Al-AlusiAt‑Tawbah · 9:22–26

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:22–26

9:22Page 190

خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٢

[They will be] abiding therein forever. Indeed, Allāh has with Him a great reward.

﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيِ: الجَنّاتِ ( أبَدًا ) تَأْكِيدٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الخُلُودُ ودَفْعُ احْتِمالِ أنْ يُرادَ مِنهُ المُكْثُ الطَّوِيلُ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لا قَدْرَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لِأُجُورِ الدُّنْيا أوْ لِلْأعْمالِ الَّتِي في مُقابَلَتِهِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَعْلِيلًا لِما سَبَقَ، وذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ المُؤْمِنِينَ بِثَلاثِ صِفاتٍ؛ الإيمانِ والهِجْرَةِ والجِهادِ بِالنَّفْسِ والمالِ قابَلَهم عَلى ذَلِكَ بِالتَّبْشِيرِ بِثَلاثَةٍ؛ الرَّحْمَةِ، والرِّضْوانِ، والجَنَّةِ، وبَدَأ سُبْحانَهُ بِالرَّحْمَةِ في مُقابَلَةِ الإيمانِ لِتَوَقُّفِها عَلَيْهِ ولِأنَّها أعَمُّ النِّعَمِ وأسْبَقُها كَما أنَّ الإيمانَ هو السّابِقُ، وثَنّى تَعالى بِالرِّضْوانِ الَّذِي هو نِهايَةُ الإحْسانِ في مُقابَلَةِ الجِهادِ الَّذِي فِيهِ بَذْلُ الأنْفُسِ والأمْوالِ، وثَلَّثَ عَزَّ وجَلَّ بِالجِنانِ في مُقابَلَةِ الهِجْرَةِ وتَرْكِ الأوْطانِ إشارَةً إلى أنَّهم لَمّا آثَرُوا تَرْكَها بَدَّلَهم بِدارِ الكُفْرِ الجِنانَ الدّارَ الَّتِي هي في جِوارِهِ.

وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَقُولُ اللَّهُ سُبْحانَهُ: «يا أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: كَيْفَ لا نَرْضى وقَدْ باعَدْتَنا عَنْ نارِكَ وأدْخَلْتَنا جَنَّتَكَ؟ فَيَقُولُ سُبْحانَهُ: لَكم عِنْدِي أفْضَلُ مِن ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: وما أفْضَلُ مِن ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ جَلَّ شَأْنُهُ: أُحِلَّ لَكم رِضائِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم بَعْدَهُ أبَدًا» ولا يَخْفى أنَّ وصْفَ الجَنّاتِ بِأنَّ لَهم فِيها نَعِيمًا مُقِيمًا عَلى هَذا التَّوْزِيعِ في غايَةِ اللَّطافَةِ لِما أنَّ في الهِجْرَةِ السَّفَرَ الَّذِي هو قِطْعَةٌ مِنَ العَذابِ.

9:23Page 190

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣

O you who have believed, do not take your fathers or your brothers as allies if they have preferred disbelief over belief. And whoever does so among you - then it is those who are the wrongdoers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ﴾ نَهْيٌ لِكُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المُخاطَبِينَ عَنْ مُوالاةِ فَرْدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ لا عَنْ مُوالاةِ طائِفَةٍ مِنهُمْ، فَإنَّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ دَلالَةً لا عِبارَةً، والآيَةُ عَلى ما رَوى الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَزَلَتْ في المُهاجِرِينَ فَإنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ قالُوا: إنْ هاجَرْنا قَطَعْنا آباءَنا وأبْناءَنا وعَشِيرَتَنا وذَهَبَتْ تِجاراتُنا وهَلَكَتْ أمْوالُنا وخُرِّبَتْ دِيارُنا وبَقِينا ضائِعِينَ، فَنَزَلَتْ: فَهاجِرُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْتِيهِ ابْنُهُ أوْ أبُوهُ أوْ أخُوهُ أوْ بَعْضُ أقارِبِهِ فَلا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ ولا يُنْزِلُهُ ولا يُنْفِقُ عَلَيْهِ ثُمَّ رُخِّصَ لَهم في ذَلِكَ، ورُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّها نَزَلَتْ في التِّسْعَةِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا ولَحِقُوا مَكَّةَ نَهْيًا عَنْ مُوالاتِهِمْ، ورُوِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ حِينَ كَتَبَ إلى قُرَيْشٍ يُخْبِرُهم بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا عَزَمَ عَلى فَتْحِ مَكَّةَ، وهَذا ونَحْوُهُ يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ الفَتْحِ، واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ الإمامُ الرّازِيُّ بِأنَّ الصَّحِيحَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ سَبَبُ النُّزُولِ ما ذُكِرَ، وأُجِيبُ بِأنَّ نُزُولَها قَبْلَ الفَتْحِ لا يُنافِي كَوْنَ نُزُولِ السُّورَةِ بَعْدَهُ لِأنَّ المُرادَ مُعْظَمُها وصَدْرُها، وعَلى القَوْلِ بِأنَّها نَزَلَتْ في حاطِبٍ فالمُعْتَبَرُ عُمُومُ اللَّفْظِ لا خُصُوصُ السَّبَبِ ويَدْخُلُ حاطِبٌ في النَّهْيِ عَنِ الِاتِّخاذِ بِلا شُبْهَةٍ ( إنِ ) أيِ اخْتارُوا ﴿الكُفْرَ عَلى الإيمانِ﴾ وأصَرُّوا عَلَيْهِ إصْرارًا لا يُرْجى مَعَهُ إقْلاعٌ أصْلًا، ولِتُضْمَنَ اسْتُحِبَّ مَعْنى ما ذُكِرَ تَعَدّى بِعَلى، وتَعْلِيقُ النَّهْيِ عَنِ الِاتِّخاذِ بِذَلِكَ لِما أنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ رُبَّما يُؤَدِّي بِهِمْ إلى الإسْلامِ بِسَبَبِ شُعُورِهِمْ بِمَحاسِنِ الدِّينِ ﴿ومَن يَتَوَلَّهُمْ﴾ أيْ واحِدًا مِنهم، والضَّمِيرُ في الفِعْلِ لِمُراعاةِ لَفْظِ المَوْصُولِ ولِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِالِاتِّصافِ بِالظُّلْمِ الآتِي لِأنَّ المُرادَ تَوَلّى فَرْدٌ واحِدٌ مِنهم و( مِن ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿مِنكُمْ﴾ ) لِلْجِنْسِ لا لِلتَّبْعِيضِ ( ﴿فَأُولَئِكَ﴾ ) أيِ المُتَوَلُّونَ ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ بِوَضْعِهِمُ المُوالاةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها فالظُّلْمُ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ، وقَدْ يُرادُ بِهِ التَّجاوُزُ والتَّعَدِّي عَمّا حَدَّ اللَّهُ تَعالى إنْ كانَ المُرادُ ومَن يَتَوَلَّهم بَعْدَ النَّهْيِ، والحَصْرُ ادِّعائِيٌّ كَأنَّ ظُلْمَ غَيْرِهِمْ كَلا ظُلْمٍ عِنْدَ ظُلْمِهِمْ

صفحة 71

وفِي ذَلِكَ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ المُوالاةِ ما فِيهِ.

9:24Page 190

قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٤

Say, [O Muḥammad], "If your fathers, your sons, your brothers, your wives, your relatives, wealth which you have obtained, commerce wherein you fear decline, and dwellings with which you are pleased are more beloved to you than Allāh and His Messenger and jihād [i.e., striving] in His cause, then wait until Allāh executes His command. And Allāh does not guide the defiantly disobedient people."

﴿قُلْ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وأمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يُثَبِّتَ المُؤْمِنِينَ ويُقَوِّيَ عَزائِمَهم عَلى الِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ مِن مُوالاةِ الآباءِ والإخْوانِ ويُزَهِّدَهم فِيهِمْ وفِيمَن يَجْرِي مَجْراهم ويَقْطَعَ عَلائِقَهم عَنْ زَخارِفِ الدُّنْيا الدَّنِيَّةِ عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ والتَّرْهِيبِ، أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكُمْ﴾ لَمْ يَذْكُرِ الأبْناءَ والأزْواجَ فِيما سَلَفَ وذَكَرَهم هُنا لِأنَّ ما تَقَدَّمَ في الأوْلِياءِ وهم أهْلُ الرَّأْيِ والمَشُورَةِ والأبْناءُ والأزْواجُ تَبَعٌ لَيْسُوا كَذَلِكَ وما هُنا في المَحَبَّةِ، وهم أحَبُّ إلى كُلِّ أحَدٍ ( ﴿وعَشِيرَتُكُمْ﴾ ) أيْ: ذَوُو قَرابَتِكم، وقِيلَ: عَشِيرَةُ الرَّجُلِ أهْلُهُ الأدْنَوْنَ، وأيًّا ما كانَ فَذِكْرُهُ لِلتَّعْمِيمِ والشُّمُولِ وهو مِنَ العِشْرَةِ أيِ الصُّحْبَةِ لِأنَّها مِن شَأْنِ القُرْبى، وقِيلَ مِنَ العَشْرَةِ العَدَدِ المَعْرُوفِ وسُمِّيَتِ العَشِيرَةُ بِذَلِكَ عَلى هَذا لِكَمالِهِمْ لِأنَّ العَشْرَةَ كَما عَلِمْتَ عَدَدٌ كامِلٌ أوْ لِأنَّ بَيْنَهم عَقْدَ نَسَبٍ كَعَدِّ العِشْرَةِ فَإنَّهُ عَقْدٌ مِنَ العُقُودِ وهو مَعْنًى بَعِيدٌ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( عَشِيراتُكم )، والحَسَنُ ( عَشائِرُكم ) وأنْكَرَ أبُو الحَسَنِ وُقُوعَ الجَمْعِ الأوَّلِ في كَلامِهِمْ وإنَّما الواقِعُ الجَمْعُ الثّانِي ﴿وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾ أيِ اكْتَسَبْتُمُوها، وأصْلُ الِاقْتِرافِ اقْتِطاعُ الشَّيْءِ مِن مَكانِهِ إلى غَيْرِهِ مِن قَرَفْتُ القُرْحَةَ إذا قَشَرْتَها، والقَرْفُ القَشْرُ، ووُصِفَتِ الأمْوالُ بِذَلِكَ إيماءً إلى عِزَّتِها عِنْدَهم لِحُصُولِها بِكَدِّ اليَمِينِ وعَرَقِ الجَبِينِ ( ﴿وتِجارَةٌ﴾ ) أيْ: أمْتِعَةٌ اشْتَرَيْتُمُوها لِلتِّجارَةِ والرِّبْحِ ﴿تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾ بِفَواتِ وقْتِ رَواجِها بِغَيْبَتِكم عَنْ مَكَّةَ المُعَظَّمَةِ في أيّامِ المَواسِمِ ﴿ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها﴾ مَنازِلُ تُعْجِبُكُمُ الإقامَةُ فِيها، والتَّعَرُّضُ لِلصِّفاتِ المَذْكُورَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ اللَّوْمَ عَلى مَحَبَّةِ ما ذُكِرَ مِن زِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا لا يُنافِي ما فِيها مِن مَبادِئِ المَحَبَّةِ ومُوجِباتِ الرَّغْبَةِ فِيها وأنَّها مَعَ مالِها مِن فُنُونِ المَحاسِنِ بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ تَكُونَ كَما ذَكَرَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ بِالحُبِّ الِاخْتِيارِيِّ المُسْتَتْبَعِ لِأثَرِهِ الَّذِي هو المُلازِمَةُ وتَقْدِيمُ الطّاعَةِ لا مَيْلُ الطَّبْعِ فَإنَّهُ أمْرٌ جِبِلِّيٌّ لا يُمْكِنُ تَرْكُهُ ولا يُؤاخَذُ عَلَيْهِ ولا يُكَلَّفُ الإنْسانُ بِالِامْتِناعِ عَنْهُ ﴿وجِهادٍ في سَبِيلِهِ﴾ أيْ: طَرِيقِ ثَوابِهِ ورِضاهُ سُبْحانَهُ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهِ هُنا أيْضًا الإخْلاصُ ونَحْوُهُ لا الجِهادُ وإنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّهُ سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى، ونَظَّمَ حُبَّ هَذا في سِلْكِ حُبِّ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ وحُبُّ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُحَبَّ فَضْلًا عَنْ أنْ يُكْرَهَ وإيذانًا بِأنَّ مَحَبَّتَهُ راجِعَةٌ إلى مَحَبَّةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ومَحَبَّةِ حَبِيبِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّ الجِهادَ عِبارَةٌ عَنْ قِتالِ أعْدائِهِما لِأجْلِ عَداوَتِهِمْ، فَمَن يُحِبُّهُما يَجِبُ أنْ يُحِبَّ قِتالَ مَن لا يُحِبُّهُما ( ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ ) أيِ انْتَظِرُوا ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ أيْ بِعُقُوبَتِهِ سُبْحانَهُ لَكم عاجِلًا أوْ آجِلًا عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، ومُقاتِلٍ أنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ.

﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيِ: الخارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ في مُوالاةِ المُشْرِكِينَ وتَقْدِيمِ مَحَبَّةِ مَن ذُكِرَ عَلى مَحَبَّةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ورَسُولِهِ ﷺ أوِ القَوْمِ الفاسِقِينَ كافَّةً ويَدْخُلُ المَذْكُورُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، أيْ لا يَهْدِيهِمْ إلى ما هو خَيْرٌ لَهم، والآيَةُ أشَدُّ آيَةِ نَعْتٍ عَلى النّاسِ ما لا يَكادُ يَتَخَلَّصُ مِنهُ إلّا مَن تَدارَكَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِلُطْفِهِ، وفي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «لا يَطْعَمُ أحَدُكم طَعْمَ الإيمانِ حَتّى يُحِبَّ في اللَّهِ تَعالى ويُبْغِضَ في اللَّهِ تَعالى حَتّى يُحِبَّ في اللَّهِ سُبْحانَهُ أبْعَدَ النّاسِ ويُبْغُضُ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أقْرَبَ النّاسِ» واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِأحْسَنِ الأعْمالِ.

* * *

صفحة 72

ومِن بابِ الإشارَةِ: أنَّهُ سُبْحانَهُ أشارَ إلى تَمَكُّنِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ووُصُولِ أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم إلى مَقامِ الوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ بَعْدَ أنْ كانُوا مُحْتَجِبِينَ بِالأفْعالِ تارَةً وبِالصِّفاتِ أُخْرى، وبِذَلِكَ تَحَقَّقَتِ الضِّدِّيَةُ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَنَزَلَتِ البَراءَةُ وأُمِرُوا بِنَبْذِ العَهْدِ لِيَقَعَ التَّوافُقُ بَيْنَ الباطِنِ والظّاهِرِ وأُمِرَ المُشْرِكُونَ بِالسِّياحَةِ في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ عَلى عَدَدِ مَواقِفِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَنْبِيهًا لَهُمْ، فَإنَّهم لَمّا وقَفُوا في الدُّنْيا مَعَ الغَيْرِ بِالشِّرْكِ حُجِبُوا عَنِ الدِّينِ والأفْعالِ والصِّفاتِ والذّاتِ في بَرْزَخِ النّاسُوتِ فَلَزِمَهم أنْ يُوقَفُوا في الآخِرَةِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ثُمَّ عَلى الجَبَرُوتِ ثُمَّ عَلى المَلَكُوتِ ثُمَّ عَلى النّارِ في جَحِيمِ الآثارِ فَيُعَذَّبُوا بِأنْواعِ العَذابِ، ومَن طَبَّقَ الآياتِ عَلى ما في الأنْفُسِ ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ المُدَّةَ هي مُدَّةُ كَمالِ الأوْصافِ الأرْبَعَةِ النَّباتِيَّةِ والحَيَوانِيَّةِ والشَّيْطانِيَّةِ والإنْسانِيَّةِ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ لَهم: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ إذْ لا بُدَّ مِن حَبْسِكم في تِلْكَ المَواقِفِ بِسَبَبِ وُقُوفِكم مَعَ الغَيْرِ بِالشِّرْكِ ﴿وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ المَحْجُوبِينَ عَنِ الحَقِّ بِافْتِضاحِهِمْ عِنْدَ ظُهُورِ رُتْبَةِ ما عَبَدُوهُ مِن دُونِهِ ووُقُوفِهِمْ مَعَهُ عَلى النّارِ ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ أيْ: وقْتَ ظُهُورِ الجَمْعِ الذّاتِيِّ في صُورَةِ التَّفْصِيلِ ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ المُرادُ بِذَلِكَ كَمالُ المُخالَفَةِ والتَّضادِّ وانْقِطاعُ المَدَدِ الرُّوحانِيِّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ الَّذِينَ بَقِيَتْ فِيهِمْ مُسْكَةٌ مِنَ الِاسْتِعْدادِ وأثَرٌ مِن سَلامَةِ الفِطْرَةِ وبَقايا مِنَ المُرُوءَةِ أُمِرَ المُؤْمِنُونَ أنْ يُتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ وهي مُدَّةُ تَراكُمُ الدِّينِ وتَحَقُّقِ الحِجابِ إنْ لَمْ يَرْجِعُوا ويَتُوبُوا ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ما ذَكَرَ: ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) أيْ عِلْمًا ( ﴿وهاجَرُوا﴾ ) أيْ هَجَرُوا الرَّغائِبَ الحِسِّيَّةَ والأوْطانَ النَّفْسِيَّةَ ﴿وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ﴾ وهي أمْوالُ مَعْلُوماتِهِمْ ومُراداتِهِمْ ومَقْدُوراتِهِمْ، والجِهادُ بِهَذِهِ إشارَةٌ إلى مَحْوِ صِفاتِهِمْ، والجِهادُ بِالأنْفُسِ إشارَةٌ إلى فَنائِها في اللَّهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً﴾ في التَّوْحِيدِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ تَعالى ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ وهو ثَوابُ الأعْمالِ ( ﴿ورِضْوانٍ﴾ ) وهو ثَوابُ الصِّفاتِ ﴿وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ وهو مُشاهَدَةُ المَحْبُوبِ الَّذِي لا يَزُولُ وذَلِكَ جَزاءُ الأنْفُسِ، ووَجْهُ التَّرْتِيبِ عَلى هَذا ظاهِرٌ وإنَّما تَوَلّى اللَّهُ تَعالى بِشارَتَهم بِنَفْسِهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَزْدادُوا حُبًّا لَهُ تَبارَكَ وتَعالى لِأنَّ القُلُوبَ مَجْبُولَةٌ عَلى حُبِّ مَن يُبَشِّرُها بِالخَيْرِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّ القَرابَةَ المَعْنَوِيَّةَ والتَّناسُبَ المَعْنَوِيَّ والوَصْلَةَ الحَقِيقِيَّةَ أحَقُّ بِالمُراعاةِ مِنَ الِاتِّصالِ الصُّورِيِّ مَعَ فَقْدِ الِاتِّصالِ المَعْنَوِيِّ واخْتِلافِ الوُجْهَةِ، وذَمَّ سُبْحانَهُ التَّقَيُّدَ بِالمَأْلُوفاتِ الحِسِّيَّةِ وتَقْدِيمِها عَلى المَحْبُوبِ الحَقِيقِيِّ والتَّعَيُّنِ الأوَّلِ لَهُ والسَّبَبِ الأقْوى لِلْوُصُولِ إلى الحَضْرَةِ، وتَوَعَّدَ عَلَيْهِ بِما تَوَعَّدَ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى التَّوْفِيقَ إلى ما يُقَرِّبُنا مِنهُ إنَّهُ ولِيُّ ذَلِكَ.

9:25Page 190

لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ ٢٥

Allāh has already given you victory in many regions and [even] on the day of Ḥunayn, when your great number pleased you, but it did not avail you at all, and the earth was confining for you with [i.e., in spite of] its vastness; then you turned back, fleeing.

﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ﴾ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً وامْتِنانٌ عَلَيْهِمْ بِالنُّصْرَةِ عَلى الأعْداءِ الَّتِي يَتْرُكُ لَها الغَيُورُ أحَبَّ الأشْياءِ إلَيْهِ، والمُواطِنُ جَمْعُ مَوْطِنٍ وهو المَوْضِعُ الَّذِي يُقِيمُ فِيهِ صاحِبُهُ، وأُرِيدَ بِها مُواطِنُ الحَرْبِ أيْ مَقاماتُها ومَواقِفُها ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:

كَمْ مَوْطِنٍ لَوْلايَ طِحْتَ كَما هَوى بِأجْرامِهِ مِن قُلَّةِ النِّيقِ مُنْهَوِي

والمَنعُ مِنَ الصَّرْفِ لِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ، واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقِسْمِ أيْ أُقْسِمُ واللَّهِ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواقِفَ ووَقائِعَ ( ﴿كَثِيرَةٍ﴾ ) مِنها وقْعَةُ بَدْرٍ الَّتِي ظَهَرَتْ بِها شَمْسُ الإسْلامِ، ووَقْعَةُ قُرَيْظَةَ، والنَّضِيرُ، والحُدَيْبِيَةُ وأنْهاها بَعْضُهم إلى ثَمانِينَ، ورُوِيَ أنَّ المُتَوَكِّلَ اشْتَكى شِكايَةً شَدِيدَةً فَنَذَرَ أنْ يَتَصَدَّقَ إنْ شَفاهُ اللَّهُ تَعالى بِمالٍ كَثِيرٍ،

صفحة 73

فَلَمّا شُفِيَ سَألَ العُلَماءَ عَنْ حَدِّ الكَثِيرِ فاخْتَلَفَتْ أقْوالُهم فَأُشِيرَ إلَيْهِ أنْ يَسْألَ أبا الحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسى الكاظِمَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وقَدْ كانَ حَبَسَهُ في دارِهِ، فَأمَرَ أنْ يَكْتُبَ إلَيْهِ، فَكَتَبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يَتَصَدَّقُ بِثَمانِينَ دِرْهَمًا ثُمَّ سَألُوهُ عَنِ العِلَّةِ فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: عَدَدْنا تِلْكَ المَواطِنَ فَبَلَغَتْ ثَمانِينَ ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ مُواطِنَ وعَطْفُ ظَرْفِ الزَّمانِ عَلى المَكانِ وعَكْسُهُ جائِزٌ عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ أبِي عَلِيٍّ ومَن تَبِعَهُ، نَعَمْ ظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ المَنعُ لِأنَّ كُلًّا مِنَ الظَّرْفَيْنِ يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ بِلا تَوَسُّطِ العاطِفِ، ومُتَعَلِّقاتُ الفِعْلِ إنَّما يُعْطَفُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ إذا كانَتْ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، وقالَ آخَرُونَ: لا مَنعَ مِن نَسَقِ زَمانٍ عَلى مَكانٍ وبِالعَكْسِ إلّا أنَّ الأحْسَنَ تَرْكُ العاطِفِ في مِثْلِهِ، ومَن مَنَعَ العَطْفَ أوِ اسْتَحْسَنَ تَرْكَهُ قالَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ بِحَذْفِ المُضافِ أيْ ومَوْطِنَ يَوْمِ حُنَيْنٍ، ولَعَلَّ التَّغْيِيرَ لِلْإيماءِ إلى ما وقَعَ فِيهِ مِن قِلَّةِ الثَّباتِ مِن أوَّلِ الأمْرِ.

وقَدْ يُعْتَبَرُ الحَذْفُ في جانِبِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أيْ في أيّامِ مُواطِنَ، والعَطْفُ حِينَئِذٍ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، ومَزِيَّةُ هَذا الخاصِّ الَّتِي أشارَ إلَيْها العَطْفُ هي كَوْنُ شَأْنِهِ عَجِيبًا وما وقَعَ فِيهِ غَرِيبًا لِلظَّفَرِ بَعْدَ اليَأْسِ والفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولَيْسَ المُرادُ بِها كَثْرَةَ الثَّوابِ وعِظَمَ النَّفْعِ لِيُرَدَّ أنَّ يَوْمَ حُنَيْنٍ لَيْسَ بِأفْضَلَ مِن يَوْمِ بَدْرٍ الَّذِي نالُوا بِهِ القِدْحَ المُعَلّى وفازُوا فِيهِ بِالدَّرَجاتِ العُلا، فَلا تَتَأتّى فِيهِ نُكْتَةُ العَطْفِ؛ وقِيلَ: إنَّ مَوْطِنَ اسْمِ زَمانٍ كَمَقْتَلِ الحُسَيْنِ فالمَعْطُوفانِ مُتَجانِسانِ وهو بَعِيدٌ عَنِ الفَهْمِ، وأوْجَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ ( يَوْمَ ) مَنصُوبًا بِمُضْمَرٍ والعَطْفُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ أيْ ونَصَرَكم يَوْمَ حُنَيْنٍ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ناصِبُهُ ( نَصَرَكُمُ ) المَذْكُورَ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ حُنَيْنٍ فَيَلْزَمُ كَوْنُ زَمانِ الإعْجابِ بِالكَثْرَةِ ظَرْفَ النُّصْرَةِ الواقِعَةِ في المَواطِنِ الكَثِيرَةِ لِاتِّحادِ الفِعْلِ ولِتَقْيِيدِ المَعْطُوفِ بِما يُقَيَّدُ بِهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ وبِالعَكْسِ.

واليَوْمُ مُقَيَّدٌ بِالإعْجابِ بِالكَثْرَةِ والعامِلُ مُنْسَحِبٌ عَلى البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ جَمِيعًا، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ زَمانُ الإعْجابِ ظَرْفًا وقَيْدًا لِلنُّصْرَةِ الواقِعَةِ في المَواطِنِ الكَثِيرَةِ وهو باطِلٌ إذْ لا إعْجابَ في تِلْكَ المَواطِنِ.

وأُجِيبُ بِأنَّ الفِعْلَ في المُتَعاطِفَيْنِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ واحِدًا بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَهُ تَعَدُّدُ أفْرادٍ كَضَرَبْتُ زَيْدًا اليَوْمَ وعَمْرًا قَبْلَهُ، وأضْرِبُهُ حِينَ يَقُومُ وحِينَ يَقْعُدُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ لا بُدَّ في نَحْوِ قَوْلِكَ: زَيْدٌ وعَمْرٌو مِنِ اعْتِبارِ الأفْرادِ وإلّا لَزِمَ قِيامُ العَرْضِ الواحِدِ بِالشَّخْصِ بِمَحَلَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وهو لا يَجُوزُ ضَرُورَةً فَلا يَلْزَمُ مِن تَقْيِيدِهِ في حَقِّ المَعْطُوفِ بِقَيْدِ تَقْيِيدِهِ في حَقِّ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا هو الأصْلُ حَتّى يَفْتَقِرَ غَيْرُهُ إلى دَلِيلٍ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ ذَلِكَ إنَّما يَلْزَمُ لَوْ كانَ المُبْدَلُ مِنهُ في حُكْمِ التَّنْحِيَةِ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ لِيُؤَوَّلَ إلى نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ إذْ أعْجَبَتْكُمْ، ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُؤَوَّلُ إلى نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وإذْ أعْجَبَتْكم ولا مَحْذُورَ فِيهِ، وفي كَوْنِ البَدَلِ قَيْدًا لِلْمُبْدَلِ مِنهُ نَظَرٌ، وحُنَيْنٌ وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ عَلى ثَلاثَةِ أمْيالٍ مِن مَكَّةَ حارَبَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُسْلِمُونَ هَوازِنَ، وثَقِيفًا، وحَشَمًا وفِيهِمْ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ يَتَيَمَّنُونَ بِرَأْيِهِ وأُناسًا مِن بَنِي هِلالٍ وغَيْرَهُمْ، وكانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ وكانَ المُسْلِمُونَ عَلى ما رَوى الكَلْبِيُّ عَشَرَةَ آلافٍ وعَلى ما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ آلافٍ، وصُحِّحَ أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا العَشْرُ الَّذِينَ حَضَرُوا مَكَّةَ وألْفانِ انْضَمُّوا إلَيْهِمْ مِنَ الطُّلَقاءِ، فَلَمّا التَقَوْا قالَ سَلَمَةُ بْنُ سَلامَةَ أوْ أبُو بَكْرٍ

صفحة 74

رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ إعْجابًا بِكَثْرَتِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ قائِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، واسْتَبْعَدَ ذَلِكَ الإمامُ لِانْقِطاعِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ سِوى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ رَجُلًا قالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: لَنْ نُغْلَبَ مِن قِلَّةٍ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ إذا لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْها أمْرٌ آخَرُ لا تُنافِي التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ تَعالى ولا تَسْتَلْزِمُ الِاعْتِمادَ عَلى الأسْبابِ، وإنَّما شَقَّتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِما انْضَمَّ إلَيْها مِن قَرائِنِ الأحْوالِ مِمّا يَدُلُّ عَلى الإعْجابِ، ولَعَلَّ القائِلَ أخَذَها مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «خَيْرُ الأصْحابِ أرْبَعَةٌ وخَيْرُ السَّرايا أرْبَعُمِائَةٍ وخَيْرُ الجُيُوشِ أرْبَعَةُ آلافٍ، ولا يُغْلَبُ اثْنا عَشَرَ ألْفًا مِن قِلَّةٍ كَلِمَتُهم واحِدَةٌ» لَكِنْ صَحِبَها ما صَحِبَها مِنَ الإعْجابِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ اقْتَتَلُوا قِتالًا شَدِيدًا فَأدْرَكَ المُسْلِمُونَ إعْجابَهم، والجَمْعُ قَدْ يُؤْخَذُ بِفِعْلِ بَعْضِهِمْ فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ وكانَ أوَّلَ مَنِ انْهَزَمَ الطُّلَقاءُ مَكْرًا مِنهم وكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الخَلَلِ وهَزِيمَةِ غَيْرِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهم حَمَلُوا أوَّلًا عَلى المُشْرِكِينَ فَهَزَمُوهُمْ، فَأقْبَلُوا عَلى الغَنائِمِ فَتَراجَعُوا عَلَيْهِمْ، فَكانَ ما كانَ والنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى بَغْلَتِهِ الشَّهْباءِ تَزُولُ الجِبالُ ولا يَزُولُ ومَعَهُ العَبّاسُ، وابْنُ عَمِّهِ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ، وابْنُهُ جَعْفَرٌ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، ورَبِيعَةُ بْنُ الحارِثِ، والفَضْلُ بْنُ العَبّاسِ، وأُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وأيْمَنُ بْنُ عُبَيْدٍ وقُتِلَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهَؤُلاءِ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، وثَبَتَ مَعَهُ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَكانُوا عَشَرَةَ رِجالٍ، ولِذا قالَ العَبّاسُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:

نَصَرْنا رَسُولَ اللَّهِ في الحَرْبِ تِسْعَةً ∗∗∗ وقَدْ فَرَّ مَن قَدْ فَرَّ مِنهم وأقْشَعُوا

وعاشِرْنا لاقِيَ الحِمامَ بِنَفْسِهِ ∗∗∗ بِما مَسَّهُ في اللَّهِ لا يَتَوَجَّعُ

وقَدْ ظَهَرَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الشَّجاعَةِ في تِلْكَ الوَقْعَةِ ما أبْهَرَ العُقُولَ وقَطَعَ لِأجْلِهِ أصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشْجَعُ النّاسِ، وكانَ يَقُولُ إذْ ذاكَ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِأعْداءِ اللَّهِ تَعالى:

أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المَطْلَبْ

واخْتارَ رُكُوبَ البَغْلَةِ إظْهارًا لِثَباتِهِ الَّذِي لا يُنْكِرُهُ إلّا الحِمارُ وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ مُفارَقَةُ القِتالِ «فَقالَ لِلْعَبّاسِ وكانَ صَيِّتًا: ”صِحْ بِالنّاسِ“ فَنادِ يا عِبادَ اللَّهِ، يا أصْحابَ الشَّجَرَةِ، يا أصْحابَ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَكَّرُوا عُنُقًا واحِدًا لَهم حَنِينٌ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ فالتَقَوْا مَعَ المُشْرِكِينَ، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَذا حِينَ حَمى الوَطِيسُ، ثُمَّ أخَذَ كَفًّا مِن تُرابٍ فَرَماهم ثُمَّ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”انْهَزَمُوا ورَبِّ الكَعْبَةِ“» فانْهَزَمُوا، وتَفْصِيلُ القِصَّةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ في كُتُبِ السِّيَرِ ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ﴾ أيْ: لَمْ تَنْفَعْكم تِلْكَ الكَثْرَةُ ( ﴿شَيْئًا﴾ ) مِنَ النَّفْعِ في أمْرِ العَدُوِّ أوْ لَمْ تُعْطِكم شَيْئًا يَدْفَعُ حاجَتَكم ﴿وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ أيْ بِرَحَبِها وسِعَتِها عَلى أنَّ ( ما ) مَصْدَرِيَّةٌ والباءُ لِلْمُلابَسَةِ والمُصاحَبَةِ أيْ ضاقَتْ مَعَ سِعَتِها عَلَيْكم، وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ إمّا لِعَدَمِ وُجْدانِ مَكانٍ يَقِرُّونَ بِهِ مُطْمَئِنِّينَ أوْ أنَّهم لا يَجْلِسُونَ في مَكانٍ كَما لا يُجْلَسُ في المَكانِ الضَّيِّقِ ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ﴾ أيِ: الكُفّارَ ظُهُورَكم عَلى أنَّ ولّى مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولَيْنِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ ويَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ الرّاغِبِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مَفْعُولَيْنِ لِما في ”القامُوسِ“ ولّى تَوْلِيَةً أدْبَرَ بَلْ لا وجْهَ لَهُ عِنْدَ بَعْضٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والِاعْتِمادُ عَلى كَلامِ

صفحة 75

الرّاغِبِ في مِثْلِ ذَلِكَ أرْغَبُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ بَلْ قِيامُ: إنَّ كَلامَ ”القامُوسِ“ لَيْسَ بِعُمْدَةٍ في مِثْلِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿مُدْبِرِينَ﴾ ) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ وهو مِنَ الإدْبارِ بِمَعْنى الذَّهابِ إلى خَلْفٍ والمُرادُ مُنْهَزِمِينَ.

9:26Page 190

ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦

Then Allāh sent down His tranquility upon His Messenger and upon the believers and sent down soldiers [i.e., angels] whom you did not see and punished those who disbelieved. And that is the recompense of the disbelievers.

﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ أيْ: رَحْمَتَهُ الَّتِي تَسْكُنُ بِها القُلُوبُ وتَطْمَئِنُّ اطْمِئْنانًا كُلِّيًّا مُسْتَتْبِعًا لِلنَّصْرِ القَرِيبِ، وأمّا مُطْلَقُ السَّكِينَةِ فَقَدْ كانَتْ حاصِلَةً لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى رَسُولِهِ، وإعادَةُ الجارِّ لِلْإيذانِ بِالتَّفاوُتِ، والمُرادُ بِهِمُ الَّذِينَ انْهَزَمُوا، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الكَبِيرَةَ لا تُنافِي الإيمانَ.

وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: المُرادُ ما يَعُمُّ الطّائِفَتَيْنِ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، ولا ضَيْرَ في تَحَقُّقِ أصْلِ السَّكِينَةِ في الثّابِتِينَ مِن قَبْلُ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ السَّكِينَةَ بِالأمانِ وهو لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمُعايَنَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولِمَن مَعَهُ بِظُهُورِ عَلاماتِ ذَلِكَ ولِلْمُنْهَزِمِينَ بِزَوالِ قَلَقِهِمْ واضْطِرابِهِمْ بِاسْتِحْضارِ إنَّ ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ ( ثُمَّ ) في مَحَلِّها لِلتَّراخِي بَيْنَ الِانْهِزامِ وإنْزالِ السَّكِينَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ.

وقِيلَ: إذا أُرِيدَ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُنْهَزِمُونَ فَهي عَلى مَحَلِّها، وإنَّ أُرِيدَ الثّابِتُونَ يَكُونُ التَّراخِي في الإخْبارِ أوْ بِاعْتِبارِ مَجْمُوعِ هَذا الإنْزالِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، وجَعْلُها لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ بِعِيدٌ ﴿وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ بِأبْصارِكم كَما يَرى بَعْضُكم بَعْضًا وهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى خُيُولٍ بُلْقٍ عَلَيْهِمُ البَياضُ، وكَوْنُ المُرادِ لَمْ تَرَوْا مِثْلَها قَبْلَ ذَلِكَ خِلافَ الظّاهِرِ ولَمْ نَرَ في الآثارِ ما يُساعِدُهُ، واخْتُلِفَ في عَدَدِهِمْ فَقِيلَ: ثَمانِيَةُ آلافٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكُمْ﴾ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ بَعْدُ: ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ﴾ وقِيلَ: خَمْسَةُ آلافٍ لِلْآيَةِ الثّانِيَةِ والثَّلاثَةِ، الأُولى داخِلَةٌ في هَذِهِ الخَمْسَةِ، وقِيلَ: سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا بِعَدَدِ العَسْكَرَيْنِ اثْنا عَشَرَ ألْفًا عَسْكَرُ المُسْلِمِينَ وأرْبَعَةُ آلافٍ عَسْكَرُ المُشْرِكِينَ، وكَذا اخْتَلَفُوا في أنَّهم قاتَلُوا في هَذِهِ الوَقْعَةِ أمْ لا، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ لَمْ يُقاتِلُوا إلّا يَوْمَ بَدْرٍ، وإنَّما نَزَلُوا لِتَقْوِيَةِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ بِإلْقاءِ الخَواطِرِ الحَسَنَةِ وتَأْيِيدِهِمْ بِذَلِكَ وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، فَعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ كانَ في المُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قالَ: لَمّا كَشَفْنا المُسْلِمِينَ جَعَلْنا نَسُوقُهم فَلَمّا انْتَهَيْنا إلى صاحِبِ البَغْلَةِ الشَّهْباءِ تَلَقّانا رِجالٌ بِيضُ الوُجُوهِ فَقالُوا: شاهَتِ الوُجُوهُ ارْجِعُوا فَرَجَعْنا فَرَكِبُوا أكْنافَنا.

واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّهم قاتَلُوا بِما رُوِيَ «أنَّ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ قالَ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ القِتالِ: أيْنَ الخَيْلُ البُلْقُ والرِّجالُ عَلَيْهِمْ ثِيابٌ بِيضٌ؟ ما كُنّا نَراهم فِيكم إلّا كَهَيْئَةِ الشّامَةِ وما كانَ قَتْلُنا إلّا بِأيْدِيهِمْ فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”تِلْكَ المَلائِكَةُ»“ ولَيْسَ لَهُ سَنَدٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ والسَّبْيِ ( ﴿وذَلِكَ﴾ ) أيْ: ما فَعَلَ بِهِمْ مِمّا ذَكَرَ ﴿جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ لِكُفْرِهِمْ في الدُّنْيا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском