Al-AlusiAd‑Duhaa · 93:4–8

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ad-Duhaa 93:4–8

93:4Page 596

وَلَلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَىٰ ٤

And the Hereafter is better for you than the first [life].

وحَيْثُ تَضَمَّنَ ما سَبَقَ مِن نَفْيِ التَّوْدِيعِ والقِلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يَزالُ يُواصِلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالوَحْيِ والكَرامَةِ في الدُّنْيا بُشِّرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ ما سَيُؤْتاهُ في الآخِرَةِ أجَلُّ وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ فَقِيلَ: ﴿ولَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ لِما أنَّها باقِيَةٌ صافِيَةٌ عَنِ الشَّوائِبِ عَلى الإطْلاقِ وهَذِهِ فانِيَةٌ مَشُوبَةٌ بِالمَضارِّ، وما أُوتِيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن شَرَفِ النُّبُوَّةِ وإنْ كانَ مِمّا لا يُعادِلُهُ شَرَفٌ ولا يُدانِيهِ فَضْلٌ لَكِنَّهُ لا يَخْلُو في الدُّنْيا عَنْ بَعْضِ العَوارِضِ القادِحَةِ في تَمْشِيَةِ الأحْكامِ مَعَ أنَّهُ عِنْدَ ما أُعِدَّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الآخِرَةِ مِنَ السَّبْقِ والتَّقَدُّمِ عَلى كافَّةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمَ الجَمْعِ يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ، وكَوْنِ أُمَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شُهَداءَ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، ورَفْعِ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ وإعْلاءِ مَراتِبِهِمْ بِشَفاعَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ الَّتِي لا تُحِيطُ بِها العَبّاراتُ وتَقْصُرُ دُونَها الإشاراتُ بِمَنزِلَةِ بَعْضِ المَبادِئِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَطالِبِ كَذا في الإرْشادِ والِاخْتِصاصِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ اللّامُ قِيلَ: إضافِيٌّ عَلى مَعْنى اخْتِصاصِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِخَيْرِيَّةِ الآخِرَةِ دُونَ مَن آذاهُ وشَمَتَ بِتَأْخِيرِ الوَحْيِ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولا مانِعَ مِن عُمُومِهِ لِجَمِيعِ الفائِزِينَ كَيْفَ وقَدْ عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الخَيْرَ المُعَدَّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَيْرٌ مِن المُعَدِّ لِغَيْرِهِ عَلى الإطْلاقِ، ويَكْفِي في ذَلِكَ اخْتِصاصُ المَقامِ المَحْمُودِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أنَّ اخْتِصاصَ اللّامِ لَيْسَ قَصْرِيًّا كَما قُرِّرَ في مَوْضِعِهِ، وحَمْلُ الآخِرَةِ عَلى الدّارِ الآخِرَةِ المُقابِلَةِ لِلدُّنْيا والأوْلى عَلى الدّارِ الأُولى وهي الدُّنْيا هو الظّاهِرُ المَرْوِيُّ عَنْ أبِي إسْحاقَ وغَيْرِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وجَماعَةٌ:

يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِما نِهايَةَ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبِدايَتَهُ فاللّامُ فِيهِما لِلْعَهْدِ أوْ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ؛ أيْ: لَنِهايَةُ أمْرِكَ خَيْرٌ مِن بِدايَتِهِ لا تَزالُ تَتَزايَدُ قُوَّةً وتَتَصاعَدُ رِفْعَةً. وفي بَعْضِ الأخْبارِ المَرْفُوعَةِ ما هو أظْهَرُ في الأوَّلِ.

أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««عُرِضَ عَلَيَّ ما هو مَفْتُوحٌ لِأُمَّتِي بَعْدِي فَسَرَّنِي» . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾» .

ثُمَّ إنَّ رَبْطَ الآيَةِ بِما قَبْلَها عَلى الوَجْهِ الَّذِي سَمِعْتَ هو ما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأجِلَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ فِيهِ: إنَّهُ لَمّا نَزَلَ: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ حَصَلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ فَكَأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اسْتَعْظَمَ ذَلِكَ فَقِيلَ: لَهُ ﴿ولَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ عَلى مَعْنى أنَّ هَذا التَّشْرِيفَ وإنْ كانَ عَظِيمًا إلّا أنَّ ما لَكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى في الآخِرَةِ خَيْرٌ وأعْظَمُ،

صفحة 159

وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ انْقِطاعَ الوَحْيِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِما يَتَوَهَّمُونَ لِأنَّهُ عَزْلٌ عَنِ النُّبُوَّةِ وهو مُسْتَحِيلٌ في الحِكْمَةِ بَلْ أقْصى ما في البابِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّهُ حَصَلَ الِاسْتِغْناءُ عَنِ الرِّسالَةِ وذَلِكَ أمارَةُ المَوْتِ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: انْقِطاعُ الوَحْيِ مَتى حَصَلَ دَلَّ عَلى المَوْتِ لَكِنَّ المَوْتَ خَيْرٌ لَكَ؛ فَإنَّ ما لَكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى في الآخِرَةِ أفْضَلُ مِمّا لَكَ في الدُّنْيا، وهَذا كَما تَرى دُونَ ما قَبْلَهُ بِكَثِيرٍ، والمُتَبادِرُ مِمّا قَرَّرُوهُ أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ واللّامَ فِيها ابْتِدائِيَّةٌ.

93:5Page 596

وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ ٥

And your Lord is going to give you, and you will be satisfied.

وقَدْ صَرَّحَ جَمْعٌ بِأنَّها كَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ وقالُوا: فائِدَتُها تَأْكِيدُ مَضْمُونٍ لِجُمْلَةٍ وبَعْدَها مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ولَأنْتَ سَوْفَ يُعْطِيكَ إلَخْ وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ التَّأْكِيدَ يَقْتَضِي الِاعْتِناءَ والحَذْفَ يُنافِيهِ؛ ولِذا قالَ ابْنُ الحاجِبِ: إنَّ المُبْتَدَأ المُؤَكَّدَ بِاللّامِ لا يُحْذَفُ، وإنَّ اللّامَ مَعَ المُبْتَدَأِ كَقَدْ مَعَ الفِعْلِ وإنَّ مَعَ الِاسْمِ، فَكَما لا يُحْذَفُ الفِعْلُ والِاسْمُ ويَبْقَيانِ بَعْدَ حَذْفِهِما كَذَلِكَ لا يُحْذَفُ المُبْتَدَأُ وتَبْقى اللّامُ وإنَّهُ يَلْزَمُ التَّقْدِيرُ والأصْلُ عَدَمُهُ، وأنَّ اللّامَ لِتَخَلُّصِ المُضارِعِ الَّذِي في حَيِّزِها لِلْحالِ كَتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وهو هُنا مَقْرُونٌ بِحَرْفِ التَّنْفِيسِ والتَّأْخِيرِ فَيَلْزَمُ التَّنافِي، ورُدَّ بِأنَّ المُؤَكِّدَ الجُمْلَةُ لا المُبْتَدَأُ وحْدَهُ حَتّى يُنافِيَ تَأْكِيدُهُ حَذْفَهُ، وكَلامُابْنِ الحاجِبِ لَيْسَ حُجَّةً عَلى الفارِسِيِّ وأمْثالِهِ، وأنْ يُحْذَفَ مَعَها الِاسْمُ كَثِيرًا كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ وكَذا قَدْ يُحْذَفُ بَعْدَها الفِعْلُ كَقَوْلِهِ:

أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ

مَعَ أنَّهُ لَوْ سُلِّمَ فَقَدْ يُفَرَّقُ كَما قالَ الطِّيبِيُّ بَيْنَ أنَّ وقَدْ وهَذِهِ اللّامِ؛ بِأنَّهُما يُؤَثِّرانِ في المَدْخُولِ عَلَيْهِ مَعَ التَّأْكِيدِ بِخِلافِ هَذِهِ اللّامِ؛ فَإنَّ مُقْتَضاها أنْ تُؤَكِّدَ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ لا غَيْرَ وهو باقٍ، وإنْ حُذِفَ المُبْتَدَأُ فالقِياسُ قِياسٌ مَعَ الفارِقِ، والنَّحْوِيُّونَ يُقَدِّرُونَ كَثِيرًا في الكَلامِ كَما قَدَّرُوا المُبْتَدَأ في نَحْوِ: قُمْتُ وأصُكُّ عَيْنَهُ. وهو لِأجْلِ الصِّناعَةِ دُونَ المَعْنى كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ واللّامُ المُؤَكِّدَةُ لا نُسَلِّمُ أنَّها لِتَخْلِيصِ المُضارِعِ لِلْحالِ أيْضًا بَلْ هي لِمُطْلَقِ التَّأْكِيدِ فَقَطْ ويُفْهَمُ مَعَها الحالُ بِالقَرِينَةِ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِالتَّأْكِيدِ. وعَلى تَسْلِيمِ أنَّها لِتَخْلِيصِهِ لِلْحالِ أيْضًا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّها تَجَرَّدَتْ لِلتَّأْكِيدِ هُنا بِقَرِينَةِ ذِكْرِ سَوْفَ بَعْدَها، والمُرادُ تَأْكِيدُ المُؤَخَّرِ؛ أعْنِي الإعْطاءَ لا تَأْكِيدَ التَّأْخِيرِ، فالمَعْنى أنَّ الإعْطاءَ كائِنٌ لا مَحالَةَ وإنْ تَأخَّرَ لِحِكْمَةٍ وعَلى تَسْلِيمِ أنَّها لِلْأمْرَيْنِ ولا تُجَرَّدُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: نُزِّلَ المُسْتَقْبَلُ أعْنِي الإعْطاءَ الَّذِي يَعْقُبُهُ الرِّضا لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ مَنزِلَةَ الواقِعِ الحالِيِّ نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وقِيلَ: يَحْسُنُ هَذا جِدًّا فِيما نَحْنُ فِيهِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الإعْطاءَ قَدْ شُرِعَ فِيهِ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ بِناءً عَلى أحَدِ أوْجُهِها الآتِيَةِ بَعْدَ أنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وذَهَبَ بَعْضُهم بِأنَّ اللّامَ الأُولى لِلْقَسَمِ وكَذا هَذِهِ اللّامُ وبِقَسَمِيَّتِها جَزَمَ غَيْرُ واحِدٍ، فالواوُ عَلَيْهِ لِلْعَطْفِ فَكِلا الوَعْدَيْنِ داخِلٌ في المَقْسَمِ عَلَيْهِ، ويَكُونُ اللَّهُ تَعالى قَدْ أقْسَمَ عَلى أرْبَعَةِ أشْياءَ؛ اثْنانِ مَنفَيانِ واثْنانِ مُثْبَتانِ وهو حَسَنٌ في نَظَرِي، واعْتُرِضَ بِأنَّ لامَ القَسَمِ لا تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ إلّا مَعَ النُّونِ المُؤَكِّدَةِ، فَلَوْ كانَتْ لِلْقَسَمِ لَقِيلَ: «لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ» ولا يَخْفى أنَّ هَذا أحَدُ مَذْهَبَيْنِ لِلنُّحاةِ والآخَرُ أنَّهُ يُسْتَثْنى ما قُرِنَ بِحَرْفِ تَنْفِيسٍ كَما هُنا، فَفي المُغْنِي أنَّهُ تَجِبُ اللّامُ وتَمْتَنِعُ النُّونُ فِيهِ كَقَوْلِهِ:

فَوَرَبِّي لَسَوْفَ يُجْزى الَّذِي ∗∗∗ أسْلَفَ المَرْءُ سَيِّئًا أوْ جَمِيلا

وكَذا مَعَ فَصْلِ مَعْمُولٍ بَيْنَ اللّامِ والفِعْلِ نَحْوَ: ﴿ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ ومَعَ كَوْنِ الفِعْلِ لِلْحالِ نَحْوَ: «لا أُقْسِمُ» وقَدْ يَمْتَنِعانِ؛ وذَلِكَ مَعَ الفِعْلِ المَنفِيِّ نَحْوَ: ﴿تاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ وقَدْ يَجِبانِ؛ وذَلِكَ فِيما بَقِيَ نَحْوَ: ﴿وتاللَّهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ وعَلَيْهِ لا يَتَّجِهُ الِاعْتِراضُ مَعَ أنَّ المَمْنُوعَ بِدُونِ النُّونِ في جَوابِ القَسَمِ لا في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ كَما هُنا فَإنَّهُ يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعِ، وإنَّما ذُكِرَتِ اللّامُ تَأْكِيدًا لِلْقَسَمِ وتَذْكِيرًا بِهِ، وبِالجُمْلَةِ هَذا الوَجْهُ أقَلُّ دَغْدَغَةً مِنَ الوَجْهِ السّابِقِ ولا يُحْتاجُ فِيهِ إلى تَوْجِيهِ جَمِيعِ اللّامِ مَعَ سَوْفَ؛ إذْ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِن

صفحة 160

عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ بِأنَّ اللّامَ القَسَمِيَّةَ مُخَلِّصَةٌ المُضارِعَ لِلْحالِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن تَتَّبَعَ كُتُبَهُمْ، وظاهِرُ كَلامِ الفاضِلِ الكِلِنْبَوِيِّ أنَّ كُلًّا مِنَ اللّامَيْنِ مَوْضُوعٌ لِلدَّلالَةِ عَلى الحالِ، ووَجْهُ الجَمْعِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها في الآيَةِ قَسَمِيَّةٌ بِأنَّها مَحْمُولَةٌ عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ، وسَوْفَ مَحْمُولَةٌ عَلى تَأْكِيدِ الحُكْمِ؛ ولِذا قامَتْ مَقامَ إحْدى النُّونَيْنِ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وقَدْ أطالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى الكَلامَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ وأتى عَلى غَزارَةِ فَضْلِهِ بِما يُسْتَبْعَدُ صُدُورُهُ مِن مِثْلِهِ. وقالَ عِصامُ الدِّينِ: الأظْهَرُ أنَّ جُمْلَةَ: ﴿ما ودَّعَكَ﴾ حالِيَّةٌ؛ أيْ: ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلاكَ، والحالُ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى وأنْتَ تَخْتارُها عَلَيْها، ومَن حالُهُ كَذَلِكَ لا يَتْرُكُهُ رَبُّهُ فَفِيهِ إرْشادٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إلى ما هو مِلاكُ قُرْبِ العَبْدِ إلى الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ وتَوْبِيخٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِما هم فِيهِ مِنَ التِزامِ أمْرِ الدُّنْيا والإعْراضِ عَنِ الآخِرَةِ، وحِينَئِذٍ مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ﴾ أنَّهُ سَوْفَ يُعْطِيكَ الآخِرَةَ ولا يَخْفى حِينَئِذٍ كَمالُ اشْتِباكِ الجُمَلِ. انْتَهى.

وفِيهِ أنَّ دُخُولَ اللّامِ عَلَيْها مَعَ دُخُولِهِ عَلى الجُمْلَةِ بَعْدَها وسَبْقَهُما بِالقَسَمِ يُبْعِدُ الحالِيَّةَ جِدًّا، وأيْضًا المَعْنى ذِكْرُهُ عَلى تَقْدِيرِها غَيْرُ ظاهِرٍ مِنَ الآيَةِ وكانَ الظّاهِرُ عَلَيْهِ عِنْدَكَ بَدَلٌ لَكَ كَما لا يَخْفى عَلَيْكَ.

واخْتُلِفَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ﴾ إلَخْ فَقِيلَ: هو عِدَةٌ كَرِيمَةٌ شامِلَةٌ لِما أعْطاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في الدُّنْيا مِن كَمالِ النَّفْسِ وعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ وظُهُورِ الأمْرِ وإعْلاءِ الدِّينِ بِالفُتُوحِ الواقِعَةِ في عَصْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفي أيّامِ خُلَفائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُلُوكِ الإسْلامِيَّةِ وفُشُوِّ الدَّعْوَةِ والإسْلامِ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، ولِما ادَّخَرَ جَلَّ وعَلا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الآخِرَةِ مِنَ الكَراماتِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا هو جَلَّ جَلالُهُ وعَمَّ نُوالُهُ وقِيلَ: عِدَةٌ بِما أعْطاهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في الدُّنْيا مِن فَتْحِ مَكَّةَ وغَيْرِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ عِدَةٌ أُخْرَوِيَّةٌ، فَأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هي الشَّفاعَةُ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ بَعْضِ أهْلِ البَيْتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.

أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن طَرِيقِ حَرْبِ بْنِ شُرَيْحٍ قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ عَلى جَدِّهِمْ وعَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أرَأيْتَ هَذِهِ الشَّفاعَةَ الَّتِي يَتَحَدَّثُ بِها أهْلُ العِراقِ أحَقٌّ هِيَ؟ قالَ: إي واللَّهِ؛ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «أشْفَعُ لِأُمَّتِي حَتّى يُنادِيَ رَبِّي: أرَضِيتَ يا مُحَمَّدُ؟ فَأقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ رَضِيتُ». ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيَّ فَقالَ: إنَّكم تَقُولُونَ يا مَعْشَرَ أهْلِ العِراقِ: إنَّ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهِ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ قُلْتُ: إنّا لَنَقُولُ ذَلِكَ. قالَ: فَكُلُّنا أهْلَ البَيْتِ نَقُولُ: إنَّ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ وقالَ: هي الشَّفاعَةُ».

وقِيلَ: هي أعَمُّ مِنَ الشَّفاعَةِ وغَيْرِها ويُرْشِدُ إلَيْهِ ما أخْرَجَهُ العَسْكَرِيُّ في المَواعِظِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى فاطِمَةَ وهي تَطْحَنُ بِالرَّحا وعَلَيْها كِساءٌ مِن جِلْدِ الإبِلِ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْها قالَ: «يا فاطِمَةُ تَعَجَّلِي مَرارَةَ الدُّنْيا بِنَعِيمِ الآخِرَةِ غَدًا». فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾» .

وقالَ أبُو حَيّانَ: الأوْلى العُمُومُ لِما في الدُّنْيا والآخِرَةِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ، والخَبَرُ المَذْكُورُ لَوْ سُلِّمَ صِحَّتُهُ لا يَأْبى ذَلِكَ. نَعَمْ عَطايا الآخِرَةِ أعْظَمُ مِن عَطايا الدُّنْيا بِكَثِيرٍ، فَقَدْ رَوى الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ قالَ: أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى في الجَنَّةِ ألْفَ قَصْرٍ مِن لُؤْلُؤٍ، تُرابُهُ المِسْكُ في كُلِّ قَصْرٍ ما يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الأزْواجِ والخَدَمِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: في الآيَةِ مِن رِضا مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ لا يَدْخُلَ أحَدٌ مِن أهْلِ بَيْتِهِ النّارَ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: رِضاهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُدْخِلَ أُمَّتَهُ كُلَّهُمُ الجَنَّةَ، وفي رِوايَةِ الخَطِيبِ في تَلْخِيصِ المُتَشابِهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ: لا يَرْضى مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأحَدٌ مِن أُمَّتِهِ في النّارِ، وهَذا ما تَقْتَضِيهِ

صفحة 161

شَفَقَتُهُ العَظِيمَةُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أُمَّتِهِ؛ فَقَدْ كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَرِيصًا عَلَيْهِمْ رَءُوفًا بِهِمْ مُهْتَمًّا بِأمْرِهِمْ.

وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَلا قَوْلَ اللَّهِ تَعالى في إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي﴾ وقَوْلَهُ تَعالى في عِيسى: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ الآيَةَ. فَرَفَعَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَدَيْهِ وقالَ: «اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي» وبَكى فَقالَ اللَّهُ تَعالى: يا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقُلْ لَهُ: إنّا سَنُرْضِيكَ في أُمَّتِكَ ولا نَسُوؤُكَ».

وفِي إعادَةِ اسْمِ الرَّبِّ مَعَ إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا يَخْفى أيْضًا مِنَ اللُّطْفِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

93:6Page 596

أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَـَٔاوَىٰ ٦

Did He not find you an orphan and give [you] refuge?

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ تَعْدِيلٌ لِما أفاضَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أوَّلِ أمْرِهِ إلى وقْتِ النُّزُولِ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ العِظامِ لِيَسْتَشْهِدَ بِالخاصِّ المَوْجُودِ عَلى المُتَرَقَّبِ المَوْعُودِ فَيَزْدادُ قَلْبُهُ الشَّرِيفُ وصَدْرُهُ الرَّحِيبُ طُمَأْنِينَةً وسُرُورًا وانْشِراحًا وحُبُورًا؛ ولِذا فُصِلَتِ الجُمْلَةُ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ النَّفْيِ وتَقْرِيرِ النَّفْيِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ وجَدَكَ... إلَخْ. ووَجَدْتُهُ عَلى ما قالَ الرَّضِيُّ بِمَعْنى أصَبْتُهُ عَلى صِفَةٍ ويُرادُ بِالوُجُودِ فِيهِ العِلْمُ مَجازًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ.

وفِي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ: لِوُجُودِ اضْرِبْ وُجُودٌ بِالحَواسِّ الظّاهِرَةِ، ووُجُودٌ بِالقُوى الباطِنَةِ، ووُجُودٌ بِالعَقْلِ، وما نُسِبَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الوُجُودِ فَبِمَعْنى العِلْمِ المُجَرَّدِ؛ إذْ كانَ اللَّهُ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ الوَصْفِ بِالجَوارِحِ والآلاتِ، وقَدْ فَسَّرَهُ بَعْضُهم هُنا بِالعِلْمِ وجَعَلَ مَفْعُولَهُ الأوَّلَ الضَّمِيرَ ومَفْعُولَهُ الثّانِيَ: ﴿يَتِيمًا﴾ وبَعْضُهم بِالمُصادَفَةِ وجَعَلَهُ مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ فَ ﴿يَتِيمًا﴾ حالًا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُصادَفَةَ لا تَصِحُّ في حَقِّهِ تَعالى؛ لِأنَّها مُلاقاةٌ ما لَمْ يَكُنْ في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَقْدِيرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّجَوُّزِ بِها عَنْ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ. والَيْتُمُ انْقِطاعُ الصَّبِيِّ عَنْ أبِيهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ، والإيواءُ ضَمُّ الشَّيْءِ إلى آخَرَ. يُقالُ: آوى إلَيْهِ فُلانًا؛ أيْ: ضَمَّهُ إلى نَفْسِهِ؛ أيْ: ألَمْ يُعَلِّمْكَ طِفْلًا لا أبا لَكَ فَضَمَّكَ إلى مَن قامَ بِأمْرِكَ. رُوِيَ أنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ بَعَثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ أبا رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَمْتارُ تَمْرًا مِن يَثْرِبَ فَتُوُفِّيَ ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جَنِينٌ قَدْ أتَتْ عَلَيْهِ سِتَّةُ أشْهُرٍ فَلَمّا وضَعَتْهُ كانَ في حِجْرِ جَدِّهِ مَعَ أُمِّهِ فَماتَتْ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ابْنُ سِتِّ سِنِينَ، ولَمّا بَلَغَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثَمانِيَ سِنِينَ ماتَ جَدُّهُ فَكَفَلَهُ عَمُّهُ الشَّفِيقُ الشَّقِيقُ أبُو طالِبٍ بِوَصِيَّةٍ مِن أبِيهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأحْسَنَ تَرْبِيَتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وفي الكَشّافِ: ماتَتْ أُمُّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو ابْنُ ثَمانِي سِنِينَ فَكَفَلَهُ عَمُّهُ وكانَ شَدِيدَ الِاعْتِناءِ بِأمْرِهِ إلى أنَّ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى وكانَ يَرى مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في صِغَرِهِ ما لَمْ يَرَ مِن صَغِيرٍ.

رُوِيَ أنَّهُ قالَ يَوْمًا لِأخِيهِ العَبّاسِ: ألا أُخْبِرُكَ عَنْ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما رَأيْتُ مِنهُ.

فَقالَ: بَلى. قالَ: إنِّي ضَمَمْتُهُ إلَيَّ فَكُنْتُ لا أُفارِقُهُ ساعَةً مِن لَيْلٍ ولا نَهارٍ ولَمْ أئْتَمِن عَلَيْهِ أحَدًا حَتّى أنِّي كُنْتُ أُنَوِّمُهُ في فِراشِي، فَأمَرْتُهُ لَيْلَةً أنْ يَخْلَعَ ثِيابَهُ ويَنامَ مَعِي فَرَأيْتُ الكَراهِيَةَ في وجْهِهِ وكَرِهَ أنْ يُخالِفَنِي فَقالَ: يا عَمّاهُ، اصْرِفْ وجْهَكَ عَنِّي حَتّى أخْلَعَ ثِيابِي؛ إنِّي لا أُحِبُّ أنْ تَنْظُرَ إلى جَسَدِي، فَتَعَجَّبْتُ مِن قَوْلِهِ وصَرَفْتُ بَصَرِي حَتّى دَخَلَ الفِراشَ، فَلَمّا دَخَلْتُ مَعَهُ الفِراشَ إذا بَيْنِي وبَيْنَهُ ثَوْبٌ، واللَّهِ ما أدْخَلْتُهُ في فِراشِي، فَإذا هو في غايَةِ اللِّينِ وطِيبِ الرّاحَةِ، كَأنَّهُ غُمِسَ في المِسْكِ، فَجَهَدْتُ لِأنْظُرَ إلى جَسَدِهِ فَما كُنْتُ أرى شَيْئًا وكَثِيرًا ما كُنْتُ أفْقِدُهُ مِن فِراشِي فَإذا قُمْتُ لِأطْلُبَهُ نادانِي: ها أنا يا عَمُّ فارْجِعْ، وكُنْتُ كَثِيرًا ما أسْمَعُ مِنهُ كَلامًا يُعْجِبُنِي وذَلِكَ عِنْدَ ما مَضى بَعْضُ اللَّيْلِ وكُنّا لا نُسَمِّي عَلى الطَّعامِ والشَّرابِ ولا نَحْمَدُ وكانَ يَقُولُ في أوَّلِ الطَّعامِ: بِسْمِ اللَّهِ الأحَدِ، فَإذا فَرَغَ مِن طَعامِهِ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَكُنْتُ أعْجَبُ مِنهُ ولَمْ أرَ مِنهُ كِذْبَةً ولا ضَحِكًا ولا جاهِلِيَّةً ولا وقَفَ مَعَ الصِّبْيانِ وهم يَلْعَبُونَ وهَذا لَعَمْرِي غَيْضٌ مِن فَيْضٍ:

فِي المَهْدِ يُعْرِبُ عَنْ سَعادَةِ جَدِّهِ أثَرُ النَّجابَةِ ساطِعُ البُرْهانِ

صفحة 162

وقِيلَ: المَعْنى: ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا أبَتْكَ المَراضِعُ فَآواكَ مِن مُرْضِعَةٍ تَحْنُو عَلَيْكَ بِأنْ رَزَقَها بِصُحْبَتِكَ الخَيْرَ والبَرَكَةَ حَتّى أحَبَّتْكَ وتَكَفَّلَتْكَ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا سَتَعْلَمُهُ بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ يَتِيمًا مِن قَوْلِهِمْ: دُرَّةٌ يَتِيمَةٌ، والمَعْنى: ألَمْ يَجِدْكَ واحِدًا في قُرَيْشٍ عَدِيمَ النَّظِيرِ فَآواكَ، والأوْلى عَلَيْهِ أنْ يُقالَ: ألَمْ يَجِدْكَ واحِدًا عَدِيمَ النَّظِيرِ في الخَلِيقَةِ لَمْ يَحْوِ مِثْلَكَ صَدَفُ الإمْكانِ فَآواكَ إلَيْهِ وجَعَلَكَ في حَقِّ اصْطِفائِهِ. وقَرَأ أبُو الأشْعَثِ: «فَأوى» ثُلاثِيًّا فَجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن أواهُ بِمَعْنى آواهُ، وأنْ يَكُونَ مِن أوى لَهُ؛ أيْ: رَحِمَهُ ومَصْدَرُهُ أياوايَةٌ وماوِيَّةٌ وماوِيَةٌ، وتَحْقِيقُهُ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ؛ أيْ: رَجَعَ إلَيْهِ بِقَلْبِهِ ومِنهُ قَوْلُهُ:

أوْ أنِّي ولا كُفْرانَ لِلَّهِ أيَّةً

93:7Page 596

وَوَجَدَكَ ضَآلّٗا فَهَدَىٰ ٧

And He found you lost and guided [you],

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ عَطْفٌ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الإنْكارُ السّابِقُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ أوْ عَلى المُضارِعِ المَنفِيِّ بِلَمْ داخِلٌ في حُكْمِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: أما وجَدَكَ يَتِيمًا فَآوى، ووَجَدَكَ غافِلًا عَنِ الشَّرائِعِ الَّتِي لا تَهْتَدِي إلَيْها العُقُولُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ فَهَداكَ إلى مَناهِجِها في تَضاعِيفِ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ المُبِينِ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ، وعَلى هَذا -كَما قالَ الواحِدِيُّ- أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

ورَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سافَرَ مَعَ عَمِّهِ أبِي طالِبٍ إلى الشّامِ فَبَيْنَما هو راكِبٌ ناقَةً ذاتَ لَيْلَةٍ ظَلْماءَ وهو نائِمٌ جاءَهُ إبْلِيسٌ فَأخَذَ بِزِمامِ النّاقَةِ فَعَدَلَ بِهِ عَنِ الطَّرِيقِ فَجاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَنَفَخَ إبْلِيسَ نَفْخَةً وقَعَ مِنها بِالحَبَشَةِ ورَدَّهُ إلى القافِلَةِ، فَما في الآيَةِ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ضَلَّ وهو صَغِيرٌ عَنْ جَدِّهِ في شِعابِ مَكَّةَ فَرَآهُ أبُو جَهْلٍ مُنْصَرِفًا مِن أغْنامِهِ فَرَدَّهُ لِجَدِّهِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يَرُدَّ إلَيْهِ مُحَمَّدًا، وذُكِرَ لَهُ أنَّهُ لَمّا رَآهُ أناخَ النّاقَةَ وأرْكَبَهُ مِن خَلْفِهِ فَأبَتْ أنْ تَقُومَ فَأرْكَبَهُ أمامَهُ فَقامَتْ، فَكانَتِ النّاقَةُ تَقُولُ: يا أحْمَقُ، هو الإمامُ فَكَيْفَ يَقُومُ خَلْفَ المُقْتَدِي. وفي إرْجاعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى أهْلِهِ عَلى يَدِ أبِي جَهْلٍ وقَدْ عَلِمَ سُبْحانَهُ مِنهُ أنَّهُ فَرَعَوْنُهُ يُشْبِهُ إرْجاعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أُمِّهِ عَلى يَدِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: ضَلَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَرَّةً أُخْرى وطَلَبُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَطافَ عَبْدُ المُطَّلِبِ بِالكَعْبَةِ سَبْعًا وتَضَرَّعَ إلى اللَّهِ تَعالى فَسَمِعُوا مُنادِيًا يُنادِي مِنَ السَّماءِ: يا مَعْشَرَ النّاسِ، لا تَضِجُّوا؛ فَإنَّ لِمُحَمَّدٍ رَبًّا لا يَخْذُلُهُ ولا يُضَيِّعُهُ، وإنَّ مُحَمَّدًا بِوادِي تِهامَةَ عِنْدَ شَجَرَةِ السَّمُرِ، فَسارَ عَبْدُ المُطَّلِبِ ووَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ فَإذا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قائِمٌ تَحْتَ شَجَرَةٍ يَلْعَبُ بِالأغْصانِ والأوْراقِ.

وقِيلَ: أضَلَّتْهُ مُرْضِعَتُهُ حَلِيمَةُ عِنْدَ بابِ مَكَّةَ حِينَ فَطَمَتْهُ وجاءَتْ بِهِ لِتَرُدَّهُ عَلى عَبْدِ المُطَّلِبِ «فَضالًّا» عَلى هَذِهِ الرِّواياتِ مِن ضَلَّ في طَرِيقِهِ إذا سَلَكَ طَرِيقًا غَيْرَ مَوْصُولَةٍ لِمَقْصِدِهِ وضُعِّفَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ مِثْلَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما تَقَدَّمَ لا يُعَدُّ مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلى مِثْلِ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّتِي يَمْتَنُّ سُبْحانَهُ بِها عَلَيْهِ. وقِيلَ: الضّالُّ الشَّجَرَةُ المُنْفَرِدَةُ في البَيْداءِ لَيْسَ حَوْلَها شَجَرٌ، والمُرادُ أما وجَدَكَ وحْدَكَ لَيْسَ مَعَكَ أحَدٌ فَهَدى النّاسَ إلَيْكَ ولَمْ يَتْرُكْكَ مُنْفَرِدًا. وقالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: أيْ وجَدَكَ مُتَحَيِّرًا في بَيانِ الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلَيْكَ فَهَداكَ لِبَيانِهِ وفِيهِ قُرْبٌ ما مِنَ الأوَّلِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: وجَدَكَ غافِلًا عَنْ قَدْرِ نَفْسِكَ فَأطْلَعَكَ عَلى عَظِيمِ مَحَلِّكَ. وقِيلَ: وجَدَكَ ضالًّا عَنْ مَعْنى مَحْضِ المَوَدَّةِ فَسَقاكَ كَأْسًا مِن شَرابِ القُرْبَةِ والمَوَدَّةِ فَهَداكَ بِهِ إلى مَعْرِفَتِهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: كُنْتَ ضالًّا عَنْ مَحَبَّتِي لَكَ في الأزَلِ فَمَنَنْتُ عَلَيْكَ بِمَعْرِفَتِي وهو قَرِيبٌ مِن سابِقِهِ.

وقالَ الحَرِيرِيُّ: أيْ: وجَدَكَ مُتَرَدِّدًا في غَوامِضِ مَعانِي المَحَبَّةِ فَهَداكَ لَها وهو أيْضًا كَذَلِكَ، وكُلٌّ ذَلِكَ مَنزَعٌ صُوفِيٌّ. ورَأى أبُو حَيّانَ في مَنامِهِ أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ والمَعْنى: ووَجَدَ رَهْطَكَ ضالًّا فَهَدى بِكَ وهو كَما تَرى في يَقَظَتِكَ.

93:8Page 596

وَوَجَدَكَ عَآئِلٗا فَأَغۡنَىٰ ٨

And He found you poor and made [you] self-sufficient.

وقَوْلُهُ تَعالى:

صفحة 163

﴿ووَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ عَلى نَمَطِ سابِقِهِ، والعائِلُ المُفْتَقِرُ مِن عالَ يَعِيلُ عَيْلًا وعَيْلَةً وعُيُولًا ومَعِيلًا افْتَقَرَ؛ أيْ: وجَدَكَ عَدِيمَ المُقْتَنَياتِ فَأغْناكَ بِما حَصَلَ لَكَ مِن رِبْحِ التِّجارَةِ وذَلِكَ في سَفَرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ مَيْسَرَةَ إلى الشّامِ وبِما وهَبَتْهُ لَكَ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مِنَ المالِ وكانَتْ ذا مالٍ كَثِيرٍ فَلَمّا تَزَوَّجَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهَبَتْهُ جَمِيعَهُ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِئَلّا يَقُولَ قائِلٌ ما يَثْقُلُ عَلى سَمْعِهِ الشَّرِيفِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبِمالِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وكانَ أيْضًا ذا مالٍ فَأتى بِهِ كُلِّهِ رَسُولَ اللَّهِ.

«فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ما تَرَكْتَ لِعِيالِكَ؟» فَقالَ: تَرَكْتُ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ».

وقِيلَ: بِما أفاءَ عَلَيْكَ مِنَ الغَنائِمِ وفِيهِ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ والغَنائِمَ إنَّما كانَتْ بَعْدَ الهِجْرَةِ وقِيلَ: المُرادُ قَنَّعَكَ وأغْنى قَلْبَكَ؛ فَإنَّ غِنى القَلْبِ هو الغِنى، وقَدْ قِيلَ: مَن عُدِمَ القَناعَةَ لَمْ يُفِدْهُ المالُ غِنًى، وقِيلَ: أغْناكَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ عَمّا سِواهُ وهَذا الغِنى بِالِافْتِقارِ إلَيْهِ تَعالى.

وفِي الحَدِيثِ: ««اللَّهُمَّ أغْنِنِي بِالِافْتِقارِ إلَيْكَ ولا تُفْقِرْنِي بِالِاسْتِغْناءِ عَنْكَ»».

وبِهَذا ألَمَّ بَعْضُ الشُّعَراءِ فَقالَ:

ويُعْجِبُنِي فَقْرِي إلَيْكَ ولَمْ يَكُنْ لِيُعْجِبَنِي لَوْلا مَحَبَّتُكَ الفَقْرُ

وشاعَ حَدِيثُ: ««الفَقْرُ فَخْرِي»».

وحُمِلَ الفَقْرُ فِيهِ عَلى هَذا المَعْنى وهو عَلى ما قالَ ابْنُ حَجَرٍ باطِلٌ مَوْضُوعٌ وأشَدُّ مِنهُ وضْعًا وبُطْلانًا ما يَذْكُرُهُ بَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ إذا تَمَّ الفَقْرُ فَهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا وقَدْ خاضُوا في بَيانِ المُرادِ بِهِ بِما لا يَدْفَعُ بَشاعَتَهُ بَلْ لا يَقْتَضِي اسْتِقامَتَهُ. وقِيلَ: ﴿عائِلا﴾ أيْ: ذا عِيالٍ مِن عالَ يَعُولُ عَوْلًا وعِيالَةً كَثُرَ عِيالُهُ، ويَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ قَوْلُ جَرِيرٍ:

اللَّهُ نَزَّلَ في الكِتابِ فَرِيضَةً ∗∗∗ لِابْنِ السَّبِيلِ ولِلْفَقِيرِ العائِلِ

ولَعَلَّ الثّانِيَ فِيهِ أظْهَرُ ورُجِّحَ الأوَّلُ في الآيَةِ بِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ «عَدِيمًا» وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ ذا عِيالٍ في أوَّلِ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وقَرَأ اليَمانِيُّ: «عَيِّلًا» كَ «سَيٍّدًا» بِشَدِّ الياءِ المَكْسُورَةِ، هَذا وذَكَرَ عِصامُ الدِّينِ في هَذِهِ الآياتِ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِاليَتِيمِ فاقِدُ المُعَلِّمِ؛ فَإنَّ الآباءَ ثَلاثَةٌ: مَن عَلَّمَكَ ومَن زَوَّجَكَ ومَن ولَدَكَ، ويُناسِبُهُ حَمْلُ الضَّلالِ عَلى الضَّلالِ عَنِ العِلْمِ، وحَمْلُ العِيالِ أيْ: عَلى تَفْسِيرِ ﴿عائِلا﴾ بِذا عِيالٍ عَلى عَيّالِ الأُمَّةِ الطّالِبَةِ مِنهُ مَعْرِفَةَ مَصالِحِ الدِّينِ مَعَ احْتِياجِهِ إلى المَعْرِفَةِ فَأغْناهُ اللَّهُ تَعالى بِالوَحْيِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يَخْفى ما فِيهِ. وحُذِفَ المَفْعُولُ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ لِظُهُورِ المُرادِ مَعَ رِعايَةِ الفَواصِلِ. وقِيلَ: لِيَدُلَّ عَلى سِعَةِ الكَرَمِ، والمُرادُ آواكَ وآوى لَكَ وبِكَ وهَداكَ ولَكَ وبِكَ وأغْناكَ ولَكَ وبِكَ وظاهِرُ الفاءِ مَعَ تِلْكَ الأفْعالِ تَأْبى ذَلِكَ. وأطالَ الإمامُ الكَلامَ في الآياتِ وأتى فِيها بِغَثٍّ وسَمِينٍ ولَوْلا خَشْيَةُ المَلَلِ لَذَكَرْنا ما فِيهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском