Al-AlusiAt‑Tawbah · 9:12–16

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:12–16

9:12Page 188

وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ ١٢

And if they break their oaths after their treaty and defame your religion, then combat the leaders of disbelief, for indeed, there are no oaths [sacred] to them; [fight them that] they might cease.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ نَكَثُوا﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنْ تابُوا﴾ أيْ وإنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بَلْ نَقَضُوا ﴿أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ المُوَثَّقِ بِها وأظْهَرُوا ما في ضَمائِرِهِمْ مِنَ الشَّرِّ وأخْرَجُوهُ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ وإنْ ثَبَتُوا واسْتَمَرُّوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ النَّكْثِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ النَّكْثَ بِالِارْتِدادِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ في مُقابَلَةِ ﴿فَإنْ تابُوا﴾ والأوَّلُ أوْلى بِالمَقامِ ﴿وطَعَنُوا في دِينِكُمْ﴾ قَدَحُوا فِيهِ بِأنْ أعابُوهُ وقَبَّحُوا أحْكامَهُ عَلانِيَةً.

وجَعَلَ ابْنُ المُنِيرِ طَعْنَ الذِّمِّيِّ في دِينِنا بَيْنَ أهْلِ دِينِهِ إذا بَلَغَنا كَذَلِكَ، وعَدَّ هَذا كَثِيرٌ ومِنهُمُ الفاضِلُ المَذْكُورُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ، فالعَطْفُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ وبِهِ يَنْحَلُّ ما يُقالُ: كانَ الظّاهِرُ أوْ طَعَنُوا لِأنَّ كُلًّا مِنَ الطَّعْنِ وما قَبْلَهُ كافٍ في اسْتِحْقاقِ القَتْلِ والقِتالِ، وكَوْنُ الواوِ بِمَعْنى أوْ بَعِيدٌ، وقِيلَ: العَطْفُ لِلتَّفْسِيرِ كَما في قَوْلِكَ: اسْتَخَفَّ فُلانٌ بِي وفَعَلَ مَعِي كَذا، عَلى مَعْنى وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم بِطَعْنِهِمْ في دِينِكُمْ، والأوَّلُ أوْلى، ولا فَرْقَ بَيْنَ تَوْجِيهِ الطَّعْنِ إلى الدِّينِ نَفْسِهِ إجْمالًا وبَيْنَ تَوْجِيهِهِ إلى بَعْضِ تَفاصِيلِهِ كالصَّلاةِ والحَجِّ مَثَلًا، ومِن ذَلِكَ الطَّعْنُ بِالقُرْآنِ وذِكْرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وحاشاهُ بِسُوءٍ فَيُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِهِ عِنْدَ جَمْعٍ مُسْتَدِلِّينَ بِالآيَةِ سَواءٌ شُرِطَ انْتِقاضُ العَهْدِ بِهِ أمْ لا، ومِمَّنْ قالَ بِقَتْلِهِ إذا أظْهَرَ الشَّتْمَ والعِياذُ بِاللَّهِ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وهو قَوْلُ اللَّيْثِ وأفْتى بِهِ ابْنُ الهُمامِ، والقَوْلُ بِأنَّ أهْلَ الذِّمَّةِ يُقِرُّونَ عَلى كُفْرِهِمُ الأصْلِيِّ بِالجِزْيَةِ وذا لَيْسَ بِأعْظَمَ مِنهُ فَيَقَرُّونَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أيْضًا، ولَيْسَ هو مِنَ الطَّعْنِ المَذْكُورِ في شَيْءٍ لَيْسَ مِنَ الإنْصافِ في شَيْءٍ، ويَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ لا يُعَزَّرُوا أيْضًا كَما لا يُعَزَّرُونَ بَعْدَ الجِزْيَةِ عَلى الكُفْرِ الأصْلِيِّ، وفِيهِ لَعَمْرِي بَيْعُ يَتِيمَةِ الوُجُودِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ

صفحة 59

بِثَمَنٍ بَخْسٍ والدُّنْيا بِحَذافِيرِها بَلْ والآخِرَةُ بِأسْرِها في جَنْبِ جَنابِهِ الرَّفِيعِ جَناحُ بَعُوضَةٍ أوْ أدْنى، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى ما ادَّعاهُ الجَمْعُ بِفَرْدٍ مِنَ الدَّلالاتِ وإنَّها صَرِيحَةٌ في أنَّ اجْتِماعَ النَّكْثِ والطَّعْنِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ما يَتَرَتَّبُ فَكَيْفَ تَدُلُّ عَلى القَتْلِ بِمُجَرَّدِ الطَّعْنِ وفِيهِ ما فِيهِ، ولا يَخْفى حُسْنُ مَوْقِعِ الطَّعْنِ مِنَ القِتالِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ أيْ فَقاتِلُوهم، ووُضِعَ فِيهِ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ وسُمُّوا أئِمَّةً لِأنَّهم صارُوا بِذَلِكَ رُؤَساءَ مُتَقَدِّمِينَ عَلى غَيْرِهِمْ بِزَعْمِهِمْ فَهم أحِقّاءُ بِالقِتالِ والقَتْلِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ: المُرادُ بِأئِمَّتِهِمْ رُؤَساؤُهم وصَنادِيدُهم مِثْلُ أبِي سُفْيانَ، والحارِثِ بْنِ هِشامٍ، وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ لِأنَّ قَتْلَهم أهَمُّ لا لِأنَّهُ لا يُقْتَلُ غَيْرُهم، وقِيلَ: لِلْمَنعِ مِن مُراقَبَتِهِمْ لِكَوْنِهِمْ مَظِنَّةً لَها أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِئْصالِهِمْ فَإنَّ قَتْلَهم غالِبًا يَكُونُ بَعْدَ قَتْلِ مَن دُونَهم، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم فارِسُ والرُّومُ وفِيهِ بُعْدٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وغَيْرُهُ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما قُوتِلَ أهْلُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدُ وما أدْرِي ما مُرادُهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو ( أئِمَّةَ ) بِهَمْزَتَيْنِ ثانِيَتُهُما بَيْنَ بَيْنَ أيْ بَيْنَ مَخْرَجِ الهَمْزَةِ والياءِ والألِفِ بَيْنَهُما، والكُوفِيُّونَ، وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِتَحْقِيقِهِما مِن غَيْرِ إدْخالِ ألِفٍ، وهِشامٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ أدْخَلَ بَيْنَهُما الألِفَ هَذا هو المَشْهُورُ عَنِ القُرّاءِ السَّبْعَةِ، ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنْ نافِعٍ المَدَّ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ والياءِ.

وضَعَّفَ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ قِراءَةَ التَّحْقِيقِ وبَيْنَ بَيْنَ جَماعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ كالفارِسِيِّ، ومِنهم مَن أنْكَرَ التَّسْهِيلَ بَيْنَ بَيْنَ وقَرَأ بِياءٍ خَفِيفَةِ الكَسْرَةِ، وأمّا القِراءَةُ بِالياءِ فارْتَضاها أبُو عَلِيٍّ، وجَماعَةٌ، والزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَها لَحْنًا، وخَطَّأهُ أبُو حَيّانَ في ذَلِكَ لِأنَّها قِراءَةُ رَأْسِ القُرّاءِ والنُّحاةِ أبُو عَمْرٍو، وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ونافِعٍ وهي صَحِيحَةٌ رِوايَةً، وعَدَمُ ثُبُوتِها مِن طَرِيقِ التَّيْسِيرِ يُوجِبُ التَّضْيِيقَ؛ وكَذا دِرايَةً فَقَدْ ذَكَرَ هو في المُفَصَّلِ وسائِرُ الأئِمَّةِ في كُتُبِهِمْ أنَّهُ إذا اجْتَمَعَتْ هَمْزَتانِ في كَلِمَةٍ فالوَجْهُ قَلْبُ الثّانِيَةِ حَرْفَ لِينٍ كَما في آدَمَ وأئِمَّةٍ فَما اعْتَذَرَ بِهِ عَنْهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ، والحاصِلُ أنَّ القِراءاتِ هُنا تَحْقِيقُ الهَمْزَتَيْنِ وجَعْلُ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ بِلا إدْخالِ ألِفٍ وبِهِ والخامِسَةُ بِياءٍ صَرِيحَةٍ وكُلُّها صَحِيحَةٌ لا وجْهَ لِإنْكارِها، ووَزْنُ أئِمَّةٍ أفْعِلَةٌ كَحِمارِ وأحْمِرَةٍ، وأصْلُهُ أئِمْمَةٌ فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ المِيمِ إلى الهَمْزَةِ وأُدْغِمَتْ، ولَمّا ثَقُلَ اجْتِماعُ الهَمْزَتَيْنِ فَرُّوا مِنهُ فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ أيْ: عَلى الحَقِيقَةِ حَيْثُ لا يُراعُونَها ولا يَفُونَ بِها ولا يَرَوْنَ نَقْضَها نَقْصًا وإنْ أجْرَوْها عَلى ألْسِنَتِهِمْ، وإنَّما عُلِّقَ النَّفْيُ بِها كالنَّكْثِ فِيما سَلَفَ لا بِالعَهْدِ المُؤَكَّدِ بِها لِأنَّها العُمْدَةُ في المَواثِيقِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ إمّا لِمَضْمُونِ الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ نَكَثُوا وطَعَنُوا كَما هو المُتَوَقَّعُ مِنهم إذْ لا أيْمانَ لَهم حَقِيقَةً حَتّى يَنْكُثُوها فَقاتِلُوا، أوْ لِاسْتِمْرارِ القِتالِ المَأْمُورِ بِهِ المُسْتَفادِ مِنَ السِّياقِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَقاتِلُوهم إلى أنْ يُؤْمِنُوا إنَّهم لا أيْمانَ لَهم حَتّى يُعْقَدَ مَعَهم عَقْدٌ آخَرُ، وجَعَلَها تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالقِتالِ لا يُساعِدُهُ تَعْلِيقُهُ بِالنَّكْثِ والطَّعْنِ لِأنَّ حالَهم في أنْ لا أيْمانَ لَهم حَقِيقَةً بَعْدَ ذَلِكَ كَحالِهِمْ قَبْلَهُ، والحَمْلُ عَلى مَعْنى عَدَمِ بَقاءِ أيْمانِهِمْ بَعْدَ النَّكْثِ والطَّعْنِ مَعَ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى بَيانِهِ خِلافَ الظّاهِرِ، وقِيلَ: هو تَعْلِيلٌ لِما يُسْتَفادُ مِنَ الكَلامِ مِنَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أئِمَّةُ الكُفْرِ أيْ إنَّهم رُؤَساءُ الكَفَرَةِ وأعْظَمُهم شَرًّا حَيْثُ ضَمُّوا إلى كُفْرِهِمْ عَدَمَ مُراعاةِ الأيْمانِ وهو كَما تَرى، والنَّفْيُ في الآيَةِ عِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ عَلى ما هو المُتَبادَرُ، فَيَمِينُ الكافِرِ لَيْسَتْ يَمِينًا عِنْدَهُ مُعْتَدًّا بِها شَرْعًا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ هي يَمِينٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَها بِالنَّكْثِ في صَدْرِ الآيَةِ وهو لا يَكُونُ حَيْثُ لا يَمِينَ

صفحة 60

ولا أيْمانَ لَهم بِما عَلِمْتَ.

وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ اعْتِقادِهِمْ أنَّهُ يَمِينٌ، ويَبْعُدُهُ أنَّ الإخْبارَ مِنَ اللَّهِ تَعالى والخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالنَّكْثِ عَلى اليَمِينِ إشارَةٌ أوِ اقْتِضاءٌ ولا أيْمانَ لَهم عِبارَةً فَتَتَرَجَّحُ، والقَوْلُ بِأنَّها تُؤَوَّلُ جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ إذا كانَ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ في أحَدِ الجانِبَيْنِ فَتَأْوِيلُ غَيْرِ الصَّرِيحِ أوْلى، ولَعَلَّهُ لا يُعْتَبَرُ في ذَلِكَ التَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ، وثَمَرَةُ الخِلافِ أنَّهُ لَوْ أسْلَمَ الكافِرُ بَعْدَ يَمِينٍ انْعَقَدَتْ في كُفْرِهِ ثُمَّ حَنِثَ هَلْ تَلْزَمُهُ الكَفّارَةُ؟ فَعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ لا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى نَعَمْ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( إيمانَ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ آمَنَهُ إيمانًا بِمَعْنى أعْطاهُ الأمانَ، ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الحاصِلِ بِالمَصْدَرِ وهو الأمانُ، والمُرادُ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى أنْ تُعْطُوهم أمانًا بَعْدَ ذَلِكَ أبَدًا، قِيلَ: وهَذا النَّفْيُ بِناءً عَلى أنَّ الآيَةَ في مُشْرِكِي العَرَبِ ولَيْسَ لَهم إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ؛ ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ لا سَبِيلَ إلى أنْ يُعْطُوكُمُ الأمانَ بَعْدُ، وفِيهِ أنَّهُ مُشْعِرٌ بِأنَّ مُعاهَدَتَهم مَعَنا عَلى طَرِيقَةِ أنْ يَكُونَ إعْطاءُ الأمانِ مِن قِبَلِهم وهو بَيْنَ البُطْلانِ، أوْ عَلى أنَّ الإيمانَ بِمَعْنى الإسْلامِ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ الشَّرْطِ لا غَيْرَ عَلى ما بَيَّنَهُ شَيْخُ الإسْلامِ كَأنَّهُ قِيلَ، إنْ نَكَثُوا وطَعَنُوا كَما هو الظّاهِرُ مِن حالِهِمْ لِأنَّهُ إسْلامٌ لَهم حَتّى يَرْتَدِعُوا عَنْ نَقْضِ جِنْسِ إيمانِهِمْ وعَنِ الطَّعْنِ في دِينِكم، وتَشَبَّثَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَن قالَ: إنَّ المُرْتَدَّ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ بِناءً عَلى أنَّ النّاكِثَ هو المُرْتَدُّ وقَدْ نَفى الإيمانَ عَنْهُ، ونَفْيُهُ مَعَ أنَّهُ قَدْ يَقَعُ مِنهُ نَفْيٌ لِصِحَّتِهِ والِاعْتِدادِ بِهِ ولا يَخْفى ضَعْفُهُ لِما عَلِمْتَ مِن مَعْنى الآيَةِ، وقَدْ قالُوا: الِاحْتِمالُ يُسْقِطُ الِاسْتِدْلالَ، وقالَ القاضِي بَيَّضَ اللَّهُ تَعالى غُرَّةَ أحْوالِهِ في بَيانِ ضَعْفِهِ: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ نَفْيَ الإيمانِ عَنْ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ والإخْبارَ عَنْهم بِأنَّهُ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يَصْدُرُ مِنهم إيمانٌ أصْلًا، أوْ يَكُونُ المُرادُ أنَّ المُشْرِكِينَ لا إيمانَ لَهم حَتّى يُراقَبُوا ويُمْهَلُوا لِأجَلِهِ، ويُفْهَمُ مِن هَذا أنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الجُمْلَةَ تَعْلِيلًا لِمَضْمُونِ الشَّرْطِ كَما ذَكَرْنا، والظّاهِرُ أنَّهُ جَعَلَها تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿فَقاتِلُوا﴾ ) يَعْنِي أنَّ المانِعَ مِن قَتْلِهِمْ أحَدُ أمْرَيْنِ إمّا العَهْدُ وقَدْ نَقَضُوهُ أوِ الإيمانُ وقَدْ حَرَّمُوهُ، ورُبَّما يُؤَوَّلُ ذَلِكَ إلى جَعْلِها عِلَّةً لِما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ نَكَثُوا وطَعَنُوا فَقاتِلُوهم ولا تَتَوَقَّفُوا لِأنَّهُ لا مانِعَ أصْلًا بَعْدَ ذَلِكَ لِأنَّهم لا إيمانَ لَهم لِيَكُونَ مانِعًا ولا يَخْفى ما فِيهِ.

وإنْ قِيلَ: إنَّهُ سَقَطَ بِهِ ما قِيلَ: إنَّ وصْفَ أئِمَّةِ الكُفْرِ بِأنَّهم لا إسْلامَ لَهم تَكْرارٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وجَعْلُ الجُمْلَةِ تَعْلِيلًا لِما يُسْتَفادُ مِنَ الكَلامِ مِنَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أئِمَّةُ الكُفْرِ أيْ رُؤَساؤُهُ عَلى احْتِمالِ أنْ يُرادَ الإخْبارُ عَنْ قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ بِالطَّبْعِ أظْهَرُ مِن جَعْلِها تَعْلِيلًا لَها عَلى القِراءَةِ السّابِقَةِ، نَعَمْ يَأْبى حَدِيثُ الإخْبارِ بِالطَّبْعِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ إذْ مَعَ الطَّبْعِ لا يُتَصَوَّرُ الِانْتِهاءُ وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿فَقاتِلُوا﴾ ) أيْ قاتِلُوهم إرادَةَ أنْ يَنْتَهُوا، أيْ لِيَكُنْ غَرَضُكم مِنَ القِتالِ انْتِهاءَهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وسائِرِ العَظائِمِ لا مُجَرَّدَ إيصالِ الأذِيَّةِ بِهِمْ كَما هو شَنْشَنَةُ المُؤْذِينَ، ومِمّا قُرِّرَ يُعْلَمُ أنَّ التَّرَجِّيَ مِنَ المُخاطِبِينَ لا مِنَ اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ.

9:13Page 188

أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣

Would you not fight against a people who broke their oaths and determined to expel the Messenger, and they had begun [the attack upon] you the first time? Do you fear them? But Allāh has more right that you should fear Him, if you are [truly] believers.

﴿ألا تُقاتِلُونَ﴾ تَحْرِيضٌ عَلى القِتالِ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ فِيهِ لِلْإنْكارِ، والِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ في مَعْنى النَّفْيِ وقَدْ دَخَلَ النَّفْيَ، ونَفْيُ النَّفْيِ إثْباتٌ، وحَيْثُ كانَ التَّرْكُ مُسْتَقْبَحًا مُنْكَرًا أفادَ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ أنَّ إيجادَهُ أمْرٌ مَطْلُوبٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ فَيُفِيدُ الحَثَّ والتَّحْرِيضَ عَلَيْهِ، وقَدْ يُقالُ: وجْهُ التَّحْرِيضِ عَلى القِتالِ أنَّهم حُمِلُوا عَلى الإقْرارِ بِانْتِفائِهِ كَأنَّهُ أمْرٌ لا يُمْكِنُ أنْ يَعْتَرِفَ بِهِ طائِعًا لِكَمالِ شَناعَتِهِ فَيَلْجَئُونَ إلى ذَلِكَ ولا يَقْدِرُونَ عَلى الإقْرارِ بِهِ فَيَخْتارُونَ القِتالَ فَيُقاتِلُونَ ﴿قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ الَّتِي حَلَفُوها عِنْدَ المُعاهَدَةِ لَكم

صفحة 61

عَلى أنْ لا يُعاوِنُوا عَلَيْكم فَعاوَنُوا حُلَفاءَهم بَنِي بَكْرٍ عَلى خُلَفاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خُزاعَةَ، والمُرادُ بِهِمْ قُرَيْشٌ ﴿وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ مِن مَكَّةَ مَسْقَطِ رَأْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ تَشاوَرُوا بِدارِ النَّدْوَةِ حَسْبَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقالَ الجُبّائِيُّ: هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ نَقَضُوا العَهْدَ وخَرَجُوا مَعَ الأحْزابِ وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المَدِينَةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَأْباهُ السِّياقُ وعَدَمُ القَرِينَةِ عَلَيْهِ، والأوَّلُ هو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، وغَيْرِهِما، واعْتُرِضَ بِأنَّ ما وقَعَ في دارِ النَّدْوَةِ هو الهَمُّ بِالإخْراجِ أوِ الحَبْسِ أوِ القَتْلِ والَّذِي اسْتَقَرَّ رَأْيُهم عَلَيْهِ هو القَتْلُ لا الإخْراجُ فَما وجْهُ التَّخْصِيصِ ؟

وأُجِيبُ بِأنَّ التَّخْصِيصَ لِأنَّهُ الَّذِي وقَعَ في الخارِجِ ما يُضاهِيهِ مِمّا تَرَتَّبَ عَلى هَمِّهِمْ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِفِعْلٍ مِنهم بَلْ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِحِكْمَةٍ وما عَداهُ لَغْوٌ فَخُصَّ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ المُقْتَضِي لِلتَّحْرِيضِ لا غَيْرَهُ مِمّا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أثَرٌ.

وقِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ اقْتَصَرَ عَلى الأدْنى لِيَعْلَمَ غَيْرُهُ بِطَرِيقٍ أوْلى، ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَيْسَ بِأدْنى مِنَ الحَبْسِ كَما تُوُهِّمَ لِأنَّ بَقاءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في يَدِ عَدُوِّهِ المُقْتَضِي لِلتَّبْرِيحِ بِالتَّهْدِيدِ ونَحْوِهِ أشَدُّ مِنهُ بِلا شُبْهَةٍ ﴿وهم بَدَءُوكُمْ﴾ بِالمُقاتَلَةِ ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ وقَدْ قالُوا بَعْدَ أنْ بَلَغَهم سَلامَةُ العِيرِ: لا نَنْصَرِفُ حَتّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: بَدَءُوا بِقِتالِ خُزاعَةَ حُلَفاءِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإلَيْهِ ذَهَبَ الأكْثَرُونَ، واخْتارَ جَمْعٌ الأوَّلَ لِسَلامَتِهِ مِنَ التَّكْرارِ، وقَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ثَلاثَةَ أُمُورٍ كُلٌّ مِنها يُوجِبُ مُقاتَلَتَهم لَوِ انْفَرَدَ، فَكَيْفَ بِها حالَ الِاجْتِماعِ، فَفي ذَلِكَ مِنَ الحَثِّ عَلى القِتالِ ما فِيهِ ثُمَّ زادَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿أتَخْشَوْنَهُمْ﴾ ) وقَدْ أُقِيمَ فِيهِ السَّبَبُ والعِلَّةُ مَقامَ المُسَبَّبِ والمَعْلُولِ، والمُرادُ أتَتْرُكُونَ قِتالَهم خَشْيَةَ أنْ يَنالَكم مَكْرُوهٌ مِنهم ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ وتَرْكِ قِتالِ عَدُوِّهِ، والِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأٌ و( ﴿أحَقُّ﴾ ) خَبَرُهُ و﴿أنْ تَخْشَوْهُ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجَلالَةِ بَدَلُ اشْتِمالٍ أوْ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ أيْ بِأنْ تَخْشَوْهُ فَمَحَلُّهُ النَّصْبُ أوِ الجَرُّ بَعْدَ الحَذْفِ عَلى الخِلافِ، وقِيلَ: إنَّ ﴿أنْ تَخْشَوْهُ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( ﴿أحَقُّ﴾ ) والجُمْلَةُ خَبَرُ الِاسْمِ الجَلِيلِ، أيْ خَشْيَةُ اللَّهِ تَعالى أحَقُّ أوِ اللَّهُ أحَقُّ مِن غَيْرِهِ بِالخَشْيَةِ أوِ اللَّهُ حَشِيَّتُهُ أحَقُّ، وخَيْرُ الأُمُورِ عِنْدِي أوْسَطُها ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ مُقْتَضى إيمانِ المُؤْمِنَ الَّذِي يَتَحَقَّقُ أنَّهُ لا ضارَّ ولا نافِعَ إلّا اللَّهُ تَعالى ولا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مَضَرَّةٍ ونَفْعٍ إلّا بِمَشِيئَتِهِ أنْ لا يَخافَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَن خافَ اللَّهَ تَعالى خافَ مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ، وفي هَذا مِنَ التَّشْدِيدِ ما لا يَخْفى.

9:14Page 189

قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ ١٤

Fight them; Allāh will punish them by your hands and will disgrace them and give you victory over them and satisfy the breasts [i.e., desires] of a believing people

﴿قاتِلُوهُمْ﴾ تَجْرِيدٌ لِلْأمْرِ بِالقِتالِ بَعْدَ بَيانِ مُوجِبِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ والتَّوْبِيخِ عَلى تَرْكِهِ، ووَعْدٌ بِنَصْرِهِمْ وبِتَعْذِيبِ أعْدائِهِمْ وإخْزائِهِمْ وتَشْجِيعٌ لَهم ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ بِالقَتْلِ ( ﴿ويُخْزِهِمْ﴾ ) ويُذِلَّهم بِالأسْرِ، وقَدْ يُقالُ: يُعَذِّبُهم قَتْلًا وأسْرًا ويُذِلُّهم بِذَلِكَ ﴿ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ أيْ يَجْعَلْكم جَمِيعًا غالِبِينَ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ ولِذَلِكَ أُخِّرَ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ عَنِ التَّعْذِيبِ والإخْزاءِ ﴿ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ قَدْ تَألَّمُوا مِن جِهَتِهِمْ، والمُرادُ بِهِمْ أُناسٌ مِن خُزاعَةَ حُلَفائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما قالَ عِكْرِمَةُ، وغَيْرُهُ، «وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم بُطُونٌ مِنَ اليَمَنِ وسَبَأٍ قَدِمُوا مَكَّةَ وأسْلَمُوا فَلَقُوا مِن أهْلِها أذًى كَثِيرًا فَبَعَثُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَشْكُونَ إلَيْهِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”أبْشِرُوا فَإنَّ الفَرَجَ قَرِيبٌ“» .

صفحة 62

ورُوِيَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ألا تُقاتِلُونَ﴾ إلَخْ تَرْغِيبٌ في فَتْحِ مَكَّةَ وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الفَتْحِ فَكَيْفَ يَتَأتّى ما ذُكِرَ، وأُجِيبُ بِأنَّ أوَّلَها نَزَلَ بَعْدَ الفَتْحِ وهَذا قَبْلَهُ، وفائِدَةُ عَرْضِ البَراءَةِ مِن عَهْدِهِمْ مَعَ أنَّهُ مَعْلُومٌ مِن قِتالِ الفَتْحِ وما وقَعَ فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عُمُومِهِ لِكُلِّ المُشْرِكِينَ ومَنعِهِمْ مِنَ البَيْتِ، فَتَذَكَّرْ ولا تَغْفُلْ، قِيلَ: ولا يَبْعُدُ حَمْلُ المُؤْمِنِينَ عَلى العُمُومِ لِأنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ يُسَرُّ بِقَتْلِ الكَفّارِ وهَوانِهِمْ.

9:15Page 189

وَيُذۡهِبۡ غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٥

And remove the fury in their [i.e., the believers'] hearts. And Allāh turns in forgiveness to whom He wills; and Allāh is Knowing and Wise.

﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ بِما نالَهم مِنهم مَنِ الأذى ولَمْ يَكُونُوا قادِرِينَ عَلى دَفْعِهِ، وقِيلَ: المُرادُ يُذْهِبُ غَيْظَهم لِانْتِهاكِ مَحارِمِ اللَّهِ تَعالى والكَفْرِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَكْذِيبِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ظاهِرُ العَطْفِ أنَّ إذْهابَ الغَيْظِ غَيْرُ شِفاءِ الصُّدُورِ، ووُجِّهَ بِأنَّ الشِّفاءَ بِقَتْلِ الأعْداءِ وخِزْيِهِمْ وإذْهابَ الغَيْظِ بِالنُّصْرَةِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، ولِكَوْنِ النُّصْرَةِ مَدارَ القَصْدِ كانَ أثَرُها إذْهابَ الغَيْظِ مِنَ القَلْبِ الَّذِي هو أخَصُّ مِنَ الصَّدْرِ، وقِيلَ: إذْهابُ الغَيْظِ كالتَّأْكِيدِ لِشِفاءِ الصَّدْرِ وفائِدَتُهُ المُبالَغَةُ في جَعْلِهِمْ مَسْرُورِينَ بِما يَمُنُّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن تَعْذِيبِهِ أعْداءَهم وإخْزائِهِمْ ونُصْرَتِهِ سُبْحانَهُ لَهم عَلَيْهِمْ، ولَعَلَّ إذْهابَ الغَيْظِ مِنَ القَلْبِ أبْلَغُ مِمّا عُطِفَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ ذِكْرُهُ مِن بابِ التَّرَقِّي ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وقِيلَ: إنَّ شِفاءَ الصُّدُورِ بِمُجَرَّدِ الوَعْدِ بِالفَتْحِ وإذْهابَ الغَيْظِ بِوُقُوعِ الفَتْحِ نَفْسِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ تَعالى جَمِيعَ ما وعَدَهم بِهِ عَلى أجْمَلِ ما يَكُونُ، فالآيَةُ مِنَ المُعْجِزاتِ لِما فِيها مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ ووُقُوعِ ما أُخْبِرَ عَنْهُ، واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى، وقِيلَ: إنَّ أسْنادَ التَّعْذِيبِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مَجازٌ بِاعْتِبارِ أنَّهُ جَلَّ وعَلا مَكَّنَهم مِنهُ وأقْدَرَهم عَلَيْهِ.

وفِي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿بِأيْدِيكُمْ﴾ ) كالصَّرِيحِ بِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأفْعالِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلْبارِي فِعْلٌ لَهُ تَعالى وإنَّما لِلْعَبْدِ الكَسْبُ بِصَرْفِ القُوى والآلاتِ، ولَيْسَ الحَمْلُ عَلى الإسْنادِ المُجازِيِّ بِمُرْضِي عِنْدَ العارِفِ بِأسالِيبِ الكَلامِ، ولا الإلْزامُ بِالِاتِّفاقِ عَلى امْتِناعِ كَتْبِ اللَّهِ تَعالى بِأيْدِيكم وامْتِناعِ كَذِبِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ بِألْسِنَةِ الكَفّارِ بِوارِدٍ لِأنَّ مُجَرَّدَ خَلْقِ الفِعْلِ لا يُصَحِّحُ إسْنادَهُ إلى الخالِقِ ما لَمْ يَصْلُحْ مَحَلًّا لَهُ، وامْتِناعُ ما ذُكِرَ لِلِاحْتِرازِ عَنْ شَناعَةِ العِبارَةِ إذْ لا يُقالُ: يا خالِقَ القاذُوراتِ ولا المُقَدِّرُ لِلزِّنا والمُمَكِّنُ مِنهُ، ثُمَّ قالَ: ولا يَخْفى ما فِيهِ فَإنَّهُ تَعالى لا يَصْلُحُ مَحَلًّا لِلْقَتْلِ ولا لِلضَّرْبِ، ونَحْوُهُ مِمّا قُصِدَ بِالإذْلالِ وإنَّما هو خالِقٌ لَهُ، والفِعْلُ لا يُسْنَدُ حَقِيقَةً إلى خالِقِهِ وإنْ كانَ هو الفاعِلَ الحَقِيقِيَّ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفاعِلِ اللُّغَوِيِّ إذْ لا يُقالُ: كَتَبَ اللَّهُ تَعالى بِيَدِ زَيْدٍ عَلى أنَّهُ حَقِيقَةٌ بِلا شُبْهَةٍ مَعَ أنَّهُ لا شَناعَةَ فِيهِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( كَتَبَ اللَّهُ ) فَما ذَكَرَهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ا هـ، وأنا أقُولُ: إنَّ مَسْألَةَ خَلْقِ الأفْعالِ قَدْ قَضى العُلَماءُ المُحَقِّقُونَ الوَطَرَ مِنها فَلا حاجَةَ إلى بَسْطِ الكَلامِ فِيها، وقَدْ تَكَلَّمُوا في الآيَةِ بِما تَكَلَّمُوا لَكِنْ بَقِيَ فِيها شَيْءٌ وهو السِّرُّ في نِسْبَةِ التَّعْذِيبِ إلَيْهِ تَعالى وذِكْرِ الأيْدِي ولَمْ يَذْكُرُوهُ، ولَعَلَّ ذَلِكَ في النِّسْبَةِ إرادَةَ المُبالَغَةِ فَإنَّهُ تَعْذِيبُ اللَّهِ تَعالى القَوِيِّ العَزِيزِ وإنْ كانَ بِأيْدِي العِبادِ، وفي ذِكْرِ الأيْدِي إمّا التَّنْصِيصُ عَلى أنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ وإمّا لِتَكُونَ البِشارَةُ بِالتَّعْذِيبِ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شِفاءُ الصُّدُورِ ونَحْوُهُ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ، إذْ فَرَّقَ بَيْنَ تَعْذِيبِ العَدُوِّ بِيَدِ عَدُوِّهِ وتَعْذِيبِهِ لا بِيَدِهِ، ولَعَمْرِي إنَّ الأوَّلَ أحْلى وأوْقَعُ في النَّفْسِ فافْهَمْ.

ولا يَخْفى ما في الآيَةِ مِنَ الِانْسِجامِ حَيْثُ يَخْرُجُ مِنها بَيْتٌ كامِلٌ مِنَ الشِّعْرِ ﴿ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ ابْتِداءُ إخْبارٍ بِأنَّ بَعْضَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُمِرُوا بِمُقاتَلَتِهِمْ يَتُوبُ مِن كُفْرِهِ فَيَتُوبُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، وقَدْ كانَ كَذَلِكَ حَيْثُ أسْلَمَ مِنهم

صفحة 63

أُناسٌ وحَسُنَ إسْلامُهم، وقَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ( ويَتُوبَ ) بِالنَّصْبِ ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ويَعْقُوبَ أيْضًا، واسْتَشْكَلَها الزَّجّاجُ بِأنَّ تَوْبَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى مَن يَشاءُ واقِعَةٌ قاتَلُوا أوْ لَمْ يُقاتِلُوا، والمَنصُوبُ في جَوابِ الأمْرِ مُسَبَّبٌ عَنْهُ، فَلا وجْهَ لِإدْخالِ التَّوْبَةِ في جَوابِهِ، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: إنَّ ذَلِكَ كَقَوْلِكَ: إنْ تَزُرْنِي أُحْسِنْ إلَيْكَ وأعْطِ زَيْدًا كَذا عَلى أنَّ المُسَبَّبَ عَنِ الزِّيارَةِ جَمِيعُ الأمْرَيْنِ لا أنَّ كُلَّ واحِدٍ مُسَبَّبٌ بِالِاسْتِقْلالِ، وقَدْ قالُوا بِنَظِيرِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ إلَخْ وفِيهِ تَعَسُّفٌ.

وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالمُقاتَلَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى البَعْضِ، فَإذا قاتَلُوا جَرى قِتالُهم جَرْيَ التَّوْبَةِ مِن تِلْكَ الكَراهِيَةِ فَيَصِيرُ المَعْنى إنْ تُقاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ ويَتُبْ عَلَيْكم مِن كَراهَةِ قِتالِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ الظّاهِرَ أنَّ التَّوْبَةَ لِلْكُفّارِ، وذَكَرَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ أنَّ دُخُولَ التَّوْبَةِ في جُمْلَةِ ما أُجِيبَ بِهِ الأمْرُ مِن طَرِيقِ المَعْنى لِأنَّهُ يَكُونُ مَنصُوبًا بِالفاءِ فَهو عَلى عَكْسِ ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ﴾ وهو المُسَمّى بِعَطْفِ التَّوَهُّمِ، ووَجْهُهُ أنَّ القِتالَ سَبَبٌ لِغَلِّ شَوْكَتِهِمْ وإزالَةِ نَخْوَتِهِمْ فَيَتَسَبَّبُ لِذَلِكَ لِتَأمُّلِهِمْ ورُجُوعِهِمْ عَنِ الكُفْرِ كَما كانَ مِن أبِي سُفْيانَ، وعِكْرِمَةَ، وغَيْرِهِما، والتَّقْيِيدُ بِالمَشِيئَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها السَّبَبُ الأصْلِيُّ وأنَّ الأوَّلَ سَبَبٌ عادِيٌّ ولِلتَّنْبِيهِ إلى أنَّ إفْضاءَ القِتالِ إلى التَّوْبَةِ لَيْسَ كَإفْضائِهِ إلى البَواقِي؛ وزَعَمَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ قِراءَةَ الرَّفْعِ عَلى مُراعاةِ المَعْنى حَيْثُ ذُكِرَ مُضارِعٌ مَرْفُوعٌ بَعْدَ مَجْزُومٍ هو جَوابُ الأمْرِ فَفُهِمَ مِنهُ أنَّ المَعْنى ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ عَلى تَقْدِيرِ المُقابَلَةِ لِما يَرَوْنَ مِن ثَباتِكم وضَعْفِ حالِهِمْ.

وأمّا عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ فَمُراعاةُ اللَّفْظِ إذْ عُطِفَ عَلى المَجْزُومِ مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ نَصْبِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والحَقُّ أنَّهُ عَلى الرَّفْعِ مُسْتَأْنَفٌ كَما قَدَّمْنا ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ ( ﴿حَكِيمٌ﴾ ) لا يَفْعَلُ ولا يَأْمُرُ إلّا بِما فِيهِ حِكْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ فامْتَثِلُوا أمْرَهُ عَزَّ وجَلَّ، وإيثارُ إظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ عَلى الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِهِ الرَّوْعَةَ.

9:16Page 189

أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تُتۡرَكُواْ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَلَمۡ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَلِيجَةٗۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٦

Do you think that you will be left [as you are] while Allāh has not yet made evident those among you who strive [for His cause] and do not take other than Allāh, His Messenger and the believers as intimates? And Allāh is [fully] Aware of what you do.

﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ خِطابٌ لِمَن شَقَّ عَلَيْهِ القِتالُ مِنَ المُؤْمِنِينَ أوِ المُنافِقِينَ و( أمْ ) مُنْقَطِعَةٌ جِيءَ بِها لِلِانْتِقالِ عَنْ أمْرِهِمْ بِالقِتالِ إلى تَوْبِيخِهِمْ أوْ مِنَ التَّوْبِيخِ السّابِقِ إلى تَوْبِيخٍ آخَرَ، والهَمْزَةُ المُقَدَّرَةُ مَعَ بَلْ لِلتَّوْبِيخِ عَلى الحُسْبانِ المَذْكُورِ أيْ بَلْ أحَسِبْتُمْ وظَنَنْتُمْ ﴿أنْ تُتْرَكُوا﴾ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ولا تُؤْمَرُوا بِالجِهادِ ولا تُبْتَلُوا بِما يُمَحِّصُكم ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ الواوُ حالِيَّةٌ و( لَمّا ) لِلنَّفْيِ مَعَ التَّوَقُّعِ ونَفْيِ العِلْمِ، والمُرادُ نَفْيُ المَعْلُومِ وهو الجِهادُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ إذْ هو بِطْرِيقِ البُرْهانِ إذْ لَوْ وقَعَ جِهادُهم عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى لا مَحالَةَ فَإنَّ وُقُوعَ ما لا يَعْلَمُهُ عَزَّ وجَلَّ مُحالٌ كَما أنَّ عَدَمَ وُقُوعِ ما يَعْلَمُهُ كَذَلِكَ وإلّا لَمْ يُطابِقْ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ الواقِعَ فَيَكُونُ جَهْلًا وهو مِن أعْظَمِ المُحالاتِ، فالكَلامُ مِن بابِ الكِنايَةِ، وقِيلَ: إنَّ العِلْمَ مَجازٌ عَنِ التَّبْيِينِ مَجازًا مُرْسَلًا بِاسْتِعْمالِهِ في لازِمِ مَعْناهُ، وفي الكَشّافِ ما يُشْعِرُ أوَّلًا بِأنَّ العِلْمَ مَجازٌ عَمّا ذُكِرَ، وثانِيًا ما يُشْعِرُ بِأنَّهُ مِن بابِ الكِنايَةِ، وأُجِيبُ عَنْهُ بِأنَّهُ أشارَ بِذَلِكَ إلى أنَّهُ اسْتُعْمِلَ لِنَفْيِ الوُجُودِ مُبالَغَةً في نَفْيِ التَّبْيِينِ، وما ذَكَرَهُ أوَّلًا مِن قَوْلِهِ: إنَّكم لا تُتْرَكُونَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَتَبَيَّنَ الخُلَّصُ مِنكم وهُمُ الَّذِينَ جاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى لِوَجْهِهِ جَلَّ شَأْنُهُ حاصِلَ المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إلْهابًا لَهم وحَثًّا عَلى ما حَضَّهم عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ فَإذا

صفحة 64

وُبِّخُوا عَلى حُسْبانِ أنْ يُتْرَكُوا ولَمْ يُوجَدْ فِيما بَيْنَهم مُجاهِدٌ مُخْلِصٌ دَلَّ عَلى أنَّهم إنْ لَمْ يُقاتِلُوا لَمْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ وأنَّ الإخْلاصَ إذا لَمْ يَظْهَرْ أثَرُهُ بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ومُضادَّةِ الكَفّارِ كَلا إخْلاصٍ، ولَوْ فُسِّرَ العِلْمُ بِالتَّبَيُّنِ لَمْ يَفِدْ هَذِهِ المُبالَغَةَ فَتَدَبَّرْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمْ يَتَّخِذُوا﴾ عَطْفٌ عَلى جاهِدُوا وداخِلٌ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ جاهِدُوا حالَ كَوْنِهِمْ غَيْرَ مُتَّخِذِينَ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾ أيْ: بِطانَةً وصاحِبَ سِرٍّ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وهي مِنَ الوُلُوجِ وهو الدُّخُولُ وكُلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ في شَيْءٍ ولَيْسَ مِنهُ فَهو ولِيجَةُ، ويَكُونُ لِلْمُفْرَدِ وغَيْرِهِ بِلَفْظٍ واحِدٍ وقَدْ يُجْمَعُ عَلى ولائِجَ، و﴿مِن دُونِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالِاتِّخاذِ إنْ أُبْقِيَ عَلى حالِهِ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ إنْ جُعِلَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ بِجَمِيعِ أعْمالِكم فَيُجازِيكم عَلَيْها إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وقُرِئَ عَلى الغَيْبَةِ وفي هَذا إزاحَةٌ لِما يُتَوَهَّمُ مِن ظاهِرِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَمّا يَعْلَمِ﴾ إلَخْ مِن أنَّهُ تَعالى لا يَعْلَمُ الأشْياءَ قَبْلَ وُقُوعِها كَما ذَهَبَ إلَيْهِ هِشامٌ مُسْتَدِلًّا بِذَلِكَ.

ووَجْهُ الإزاحَةِ أنَّ ( ﴿تَعْمَلُونَ﴾ ) مُسْتَقْبَلٌ فَيَدُلُّ عَلى خِلافِ ما ذَكَرَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском