Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ash-Shams 91:13–15
91:13Page 595
فَقَالَ لَهُمۡ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقۡيَٰهَا ١٣
And the messenger of Allāh [i.e., Ṣāliḥ] said to them, "[Do not harm] the she-camel of Allāh or [prevent her from] her drink."
﴿فَقالَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِثَمُودَ أوْ لِأشْقاها عَلى ما قِيلَ: بِناءً أنَّ المُرادَ بِهِ جَمْعٌ ولا يَأْباهُ.
﴿وسُقْياها﴾ كَما لا يَخْفى ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ هو صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَبَّرَ عَنْهُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ إيذانًا بِوُجُوبِ طاعَتِهِ وبَيانًا لِغايَةِ عُتُوِّهِمْ وتَمادِيهِمْ في الطُّغْيانِ وهو السِّرُّ في إضافَةِ النّاقَةِ إلَيْهِ تَعالى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ وهو نَصْبٌ عَلى التَّحْذِيرِ وشَرْطُهُ لَيْسَ تَكْرِيرَ المُحَذَّرِ مِنهُ أوْ كَوْنُهُ مُحَذَّرًا بِما بَعْدَهُ فَقَطْ لِيُقالَ هو مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ: ذَرُوا أوِ احْذَرُوا لا عَلى التَّحْذِيرِ، بَلى شَرْطُهُ ذاكَ أوِ العَطْفُ عَلَيْهِ كَما هُنا عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ مَكِّيٌّ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيِ احْذَرُوا عَقْرَ ناقَةِ اللَّهِ أوِ المَعْنى عَلى ذَلِكَ وإنْ لَمْ يُقَدَّرْ في نَظْمِ الكَلامِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: عَظِّمُوا أوِ الزَمُوا ناقَةَ اللَّهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿وسُقْياها﴾ أيْ: واحْذَرُوا سُقْياها فَلا تَتَعَرَّضُوا بِمَنعِها عَنْها في نَوْبَتِها ولا تَسْتَأْثِرُوا بِها عَلَيْها. وقِيلَ: الواوُ لِلْمَعِيَّةِ والمُرادُ ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ مَعَ سُقْياها ولا تَحُولُوا بَيْنَهُما وهو كَما تَرى.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: «ناقَةُ اللَّهِ» بِالرَّفْعِ فَقِيلَ: أيْ: هَمُّكم ناقَةُ اللَّهِ وسُقْياها فَلا تَعْقِرُوها ولا تَسْتَأْثِرُوا بِالسُّقْيا عَلَيْها
91:14Page 595
فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمۡدَمَ عَلَيۡهِمۡ رَبُّهُم بِذَنۢبِهِمۡ فَسَوَّىٰهَا ١٤
But they denied him and hamstrung1 her. So their Lord brought down upon them destruction for their sin and made it equal [upon all of them].
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أيْ: في وعِيدِهِ إيّاهم كَما حُكِيَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فالتَّكْذِيبُ لِخَبَرٍ مُقَدَّرٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِخَبَرٍ تَضَمَّنَهُ الأمْرُ التَّحْذِيرِيُّ السّابِقُ وهو الخَبَرُ بِحُلُولِ العَذابِ إنْ فَعَلُوا ما حَذَّرَهم مِنهُ وقِيلَ: إنَّ ما قالَهُ لَهم مِنَ الأمْرِ قالَهُ ناقِلًا لَهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ، ومَآلُ ذَلِكَ أنَّهُ قالَ لَهُمْ: إنَّهُ قالَ اللَّهُ تَعالى:
صفحة 146
﴿ناقَةَ اللَّهِ وسُقْياها﴾ فالتَّكْذِيبُ لِذَلِكَ وهو وجْهٌ لا بَأْسَ بِهِ ﴿فَعَقَرُوها﴾ أيْ: فَنَحَرُوها أوْ فَقَتَلُوها، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْأشْقى وجَمْعُهُ عَلى تَقْدِيرِ وحْدَتِهِ لِرِضا الكُلِّ بِفِعْلِهِ. قالَ قَتادَةُ: بَلَغَنا أنَّهُ لَمْ يَعْقِرْها حَتّى تابَعَهُ صَغِيرُهم وكَبِيرُهم وذَكَرُهم وأُنْثاهم.
﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ فَأطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ وقالُوا: دَمْدَمَ عَلَيْهِ القَبْرَ؛ أيْ: أطْبَقَهُ وهو مِمّا تُكَرَّرُ فِيهِ الفاءُ، فَوَزْنُهُ فَعْفَلَ لا فَعْلَلَ مِن قَوْلِهِمْ: ناقَةٌ مَدْمُومَةٌ إذا لَبِسَها الشَّحْمُ وغَطّاها، وقالَ في القامُوسِ: مَعْناهُ أتَمَّ العَذابَ عَلَيْهِمْ. وقالَ مُؤَرِّخٌ: الدَّمْدَمَةُ إهْلاكٌ بِاسْتِئْصالٍ. وفي الصِّحاحِ: دَمْدَمْتُ الشَّيْءَ ألْزَقْتُهُ بِالأرْضِ وطَحْطَحْتُهُ. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ: «فَدَهْدَمَ» بَهاءٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ والمَعْنى كَما تَقَدَّمَ.
﴿بِذَنْبِهِمْ﴾ بِسَبَبِ ذَنْبِهِمُ المَحْكِيِّ، والتَّصْرِيحُ بِذَلِكَ مَعَ دَلالَةِ الفاءِ عَلَيْهِ لِلْإنْذارِ بِعاقِبَةِ الذَّنْبِ لِيَعْتَبِرَ بِهِ كُلُّ مُذْنِبٍ.
﴿فَسَوّاها﴾ الضَّمِيرُ لِلدَّمْدَمَةِ المَفْهُومَةِ مِن دَمْدَمَ؛ أيْ: فَجَعَلَ الدَّمْدَمَةَ سَواءً بَيْنَهم أوْ جَعَلَها عَلَيْهِمْ سَواءً فَلَمْ يُفْلِتْ سُبْحانَهُ مِنهم أحَدًا لا صَغِيرًا ولا كَبِيرًا أوْ هو لِثَمُودَ، والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ القَبِيلَةِ كَما في «طَغْواها وأشْقاها» والمَعْنى ما ذُكِرَ أيْضًا أوْ فَسَوّاها بِالأرْضِ.
﴿ولا يَخافُ﴾ أيِ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ: ﴿عُقْباها﴾ أيْ: عاقِبَتَها وتَبِعَتَها كَما يَخافُ المُعاقِبُونَ مِنَ المُلُوكِ عاقِبَةَ ما يَفْعَلُونَهُ وتَبِعَتَهُ. وهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِإهانَتِهِمْ وأنَّهم أذِلّاءُ عِنْدَ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ، والواوُ لِلْحالِ أوْ لِلِاسْتِئْنافِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿لا يَخافُ﴾ لِلرَّسُولِ والواوُ لِلِاسْتِئْنافِ لا غَيْرَ عَلى ما هو الظّاهِرُ، أيْ: ولا يَخافُ الرَّسُولُ عُقْبى هَذِهِ الفِعْلَةِ بِهِمْ؛ إذْ كانَ قَدْ أنْذَرَهم وحَذَّرَهم. وقالَ السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ والزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ: الواوُ لِلْحالِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى «أشْقاها» أيِ انْبَعَثَ لِعَقْرِها وهو لا يَخافُ عُقْبى فِعْلِهِ لِكُفْرِهِ وطُغْيانِهِ وهو أبْعَدُ مِمّا قَبْلَهُ بِكَثِيرٍ.
وقَرَأ أُبَيٌّ والأعْرَجُ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: «فَلا يَخافُ» بِالفاءِ وقُرِئَ «ولَمْ يَخَفْ» بِواوٍ وفِعْلٍ مَجْزُومٍ بِلَمْ. هَذا واخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ القَوْمِ؛ هَلْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا أوْ لَمْ يُؤْمِنُوا أصْلًا فالجُمْهُورُ عَلى الثّانِي، وذَهَبَ بَعْضٌ إلى أنَّهم آمَنُوا وبايَعُوا صالِحًا مُدَّةً ثُمَّ كَذَّبُوهُ وكَفَرُوا فَأُهْلِكُوا بِما فُصِّلَ في مَوْضِعٍ آخَرَ.
وقالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ في فُصُوصِهِ: إنَّهم وقَوْمَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لا نَجاةَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ولَمْ يُساوَ غَيْرُهم مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المُهْلَكَةِ في الدُّنْيا كَقَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِمْ. ولِكَلامِهِ قُدِّسَ سِرُّهُ أهْلٌ يَفْهَمُونَهُ فارْجِعْ إلَيْهِمْ في فَهْمِهِ إنْ وجَدْتَهم.
وذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ التَّأْوِيلِ أنَّ «الشَّمْسَ» إشارَةٌ إلى ذاتِ واجِبِ الوُجُودِ سُبْحانَهُ وتَعالى. و«ضُحاها» إشارَةٌ إلى الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ و«القَمَرَ» إشارَةٌ إلى ماهِيَّةِ المُمْكِنِ المُسْتَفِيدَةِ لِلْوُجُودِ مِن شَمْسِ الذّاتِ. و«النَّهارَ» إشارَةٌ إلى العالَمِ بِسائِرِ أنْواعِهِ الَّذِي ظَهَرَتْ بِهِ صِفاتُ جَمالِ الذّاتِ وجَلالِهِ وكَمالِهِ و«اللَّيْلَ» إشارَةٌ إلى العالَمِ بِسائِرِ أنْواعِهِ الَّذِي ظَهَرَتْ بِهِ صِفاتُ جَمالِ الذّاتِ وجَلالِهِ وكَمالِهِ. و«اللَّيْلَ» إلى وُجُودِ ما يُشاهَدُ مِن أنْواعِ المُمْكِناتِ السّاتِرِ في أعْيُنِ المَحْجُوبِينَ لِلْوُجُودِ الحَقِّ. و«السَّماءَ» إشارَةٌ إلى عالَمِ العَقْلِ. و«الأرْضَ» إشارَةٌ إلى عالَمِ الجِسْمِ، والنَّفْسُ مَعْلُومَةٌ. و«ناقَةَ اللَّهِ» إشارَةٌ إلى راحِلَةِ الشَّوْقِ المَوْصُولَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، و«سُقْياها» إشارَةٌ إلى مَشْرَبِها مِن عِينِ الذِّكْرِ والفِكْرِ، وقالَ بَعْضٌ آخَرُ: الشَّمْسُ إشارَةٌ إلى الوُجُودِ الحَقِّ الَّذِي هو عَيْنُ الواجِبِ تَعالى؛ فَهو أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ، اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ. وقالَ شَيْخُ مَشايِخِنا البَنْدَنِيجِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ:
ظاهِرٌ أنْتَ ولَكِنْ لا تُرى لِعُيُونٍ حَجَبَتْها النُّقَطُ
و«ضُحاها» إشارَةٌ إلى أوَّلِ التَّعَيُّناتِ بِأيِّ اسْمٍ سَمَّيْتَهُ و«القَمَرَ» إشارَةٌ إلى الأعْيانِ الثّابِتَةِ المُفاضَةِ بِالفَيْضِ الأقْدَسِ أوِ «الشَّمْسُ» إشارَةٌ إلى الذّاتِ و«ضُحاها» إشارَةٌ إلى وُجُودِها والإضافَةُ لِلتَّغايُرِ الِاعْتِبارِيِّ. و«القَمَرَ» إشارَةٌ إلى أوَّلِ التَّعَيُّناتِ و«النَّهارَ» إشارَةٌ إلى المُمْكِناتِ المُفاضَةِ بِالفَيْضِ المُقَدَّسِ و«اللَّيْلَ» إشارَةٌ إلَيْها أيْضًا بِاعْتِبارِ نَظَرِ المَحْجُوبِينَ أوِ النَّهارَ إشارَةٌ إلى صِفَةِ الجَمالِ، واللَّيْلَ إشارَةٌ إلى صِفَةِ القَهْرِ والجَلالِ. و«السَّماءَ» إشارَةٌ إلى عالَمِ اللَّطافَةِ، وذِكْرُ النَّفْسِ بَعْدَ مَعَ دُخُولِها في هَذا العالَمِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِها و«الأرْضَ» إشارَةٌ إلى عالَمِ الكَثافَةِ. و«ناقَةَ اللَّهِ» إشارَةٌ إلى الطَّرِيقَةِ و«سُقْياها»
صفحة 147
مَشْرَبُها مِن عَيْنِ الشَّرِيعَةِ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences