Al-AlusiAsh‑Sharh · 94:1–5

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

الشرح

Ash-Sharh

The Relief · Meccan · 8 ayahs

94:1Page 596

أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ ١

Did We not expand for you, [O Muḥammad], your breast?1

سُورَةُ الشَّرْحِ

وتُسَمّى سُورَةَ الشَّرْحِ، وهي كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وعائِشَةَ مَكِّيَّةٌ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ زِيادَةٌ نَزَلَتْ بَعْدَ الضُّحى، وزَعَمَ البِقاعِيُّ أنَّها عِنْدَهُ مَدَنِيَّةٌ، وفي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ قَوْلَهُ تَعالى فِيها: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، لَكِنْ في صِحَّةِ الحَدِيثِ تَوَقَّفٌ، وآيُها ثَمانٍ بِالِاتِّفاقِ وهي شَدِيدَةُ الِاتِّصالِ بِسُورَةِ الضُّحى حَتّى أنَّهُ رُوِيَ عَنْ طاوُسٍ وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُما كانا يَقُولانِ: هُما سُورَةٌ واحِدَةٌ، وكانا يَقْرَآنِهِما في الرَّكْعَةِ الواحِدَةِ وما كانا يَفْصِلانِ بَيْنَهُما بِ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وعَلى ذَلِكَ الشِّيعَةُ كَما حَكاهُ الطَّبَرْسِيُّ مِنهم.

قالَ الإمامُ: والَّذِي دَعا إلى ذَلِكَ هو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ﴾ كالعَطْفِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الأوَّلَ كانَ عِنْدَ اغْتِمامِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن إيذائِهِ الكَفَرَةَ وكانَتِ الحالَةُ حالَ مِحْنَةٍ وضِيقِ صَدْرٍ، والثّانِي يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حالَ النُّزُولِ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ طَيِّبَ القَلْبِ، فَأنّى يَجْتَمِعانِ؟ وفِيهِ نَظَرٌ، والحَقُّ أنَّ مَدارَ مِثْلَ ذَلِكَ الرِّوايَةُ لا الدّارِيَةُ، والمُتَواتِرُ كَوْنُهُما سُورَتَيْنِ والفَصْلُ بَيْنَهُما بِالبَسْمَلَةِ. نَعَمْ هُما مُتَّصِلَتانِ مَعْنًى جِدًّا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما في حَدِيثِ الإسْراءِ الَّذِي أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ «أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «يا مُحَمَّدُ، ألَمْ أجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُ، وضالًّا فَهَدَيْتُ، وعائِلًا فَأغْنَيْتُ، وشَرَحْتُ لَكَ صَدْرَكَ، وحَطَطْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ، ورَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ، فَلا أُذْكَرُ إلّا ذُكِرْتَ مَعِي»». الحَدِيثَ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ الشَّرْحُ في الأصْلِ الفَسْحُ والتَّوْسِعَةُ، وشاعَ اسْتِعْمالُهُ

صفحة 166

فِي الإيضاحِ، ومِنهُ: شَرَحَ الكِتابَ إذا أوْضَحَهُ لِما أنَّ فَسْحَ الشَّيْءِ وبَسْطَهُ مُسْتَلْزِمٌ لِإظْهارِ باطِنِهِ وما خَفِيَ مِنهُ، وكَذا شاعَ في سُرُورِ النَّفْسِ حَتّى لَوْ قِيلَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ فِيهِ لَمْ يَبْعُدْ وذَلِكَ إذا تَعَلَّقَ بِالقَلْبِ كَأنْ قِيلَ: شَرَحَ قَلْبَهُ بِكَذا؛ أيْ: سَرَّهُ بِهِ لِما أنَّ القَلْبَ كالمَنزِلِ لِلنَّفْسِ، ويَلْزَمُ عادَةً مِن فَسْحِ المَنزِلِ وتَوْسِعَتِهِ سُرُورُ النّازِلِ فِيهِ وكَذا إذا تَعَلَّقَ بِالصَّدْرِ الَّذِي هو مَحَلُّ القَلْبِ ورُبَّما يُؤْذِنُ ذَلِكَ بِسِعَةِ القَلْبِ لِما أنَّ العادَةَ كالمُطَّرِدَةِ في أنَّ تَوْسِعَةَ ما حَوالَيِ المَنزِلِ إنَّما تَكُونُ إذا كانَ المَنزِلُ واسِعًا فَيُوَسَّعُ ما حَوالَيْهِ لِتَحْصِيلِ زِيادَةِ بَهْجَةٍ ونَحْوِها فِيهِ فَيَنْتَقِلُ مِنهُ إلى سُرُورِ النَّفْسِ بِالواسِطَةِ. وقَدْ يُرادُ بِهِ إذا تَعَلَّقَ بِالقَلْبِ أوِ الصَّدْرِ أيْضًا تَكْثِيرُ ما فِيهِ مِنَ المَعْلُوماتِ فَقِيلَ: يُتَخَيَّلُ أنَّها تَحْتاجُ إلى فَضاءٍ تَكُونُ فِيهِ وأنَّ ذَلِكَ مَحَلٌّ لَها، فَمَتى كانَتْ كَثِيرَةً اقْتَضَتْ أنْ يَكُونَ مَحَلُّها واسِعًا لِيَسَعَها. وقَدْ يُرادُ بِها تَكْثِيرُ ما في النَّفْسِ مِن ذَلِكَ فَقِيلَ أيْضًا: يُتَخَيَّلُ أنَّ تَكْثِيرَ مَعْلُوماتِها يَسْتَدْعِي تَوْسِيعَها، وتَوْسِيعُها يَسْتَدْعِي تَوْسِيعَ ذَلِكَ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ مَحَلِّها، وقَدْ يُرادُ بِهِ تَأْيِيدُ النَّفْسِ بِقُوَّةٍ قُدْسِيَّةٍ وأنْوارٍ إلَهِيَّةٍ بِحَيْثُ تَكُونُ مَيْدانًا لِمَواكِبِ المَعْلُوماتِ، وسَماءً لِكَواكِبِ المَلَكاتِ، وعَرْشًا لِأنْواعِ التَّجَلِّياتِ، وفَرْشًا لِسَوائِمِ الوارِداتِ، فَلا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، ويَسْتَوِي لَدَيْهِ يَكُونُ وكائِنٌ وكانَ. ووَجْهُ نِسْبَتِهِ إلى الصَّدْرِ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ، وإرادَةُ القَلْبِ مِنَ الصَّدْرِ والنَّفْسِ مِنَ القَلْبِ بِعَلاقَةِ المَحَلِّيَّةِ ونَحْوِها مِمّا لا تَمِيلُ إلَيْهِ النَّفْسُ، وإرادَةُ كُلٍّ مِمّا ذُكِرَ بِقَرِينَةِ المَقامِ، والأنْسَبُ بِمَقامِ الِامْتِنانِ هُنا إرادَةُ هَذا المَعْنى الأخِيرِ. وجَوَّزَ غَيْرُهُ فالمَعْنى: ألَمْ نُفْسِحْ صَدْرَكَ حَتّى حَوى عالَمَيِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، وجَمَعَ بَيْنَ مَلَكَتِي الِاسْتِفادَةِ والإفادَةِ فَما صَدَّكَ المُلابَسَةُ بِالعَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ عَنِ اقْتِباسِ أنْوارِ المَلَكاتِ الرُّوحانِيَّةِ، وما عاقَكَ التَّعَلُّقُ بِمَصالِحِ الخَلْقِ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في شُؤُونِ الحَقِّ. وقِيلَ: المَعْنى: ألَمْ نُزِلْ هَمَّكَ وغَمَّكَ بِاطِّلاعِكَ عَلى حَقائِقِ الأُمُورِ وحَقارَةِ الدُّنْيا فَهانَ عَلَيْكَ احْتِمالُ المَكارِهِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، ونُقِلَ عَنِ الجُمْهُورِ أنَّ المَعْنى: ألَمْ نُفْسِحْهُ بِالحِكْمَةِ ونُوَسِّعْهُ بِتَيْسِيرِنا لَكَ تَلَقِّيَ ما يُوحى إلَيْكَ بَعْدَ ما كانَ يَشُقُّ عَلَيْكَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ أنَّهُ إشارَةٌ إلى شَقِّ صَدْرِهِ الشَّرِيفِ في صِباهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ وقَعَ هَذا الشَّقُّ عَلى ما في بَعْضِ الأخْبارِ وهو عِنْدَ مُرْضَعَتِهِ حَلِيمَةَ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنْها أنَّها قالَتْ في شَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَمْ نَزَلْ نَتَعَرَّفُ مِنَ اللَّهِ تَعالى الزِّيادَةَ والخَيْرَ حَتّى مَضَتْ سَنَتاهُ وفَصَلْتُهُ فَكانَ يَشِبُّ شَبابًا لا يَشُبُّهُ الغِلْمانُ، فَلَمْ يَبْلُغْ سَنَتَيْهِ حَتّى كانَ غُلامًا جَفْرًا، فَقَدِمْنا بِهِ عَلى أُمِّهِ ونَحْنُ أحْرَصُ شَيْءٍ عَلى بَقائِهِ عِنْدَنا لِما نَرى مِن بَرَكَتِهِ، فَقُلْنا لِأُمِّهِ: لَوْ تَرَكْتِيهِ عِنْدَنا حَتّى يَغْلُظَ فَإنّا نَخْشى عَلَيْهِ وباءَ مَكَّةَ، فَلَمْ نَزَلْ بِها حَتّى رَدَّتْهُ مَعَنا فَرَجَعْنا بِهِ، فَواللَّهِ إنَّهُ لَبَعْدَ مَقْدِمِنا بِهِ بِشَهْرٍ أوْ ثَلاثَةٍ مَعَ أخِيهِ مِنَ الرَّضاعَةِ لَفي بُهْمٍ لَنا خَلْفَ بُيُوتِنا جاءَ أخُوهُ يَشْتَدُّ فَقالَ: ذاكَ أخِي القُرَشِيُّ قَدْ جاءَهُ رَجُلانِ عَلَيْهِما ثِيابٌ بِيضٌ فَأضْجَعاهُ وشَقّا بَطْنَهُ، فَخَرَجْتُ أنا وأبُوهُ نَشْتَدُّ نَحْوَهُ فَوَجَدْناهُ قائِمًا مُنْتَقِعًا لَوْنُهُ، فاعْتَنَقَهُ أبُوهُ وقالَ: أيْ بُنَيَّ، ما شَأْنُكَ؟ قالَ: جاءَنِي رَجُلانِ عَلَيْهِما ثِيابٌ بِيضٌ فَأضْجَعانِي فَشَقّا بَطْنِي ثُمَّ اسْتَخْرَجا مِنهُ شَيْئًا، فَطَرَحاهُ ثُمَّ رَدّاهُ كَما كانَ فَرَجَعْنا بِهِ مَعَنا. فَقالَ أبُوهُ: يا حَلِيمَةُ، لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَكُونَ ابْنِي قَدْ أُصِيبَ فانْطَلِقِي فَرُدِّيهِ إلى أهْلِهِ قَبْلَ أنْ يَظْهَرَ بِهِ ما نَتَخَوَّفُهُ، قالَتْ: فاحْتَمَلْناهُ إلى أُمِّهِ، فَقالَتْ: ما رَدَّكُما بِهِ؟ فَقَدْ كُنْتُما حَرِيصَيْنِ عَلَيْهِ؟ قُلْنا: نَخْشى الِاخْتِلافَ والأحْداثَ. فَقالَتْ ما ذاكَ بِكُما فاصْدُقانِي شَأْنَكُما؟ فَلَمْ تَدَعْنا حَتّى أخْبَرْناها خَبَرَهُ. فَقالَتْ: أخَشِيتُما عَلَيْهِ الشَّيْطانَ، لا واللَّهِ ما لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وإنَّهُ لَكائِنٌ لِابْنِي هَذا شَأْنٌ فَدَعاهُ عِنْدَكُما».

وفِي حَدِيثٍ لِأبِي يَعْلى وأبِي نُعَيْمٍ وابْنِ عَساكِرَ ما يَدُلُّ عَلى تَكَرُّرِ وُقُوعِ ذَلِكَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو عِنْدَ حَلِيمَةَ، وقَدْ وقَعَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْضًا بَعْدَ بُلُوغِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَفي الدُّرِّ المَنثُورِ: أخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما أوَّلُ ما رَأيْتَ مِن أمْرِ النُّبُوَّةِ؟ فاسْتَوى رَسُولُ

صفحة 167

اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالِسًا، وقالَ: «لَقَدْ سَألْتَ أبا هُرَيْرَةَ، إنِّي لَفي صَحْراءَ ابْنَ عِشْرِينَ سَنَةً وأشْهُرٍ، إذا بِكَلامٍ فَوْقَ رَأْسِي وإذا رَجُلٌ يَقُولُ لِرَجُلٍ: أهُوَ هُوَ، فاسْتَقْبَلانِي بِوُجُوهٍ لَمْ أرَها بِخَلْقٍ قَطُّ، وأرْواحٍ لَمْ أجِدْها مِن خَلْقٍ قَطُّ، وثِيابٍ لَمْ أجِدْها عَلى أحَدٍ قَطُّ، فَأقْبَلا إلَيَّ يَمْشِيانِ حَتّى إذا دَنَيا أخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِعَضُدِي لا أجِدُ لِأخْذِهِما مَسًّا، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: افْلِقْ صَدْرَهُ، فَهَوى أحَدُهُما إلى صَدْرِي فَفَلَقَهُ فِيما أرى بِلا دَمٍ ولا وجَعٍ، فَقالَ لَهُ: أخْرِجِ الغِلَّ والحَسَدَ، فَأخْرَجَ شَيْئًا كَهَيْئَةِ العَلَقَةِ، ثُمَّ نَبَذَها، فَقالَ لَهُ: أدْخِلِ الرَّأْفَةَ والرَّحْمَةَ، فَإذا مِثْلُ الَّذِي أخْرَجَ شِبْهَ الفِضَّةِ، ثُمَّ حَزَّ إبْهامَ رِجْلِي اليُمْنى وقالَ: اغْدُ واسْلَمْ، فَرَجَعْتُ أغْدُو بِها رَأْفَةً عَلى الصَّغِيرِ ورَحْمَةً عَلى الكَبِيرِ»».

والَّذِي رَأيْتُهُ في شَرْحِ الهَمْزِيَّةِ لِابْنِ حَجَرٍ المَكِّيِّ رِوايَةُ هَذا الخَبَرِ بِلَفْظٍ آخَرَ وفِيهِ: ««إنِّي لَفي صَحْراءَ واسِعَةٍ ابْنَ عَشْرِ حُجَجٍ إذا أنا بِرَجُلَيْنِ فَوْقَ رَأْسِي يَقُولُ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: أهُوَ هُوَ»».

إلى آخِرِ ما فِيهِ فَيَكُونُ الشَّقُّ عَلَيْهِ قَبْلَ البُلُوغِ أيْضًا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

ثُمَّ إنَّهُ عَلى الرِّوايَتَيْنِ لَيْسَ نَصًّا عَلى نَفْيِ وُقُوعِ شَقٍّ قَبْلَهُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ الَّذِي اسْتَشْعَرَ مِنهُ النُّبُوَّةَ هو هَذا لا ما قَبْلَهُ، ووَقَعَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْضًا عِنْدَ مَجِيءِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَحْيِ في غارِ حِراءَ ومِمَّنْ رَوى ذَلِكَ الطَّيالِسِيُّ والحارِثُ في مُسْنَدَيْهِما وكَذا أبُو نُعَيْمٍ ولَفْظُهُ: أنَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ شَقّا صَدْرَهُ وغَسَلاهُ ثُمَّ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ الآياتِ. ووَقَعَ أيْضًا مَرَّةً أُخْرى تَواتَرَتْ بِها الرِّواياتُ خِلافًا لِمَن أنْكَرَها لَيْلَةَ الإسْراءِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ قَتادَةَ قالَ: حَدَّثَنا أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنْ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ «عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «بَيْنا أنا عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِن ذَهَبٍ فِيها ماءُ زَمْزَمَ، فَشُرِحَ صَدْرِي إلى كَذا وكَذا». قالَ قَتادَةُ: قُلْتُ: يَعْنِي لِأنَسٍ: ما تَعْنِي قالَ إلى أسْفَلِ بَطْنِي؟ قالَ: «فاسْتُخْرِجَ قَلْبِي فَغُسِلَ بِماءِ زَمْزَمَ ثُمَّ أُعِيدَ مَكانَهُ ثُمَّ حُشِيَ إيمانًا وحِكْمَةً، ثُمَّ أُتِيَ بِدابَّةٍ دُونَ البَغْلِ وفَوْقَ الحِمارِ البُراقِ فانْطَلَقْتُ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أتَيْنا السَّماءَ الدُّنْيا»». الحَدِيثَ.

وطَعَنَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ في ذَلِكَ بِما حاصِلُهُ أنَّهُ يَلْزُمُ عَلى وُقُوعِهِ في الصِّغَرِ وقَبْلَ النُّبُوَّةِ تَقَدُّمُ المُعْجِزَةِ عَلى النُّبُوَّةِ وهو لا يَجُوزُ ووُقُوعُهُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ وإنْ لَمْ يَلْزَمْ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ إلّا أنَّ ما ذُكِرَ مَعَهُ مِن حَدِيثِ الغَسْلِ وإدْخالِ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ وحَشْوِ الإيمانِ والحِكْمَةِ يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّ الغَسْلَ مِمّا لا أثَرَ لَهُ في التَّكْمِيلِ الرُّوحانِيِّ وإنَّما هو لِإزالَةِ أمْرٍ جُسْمانِيٍّ، وأنَّهُ لا يَصِحُّ إدْخالُ ما ذُكِرَ وحَشْوُهُ فَإنَّما هو شَيْءٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى في القَلْبِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ فَإنَّ تَقَدُّمَ الخارِقِ عَلى النُّبُوَّةِ جائِزٌ عِنْدَنا ونُسَمِّيهِ إرْهاصًا، والأخْبارُ كَثِيرَةٌ في وُقُوعِهِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، والغَسْلُ بِالماءِ كانَ لِإزالَةِ أمْرٍ جُسْمانِيٍّ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ أزالَهُ وغَسَلَ المَحَلَّ بِماءٍ مَخْصُوصٍ كَماءِ زَمْزَمَ عَلى ما صَحَّ في بَعْضِ الرِّواياتِ ولِذا قالَ البُلْقِينِيُّ: إنَّهُ أفْضَلُ مِن ماءِ الكَوْثَرِ مُوجِبًا لِتَبْدِيلِ المِزاجِ، وهو مِمّا لَهُ دَخْلٌ في التَّكْمِيلِ الرُّوحانِيِّ ولِذا يَأْمُرُ المَشايِخُ السّالِكِينَ لَدَيْهِمْ بِالرِّياضَةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها تَبْدِيلُ المِزاجِ ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ تَغَيُّرُ أحْوالِ النَّفْسِ وأخْلاقِها صِبًا وكُهُولَةً وشَيْخُوخَةً.

والمُرادُ مِن إدْخالِ الرَّأْفَةِ وحَشْوِ الإيمانِ مَثَلًا إدْخالُ ما بِهِ يَحْصُلُ كَمالُ ذَلِكَ وكَثِيرًا ما يُسَمّى المُسَبَّبُ بِاسْمِ السَّبَبِ مَجازًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وتَجَسُّمُ المَعانِي جائِزٌ. وقالَ العارِفُ بْنُ أبِي جَمْرَةَ كَما في المَواهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ لِلْعَسْقَلانِيِّ ما حاصِلُهُ: إنَّ ما دَلَّ كَلامُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى جَوْهَرِيَّتِهِ وجِسْمِيَّتِهِ مِن أعْيانِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَيْسَ لِلْحَواسِّ إلى إدْراكِها سَبِيلٌ هو كَما دَلَّ عَلَيْهِ كَلامُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في نَفْسِ الأمْرِ، وأنَّ الحُكْمَ مِنَ المُتَكَلِّمِ أوْ نَحْوِهِ عَلَيْها بِالعَرْضِيَّةِ إنَّما هو بِاعْتِبارِ ما ظَهَرَ لَهُ بِعَقْلِهِ، والعَقْلُ حُرٌّ يَقِفُ عِنْدَهُ، والحَقِيقَةُ في الحَقِيقَةِ ما دَلَّ عَلَيْهِ خَبَرُ الشّارِعِ المُؤَيَّدُ بِالوَحْيِ الإلَهِيِّ والنُّورِ القُدْسِيِّ المُحَلِّقِ بِجَناحَيْهِما في جَوِّ الحَقائِقِ إلى حَيْثُ لا يُسْمَعُ لِنَحْلَةِ العَقْلِ دَنْدَنَةٌ ولا لِلرُّواةِ عَنْهُ عَنْعَنَةٌ، فالإيمانُ والحِكْمَةُ ونَحْوَهُما مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ كَلامُ النَّبِيِّ

صفحة 168

صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى جَوْهَرِيَّتِها جَواهِرُ مَحْسُوسَةٌ لا مَعانٍ وإنْ حَسَبَها مَن حَسَبَها كَذَلِكَ انْتَهى.

والأمْرُ فِيهِ اعْتِقادًا وإنْكارًا إلَيْكَ ولا أُلْزِمُكَ الِاعْتِقادَ فَما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: لَعَلَّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ؛ إذْ تَمْثِيلُ المَعانِي قَدْ وقَعَ كَثِيرًا كَما مَثَّلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الجَنَّةَ والنّارَ في عُرْضِ حائِطِ مَسْجِدِهِ الشَّرِيفِ، وفائِدَتُهُ كَشْفُ المَعْنَوِيِّ بِالمَحْسُوسِ وهو مَيْلٌ إلى عَدَمِ الوُقُوعِ حَقِيقَةً. وقَدْ قالَ غَيْرُ واحِدٍ: جَمِيعُ ما ورَدَ مِنَ الشَّرْقِ، وإخْراجُ القَلْبِ وغَيْرُهُما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ وإنْ كانَ خارِقًا لِلْعادَةِ ولا يَجُوزُ تَأْوِيلُهُ لِصَلاحِيَةِ القُدْرَةِ لَهُ، ومَن زَعَمَ ذَلِكَ وقَعَ في هُوَّةِ المُعْتَزِلَةِ في تَأْوِيلِهِمْ نُصُوصَ سُؤالِ المَلَكَيْنِ وعَذابِ القَبْرِ ووَزْنِ الأعْمالِ والصِّراطِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِالتَّشَهِّي، وأمّا حِكْمَةُ ذَلِكَ مَعَ إمْكانِ إيجادِ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ بِدُونِهِ فَقَدْ أطالُوا الكَلامَ في بَيانِها في مَوْضِعِهِ، نَعَمْ حَمْلُ الشَّرْحِ في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ الشَّقِّ ضَعِيفٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ والتَّعْبِيرُ عَنْ ثُبُوتِ الشَّرْحِ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَنِ انْتِفائِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ثُبُوتَهُ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُجِيبَ عَنْهُ بِغَيْرِ بَلى، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ لِلْإيذانِ بِعَظَمَتِهِ وجَلالَةِ قَدْرِهِ وزِيادَةُ الجارِّ والمَجْرُورِ مَعَ تَوْسِيطِهِ بَيْنَ الفِعْلِ ومَفْعُولِهِ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ الشَّرْحَ مِن مَنافِعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَصالِحِهِ مُسارَعَةً إلى إدْخالِ المَسَرَّةِ في قَلْبِهِ الشَّرِيفِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَشْوِيقًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى ما يُعْقِبُهُ لِيَتَمَكَّنَ عِنْدَهُ وقْتَ وُرُودِهِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ: «ألَمْ نَشْرَحَ» بِفَتْحِ الحاءِ، وخَرَّجَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وجَماعَةٌ عَلى أنَّ الأصْلَ: «ألَمْ نَشْرَحَنْ» بِنُونِ التَّأْكِيدِ الخَفِيفَةِ فَأبْدَلَ مِنَ النُّونِ ألِفًا ثُمَّ حَذَفَها تَخْفِيفًا كَما في قَوْلِهِ:

أضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طارِقَها ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ

ولا يَخْفى أنَّ الحَذْفَ هُنا أضْعَفُ مِمّا في البَيْتِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ في الأمْرِ وهَذا في النَّفْيِ، ولِهَذا رَوى ابْنُ جِنِّيٍّ في المُنْتَقى عَنْ أبِي مُجاهِدٍ أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ أصْلًا؛ فَنُونُ التَّوْكِيدِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِهِ الإسْهابُ والإطْنابُ لا الإيجازُ والِاخْتِصارُ، والبَيْتُ يُقالُ إنَّهُ مَصْنُوعٌ، والأوْلى في التَّمْثِيلِ ما أنْشَدَهُ أبُو زَيْدٍ في نَوادِرِهِ:

مِن أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرْ ∗∗∗ أيَوْمٌ لَمْ يُقَدَّرْ أمْ يَوْمٌ قُدِرْ

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: لَعَلَّ أبا جَعْفَرٍ بَيَّنَ الحاءَ وأشْبَعَها في مَخْرَجِها فَظَنَّ السّامِعُ أنَّهُ فَتَحَها. وفي البَحْرِ أنَّ لِهَذِهِ القِراءَةِ تَخْرِيجًا أحْسَنَ مِمّا ذُكِرَ؛ وهو أنَّ الفَتْحَ عَلى لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ مِنَ النَّصْبِ بِلَمْ، فَقَدْ حَكى اللِّحْيانِيُّ في نَوادِرِهِ أنَّ مِنهم مَن يَنْصِبُ بِها ويَجْزِمُ بِلَنْ عَكْسَ المَعْرُوفِ عِنْدَ النّاسِ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُ عائِشَةَ بِنْتِ الأعْجَمِ تَمْدَحُ المُخْتارَ بْنَ أبِي عُبَيْدٍ:

فِي كُلِّ ما هَمَّ أمْضى رَأْيَهُ قُدُمًا ∗∗∗ ولَمْ يُشاوِرَ في الأمْرِ الَّذِي فَعَلا

وخَرَّجَها بَعْضُهم عَلى أنَّ الفَتْحَ لِمُجاوَرَةِ ما بَعْدَها كالكَسْرِ في قِراءَةِ: «الحَمْدِ لِلَّهِ» بِالجَرِّ وهو لا يَتَأتّى في بَيْتِ عائِشَةَ ويَتَأتّى فِيما عَداهُ مِمّا مَرَّ.

94:2Page 596

وَوَضَعۡنَا عَنكَ وِزۡرَكَ ٢

And We removed from you your burden1

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ عُطِفَ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن مَدْلُولِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ شَرَحْنا لَكَ صَدْرَكَ ووَضْعَنا إلَخْ. و«عَنْكَ» مُتَعَلِّقٌ بِ «وضَعْنا» وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِنَ القَصْدِ إلى تَعْجِيلِ المَسَرَّةِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، ولِما أنَّ في وصْفِهِ نَوْعَ طُولٍ فَتَأْخِيرُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَنْهُ مُخِلٌّ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، والوِزْرُ الحَمْلُ الثَّقِيلُ؛ أيْ: وحَطَطْنا عَنْكَ حِمْلَكَ الثَّقِيلَ.

94:3Page 596

ٱلَّذِيٓ أَنقَضَ ظَهۡرَكَ ٣

Which had weighed upon your back

﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أيْ: حَمَلَهُ عَلى النَّقِيضِ وهو صَوْتُ الِانْتِقاضِ والِانْفِكاكِ أعْنِي الصَّرِيرَ ولا يَخْتَصُّ بِصَوْتِ المَحامِلِ والرِّجالِ، بَلْ يُضافُ إلى المَفاصِلِ فَيُقالُ: نَقِيضُ المَفاصِلِ ويُرادُ صَوْتُها فَنَقِيضُ الظَّهْرِ ما يُسْمَعُ مِن مَفاصِلِهِ مِنَ الصَّوْتِ لِثِقَلِ الحِمْلِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسَ:

وأنْقُضُ ظَهْرِي ما تَطَوَّيْتُ مِنهُمُ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ مُشْفِقًا مُتَحَنِّنا

صفحة 169

وإسْنادُ الإنْقاضِ لِلْحِمْلِ إسْنادٌ لِلسَّبَبِ الحامِلِ مَجازًا، والمُرادُ بِالحِمْلِ المُنْقِضِ هُنا ما صَدَرَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ البَعْثَةِ مِمّا يَشُقُّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَذَكُّرُهُ لِكَوْنِهِ في نَظَرِهِ العالِي دُونَ ما هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدُ، أوْ غَفْلَتُهُ عَنِ الشَّرائِعِ ونَحْوِها مِمّا لا يُدْرَكُ إلّا بِالوَحْيِ مَعَ تَطَلُّبِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهُ أوْ حَيْرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في بَعْضِ الأُمُورِ كَأداءِ حَقِّ الرِّسالَةِ أوِ الوَحْيِ وتَلَقِّيهِ؛ فَقَدْ كانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في ابْتِداءِ أمْرِهِ جِدًّا، أوْ ما كانَ يَرى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن ضَلالِ قَوْمِهِ مَعَ العَجْزِ عَنْ إرْشادِهِمْ لِعَدَمِ طاعَتِهِمْ لَهُ وإذْعانِهِمْ لِلْحَقِّ، أوْ ما كانَ يَرى مِن تَعَدِّيهِمْ في إيذائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ هَمِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن وفاةِ أبِي طالِبٍ وخَدِيجَةَ بِناءً عَلى نُزُولِ السُّورَةِ بَعْدَ وفاتِهِما، ويُرادُ بِوَضْعِهِ عَلى الأوَّلِ مَغْفِرَتُهُ، وعَلى الثّانِي إزالَتُهُ غَفْلَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْهُ بِتَعْلِيمِهِ إيّاهُ بِالوَحْيِ ونَحْوِهِ، وعَلى الثّالِثِ إزالَةُ ما يُؤَدِّي لِلْحَيْرَةِ، وعَلى الرّابِعِ تَيْسِيرُهُ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَدَرُّبِهِ واعْتِيادِهِ لَهُ، وعَلى الخامِسِ تَوْفِيقُ بَعْضِهِمْ لِلْإسْلامِ كَحَمْزَةَ وعُمَرَ وغَيْرِهِما، وعَلى السّادِسِ تَقْوِيَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى التَّحَمُّلِ، وعَلى السّابِعِ إزالَةُ ذَلِكَ بِرَفْعِهِ إلى السَّماءِ حَتّى لَقِيَهُ كُلُّ مَلَكٍ وحَيّاهُ، وفَوْزُهُ بِمُشاهَدَةِ مَحْبُوبِهِ الأعْظَمِ ومَوْلاهُ عَزَّ وجَلَّ. وأيًّا ما كانَ فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، والوَضْعُ تَرْشِيحٌ لَها ولَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ لَنا في العِصْمَةِ كَما لا يَخْفى. واخْتارَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ وضْعِ الوِزْرِ كِنايَةً عَنْ عِصْمَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ الذُّنُوبِ وتَطْهِيرِهِ مِنَ الأدْناسِ. عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَضْعِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ في انْتِفاءِ ذَلِكَ كَما يَقُولُ القائِلُ: رَفَعْتُ عَنْكَ مَشَقَّةَ الزِّيارَةِ. لِمَن لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ زِيارَةٌ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ في انْتِفاءِ الزِّيارَةِ مِنهُ لَهُ، والتَّمْثِيلُ عَلَيْهِ بِحالِهِ عَلى ما قِيلَ. وقِيلَ: المُرادُ وِزْرُ أُمَّتِكَ وإنَّما أُضِيفَ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِاهْتِمامِهِ بِشَأْنِهِ وتَفَكُّرِهِ في أمْرِهِ، والمُرادُ بِوَضْعِهِ رَفْعُ غائِلَتِهِ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ العاجِلِ ما دامَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيهِمْ وما دامُوا يَسْتَغْفِرُونَ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ولا يَخْفى بُعْدُ هَذا الوَجْهِ. وقَرَأ أنَسٌ: «وحَطَطْنا» و: «حَلَلْنا» مَكانَ: ( وضَعْنا ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: «وحَلَلْنا عَنْكَ وِقْرَكَ».

94:4Page 596

وَرَفَعۡنَا لَكَ ذِكۡرَكَ ٤

And raised high for you your repute.

﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ بِالنُّبُوَّةِ وغَيْرِها، وأيُّ رَفْعٍ مِثْلَ أنْ قَرَنَ اسْمَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِاسْمِهِ عَزَّ وجَلَّ في كَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ، وجَعَلَ طاعَتَهُ طاعَتَهُ، وصَلّى عَلَيْهِ في مَلائِكَتِهِ، وأمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ، وخاطَبَهُ بِالألْقابِ كَ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ﴾ وذَكَرَهُ سُبْحانَهُ في كُتُبِ الأوَّلِينَ، وأخَذَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأُمَمِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ والضَّحّاكِ والحَسَنِ وغَيْرِهِمْ أنَّهم قالُوا في ذَلِكَ: «لا أُذْكَرُ إلّا ذُكِرْتَ مَعِي».

وفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ: أخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «أتانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أتَدْرِي كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟ قُلْتُ: اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، قالَ: إذا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي»».

وكانَ ذَلِكَ مِنَ الِاقْتِصارِ عَلى ما هو أعْظَمُ قَدْرًا مِن إفْرادِ رَفْعِ الذِّكْرِ، ويُشِيرُ إلى عِظَمِ قَدْرِهِ قَوْلُ حَسّانَ:

أغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خاتَمٌ مِنَ اللَّهِ مَشْهُودٌ يَلُوحُ ويَشْهَدُ

وضَمَّ الإلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ إلى اسْمِهِ ∗∗∗ إذا قالَ في الخَمْسِ المُؤَذِّنُ أشْهَدُ

ولا يَخْفى لُطْفُ ذِكْرِ الرَّفْعِ بَعْدَ الوَضْعِ، والكَلامُ في العَطْفِ وزِيادَةِ ( لَكَ ) كالَّذِي سَلَفَ.

94:5Page 596

فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا ٥

For indeed, with hardship [will be] ease [i.e., relief].

والفاءُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ عَلى ما في الكَشّافِ فَصِيحَةٌ. والكَلامُ وعْدٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَسُوقٌ لِلتَّسْلِيَةِ والتَّنْفِيسِ. قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ يُعَيِّرُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ

صفحة 170

والمُؤْمِنِينَ بِالفَقْرِ والضِّيقَةِ حَتّى سَبَقَ إلى ذِهْنِهِ الشَّرِيفِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهم رَغِبُوا عَنِ الإسْلامِ لِافْتِقارِ أهْلِهِ واحْتِقارِهِمْ، فَذَكَّرَهُ سُبْحانَهُ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِن جَلائِلِ النِّعَمِ ثُمَّ قالَ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ كَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: خَوَّلْناكَ ما خَوَّلْناكَ فَلا تَيْأسْ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى؛ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ يُسْرًا وهو ظاهِرٌ في أنَّ (ألْ) في العُسْرِ لِلْعَهْدِ، وأمّا التَّنْوِينُ في «يُسْرًا» فَلِلتَّفْخِيمِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا عَظِيمًا وأيَّ يُسْرٍ، والمُرادُ بِهِ ما تَيَسَّرَ لَهم مِنَ الفُتُوحِ في أيّامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ يُسْرُ الدُّنْيا مُطْلَقًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском