Al-AlusiAt‑Tawbah · 9:61–65

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:61–65

9:61Page 196

وَمِنۡهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٞۚ قُلۡ أُذُنُ خَيۡرٖ لَّكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤۡمِنُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٦١

And among them are those who abuse the Prophet and say, "He is an ear."1 Say, "[It is] an ear of goodness for you that believes in Allāh and believes the believers and [is] a mercy to those who believe among you." And those who abuse the Messenger of Allāh - for them is a painful punishment.

﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّها نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ المُنافِقِينَ مِنهم: الحُلاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ صامِتٍ، ورِفاعَةُ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، وغَيْرُهم قالُوا ما لا يَنْبَغِي في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ رَجُلٌ مِنهم: لا تَفْعَلُوا فَإنّا نَخافُ أنْ يَبْلُغَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما تَقُولُونَ فَيَقَعُ بِنا، فَقالَ الحُلاسُ: بَلْ نَقُولُ ما شِئْنا ثُمَّ نَأْتِيهِ فَيُصَدِّقُنا بِما نَقُولُ فَإنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُذُنٌ، وفي رِوايَةٍ: أُذُنٌ سامِعَةٌ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ يُقالُ لَهُ نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وكانَ رَجُلًا آدَمَ أحْمَرَ العَيْنَيْنِ أسْفَعَ الخَدَّيْنِ

صفحة 126

مُشَوَّهَ الخِلْقَةِ وكانَ يُنِمُّ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى المُنافِقِينَ فَقِيلَ لَهُ: لا تَفْعَلْ، فَقالَ: إنَّما مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُذُنٌ مَن حَدَّثَهُ شَيْئًا صَدَّقَهُ، نَقُولُ شَيْئًا ثُمَّ نَأْتِيهِ ونَحْلِفُ لَهُ فَيُصَدِّقُنا، وهو الَّذِي قالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى الشَّيْطانِ فَلْيَنْظُرْ إلى نَبْتَلِ بْنِ الحارِثِ» وأرادُوا سَوَّدَ اللَّهُ تَعالى وُجُوهَهم وأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهم بِقَوْلِهِمْ أُذُنٌ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْمَعُ ما يُقالُ لَهُ ويُصَدِّقُهُ فَيَكُونُ وصْفُ ( أُذُنٌ ) بِما يُفِيدُ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ كَشْفًا لَهُ، وهي في الأصْلِ اسْمٌ لِلْجارِحَةِ، وإطْلاقُها عَلى الشَّخْصِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ كَما يُؤَيِّدُهُ بَعْضُ الرِّواياتِ مِن بابِ المَجازِ المُرْسَلِ عَلى ما في المِفْتاحِ كَإطْلاقِ العَيْنِ عَلى رَبِيئَةِ القَوْمِ حَيْثُ كانَتِ العَيْنُ هي المَقْصُودَةَ مِنهُ، وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ ذَلِكَ مِن إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ:

إذا ما بَدَتْ لَيْلى فَكُلِّي أعْيُنٌ وإنْ هي ناجَتْنِي فَكُلِّي مَسامِعُ

وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ عَقْلِيٌّ كَـ ”رَجُلٌ عَدْلٌ“ وفِيهِ نَظَرٌ، والمُبالَغَةُ هُنا عَلى ما قِيلَ في أنَّهُ يَسْمَعُ كُلَّ قَوْلٍ بِاعْتِبارِ أنَّهُ يُصَدِّقُهُ لا في مُجَرَّدِ السَّماعِ، وما قِيلَ: إنَّ مُرادَهم بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُذُنًا تَصْدِيقُهُ بِكُلِّ ما يُسْمَعُ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ ما يَلِيقُ بِالقَبُولِ لِمُساعَدَةِ أماراتِ الصِّدْقِ لَهُ وبَيْنَ ما لا يَلِيقُ بِهِ، فَلَيْسَ مِن قَبِيلِ إطْلاقِ العَيْنِ عَلى الرَّبِيئَةِ، ولِذا جَعَلَهُ بَعْضُهم مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ بِالأُذُنِ في أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ وراءَ الِاسْتِماعِ تَمْيِيزُ حَقٍّ عَنْ باطِلٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ وقِيلَ: إنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: ذُو أُذُنٍ ولا يَخْفى أنَّهُ مَذْهَبٌ لِرَوْنَقِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( أُذُنٌ ) صِفَةً مُشَبَّهَةً مِن أذِنَ يَأْذَنُ إذْنًا إذا اسْتَمَعَ وأنْشَدَ الجَوْهَرِيُّ لِقَعْنَبٍ:

إنْ يَسْمَعُوا رِيبَةً طارُوا بِها فَرَحًا ∗∗∗ مِنِّي وما سَمِعُوا مِن صالِحٍ دَفَنُوا

صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ ∗∗∗ وإنْ ذُكِرْتُ بِشَرٍّ عِنْدَهم أذِنُوا

وعَلى هَذا هو صِفَةٌ بِمَعْنى سَمِيعٍ ولا تَجُوزُ فِيهِ، وما تَأذّى بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ما قالُوهُ في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن سائِرِ الأقْوالِ الباطِلَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ويَقُولُونَ﴾ ) إلَخْ غَيْرَ ما تَأذّى بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَفْسُ قَوْلِهِمْ ( ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ ) فَيَكُونُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ و( ﴿يُؤْذُونَ﴾ ) مُضارِعُ آذاهُ والمَشْهُورُ في مَصْدَرِهِ أذًى وأذاةٍ وأذِيَّةٍ وجاءَ أيْضًا الإيذاءُ كَما أثْبَتَهُ الرّاغِبُ، وقَوْلُ صاحِبِ القامُوسِ: ولا تَقُلْ إيذاءً- خَطَأٌ مِنهُ.

( ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ ) مِن قَبِيلِ: رَجُلُ صِدْقٍ فَهو مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفاتِ لِلْمُبالَغَةِ في الجَوْدَةِ والصَّلاحِ كَأنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ هو أُذُنٌ ولَكِنْ نِعْمَ الأُذُنُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ عَلى مَعْنى فِي، أيْ: هو أُذُنٌ في الخَيْرِ والحَقِّ وفِيما يَجِبُ سَماعُهُ وقَبُولُهُ، ولَيْسَ بِأُذُنٍ في غَيْرِ ذَلِكَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ حَمْزَةَ ( ﴿ورَحْمَةٌ﴾ ) فِيما يَأْتِي بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى خَيْرٍ، فَإنَّهُ لا يَحْسُنُ وصْفُ الأُذُنِ بِالرَّحْمَةِ، ويَحْسُنُ أنْ يُقالَ: أُذُنٌ في الخَيْرِ والرَّحْمَةِ، وهَذا كَما قالَ ابْنُ المُنِيرِ أبْلَغُ أُسْلُوبٍ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ لِأنَّ فِيهِ أطْماعًا لَهم بِالمُوافَقَةِ عَلى مَدْعاهم ثُمَّ كَرَّ عَلَيْهِمْ بِحَسْمِ طَمَعِهِمْ وبَتِّ أُمْنِيَتِهِمْ وهو كالقَوْلِ المُوجِبِ، وقَرَأ نافِعٌ ( أُذُنُ ) بِالتَّخْفِيفِ في المَوْضِعَيْنِ وقَرَأ ( أُذُنٌ ) بِالتَّنْوِينِ فَخَيْرٌ صِفَةٌ لَهُ بِمَعْنى خَيِّرٍ المُشَدَّدِ أوْ أفْعَلِ تَفْضِيلٍ أوْ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ أوْ بِالتَّأْوِيلِ المَشْهُورِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ) تَفْسِيرٌ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُذُنَ خَيْرٍ لَهم، أيْ يُصَدِّقُ بِاللَّهِ تَعالى لِما قامَ عِنْدَهُ مِنَ الأدِلَّةِ والآياتِ المُوجِبَةِ لِذَلِكَ، وكَوْنُ ذَلِكَ صِفَةَ خَيْرٍ لِلْمُخاطَبِينَ كَما أنَّهُ خَيْرٌ لِلْعالَمِينَ مِمّا لا يَخْفى ( ﴿ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ يُصَدِّقُهم لِما عَلِمَ فِيهِمْ مِنَ

صفحة 127

الخُلُوصِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا مُنْدَرِجٌ في حَيِّزِ التَّفْسِيرِ لَكِنَّ الغالِبَ مِنَ المُفَسِّرِينَ لَمْ يُبَيِّنُوا وجْهَهُ كَوْنَهُ صِفَةَ خَيْرٍ لِلْمُخاطَبِينَ، نَعَمْ قالَ مَوْلانا الشِّهابُ: إنَّ المَعْنى هو أُذُنُ خَيْرٍ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تَعالى ودَلائِلَهُ فَيُصَدِّقُها ويَسْمَعُ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ فَيُسَلِّمُهُ لَهم ويُصَدِّقُهم بِهِ، وهو تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُنافِقِينَ أُذُنُ شَرٍّ يَسْمَعُونَ آياتِ اللَّهِ تَعالى ولا يَنْتَفِعُونَ بِها ويَسْمَعُونَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ ولا يَقْبَلُونَهُ، وأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَسْمَعُ قَوْلَهم إلّا شَفَقَةً عَلَيْهِمْ لا أنَّهُ يَقْبَلُهُ لِعَدَمِ تَمْيِيزِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما زَعَمُوا، وبِهَذا يَصِحُّ وجْهُ التَّفْسِيرِ فَتَدَبَّرْ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ في إرادَةِ هَذا المَعْنى مِن هَذا المِقْدارِ مِنَ الآيَةِ بُعْدًا، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ المُرادَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْمَعُ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ ويُصَدِّقُهم ولا يُصَدِّقُ المُنافِقِينَ، وإنْ سَمِعَ قَوْلَهم، وكَوْنُ ذَلِكَ صِفَةَ خَيْرٍ لِلْمُخاطَبِينَ إمّا بِاعْتِبارِ أنَّهُ قَدْ يَنْجَرُّ إلى إخْلاصِهِمْ لِما أنَّ فِيهِ انْحِطاطَ مَرْتَبَتِهِمْ عَنْ مَرْتَبَةِ المُخْلِصِينَ، وإمّا بِاعْتِبارِ أنَّ تَصْدِيقَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْمُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ فِيما يَقُولُونَهُ مِنَ الحَقِّ مِن مُتَمِّماتِ تَصْدِيقِهِ آياتِ اللَّهِ تَعالى ولا شَكَّ في خَيْرِيَّةِ ذَلِكَ لِلْمُخاطَبِينَ بَلْ ولِغَيْرِهِمْ أيْضًا فَلْيُفْهَمْ.

والإيمانُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ) بِمَعْنى الِاعْتِرافِ والتَّصْدِيقِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، ولِذا عَدّى بِالباءِ، وأمّا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ) فَهو بِمَعْنى جَعَلَهم في أمانٍ مِنَ التَّكْذِيبِ، فاللّامُ فِيهِ مَزِيدَةٌ لِلتَّقْوِيَةِ لِأنَّهُ بِذَلِكَ المَعْنى مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ كَذا قِيلَ، وفِيهِ أنَّ الزِّيادَةَ لِتَقْوِيَةِ الفِعْلِ المُتَقَدِّمِ عَلى مَعْمُولِهِ قَلِيلَةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهُ قَصْدٌ مِنَ الإيمانِ في الأوَّلِ التَّصْدِيقُ بِاللَّهِ تَعالى الَّذِي هو نَقِيضُ الكُفْرِ، فَعُدِّيَ بِالباءِ الَّذِي يَتَعَدّى بِها الكَفْرُ حَمْلًا لِلنَّقِيضِ عَلى النَّقِيضِ وقَصَدَ مِنَ الإيمانِ في الثّانِي السَّماعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وأنْ يُسَلِّمَ لَهم ما يَقُولُونَهُ ويُصَدِّقُهم لِكَوْنِهِمْ صادِقِينَ عِنْدَهُ فَعُدِّيَ بِاللّامِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ ) حَيْثُ عُدِّيَ الإيمانُ فِيهِ بِاللّامِ لِأنَّهُ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ لَهم، وظاهِرُ هَذا أنَّ اللّامَ لَيْسَتْ مَزِيدَةً لِلتَّقْوِيَةِ كَما في الأوَّلِ، وكَلامُ بَعْضِهِمْ يُشْعِرُ ظاهِرُهُ بِزِيادَتِها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ورَحْمَةٌ﴾ ) عَطْفٌ عَلى ( ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ ) أيْ وهو رَحْمَةٌ، وفِيهِ الإخْبارُ بِالمَصْدَرِ والكَلامُ في ذَلِكَ مَعْلُومٌ ( ﴿آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ﴾ ) أيْ لِلَّذِينِ أظْهَرُوا الإيمانَ حَيْثُ يَقْبَلُهُ مِنهم لَكِنْ لا تَصْدِيقًا لَهم في ذَلِكَ بَلْ رِفْقًا بِهِمْ وتَرَحُّمًا عَلَيْهِمْ ولا يَكْشِفُ أسْرارَهم ولا يَهْتِكُ أسْتارَهم.

وظاهِرُ كَلامِ الخازِنِ أنَّ المُرادَ ( مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) المُخْلِصُونَ وذَكَرَ ( مِنكم ) بِاعْتِبارِ أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ والحَقُّ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى المُنافِقِينَ، وإسْنادُ الإيمانِ إلَيْهِمْ بِصِيغَةِ الفِعْلِ بَعْدَ نِسْبَتِهِ إلى المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ بِصِيغَةِ الفاعِلِ المُنْبِئَةِ عَنِ الرُّسُوخِ والِاسْتِمْرارِ لِلْإيذانِ بِأنَّ إيمانَهم أمْرٌ حادِثٌ ما لَهُ مِن قَرارٍ، ولَعَلَّ العُدُولَ عَنْ رَحْمَةٍ لَكم إلى ما ذُكِرَ لِلْإشارَةِ إلى ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ( رَحْمَةً ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ أيْ يَأْذَنُ لَكم ويَسْمَعُ رَحْمَةً وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى آخِرِ مُقَدَّرٍ أيْ تَصْدِيقًا لَهم ورَحْمَةً لَكم ( ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ) أيْ بِأيِّ نَوْعٍ مِنَ الإيذاءِ كانَ وفي صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ المُشْعِرَةِ بِتَرَتُّبِ الوَعِيدِ عَلى الِاسْتِمْرارِ عَلى ما هم عَلَيْهِ إشْعارٌ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ ( ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ) أيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ بِناءُ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ، وجُمْلَةُ المَوْصُولِ وخَبَرُهُ مَسُوقٌ مِن قِبَلِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى نَهْجِ الوَعِيدِ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الخِطابِ، وفي تَكْرِيرِ الإسْنادِ بِإثْباتِ العَذابِ الألِيمِ لَهم ثُمَّ جَعَلَ الجُمْلَةَ خَبَرًا ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ، وإيرادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ مَعَ الإضافَةِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِغايَةِ التَّعْظِيمِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ أذِيَّتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ راجِعَةٌ إلى جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ مُوجِبَةٌ لِكَمالِ السُّخْطِ والغَضَبِ مِنهُ سُبْحانَهُ.

صفحة 128

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الإيذاءَ لا يَخْتَصُّ بِحالِ حَياتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَلْ يَكُونُ بَعْدَ وفاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْضًا، وعَدُّوا مِن ذَلِكَ التَّكَلُّمَ في أبَوَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما لا يَلِيقُ، وكَذا إيذاءُ أهْلِ بَيْتِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كَإيذاءِ يَزِيدَ عَلَيْهِ ما يَسْتَحِقُّ لَهم ولَيْسَ بِالبَعِيدِ.

9:62Page 197

يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ لِيُرۡضُوكُمۡ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ ٦٢

They swear by Allāh to you [Muslims] to satisfy you. But Allāh and His Messenger are more worthy for them to satisfy,1 if they were to be believers.

﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ وكانَ المُنافِقُونَ يَتَكَلَّمُونَ بِما لا يَلِيقُ ثُمَّ يَأْتُونَهم فَيَعْتَذِرُونَ إلَيْهِمْ ويُؤَكِّدُونَ مَعاذِيرَهم بِالأيْمانِ لِيَعْذِرُوهم ويَرْضَوْا عَنْهم، أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: واللَّهِ إنَّ هَؤُلاءِ لَخِيارُنا وأشْرافُنا ولَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَقًّا لَهم شَرٌّ مِنَ الحُمُرِ، فَسَمِعَها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقالَ: واللَّهِ إنَّ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَحَقٌّ ولَأنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمارِ، فَسَعى بِها الرَّجُلُ إلى نَبِيِّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَهُ فَأرْسَلَ إلى الرَّجُلِ فَدَعاهُ فَقالَ: ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي قُلْتَ؟ فَجَعَلَ يَلْتَعِنُ ويَحْلِفُ بِاللَّهِ تَعالى ما قالَ ذَلِكَ، وجَعَلَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَدِّقِ الصّادِقَ وكَذِّبِ الكاذِبَ فَأنْزَلَ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ: ( يَحْلِفُونَ ) إلَخْ» أيْ يَحْلِفُونَ لَكم أنَّهم ما قالُوا ما نُقِلَ عَنْهم مِمّا يُورِثُ أذاةَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيُرْضُوكم بِذَلِكَ، وعَنْ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في رَهْطٍ مِنَ المُنافِقِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنها أتَوُا المُؤْمِنِينَ يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِمْ مِن تَخَلُّفِهِمْ ويَعْتَلُّونَ ويَحْلِفُونَ.

وأنْكَرَ بَعْضُهم هَذا مُقْتَصِرًا عَلى الأوَّلِ، ولَعَلَّهُ رَأى ذَلِكَ أوْفَقَ بِالمَقامِ، وإنَّما أفْرَدَ إرْضاءَهم بِالتَّعْلِيلِ مَعَ أنَّ عُمْدَةَ أغْراضِهِمْ إرْضاءُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ يَكُونَ وسِيلَةً لِإرْضائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنَّما لَمْ يُكَذِّبْهم رِفْقًا بِهِمْ وسَتْرًا لِعُيُوبِهِمْ لا عَنْ رِضًى بِما فَعَلُوا وقَبُولٍ قَلْبِيٍّ لِما قالُوا ( ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ ) أيْ: أحَقُّ بِالإرْضاءِ مِن غَيْرِهِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِالطّاعَةِ والمُوافَقَةِ لِأمْرِهِ وإيفاءِ حُقُوقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في بابِ الإجْلالِ والإعْظامِ حُضُورًا وغَيْبَةً، وأمّا الإيمانُ فَإنَّما يَرْضى بِها مَنِ انْحَصَرَ طَرِيقُ عِلْمِهِ في الأخْبارِ إلى أنْ يَجِيءَ الحَقُّ ويَزْهَقَ الباطِلُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( ﴿يَحْلِفُونَ﴾ ) والمُرادُ ذَمُّهم بِالِاشْتِغالِ فِيما لا يَعْنِيهِمْ والإعْراضِ عَمّا يُهِمُّهم ويُجْدِيهِمْ.

وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في ( ﴿يُرْضُوهُ﴾ ) مَعَ أنَّ الظّاهِرَ بَعْدَ العَطْفِ بِالواوِ التَّثْنِيَةُ لِأنَّ إرْضاءَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَنْفَكُّ عَنْ إرْضاءِ اللَّهِ تَعالى و﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ فَلِتَلازُمِهِما جُعِلا كَشَيْءٍ واحِدٍ فَعادَ إلَيْهِما الضَّمِيرُ المُفْرَدُ، أوْ لِأنَّ الضَّمِيرَ مُسْتَعارٌ لِاسْمِ الإشارَةِ الَّذِي يُشارُ بِهِ إلى الواحِدِ والمُتَعَدِّدِ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ، وإنَّما لَمْ يُثَنَّ تَأدُّبًا لِئَلّا يُجْمَعَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وغَيْرِهِ في ضَمِيرِ تَثْنِيَةٍ: وقَدْ نُهِيَ عَنْهُ عَلى كَلامٍ فِيهِ، أوْ لِأنَّهُ عائِدٌ إلى رَسُولِهِ والكَلامُ جُمْلَتانِ حُذِفَ خَبَرُ الأُولى لِدَلالَةِ خَبَرِ الثّانِيَةِ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ:

نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ

أوْ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّ المَذْكُورَ خَبَرُ الجُمْلَةِ الأُولى وخَبَرُ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مَحْذُوفٌ، واخْتارَ الأوَّلَ في مِثْلِ ذَلِكَ التَّرْكِيبِ سِيبَوَيْهِ لِقُرْبِ ما جَعَلَ المَذْكُورَ خَبَرًا لَهُ مَعَ السَّلامَةِ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، واخْتارَ الثّانِيَ المُبَرِّدِ لِلسَّبْقِ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والخَبَرُ لَهُ لا غَيْرَ ولا حَذْفَ في الكَلامِ لِأنَّ الكَلامَ في إيذاءِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإرْضائِهِ فَيَكُونُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى تَعْظِيمًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَمْهِيدًا، فَلِذا لَمْ يُخْبِرْ عَنْهُ وخَصَّ الخَبَرَ بِالرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ ولا يَخْفى

صفحة 129

أنَّ اعْتِبارَ الإخْبارِ عَنِ المَعْطُوفِ وعَدَمَ اعْتِبارِ خَبَرٍ لِلْمُبْتَدَأِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ أصْلًا مَعَ أنَّهُ المُسْتَقِلُّ في الِابْتِداءِ في غايَةِ الغَرابَةِ، والفَرْقُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ مِثْلُ الشَّمْسِ ظاهِرٌ ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ أيْ: إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ إيمانًا صادِقًا في الظّاهِرِ والباطِنِ فَلْيُرْضُوا اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما ذُكِرَ فَإنَّهُما أحَقُّ بِالإرْضاءِ.

9:63Page 197

أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدٗا فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡخِزۡيُ ٱلۡعَظِيمُ ٦٣

Do they not know that whoever opposes Allāh and His Messenger - that for him is the fire of Hell, wherein he will abide eternally? That is the great disgrace.

﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيْ: أُولَئِكَ المُنافِقُونَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ عَلى ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ العَظِيمَةِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِما سَمِعُوا مِنَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِوَخامَةِ عاقِبَتِها، وقُرِئَ ( تَعْلَمُوا ) بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ إذا كانَ الخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ لا لِلْمُؤْمِنِينَ كَما قِيلَ بِهِ، وفي قِراءَةٍ ( ألَمْ تَعْلَمْ ) والخِطابُ إمّا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ واقِفٍ عَلَيْهِ، والعِلْمُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُتَعَدِّيَ لِمَفْعُولَيْنِ وأنْ يَكُونَ المُتَعَدِّيَ لِواحِدٍ ( أنَّهُ ) أيِ: الشَّأْنَ ﴿مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ يُخالِفُ أمْرَ اللَّهِ وأمْرَ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأصْلُ المُحادَّةِ مُفاعَلَةٌ مِنَ الحَدِّ بِمَعْنى الجِهَةِ والجانِبِ كالمُشاقَّةِ مِنَ الشَّقِّ والمُعاداةِ مِنَ العُدْوَةِ بِمَعْناهُ أيْضًا فَإنْ كانَ واحِدٌ مِن مُباشِرِي كُلٍّ مِنَ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ في حَدٍّ وشَقٍّ وعُدْوَةٍ غَيْرَ ما عَلَيْهِ صاحِبُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ الحَدِّ بِمَعْنى المَنعِ، و( مَن ) شَرْطِيَّةٌ جَوابُها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ عَلى أنَّ خَبَرَهُ مَحْذُوفٌ أيْ فَحَقٌّ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ، وقَدَّرَ ذَلِكَ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ لا يَكُونُ إلّا جُمْلَةً، وأنَّ المَفْتُوحَةَ مَعَ ما في حَيِّزِها مُفْرَدٌ تَأْوِيلًا، وقَدَّرَ مُقَدَّمًا لِأنَّها لا تَقَعُ في ابْتِداءِ الكَلامِ كالمَكْسُورَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُقَدَّرُ خَبَرًا أيِ الأمْرُ أنَّ لَهُ إلَخْ، وقِيلَ المُرادُ فَلَهُ نارُ جَهَنَّمَ وأنَّ تَكْرِيرَ ( أنَّ ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( أنَّهُ ) تَوْكِيدًا قِيلَ: وفِيهِ بَحْثٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ فَلَهُ وأنَّ تَوْكِيدًا لَكانَ نارُ جَهَنَّمَ مَرْفُوعًا ولَمْ يَعْمَلْ ( أنَّ ) فِيهِ، ولَما فُصِلَ بَيْنَ المُؤَكِّدِ والمُؤَكَّدِ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ، ولِما وقَعَ أجْنَبِيٌّ بَيْنَ فاءِ الجَزاءِ وما في حَيِّزِهِ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن بابِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ بَلِ التَّكْرِيرِ لِبُعْدِ العَهْدِ وهو مِن بابِ التَّطْرِيَةِ، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يَمْنَعُ العَمَلَ ودُخُولَ الفاءِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقَوْلُهُ:

لَقَدْ عَلِمَ الحَيُّ اليَمانُونَ أنَّنِي إذا قُلْتُ أمّا بَعْدُ أنِّي خَطِيبُها

وكَمْ وكَمْ، وجَعْلُ الآيَةِ مِن هَذا البابِ نَقَلَهُ سِيبَوَيْهَ في الكِتابِ عَنِ الخَلِيلِ وهو –هُوَ- ولَيْسَ ( زَعَمَ ) في كَلامِهِ تَمْرِيضًا لَهُ لِأنَّهُ عادَتُهُ في كُلِّ ما نَقَلَهُ كَما بَيَّنَهُ شُرّاحُهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ( أنَّهُ ) وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يَهْلَكُ فَإنَّ لَهُ إلَخْ، وحاصِلُهُ: ألَمْ يَعْلَمُوا هَذا وهَذا عَقِيبُهُ ولا يَخْفى بَعْدَهُ مَعَ أنَّ أبا حَيّانَ قالَ: إنَّهُ لا يَصِحُّ لِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّ حَذْفَ الجَوابِ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا أوْ مُضارِعًا مَجْزُومًا بِلَمْ وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ.

وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنَّ ما ذَكَرَهُ لَيْسَ مُتَّفِقًا عَلَيْهِ فَقَدْ نَصَّ ابْنُ هِشامٍ عَلى خِلافِهِ، فَكَأنَّهُ شَرْطٌ لِلْأكْثَرِيَّةِ، والقَوْلُ بِأنَّ حَقَّ العَطْفِ فِيما ذُكِرَ أنْ يَكُونَ بِالواوِ قالَ فِيهِ الشِّهابُ: لَيْسَ بِشَيْءٍ إلّا أنَّ اسْتِحْقاقَهُ النّارُ بِسَبَبِ المُحادَّةِ بِلا شُبْهَةٍ، وقُرِئَ. ( فَإنَّ ) بِالكَسْرِ ولا يَحْتاجُ إلى تَوْجِيهٍ لِظُهُورِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿خالِدًا فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ إنِ اعْتُبِرَ في الظَّرْفِ ابْتِداءُ الِاسْتِقْرارِ وحُدُوثُهُ وأنَّهُ اعْتُبِرَ مُطْلَقُ

صفحة 130

الِاسْتِقْرارِ فالأمْرُ واضِحٌ ( ذَلِكَ ) أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ ﴿الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ أيِ: الذُّلُّ والهَوانُ المُقارِنُ لِلْفَضِيحَةِ، ولا يَخْفى ما في الحَمْلِ مِنَ المُبالَغَةِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ.

9:64Page 197

يَحۡذَرُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيۡهِمۡ سُورَةٞ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلِ ٱسۡتَهۡزِءُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخۡرِجٞ مَّا تَحۡذَرُونَ ٦٤

The hypocrites are apprehensive lest a sūrah be revealed about them, informing them of1 what is in their hearts. Say, "Mock [as you wish]; indeed, Allāh will expose that which you fear."

﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ﴾ أيْ: مِن أنْ تُنَزَّلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَحْذَرُ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِ:

حَذِرٌ أُمُورًا لا تَضِيرُ وآمِنٌ ما لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ

وأنْكَرَ المُبَرِّدُ كَوْنَهُ مُتَعَدِّيًا لِأنَّ الحَذَرَ مِن هَيْئاتِ النَّفْسِ كالفَزَعِ، والبَيْتُ قِيلَ: إنَّهُ مَصْنُوعٌ، ورَدَّ ما قالَهُ المُبَرِّدُ بِأنَّ مِنَ الهَيْئاتِ ما يَتَعَدّى كَخافَ وخَشِيَ، فَما ذَكَرَهُ غَيْرُ لازِمٍ ( عَلَيْهِمْ ) أيْ في شَأْنِهِمْ، فَإنَّ ما نَزَلَ في حَقِّهِمْ نازِلٌ عَلَيْهِمْ، وهَذا إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ إذا كانَ الجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقًا بِتَنَزَّلُ، وأمّا إذا كانَ مُتَعَلِّقًا بِمُقَدَّرِ وقَعَ صِفَةً لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( سُورَةٌ ) كَما قِيلَ أيْ تَنْزِلُ سُورَةٌ كائِنَةٌ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِمْ: هَذا لَكَ وهَذا عَلَيْكَ، فَلا كَما لا يَخْفى إلّا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ الجارِّ بِما عِنْدَهُ، وصِفَةُ سُورَةٍ بِقَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ: ( تُنَبِّئُهم ) أيِ: المُنافِقِينَ ﴿بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ الأسْرارِ الخَفِيَّةِ فَضْلًا عَمّا كانُوا يُظْهِرُونَهُ فِيما بَيْنَهم خاصَّةً مِن أقاوِيلِ الكُفْرِ والنِّفاقِ، والمُرادُ أنَّها تُذِيعُ ما كانُوا يُخْفُونَهُ مِن أسْرارِهِمْ فَيَنْتَشِرُ فِيما بَيْنَ النّاسِ فَيَسْمَعُونَها مِن أفْواهِ الرِّجالِ مُذاعَةً فَكَأنَّهم تُخْبِرُهم بِها، وإلّا فَما في قُلُوبِهِمْ مَعْلُومٌ لَهم والمَحْذُورُ عِنْدَهم اطِّلاعُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ لَهم، وقِيلَ: المُرادُ تُخْبِرُهم بِما في قُلُوبِهِمْ عَلى وجْهٍ يَكُونُ المَقْصُودُ مِنهُ لازِمَ فائِدَةِ الخَبَرِ وهو عِلْمُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّنْبِئَةِ المُبالَغَةُ في كَوْنِ السُّورَةِ مُشْتَمِلَةً عَلى أسْرارِهِمْ كَأنَّها تَعْلَمُ مِن أحْوالِهِمُ الباطِنَةِ ما لا يَعْلَمُونَهُ فَتُنَبِّئُهم بِها وتَنْعِي عَلَيْهِمْ قَبائِحَهم، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرانِ الأوَّلانِ لِلْمُؤْمِنِينَ والثّالِثُ لِلْمُنافِقِينَ، وتَفْكِيكُ الضَّمائِرِ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ مُطْلَقًا بَلْ هو جائِزٌ عِنْدَ قُوَّةِ القَرِينَةِ وظُهُورِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ كَما هُنا، أيْ يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلى المُؤْمِنِينَ سُورَةٌ تُخْبِرُهم بِما في قُلُوبِ المُنافِقِينَ وتَهْتِكُ عَلَيْهِمْ أسْتارَهم وتُفْشِي أسْرارَهم، وفي الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم يَحْذَرُونَ ذَلِكَ إشْعارٌ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا عَلى بَتٍّ في أمْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: كانَ إظْهارُ الحَذَرِ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ فَإنَّهم كانُوا إذا سَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَذْكُرُ كُلَّ شَيْءٍ ويَقُولُ: إنَّهُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ- يُكَذِّبُونَهُ ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ وقَعَ مِنهُمُ اسْتِهْزاءٌ بِهَذِهِ المَقالَةِ، والأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ والقائِلُونَ بِما تَقَدَّمَ قالُوا: المُرادُ نافَقُوا لِأنَّ المُنافِقَ مُسْتَهْزِئٌ وكَما جُعِلَ قَوْلُهم: آمَنّا وما هم بِمُؤْمِنِينَ مُخادَعَةً في البَقَرَةِ جُعِلَ هُنا اسْتِهْزاءً، وقِيلَ: إنَّ ( يَحْذَرُ ) خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ أيْ لِيَحْذَرْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ يَنْبُو عَنْهُ نَوْعُ نُبُوَّةٍ إلّا أنْ يُرادَ ما يَحْذَرُونَ بِمُوجِبِ هَذا الأمْرِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ مُنَزِّلٌ سُورَةً كَذَلِكَ أوْ مُنَزِّلٌ ما تَحْذَرُونَ لَكِنْ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلْمُبالِغَةِ؛ إذْ مَعْناهُ مُبْرِزٌ ما تَحْذَرُونَهُ مِن إنْزالِ السُّورَةِ، أوْ لِأنَّهُ أعَمُّ إذِ المُرادُ مُظْهِرٌ كُلَّ ما تَحْذَرُونَ ظُهُورَهُ مِنَ القَبائِحِ، وإسْنادُ الإخْراجِ إلى اللَّهِ تَعالى لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يُخْرِجُهُ إخْراجًا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، والتَّأْكِيدُ لِدَفْعِ التَّرَدُّدِ أوْ رَدِّ الإنْكارِ.

9:65Page 197

وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ ٦٥

And if you ask them, they will surely say, "We were only conversing and playing." Say, "Is it Allāh and His verses and His Messenger that you were mocking?"

﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ عَمّا قالُوهُ ﴿لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في غَزْوَتِهِ إلى تَبُوكَ إذْ نَظَرَ إلى أُناسٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ المُنافِقِينَ يَقُولُونَ: أيَرْجُو هَذا الرَّجُلُ أنْ تُفْتَحَ لَهُ قُصُورُ الشّامِ وحُصُونُها هَيْهاتَ هَيْهاتَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: احْبِسُوا عَلى هَؤُلاءِ الرَّكْبِ فَأتاهم فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ:

صفحة 131

قُلْتُمْ كَذا وكَذا؟ قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَنَزَلَتْ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «قالَ رَجُلٌ في غَزْوَةِ تَبُوكَ ما رَأيْنا مِثْلَ قُرّائِنا هَؤُلاءِ لا أرْغَبَ بُطُونًا ولا أكْذَبَ ألْسِنَةً ولا أجْبَنَ عِنْدَ اللِّقاءِ، فَقالَ رَجُلٌ: كَذَبْتَ ولَكِنَّكَ مُنافِقٌ لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ونَزَلَ القُرْآنُ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَأنا رَأيْتُ الرَّجُلَ مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والحِجارَةُ تُنْكِيهِ وهو يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ. ورَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ ما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾» وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ هَذا المُتَعَلِّقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَأْسُ المُنافِقِينَ، وهَلْ أنْكَرُوا ما قالُوهُ واعْتَذَرُوا بِهَذا العُذْرِ الباطِلِ أوْ لَمْ يُنْكِرُوهُ وقالُوا ما قالُوا فِيهِ خِلافٌ والإمامُ عَلى الثّانِي وهو أوْفَقُ بِظاهِرِ النَّظْمِ الجَلِيلِ.

وأصْلُ الخَوْضِ الدُّخُولُ في مائِعٍ مِثْلِ الماءِ والطِّينِ ثُمَّ كَثُرَ حَتّى صارَ اسْمًا لِكُلِّ دُخُولٍ فِيهِ تَلْوِيثٌ وإيذاءٌ، وأرادُوا إنَّما نَلْعَبُ ونَتَلَهّى لِتَقْصُرَ مَسافَةُ السَّفَرِ بِالحَدِيثِ، والمُداعَبَةُ كَما يَفْعَلُ الرَّكْبُ ذَلِكَ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنّا عَلى طَرِيقِ الجِدِّ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ، وأوْلى المُتَعَلِّقَ إيذانًا بِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ واقِعٌ لا مَحالَةَ لَكِنَّ الخِطابَ في المُسْتَهْزَأِ بِهِ، أيْ قُلْ لَهم غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلى اعْتِذارِهِمْ ناعِيًا عَلَيْهِمْ جِناياتِهِمْ: قَدِ اسْتَهْزَأْتُمْ بِمَن لا يَصِحُّ الِاسْتِهْزاءُ بِهِ وأخْطَأْتُمْ مَواقِعَ فِعْلِكُمُ الشَّنِيعِ الَّذِي طالَما ارْتَكَبْتُمُوهُ، ومَن تَأمَّلَ عَلِمَ أنَّ قَوْلَهُمُ السّابِقَ في سَبَبِ النُّزُولِ مُتَضَمِّنٌ لِلِاسْتِهْزاءِ المَذْكُورِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском