلى ما قِيلَ في كَلامِ العَرَبِ ﴿إلا كُتِبَ لَهُمْ﴾ أيْ أُثْبِتَ لَهم أوْ كُتِبَ في الصُّحُفِ أوِ اللَّوْحِ ولا يُفَسَّرُ الكُتُبَ بِالِاسْتِحْقاقِ لِمَكانٍ التَّعْلِيلِ بَعْدُ، وضَمِيرُ ﴿كُتِبَ﴾ عَلى طَرْزِ ما سَبَقَ أيِ المَذْكُورُ أوْ كُلُّ واحِدٍ وقِيلَ: هو لِلْعَمَلِ ولَيْسَ بِذاكَ، وفُصِلَ هَذا وأُخِّرَ لِأنَّهُ أهْوَنَ مِمّا قَبْلَهُ ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ بِذَلِكَ ﴿أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ 121﴾ أيْ أحْسَنِ جَزاءِ أعْمالِهِمْ عَلى مَعْنى أنَّ لِأعْمالِهِمْ جَزاءً حَسَنًا وأحْسَنَ وهو سُبْحانُهُ اخْتارَ لَهم أحْسَنَ جَزاءٍ
صفحة 48
فانْتِصابُ ﴿أحْسَنَ﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِإضافَتِهِ إلى مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ
وقالَ الإمامُ: فِيهِ وجْهانِ الأوَّلُ أنَّ الأحْسَنَ صِفَةُ عَمَلِهِمْ وفِيهِ الواجِبُ والمَندُوبُ والمُباحُ فَهو يَجْزِيهِمْ عَلى الأوَّلَيْنِ دُونَ الأخِيرِ والظّاهِرُ أنَّ نَصْبَ ﴿أحْسَنَ﴾ حِينَئِذٍ عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ضَمِيرِ يَجْزِيهِمْ كَما قِيلَ وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ ناءٍ عَنِ المَقامِ مَعَ قِلَّةِ فائِدَتِهِ لِأنَّ حاصِلَهُ أنَّهُ تَعالى يَجْزِيهِمْ عَلى الواجِبِ والمَندُوبِ وأنَّ ما ذُكِرَ مِنهُ ولا يَخْفى رَكاكَتُهُ وأنَّهُ غَيْرُ خَفِيٍّ عَلى أحَدٍ وكَوْنُهُ كِنايَةً عَنِ العَفْوِ عَمّا فَرَطَ مِنهم في خِلالِهِ إنْ وقَعَ لِأنَّ تَخْصِيصَ الجَزاءِ بِهِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ لا يُجازى عَلى غَيْرِهِ خِلافَ الظّاهِرِ ثُمَّ قالَ: الثّانِي أنَّ الأحْسَنَ صِفَةٌ لِلْجَزاءِ أيْ لِيَجْزِيَهم جَزاءً هو أحْسَنُ مِن أعْمالِهِمْ وأفْضَلُ وهو الثَّوابُ واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ إذا كانَ الأحْسَنُ صِفَةَ الجَزاءِ كَيْفَ يُضافُ إلى الأعْمالِ ولَيْسَ بَعْضًا مِنها وكَيْفَ يُفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِدُونِ مِن ولا وجْهَ لِدَفْعِهِ بِأنَّ أصْلَهُ مِمّا كانُوا إلَخْ فَحَذْفُ (مِن) مَعَ بَقاءِ المَعْنى عَلى حالِهِ كَما قِيلَ لِأنَّهُ مُحَصِّلٌ لَهُ هَذا ووَصْفُ النَّفَقَةِ بِالصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ دُونَ القَلِيلَةِ والكَثِيرَةِ مَعَ أنَّ المُرادَ ذَلِكَ قِيلَ حَمْلًا لِلطّاعَةِ عَلى المَعْصِيَةِ فَإنَّها إنَّما تُوصَفُ بِالصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ في كَلامِهِمْ دُونَ القَلِيلَةِ والكَثِيرَةِ فَتَأمَّلْ
9:122Page 206
۞ وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ ١٢٢
And it is not for the believers to go forth [to battle] all at once. For there should separate from every division of them a group [remaining] to obtain understanding in the religion and warn [i.e., advise] their people when they return to them that they might be cautious.
﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ أيْ ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَخْرُجُوا إلى الغَزْوِ جَمِيعًا. رَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ تَعالى لَمّا شَدَّدَ عَلى المُتَخَلِّفِينَ قالُوا: لا يَتَخَلَّفُ مِنّا أحَدٌ عَنْ جَيْشٍ أوْ سَرِيَّةٍ أبَدًا فَفَعَلُوا ذَلِكَ وبَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وحْدَهُ فَنَزَلَ ﴿وما كانَ﴾ إلَخْ والمُرادُ نَهْيُهم عَنِ النَّفِيرِ جَمِيعًا لِما فِيهِ مِنَ الإخْلالِ بِالتَّعَلُّمِ ﴿فَلَوْلا نَفَرَ﴾ لَوْلا هُنا تَحْضِيضِيَّةٌ وهي مَعَ الماضِي تُفِيدُ التَّوْبِيخَ عَلى تَرْكِ الفِعْلِ ومَعَ المُضارِعِ تُفِيدُ طَلَبَهُ والأمْرَ بِهِ لَكِنَّ اللَّوْمَ عَلى التَّرْكِ فِيما يُمْكِنُ تَلافِيهِ قَدْ يُفِيدُ الأمْرَ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ أيْ فَهَلّا نَفَرَ ﴿مِن كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ أيْ جَماعَةٍ كَثِيرَةٍ ﴿مِنهُمْ﴾ كَأهْلِ بَلْدَةٍ أوْ قَبِيلَةٍ عَظِيمَةٍ ﴿طائِفَةٌ﴾ أيْ جَماعَةٌ قَلِيلَةٌ وحَمْلُ الفِرْقَةِ والطّائِفَةِ عَلى ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنَ السِّياقِ ومِنِ التَّبْعِيضِيَّةِ لِأنَّ البَعْضَ في الغالِبِ أقَلُّ مِنَ الباقِي وإلّا فالجَوْهَرِيُّ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الطّائِفَةَ قَدْ تَقَعُ عَلى الواحِدِ وآخَرُونَ أنَّها لا تَقَعُ وأنَّ أقَلَّها اثْنانِ وقِيلَ: ثَلاثَةٌ ﴿لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ﴾ أيْ لِيَتَكَلَّفُوا الفَقاهَةَ فِيهِ فَصِيغَةُ التَّفَعُّلِ لِلتَّكَلُّفِ ولَيْسَ المُرادُ بِهِ مَعْناهُ المُتَبادِرَ بَلْ مُقاساةُ الشِّدَّةِ في طَلَبِ ذَلِكَ لِصُعُوبَتِهِ فَهو لا يَحْصُلُ بِدُونِ جِدٍّ وجَهْدٍ ﴿ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ 122﴾ أيْ عَمّا يُنْذَرُونَ مِنهُ وضَمِيرُ يَتَّفِقُوا ويُنْذَرُوا عائِدٌ إلى الفِرْقَةِ الباقِيَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الكَلامِ وقِيلَ: لا بُدَّ مِن إضْمارٍ وتَقْدِيرٍ أيْ فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ طائِفَةٌ وأقامَ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا إلَخْ
وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: لِيَعْلَمُوا بَدَلَ (لِيُنْذَرُوا) ويَفْقَهُونَ بَدَلُ ﴿يَحْذَرُونَ﴾ لَكِنَّهُ اخْتِيرَ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ غَرَضُ المُعَلِّمِ الإرْشادَ والإنْذارَ وغَرَضُ المُتَعَلِّمِ اكْتِسابَ الخَشْيَةِ لا التَّبَسُّطَ والِاسْتِكْبارَ
قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: كانَ اسْمُ الفِقْهِ في العَصْرِ الأوَّلِ اسْمًا لِعِلْمِ الآخِرَةِ ومَعْرِفَةِ دَقائِقِ آفاتِ النُّفُوسِ ومُفْسِداتِ الأعْمالِ وقُوَّةِ الإحاطَةِ بِحَقارَةِ الدُّنْيا وشِدَّةِ التَّطَلُّعِ إلى نَعِيمِ الآخِرَةِ واسْتِيلاءِ الخَوْفِ عَلى القَلْبِ وتَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ فَما بِهِ الإنْذارُ والتَّخْوِيفُ هو الفِقْهُ دُونَ تَعْرِيفاتِ الطَّلاقِ واللِّعانِ والسَّلَمِ والإجاراتِ، وسَألَ فَرَقَدٌ السَّنْجِيُّ الحَسَنَ عَنْ شَيْءٍ فَأجابَهُ فَقالَ: إنَّ الفُقَهاءَ يُخالِفُونَكَ. فَقالَ الحَسَنُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ هَلْ رَأيْتَ
صفحة 49
فَقِيهًا يُعِينُكَ؟ إنَّما الفَقِيهُ الزّاهِدُ في الدُّنْيا الرّاغِبُ في الآخِرَةِ البَصِيرُ بِدِينِهِ المُداوِمُ عَلى عِبادَةِ رَبِّهِ الوَرِعُ الكافُّ عَنْ أعْراضِ المُسْلِمِينَ العَفِيفُ عَنْ أمْوالِهِمُ النّاصِحُ لِجَماعَتِهِمْ، ولَمْ يَقُلْ في جَمِيعِ ذَلِكَ الحافِظُ لِفُرُوعِ الفَتاوى أ هـ وهو مِنَ الحَسَنِ بِمَكانٍ، لَكِنَّ الشّائِعَ إطْلاقُ الفَقِيهِ عَلى مَن يَحْفَظُ الفُرُوعَ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَتْ بِدَلائِلِها أمْ لا كَما في التَّحْرِيرِ. وفي البَحْرِ عَنِ المُنْتَقى ما يُوافِقُهُ واعْتُبِرَ في القُنْيَةِ الحِفْظُ مَعَ الأدِلَّةِ فَلا يَدْخُلُ في الوَصِيَّةِ لِلْفُقَهاءِ مَن حَفِظَ بِلا دَلِيلٍ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ أنَّهُ قالَ: الفَقِيهُ عِنْدَنا مَن بَلَغَ في الفِقْهِ الغايَةَ القُصْوى، ولَيْسَ المُتَفَقِّهُ بِفَقِيهٍ ولَيْسَ لَهُ مِنَ الوَصِيَّةِ نَصِيبٌ، والظّاهِرُ أنَّ المُعْتَبَرَ في الوَصِيَّةِ ونَحْوِها العُرْفَ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ كَثِيرٍ مِن أصْحابِنا وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ تَخْصِيصَ الإنْذارِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ الأهَمُّ وإلّا فالمَقْصُودُ الإرْشادُ الشّامِلُ لِتَعْلِيمِ السُّنَنِ والآدابِ والواجِباتِ والمُباحاتِ والإنْذارُ أخَصُّ مِنهُ، ودَعْوى أنَّهُما مُتَلازِمانِ وذِكْرُ أحَدِهِما مُغْنٍ عَنِ الآخَرِ غَفْلَةٌ أوْ تَغافُلٌ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ إلى أنَّ المُرادَ مِنَ النَّفْرِ النَّفْرُ والخُرُوجُ لِطَلَبِ العِلْمِ فالآيَةُ لَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِما قَبِلَها مِن أمْرِ الجِهادِ بَلْ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهِ وُجُوبَ الهِجْرَةِ والجِهادِ وكُلٌّ مِنهُما سَفَرٌ لِعِبادَةٍ فَبَعْدَما فَضَّلَ الجِهادَ ذَكَرَ السَّفَرَ الآخَرَ وهو الهِجْرَةُ لِطَلَبِ العِلْمِ فَضَمِيرُ يَتَفَقَّهُوا ويُنْذَرُوا لِلطّائِفَةِ المَذْكُورَةِ وهي النّافِرَةُ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ مُجاهِدٍ، فَقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما أنَّهُ قالَ: إنَّ ناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَرَجُوا في البَوادِي فَأصابُوا مِنَ النّاسِ مَعْرُوفًا ومِنَ الخِصْبِ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ ودَعَوْا مَن وجَدُوا مِنَ النّاسِ إلى الهُدى فَقالَ لَهُمُ النّاسُ: ما نَراكم إلّا قَدْ تَرَكْتُمْ أصْحابَكم وجِئْتُمُونا فَوَجَدُوا في أنْفُسِهِمْ مِن ذَلِكَ تَحَرُّجًا وأقْبَلُوا مِنَ البادِيَةِ كُلُّهم حَتّى دَخَلُوا عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ﴾ إلَخْ أيْ لَوْلا خَرَجَ بَعْضٌ وقَعَدَ بَعْضٌ يَبْتَغُونَ الخَيْرَ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيَسْمَعُوا ما أُنْزِلَ ولِيُنْذِرُوا النّاسَ إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ
واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ التَّفَقُّهَ في الدِّينِ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ. وما في كَشْفِ الحِجابِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ. عَلى تَضْعِيفِ الصَّغانِيِّ لَهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ العِلْمِ فِيهِ إلّا ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ أداءُ الفَرائِضِ ولا شَكَّ في أنَّ تَعَلُّمَهُ فَرْضٌ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ في الآيَةِ دَلالَةً عَلى أنَّ خَبَرَ الآحادِ حُجَّةٌ لِأنَّ عُمُومَ كُلِّ فِرْقَةٍ يَقْتَضِي أنْ يَنْفِرَ مِن كُلِّ ثَلاثَةٍ تَفَرَّدُوا بِقَرْيَةٍ طائِفَةٌ إلى التَّفَقُّهِ لِتُنْذِرَ قَوْمَها كَيْ يَتَذَكَّرُوا ويَحْذَرُوا فَلَوْ لَمْ يَعْتَبِرِ الأخْبارَ ما لَمْ تَتَواتَرْ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ، وقَرَّرَ بَعْضُهم وجْهَ الدَّلالَةِ بِأمْرَيْنِ الأوَّلُ أنَّهُ تَعالى أمَرَ الطّائِفَةَ بِالإنْذارِ وهو يَقْتَضِي فِعْلَ المَأْمُورِ بِهِ وإلّا لَمْ يَكُنْ إنْذارًا والثّانِي أمْرُهُ سُبْحانَهُ القَوْمَ بِالحَذَرِ عِنْدَ الإنْذارِ لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ لِيَحْذَرُوا وذَلِكَ أيْضًا يَتَضَمَّنُ لُزُومَ العَمَلِ بِخَبَرِ الواحِدِ، وهَذِهِ الدَّلالَةُ قائِمَةٌ عَلى أيِّ تَفْسِيرٍ شِئْتَ مِنَ التَّفْسِيرَيْنِ، ولا يَتَوَقَّفُ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ عَلى صِدْقِ الطّائِفَةِ عَلى الواحِدِ الَّذِي هو مَبْدَأِ الإعْدادِ بَلْ يَكْفِي فِيهِ صِدْقُها عَلى ما لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ التَّواتُرِ وإنْ كانَ ثَلاثَةً فَأكْثَرَ وكَذا لا يَتَوَقَّفُ عَلى أنْ لا يَكُونَ التَّرَجِّي مِنَ المُنْذَرِينَ بَلْ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ويُرادُ مِنهُ الطَّلَبُ مَجازًا كَما لا يَخْفى
9:123Page 207
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٢٣
O you who have believed, fight against those adjacent to you of the disbelievers and let them find in you harshness. And know that Allāh is with the righteous.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ أيِ الَّذِينَ يَقْرَبُونَ مِنكم قُرْبًا مَكانِيًّا وخَصَّ الأمْرَ بِهِ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في أوَّلِ السُّورَةِ: (واقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ) ونَحْوِهِ قِيلَ: لِأنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ
صفحة 50
قِتالُ جَمِيعِ الكُفّارِ وغَزْوُ جَمِيعِ البِلادِ في زَمانٍ واحِدٍ فَكانَ مَن قَرُبَ أوْلى مِمَّنْ بَعُدَ، ولِأنَّ تَرْكَ الأقْرَبِ والِاشْتِغالَ بِقِتالِ الأبْعَدِ لا يُؤْمَنُ مَعَهُ مِنَ الهُجُومِ عَلى الذَّرّارِيِّ والضُّعَفاءِ، وأيْضًا الأبْعَدُ لا حَدَّ لَهُ بِخِلافِ الأقْرَبِ فَلا يُؤْمَرُ بِهِ، وقَدْ لا يُمْكِنُ قِتالُ الأبْعَدِ قَبْلَ قِتالِ الأقْرَبِ وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ قاتِلُوا الأقْرَبَ فالأقْرَبَ حَتّى تَصِلُوا إلى الأبْعَدِ فالأبْعَدِ وبِذَلِكَ يَحْصُلُ الغَرَضُ مِن قِتالِ المُشْرِكِينَ كافَّةً فَهَذا إرْشادٌ إلى طَرِيقِ تَحْصِيلِهِ عَلى الوَجْهِ الأصْلَحِ
ومِن هُنا قاتَلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوَّلًا قَوْمَهُ ثُمَّ انْتَقَلَ إلى قِتالِ سائِرِ العَرَبِ ثُمَّ إلى قِتالِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وخَيْبَرَ وأضْرابِهِمْ ثُمَّ إلى قِتالِ الرُّومِ فَبَدَأ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقِتالِ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ وجَرى أصْحابُهُ عَلى سُنَنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى أنْ وصَلَتْ سَراياهم وجُيُوشُهم إلى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى وعَلى هَذا فَلا نَسْخَ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِما تَقَدَّمَ والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّهُ لا وجْهَ لَهُ وزَعَمَ الخازِنُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ أنَّ المُرادَ مِنَ الوَلِيِّ ما يَعُمُّ القُرْبَ المَكانِيَّ والنَّسَبِيَّ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: إنَّهُ خاصٌّ بِالنَّسَبِيِّ لِأنَّها نَزَلَتْ لَمّا تَحَرَّجَ النّاسُ مِن قَتْلِ أقْرِبائِهِمْ ولا يَخْفى ضَعْفُهُ
﴿ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ أيْ شِدَّةً كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وهي مُثَلَّثَةُ الغَيْنِ وقُرِئَ بِذَلِكَ لَكِنَّ السَّبْعَةَ عَلى الكَسْرِ والمُرادُ مِنَ الشِّدَّةِ ما يَشْمَلُ الجَراءَةَ والصَّبْرَ عَلى القِتالِ والعُنْفَ في القَتْلِ والأسْرِ ونَحْوَ ذَلِكَ ومِن هُنا قالُوا: إنَّها كَلِمَةٌ جامِعَةٌ والأمْرُ عَلى حَدٍّ - لا أرَيَنَّكَ هَهُنا - فَلَيْسَ المَقْصُودُ أمْرَ الكُفّارِ بِأنْ يَجِدُوا في المُؤْمِنِينَ ذَلِكَ بَلْ أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِالِاتِّصافِ بِما ذُكِرَ حَتّى يَجِدَهُمُ الكَفّارُ مُتَّصِفِينَ بِهِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ 123﴾ بِالعِصْمَةِ والنُّصْرَةِ والمُرادُ بِهِمْ إمّا المُخاطَبُونَ والإظْهارُ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ الإيمانَ والقِتالَ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ مِن بابِ التَّقْوى والشَّهادَةِ بِكَوْنِهِمْ مِن زُمْرَةِ المُتَّقِينَ، وأمّا الجِنْسُ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ تَعْلِيلُ تَأْكِيدٍ قَبْلَهُ
9:124Page 207
وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ فَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمۡ زَادَتۡهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَٰنٗاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَهُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ١٢٤
And whenever a sūrah is revealed, there are among them [i.e., the hypocrites] those who say, "Which of you has this increased in faith?" As for those who believed, it has increased them in faith, while they are rejoicing.
﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ مِن سُوَرِ القُرْآنِ ﴿فَمِنهُمْ﴾ أيْ مِنَ المُنافِقِينَ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ ﴿مَن يَقُولُ﴾ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والِاسْتِهْزاءِ لِإخْوانِهِ لِيُثَبِّتَهم عَلى النِّفاقِ أوْ لِضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ لِيَصُدَّهم عَنِ الإيمانِ ﴿أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ﴾ السُّورَةُ ﴿إيمانًا﴾ وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ (أيَّكُمْ) بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ ويُقَدَّرُ مُؤَخَّرًا لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ الصَّدْرُ أيْ أيَّكم زادَتْ زادَتْهُ إلَخْ
واعْتِبارُ الزِّيادَةِ عَلى أوَّلِ الِاحْتِمالَيْنِ في المُخاطَبِينَ بِاعْتِبارِ اعْتِقادِ المُؤْمِنِينَ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ جَوابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى شَأْنُهُ وتَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ وتَعْيِينٌ لِحالِهِمْ عاجِلًا وآجِلًا، وقالَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ: إنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهم مُسْتَهْزِئُونَ وأنَّ اسْتِهْزاءَهم مُنْكَرٌ فَجاءَ قَوْلُهُ تَعالى:(فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) إلَخْ تَفْصِيلًا لِهَذَيْنِ القِسْمَيْنِ وجَعَلَ ذَلِكَ الطِّيبِيُّ تَفْصِيلًا لِمَحْذُوفٍ وبَيَّنَهُ بِما لا يَمِيلُ القَلْبُ إلَيْهِ وأيًّا ما كانَ فَجَوابُ (إذا) جُمْلَةُ ﴿فَمِنهُمْ﴾ إلَخْ ولَيْسَ هَذا وما بَعْدَهُ عَطْفًا عَلَيْهِ أيْ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وبِما جاءَ مِن عِنْدِهِ ﴿فَزادَتْهم إيمانًا﴾ أيْ تَصْدِيقًا لِأنَّ ذَلِكَ هو المُتَبادَرُ مِنَ الإيمانِ كَما قُرِّرَ في مَحَلِّهِ، وقَبُولُ التَّصْدِيقِ نَفْسِهِ الزِّيادَةُ والنَّقْصُ والشِّدَّةُ والضَّعْفُ مِمّا قالَ بِهِ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ وبِهِ أقُولُ لِظَواهِرِ الآياتِ والأخْبارِ ولَوْ كُشِفَ لِي الغِطاءُ ما ازْدَدْتُ يَقِينًا ومَن لَمْ يَقْبَلْ قَبُولَهُ لِلزِّيادَةِ ولَمْ يُدْخِلِ الأعْمالَ في الإيمانِ قالَ: إنَّ زِيادَتَهُ بِزِيادَةِ مُتَعَلِّقِهِ والمُؤْمِنِ بِهِ وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قِيلَ: ويَلْزَمُهُ أنْ لا يَزِيدَ اليَوْمَ لِإكْمالِ الدِّينِ وعَدَمِ تَجَدُّدِ مُتَعَلِّقٍ وفِيهِ نَظَرٌ وإنْ قالَهُ مَن تُعْقَدُ عَلَيْهِ الخَناصِرُ وتَعْتَقِدُ بِكَلامِهِ الضَّمائِرُ ومَن لَمْ يَقْبَلْ وأدْخَلَ الأعْمالَ فالزِّيادَةُ وكَذا مُقابِلُها ظاهِرَةٌ عِنْدَهُ ﴿وهم يَسْتَبْشِرُونَ 124﴾
صفحة 51
بِنُزُولِها لِأنَّهُ سَبَبٌ لِزِيادَةِ كَمالِهِمْ ورَفْعِ دَرَجاتِهِمْ بَلْ هو لَعَمْرِي أجْدى مِن تَفارِيقِ العَصا
9:125Page 207
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَتۡهُمۡ رِجۡسًا إِلَىٰ رِجۡسِهِمۡ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ١٢٥
But as for those in whose hearts is disease, it has [only] increased them in evil [in addition] to their evil.1 And they will have died while they are disbelievers.
﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ نِفاقٌ ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ أيْ نِفاقًا مَضْمُومًا إلى نِفاقِهِمْ فالزِّيادَةُ مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنى الضَّمِّ ولِذا عُدِّيَتْ بِإلى، وقِيلَ: إلى بِمَعْنى مَعَ ولا حاجَةَ إلَيْهِ ﴿وماتُوا وهم كافِرُونَ 125﴾ واسْتَحْكَمَ ذَلِكَ فِيهِمْ إلى أنْ يَمُوتُوا عَلَيْهِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences