Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ash-Sharh 94:6–8
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَكْرِيرًا لِلْجُمْلَةِ السّابِقَةِ لِتَقْرِيرِ مَعْناها في النُّفُوسِ وتَمْكِينِها في القُلُوبِ كَما هو شَأْنُ التَّكْرِيرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وعْدًا مُسْتَأْنَفًا وألْ والتَّنْوِينُ عَلى ما سَبَقَ بَيْدَ أنَّ المُرادَ بِاليُسْرِ هُنا ما تَيَسَّرَ لَهم في أيّامِ الخُلَفاءِ أوْ يُسْرُ الآخِرَةِ، واحْتِمالُ الِاسْتِئْنافِ هو الرّاجِحُ لِما عُلِمَ مِن فَضْلِ التَّأْسِيسِ عَلى التَّأْكِيدِ كَيْفَ وكَلامُ اللَّهِ تَعالى مَحْمُولٌ عَلى أبْلَغِ الِاحْتِمالَيْنِ وأوْفاهُما، والمَقامُ كَما تَقَدَّمَ مَقامُ التَّسْلِيَةِ والتَّنْفِيسِ والِاسْتِئْنافُ نَحْوِيٌّ، وتَجَرُّدُهُ عَنِ الواوِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، ولا يُحْتاجَ إلى بَيانِ نُكْتَةٍ لِأنَّهُ الأصْلُ، وقالَ عِصامُ الدِّينِ: لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ نُكْتَةُ الفَصْلِ كَوْنَهُ في صُورَةِ التَّكْرِيرِ فاحْفَظْهُ، فَإنَّهُ مِنَ البَدائِعِ وتُعُقِّبَ بِنَحْوِ ما ذَكَرْنا وكانَ الظّاهِرُ عَلى ما سَمِعْتَ مِنَ المُرادِ بِاليُسْرِ تَعْرِيفُهُ إلّا أنَّهُ أُوثِرَ التَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ. وقَدْ يُقالُ: إنَّ فائِدَتَهُ الظُّهُورُ في التَّأْسِيسِ لِأنَّ النَّكِرَةَ المُعادَةَ ظاهِرُها التَّغايُرُ والإشْعارُ بِالفَرْقِ بَيْنَ العُسْرِ واليُسْرِ، ويَظْهَرُ مِمّا ذُكِرَ وجْهُ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَرِحًا مَسْرُورًا وهو يَضْحَكُ ويَقُولُ: «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا، إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا»».
وأفادَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ الكَلامَ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ وعِدَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَيْسِيرِ كُلِّ عَسِيرٍ. فالفاءُ قِيلَ: سَبَبِيَّةٌ، ودَخَلَتْ عَلى السَّبَبِ وإنْ تَعارَفَ دُخُولُها عَلى المُسَبَّبِ لِتُسَبِّبِ ذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِهِ فَإنَّ ذِكْرَ أحَدِهِما يَسْتَدْعِي ذِكْرَ الآخَرِ، وألْ في العُسْرِ لِلِاسْتِغْراقِ فَيَدْخُلُ فِيهِ سَبَبُ النُّزُولِ. والتَّنْوِينُ في ( يُسْرًا ) عَلى ما سَبَقَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلْنا لَكَ كَذا وكَذا؛ لِأنَّ مَعَ كُلِّ عُسْرٍ كَضِيقِ الصَّدْرِ والوِزْرِ المُنْقِضِ لِلظَّهْرِ والخُمُولِ يُسْرًا عَظِيمًا كالشَّرْحِ والوَضْعِ ورَفْعِ الذِّكْرِ فَلا تَيْأسْ مِن رَوْحِ اللَّهِ تَعالى إذا عَراكَ ما يَغُمُّكَ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ وهو مِن قَبِيلِ تَفْرِيعِ الحُكْمِ عَلى الدَّلِيلِ في صُورَةِ الِاسْتِدْلالِ بِالجُزْئِيِّ عَلى الكُلِّيِّ؛ وذَلِكَ كَما تَقُولُ: أما تَرى إلى الإنْسانِ والفَرَسَ والغَنَمَ كُلَّها تُحَرِّكُ الفَكَّ الأسْفَلَ عِنْدَ المَضْغِ، فاعْلَمْ بِذَلِكَ أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ يَفْعَلُ كَذَلِكَ فَتَدَبَّرْ.
وفِي الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ الِاحْتِمالانِ السّابِقانِ والِاسْتِئْنافُ أيْضًا هو الرّاجِحُ لِما تَقَدَّمَ. وعَلى اتِّحادِ العُسْرِ وتَعَدُّدِ اليُسْرِ يَكُونُ الحاصِلُ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ أنَّ مَعَ كُلِّ عُسْرٍ يُسْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِذَيْنِكَ اليُسْرَيْنِ يُسْرٌ دُنْيَوِيٌّ ويُسْرٌ أُخْرَوِيٌّ. وقِيلَ: الظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ تَكْرِيرٌ لِلْأُولى وتَأْكِيدٌ لَها، فاليُسْرُ فِيها عَيْنُ اليُسْرِ في الأُولى كَما أنَّ العُسْرَ كَذَلِكَ، والكَلامُ نَظِيرُ قَوْلِكَ: إنَّ مَعَ الفارِسِ رُمْحًا، إنَّ مَعَ الفارِسِ رُمْحًا. وهو ظاهِرٌ في وحْدَةِ الفارِسِ والرُّمْحِ. ««ولَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ»». لَيْسَ نَصًّا في الحَمْلِ عَلى الِاسْتِئْنافِ؛ إذْ يَصِحُّ عَلى التَّأْكِيدِ أيْضًا بِأنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلى كَوْنِ التَّنْوِينِ في ( يُسْرًا ) لِلتَّفْخِيمِ فَحُمِلَ لِقُوَّةِ الرَّجاءِ عَلى يُسْرِ الدّارَيْنِ وذَلِكَ يُسْرانِ في الحَقِيقَةِ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ مَعَ أنَّهُ جاءَ عَنْهُ أيْضًا: ««لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ»» وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ الخَبَرُ عَلى أنَّهُ لَنْ يَغْلِبَ فَرْدٌ مِن أفْرادِ العُسْرِ ذِكْرَ اليُسْرِ مَرَّتَيْنِ وتَكْرِيرَهُ في مَقامِ الوَعْدِ وهو كَما تَرى.
والمَشْهُورُ عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ أنَّهُ شِبْهُ التَّقارُبِ بِالتَّقارُنِ فاسْتُعِيرَ لَفْظُ «مَعَ» لِمَعْنى بَعْدَ؛ وذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ في مُعاقَبَةِ اليُسْرِ العُسْرَ واتِّصالِهِ بِهِ. واسْتُشْكِلَ أمْرُ الِاسْتِغْراقِ بِأنَّ مِنَ العُسْرِ
صفحة 171
ما لا يَعْقُبُهُ يُسْرٌ دُنْيَوِيٌّ كالفَقْرِ والمَرَضِ الدّائِمَيْنِ إلى المَوْتِ ولا أراكَ تَرْضى القَوْلَ بِأنَّ المَوْتَ يُسْرٌ دُنْيَوِيٌّ وإنَّ مِنَ العُسْرِ ما لا يَعْقُبُهُ يُسْرٌ أُخْرَوِيٌّ أيْضًا كَعُسْرِ الكافِرِ، والجَوابُ بِأنَّ الحُكْمَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ كَما يَقْتَضِيهِ مَقامُ التَّسْلِيَةِ والتَّنْفِيسِ ويُشْعِرُ بِهِ ما رَواهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: كَتَبَ أبُو عُبَيْدَةَ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما يَذْكُرُ لَهُ جُمُوعًا مِنَ الرُّومِ وما يَتَخَوَّفُ مِنهم فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أمّا بَعْدُ، فَإنَّهُ مَهْما يَنْزِلْ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ شِدَّةٌ يَجْعَلُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَهُ فَرَجًا، ولَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ. لا يَحْسِمُ الإشْكالَ؛ إذْ يَبْقى مَعَهُ أنَّ مِن عُسْرِ المُؤْمِنِ ما لا يَعْقُبُهُ يُسْرٌ دُنْيَوِيٌّ كَما هو ظاهِرٌ، بَلْ مِنهُ ما لا يَعْقُبُهُ يُسْرٌ أُخْرَوِيٌّ أيْضًا؛ وذَلِكَ كَعُسْرِ المُؤْمِنِ الجازِعِ فَإنَّهُ لا يُثابُ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ.
والظّاهِرُ مِنَ اليُسْرِ الأُخْرَوِيِّ هو الثَّوابُ فِيها عَلى ذَلِكَ العُسْرِ، وإرادَةُ المُؤْمِنِ الصّابِرِ يَبْقى مَعَها أنَّ مِن عُسْرِهِ أيْضًا ما لا يَعْقُبُهُ اليُسْرُ الدُّنْيَوِيُّ، وأجابَ بَعْضٌ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ بِأنَّ الِاسْتِغْراقَ عُرْفِيٌّ، ويَكْفِي فِيهِ أنَّ العُسْرَ في الغالِبِ يَعْقُبُهُ يُسْرٌ. وعَلى وجْهِ التَّأْسِيسِ بِهَذا مَعَ كَوْنِ الحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِ الصّابِرِ وآخَرَ بِأنَّ الحُكْمَ مَشْرُوطٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى وإنْ لَمْ تُذْكَرْ. قِيلَ: ويُشْعِرُ بِذَلِكَ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَشَّرَ بِهَذِهِ الآيَةِ أصْحابَهُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى يُسْرَيْنِ»».
ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ الأفاضِلِ أنَّهُ يَجُوزُ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ أنْ يَكُونَ (مَعَ) عَلى ظاهِرِها والتَّنْوِينُ في ( يُسْرًا ) لِلنَّوْعِيَّةِ ولا إشْكالَ في الِاسْتِغْراقِ؛ إذْ لا يَخْلُو المَرْءُ في حالِ العُسْرِ عَنْ نَوْعٍ مِنَ اليُسْرِ، وأقَلُّهُ دَفْعُ ما هو أعْظَمُ مِمّا أصابَهُ عَنْهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ أيْضًا ويَكُونُ اليُسْرُ العَظِيمُ المُقارِنُ لِلْعُسْرِ هو دَفْعُ ذَلِكَ الأعْظَمِ وما مِن عُسْرٍ إلّا وعِنْدَ اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ مِنهُ وأعْظَمُ، وأنَّهُ لا يَأْبى ذَلِكَ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، إمّا لِأنَّ المَعْنى لَنْ يَغْلِبَ فَرْدٌ مِن أفْرادِ العُسْرِ ذِكْرَ اليُسْرِ مَرَّتَيْنِ في مَقامِ التَّسْلِيَةِ، أوْ لِأنَّ الآيَةَ أفادَتْ أنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا وقَدْ عُلِمَ أنَّ بَعْدَهُ آخَرُ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ الغالِبَةُ أوْ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ إنْ كانَ نُزُولُهُ مُتَقَدِّمًا. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ المَعِيَّةَ عَلى حَقِيقَتِها عِنْدَ الخاصَّةِ عَلى مَعْنى أنَّ كُلَّ ما فَعَلَ المَحْبُوبُ مَحْبُوبٌ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ الشَّيْخِ عُمَرَ بْنِ الفارِضِ قُدِّسَ سِرُّهُ:
وتَعْذِيبُكم عَذْبٌ لَدَيَّ وجَوْرُكم عَلَيَّ بِما يَقْضِي الهَوى لَكم عَدْلُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
بر جانم از تو هر جه رسد جاي منت است ∗∗∗ ر ناوك جفاست و ر خنجر ستم
وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ عُسْرًا لِأنَّهُ في نَفْسِهِ وعِنْدَ العامَّةِ كَذَلِكَ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن أصابَهُ مِنَ المُحِبِّينَ المُسْتَعْذِبِينَ لَهُ، والكُلُّ كَما تَرى، ثُمَّ إنَّهُ يُبْعِدُ إرادَةَ المَعِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ ما أخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالِسًا وحِيالَهُ جُحْرٌ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَوْ جاءَ العُسْرُ فَدَخَلَ هَذا الجُحْرَ لَجاءَ اليُسْرُ حَتّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ». فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ إلَخْ». ولَفْظُ الطَّبَرانِيِّ: وتَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ .
وإرادَةُ العَهْدِ أسْلَمُ مِنَ القِيلِ والقالِ، وكَأنَّ مَنِ اخْتارَهُ اخْتارَهُ لِذَلِكَ مَعَ الِاسْتِئْناسِ لَهُ بِسَبَبِ النُّزُولِ، لَكِنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الظَّواهِرُ ومَقاماتُها الخَطابِيَّةُ الِاسْتِغْراقُ. فَإذا قِيلَ بِهِ فَلا بُدَّ مِنَ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِ مَن أصابَهُ العُسْرُ واثِقًا بِاللَّهِ تَعالى حَسَنَ الرَّجاءِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ مُنْقَطِعًا إلَيْهِ سُبْحانَهُ أوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ القُيُودِ فَتَدَبَّرْ. واللَّهُ تَعالى المُيَسِّرُ لِكُلِّ ما يَتَعَسَّرُ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ وأبُو جَعْفَرٍ وعِيسى: «العُسُرِ» و«يُسُرًا» في المَوْضِعَيْنِ بِضَمِّ السِّينِ.
94:7Page 596
فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ ٧
So when you have finished [your duties], then stand up [for worship].
﴿فَإذا فَرَغْتَ﴾ أيْ: مِن عِبادَةٍ كَتَبْلِيغِ الوَحْيِ ﴿فانْصَبْ﴾ فاتْعَبْ في عِبادَةٍ أُخْرى شُكْرًا لِما عَدَدْنا عَلَيْكَ مِنَ النِّعَمِ السّالِفَةِ ووَعَدْناكَ مِنَ الآلاءِ الآنِفَةِ كَأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ ما عَدَّدَ ووَعَدَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما وعَدَ بَعَثَهُ عَلى الشُّكْرِ والِاجْتِهادِ في العِبادَةِ وأنْ لا يُخْلِيَ وقْتًا مِن أوْقاتِهِ مِنها، فَإذا فَرَغَ مِن
صفحة 172
عِبادَةٍ أتْبَعَها بِأُخْرى.
﴿وإلى رَبِّكَ﴾ وحْدَهُ ﴿فارْغَبْ﴾ فاحْرِصْ بِالسُّؤالِ ولا تَسْألْ غَيْرَهُ تَعالى فَإنَّهُ القادِرُ عَلى الإسْعافِ لا غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ أيْ: إذا ﴿فَرَغْتَ﴾ مِنَ الصَّلاةِ ﴿فانْصَبْ﴾ في الدُّعاءِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الضَّحّاكِ وقَتادَةَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْ: إذا ﴿فَرَغْتَ﴾ مِنَ الفَرائِضِ ﴿فانْصَبْ﴾ في قِيامِ اللَّيْلِ. وعَنِ الحَسَنِ أيْ: إذا ﴿فَرَغْتَ﴾ مِنَ الغَزْوِ فاجْتَهِدْ في العِبادَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ نَحْوَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ نَصْرٍ وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ؛ أيْ: إذا فَرَغْتَ مِن أسْبابِ نَفْسِكَ، وفي لَفْظٍ: مِن دُنْياكَ ( فَصَلِّ )، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والأنْسَبُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ. وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومَن مَعَهُ فَهو تَخْصِيصٌ لِبَعْضِ العِباداتِ فَراغًا وشُغْلًا إمّا مِثالًا لِأنَّ اللَّفْظَ خاصٌّ وهو الأظْهَرُ وكَذا يُقالُ فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وإمّا لِأنَّ الصَّلاةَ أُمُّ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والدُّعاءُ مُخُّ العِبادَةِ فَهُما هُما. وقَوْلُ الحَسَنِ فِيهِ ما شاعَ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ»».
وهُوَ قَرِيبٌ إلّا أنَّهُ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ والأمْرَ بِالجِهادِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، ولَعَلَّهُ يَقُولُ بِمَدَنِيَّتِها أوْ مَدَنِيَّةِ هَذِهِ الآيَةِ أوْ أنَّها مِمّا تَأخَّرَ حُكْمُهُ عَنْ نُزُولِهِ كَآياتٍ أُخَرَ. وقَوْلُ مُجاهِدٍ نَظَرَ فِيهِ إلى أنَّ الفَراغَ أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في الخُلُوِّ عَنِ الأشْغالِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««اغْتَنِمْ فَراغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ»».
وهُوَ أضْعَفُ الأقْوالِ لِبُعْدِهِ عَمّا يَقْتَضِيهِ السِّياقُ وتُؤْذِنُ بِهِ الفاءُ. وقالَ عِصامُ الدِّينِ: الأنْسَبُ أنْ يُرادَ ﴿فَإذا فَرَغْتَ﴾ مِن يُسْرٍ ﴿فانْصَبْ﴾ بِعُسْرٍ آخَرَ طَلَبًا لِلْيُسْرَيْنِ، فَإذا كُنْتَ كَذَلِكَ فَكُنْ راغِبًا إلى رَبِّكَ يَعْنِي لا تَتَحَمَّلْ عُسْرَ الدُّنْيا طَمَعًا في يُسْرَيْنِ فِيها، بَلْ تَحَمَّلْ عُسْرَ طَلَبِ الرَّبِّ وقُرْبَهُ جَلَّ شَأْنُهُ لِلْيُسْرَيْنِ انْتَهى. ولَعَمْرِي إنَّهُ خِلافُ ما يَفْهَمُهُ مَن لا سَقَمَ في ذِهْنِهِ مِنَ اللَّفْظِ.
وأشْعَرَتِ الآيَةُ بِأنَّ اللّائِقَ بِحالِ العَبْدِ أنْ يَسْتَغْرِقَ أوْقاتَهُ بِالعِبادَةِ أوْ بِأنْ يَفْرَغَ إلى العِبادَةِ بَعْدَ أنْ يَفْرَغَ مِن أُمُورِ دُنْياهُ عَلى ما سَمِعْتَ مِن قَوْلِ مُجاهِدٍ فِيها، وذَكَرُوا أنَّ قُعُودَ الرَّجُلِ فارِغًا مِن غَيْرِ شُغْلٍ أوِ اشْتِغالَهُ بِما لا يَعْنِيهِ في دِينِهِ أوْ دُنْياهُ مِن سَفَهِ الرَّأْيِ وسَخافَةِ العَقْلِ واسْتِيلاءِ الغَفْلَةِ. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنِّي لَأكْرَهُ أنْ أرى أحَدَكم فارِغًا سَبَهْلَلًا لا في عَمَلِ دُنْياهُ ولا في عَمَلِ آخِرَتِهِ، ورُوِيَ أنَّ شَرِيكًا مَرَّ بِرَجُلَيْنِ يَصْطَرِعانِ فَقالَ: ما بِهَذا أُمِرَ الفارِغُ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ «فَرِغْتَ» بِكَسْرِ الرّاءِ، وهي لُغَةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ لَيْسَتْ بِفَصِيحَةٍ. وقَرَأ قَوْمٌ: «فانْصَبْ» بِشَدِّ الباءِ مَفْتُوحَةً مِنَ الِانْصِبابِ، والمُرادُ فَتَوَجَّهْ إلى عِبادَةٍ أُخْرى كُلَّ التَّوَجُّهِ. ونُسِبَ إلى بَعْضِ الإمامِيَّةِ أنَّهُ قَرَأ: «فانْصِبْ» بِكَسْرِ الصّادِ فَقِيلَ: أيْ: ﴿فَإذا فَرَغْتَ﴾ مِنَ النُّبُوَّةِ ﴿فانْصَبْ﴾ عَلِيًّا لِلْإمامَةِ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى خُصُوصِيَّةِ الفُعُولِ، فَلِلسُّنِّيِّ أنْ يُقَدِّرَهُ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَإنِ احْتَجَّ الإمامِيُّ بِما وقَعَ في غَدِيرِ خُمٍّ مَنَعَ السُّنِّيُّ دَلالَتَهُ عَلى ما ثَبَتَ عِنْدَهُ عَلى النَّصْبِ، وصِحَّتُهُ عَلى ما يَرْوِيهِ الإمامِيُّ. واحْتَجَّ لِما قَدَّرَهُ بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مُرُوا أبا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنّاسِ»».
وقالَ: إنَّهُ أوْفَقُ بِ «إذا فَرَغْتَ» لِما أنَّهُ صَدَرَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في مَرَضِ وفاتِهِ قَبْلَ وفاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخِلافِ ما كانَ في الغَدِيرِ؛ فَإنَّهُ لا يُظْهِرُ أنَّ زَمانَهُ فَراغٌ مِنَ النُّبُوَّةِ ظُهُورُ كَوْنِ زَمانِ الأمْرِ كَذَلِكَ وإنْ رَجَعَ. وقالَ: المُرادُ ﴿فَإذا فَرَغْتَ﴾ مِنَ الحَجِّ ﴿فانْصَبْ﴾ عَلِيًّا، ورُدَّ عَلَيْهِ أمْرُ مَكِّيَّةِ السُّورَةِ مَعَ ما لا يَخْفى.
وقالَ في الكَشّافِ: لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لِلرّافِضِيِّ لَصَحَّ لِلنّاصِبِيِّ أنْ يَقْرَأ هَكَذا ويَجْعَلَهُ أمْرًا بِالنَّصْبِ الَّذِي هو بُغْضُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وعَداوَتُهُ وفِيهِ نَظَرٌ. ومِنَ النّاسِ مَن قَدَّرَ المَفْعُولَ خَلِيفَةً، والأمْرُ فِيهِ هَيِّنٌ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ شاذَّةٌ ضَعِيفَةُ المَعْنى لَمْ تَثْبُتْ عَنْ عالِمٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «فَرَغِّبْ» أمْرٌ مِن رَغِبَ بِشَدِّ الغَيْنِ أيْ: فَرَغِّبِ النّاسَ إلى طَلَبِ ما عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences