Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-'Alaq 96:18–19
صفحة 188
﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ أيْ: مَلائِكَةَ العَذابِ لِيَجُرُّوهُ إلى النّارِ وهو في الأصْلِ الشُّرَطُ؛ أيْ: أعْوانُ الوُلاةِ. واخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ: جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعَبادِيدَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: واحِدُهُ زِبْنِيَةٌ - بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ - كَعِفْرِيَةٍ. وقالَ الكِسائِيُّ: واحِدُهُ زِبْنى - بِالكَسْرِ - كَأنَّهُ نُسِبَ إلى الزَّبْنِ - بِالفَتْحِ - وهو الدَّفْعُ ثُمَّ غُيِّرَ لِلنَّسَبِ، وكُسِرَ أوَّلُهُ كَإنْسِيٍّ، وأصْلُ الجَمْعِ زَبانِيُّ فَقِيلَ: زَبانِيَةٌ بِحَذْفِ إحْدى ياءَيْهِ وتَعْوِيضِ التّاءِ عَنْها. وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ والأخْفَشُ: واحِدُهُ زابِنٌ. والعَرَبُ قَدْ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى مَنِ اشْتَدَّ بَطْشُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أعْوانِ الوُلاةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ:
مَطاعِمُ في القُصْوى مَطاعِينُ في الوَغى زَبانِيَةٌ غُلْبٌ عِظامٌ حُلُومُها
وسُمِّيَ مَلائِكَةُ العَذابِ بِذَلِكَ لِدَفْعِهِمْ مَن يُعَذِّبُونَهُ إلى النّارِ. وهَذا الدُّعاءُ في الدُّنْيا بِناءً عَلى ما رُوِيَ مِن أنَّهُ لَوْ دَعا نادِيَهُ لَأخَذَتْهُ الزَّبانِيَةُ عِيانًا، والظّاهِرُ أنَّ ﴿سَنَدْعُ﴾ مَرْفُوعٌ لِتَجَرُّدِهِ عَنِ النّاصِبِ والجازِمِ، ورُسِمَ في المَصاحِفِ بِدُونِ واوٍ لِاتِّباعِ الرَّسْمِ لِلَّفْظِ؛ فَإنَّها مَحْذُوفَةٌ فِيهِ عَنِ الوَصْلِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ أوْ لِمُشاكَلَةِ ﴿فَلْيَدْعُ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ وفِيهِ نَظَرٌ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «سَيُدْعى الزَّبانِيَةُ» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ «الزَّبانِيَةِ».
96:19Page 597
كـَلَّا لَا تُطِعۡهُ وَٱسۡجُدۡۤ وَٱقۡتَرِب۩ ١٩
No! Do not obey him. But prostrate and draw near [to Allāh].
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِذَلِكَ اللَّعِينِ بَعْدَ رَدْعٍ وزَجْرٍ لَهُ إثْرَ زَجْرٍ.
﴿لا تُطِعْهُ﴾ أيْ: دُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن مُعاصاتِهِ.
﴿واسْجُدْ﴾ وواظِبْ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ عَلى سُجُودِكَ وهو عَلى ظاهِرِهِ أوْ مَجازٌ عَنِ الصَّلاةِ.
﴿واقْتَرِبْ﴾ وتَقَرَّبْ بِذَلِكَ إلى رَبِّكَ.
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ؛ فَأكْثِرُوا الدُّعاءَ»».
وفِي الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ أيْضًا مِن حَدِيثِ ثَوْبانَ مَرْفُوعًا: ««عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ؛ فَإنَّهُ لا تَسْجُدُ لِلَّهِ تَعالى سَجْدَةً إلّا رَفَعَكَ اللَّهُ تَعالى بِها دَرَجَةً وحَطَّ عَنْكَ بِها خَطِيئَةً»».
ولِهَذِهِ الأخْبارِ ونَحْوِها ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ السُّجُودَ أفْضَلُ أرْكانِ الصَّلاةِ، ومِنَ الغَرِيبِ أنَّ العِزَّ بْنَ عَبْدِ السَّلامِ مِن أجِلَّةِ أئِمَّةِ الشّافِعِيَّةِ قالَ بِوُجُوبِ الدُّعاءِ فِيهِ.
وفِي البَحْرِ: ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَجَدَ فِي: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾» وفي هَذِهِ السُّورَةِ، وهي مِنَ العَزائِمِ عِنْدَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وكانَ مالِكٌ يَسْجُدُ فِيها في خاصَّةِ نَفْسِهِ. واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences