Al-AlusiAl-'Alaq · 96:1–8

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

العلق

Al-'Alaq

The Clot · Meccan · 19 ayahs

96:1Page 597

ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ١

Recite in the name of your Lord who created –

سُورَةُ العَلَقِ

وتُسَمّى سُورَةَ اقْرَأْ، لا خِلافَ في مَكِّيَّتِها وإنَّما الخِلافُ في عَدَدِ آيِها، فَفي الحِجازِيِّ عِشْرُونَ آيَةً، وفي العِراقِيِّ تِسْعَ عَشْرَةَ، وفي الشّامِيِّ ثَمانِي عَشْرَةَ، وفي أنَّها أوَّلُ نازِلٍ أوْ لا فَذَهَبَ كَثِيرٌ إلى أنَّها أوَّلُ نازِلٍ، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ بِسَنَدِهِ عَلى شَرْطِ الصَّحِيحِ عَنْ أبِي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ قالَ: «كانَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ يُقْرِئُنا فَيُجْلِسُنا حِلَقًا، عَلَيْهِ ثَوْبانِ أبْيَضانِ، فَإذا تَلا هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾

صفحة 178

قالَ: هَذِهِ أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ».

وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وصَحَّحاهُ عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ.

وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ثُمَّ ﴿ن والقَلَمِ﴾ ورَوى الشَّيْخانِ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: «سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ: أيُّ القُرْآنِ أُنْزِلَ أوَّلًا؟

قالَ: يا أيُّها المُدَّثِّرُ. قُلْتُ: يَقُولُونَ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ؟ قالَ: أُحَدِّثُكم بِما حَدَّثَنا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ،» فَساقَ الحَدِيثَ مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلى ما ادَّعاهُ وأجابَ عَنْهُ الأوَّلُونَ بِعِدَّةِ أجْوِبَةٍ مَرَّ ذِكْرُها. وقِيلَ: الفاتِحَةُ. واحْتُجَّ لَهُ بِحَدِيثٍ مُرْسَلٍ رِجالُهُ ثِقاتٌ أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والواحِدِيُّ مِن طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ بَكِيرٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُمَرَ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ ما فِيهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَمّا نَزَلَ بَعْدَ اقْرَأْ، ويا أيُّها المُدَّثِّرُ، مَعَ أنَّ غَيْرَهُ أقْوى مِنهُ رِوايَةً وجَزَمَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ بِأنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ اقْرَأْ، ثُمَّ «ن»، ثُمَّ يا أيُّها المُزَّمِّلُ، ثُمَّ يا أيُّها المُدَّثِّرُ، ثُمَّ الفاتِحَةُ. وقِيلَ: أوَّلُ ما نَزَلَ صَدْرُها إلى ما لَمْ يَعْلَمْ في غارِ حِراءَ ثُمَّ نَزَلَ آخِرُها بَعْدَ ذَلِكَ بِما شاءَ اللَّهُ تَعالى وهو ظاهِرُ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهم مِن طَرِيقِ ابْنِ شِهابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عائِشَةَ في حَدِيثِ بَدْءِ الوَحْيِ، وفِيهِ: ««فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجُهْدَ ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾». فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ إلى أنْ قالَتْ: ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ ورَقَةُ أنْ تُوَفِّيَ وفَتَرَ الوَحْيُ».

وفِي آخِرِ ما رَوَوْا قالَ ابْنُ شِهابٍ: وأخْبَرَنِي أبُو سَلَمَةَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيِّ قالَ وهو يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ فَقالَ في حَدِيثِهِ: ««بَيْنا أنا أمْشِي إذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّماءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإذا المَلِكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءَ جالِسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَرُعِبْتُ مِنهُ فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ فَحَمِيَ الوَحْيُ وتَتابَعَ»».

ويُعْلَمُ مِنهُ ضَعْفُ الِاسْتِدْلالِ عَلى كَوْنِ سُورَةِ المُدَّثِّرِ أوَّلَ نازِلٍ مِنَ القُرْآنِ عَلى الإطْلاقِ بِما رُوِيَ أوَّلًا عَنْ جابِرٍ المَذْكُورِ كَما لا يَخْفى عَلى الواقِفِ عَلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ صَدْرَ الكَلامِ في سُورَةِ المُدَّثِّرِ لِقَوْلِهِ فِيهِ وهو يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ، وقَوْلِهِ: «فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءَ»، وقَوْلِهِ: «فَحَمِيَ الوَحْيُ وتَتابَعَ»، أيْ بَعْدِ فَتْرَتِهِ. وبِالجُمْلَةِ: الصَّحِيحُ كَما قالَ البَعْضُ وهو الَّذِي أخْتارُهُ أنَّ صَدْرَ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ هو أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ عَلى الإطْلاقِ، كَيْفَ وقَدْ ورَدَ حَدِيثُ بَدْءِ الوَحْيِ المَرْوِيُّ عَنْ عائِشَةَ مِن أصَحِّ الأحادِيثِ، وفِيهِ: «فَجاءَهُ المَلَكُ فَقالَ: اقْرَأْ. فَقالَ: قُلْتُ: «ما أنا بِقارِئٍ، فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ...»» إلَخْ. والظّاهِرُ أنَّ «ما» فِيهِ نافِيَةٌ، بَلْ قالَ النَّوَوِيُّ هو الصَّوابُ وذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ أوَّلًا، وإلّا لَكانَ الِامْتِناعُ مِن أشَدِّ المَعاصِي، ويُطابِقُهُ ما ذَكَرَهُ الأئِمَّةُ في بابِ تَأْخِيرِ البَيانِ وسَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وفي الكَشْفِ: الوَجْهُ حَمْلُ قَوْلِ جابِرٍ عَلى السُّورَةِ الكامِلَةِ، وفي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: الصَّوابُ أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ: ﴿اقْرَأْ﴾ أيْ: مُطْلَقًا، وأوَّلَ ما نَزَلَ بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْيِ: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ وأمّا قَوْلُ مَن قالَ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أوَّلُ ما نَزَلَ الفاتِحَةُ فَبُطْلانُهُ أظْهَرُ مِن أنْ يُذْكُرَ انْتَهى.

وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ في سُورَةِ التِّينِ خَلْقَ الإنْسانِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ بَيَّنَ عَزَّ وجَلَّ هُنا أنَّهُ تَعالى خَلَقُ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ فَكانَ ما تَقَدَّمَ كالبَيانِ لِلْعِلَّةِ الصُّورِيَّةِ، وهَذا كالبَيانِ لِلْعِلَّةِ المادِّيَّةِ. وذَكَرَ سُبْحانَهُ هُنا أيْضًا مِن أحْوالِهِ في الآخِرَةِ ما هو أبْسَطُ مِمّا ذَكَرَهُ عَزَّ وجَلَّ هُناكَ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿اقْرَأْ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ، فالمَفْعُولُ مُقَدَّرٌ بِقَرِينَةِ المَقامِ كَما قِيلَ: ولَيْسَ الفِعْلُ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ ولا أنَّ مَفْعُولَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ عَلى أنَّ الباءَ زائِدَةٌ كَما قالَ

صفحة 179

أبُو عُبَيْدَةَ وزَعَمَ أنَّ المَعْنى: اذْكُرْ رَبَّكَ، بَلْ هي أصْلِيَّةٌ ومَعْناها المُلابَسَةُ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِما عِنْدَها أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ.

والمَعْنى ﴿اقْرَأْ﴾ مُبْتَدِئًا أوْ مُفْتَتِحًا ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ: قُلْ بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ اقْرَأْ وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ لَوِ افْتَتَحَ بِغَيْرِ اسْمِهِ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا، واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ البَسْمَلَةَ جُزْءٌ مِن كُلِّ سُورَةٍ وفِيهِ بَحْثُ وكَذا الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِنَ القُرْآنِ لِلْمُقابَلَةِ؛ إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّها تُخَصِّصُ القُرْآنَ المُقَدَّرَ مَفْعُولًا بِغَيْرِها. وبَعْضُهُمُ اسْتَدَلَّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ بِقُرْآنٍ في أوائِلِ السُّوَرِ بِأنَّها لَمْ تُذْكَرْ فِيما صَحَّ مِن أخْبارِ بَدْءِ الوَحْيِ الحاكِيَةِ لِكَيْفِيَّةِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ كَذا أفادَهُ النَّوَوِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، ثُمَّ قالَ: وجَوابُ المُثْبِتِينَ أنَّها لَمْ تَنْزِلْ أوَّلًا بَلْ نَزَلَتْ في وقْتٍ آخَرَ كَما نَزَلَ باقِي السُّورَةِ كَذَلِكَ وهَذا خِلافُ ما أخْرَجَ الواحِدَيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ أنَّهُما قالا: أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمِ، وأوَّلُ سُورَةٍ اقْرَأْ. وكَذا خِلافُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: يا مُحَمَّدُ، اسْتَعِذْ ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،» وقَدْ عُدَّ القَوْلُ بِأنَّها أوَّلُ ما نَزَلَ أحَدَ الأقْوالِ في تَعْيِينِ أوَّلِ مُنَزَّلٍ مِنَ القُرْآنِ.

وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: إنَّ هَذا القَوْلَ لا يُعَدُّ عِنْدِي قَوْلًا بِرَأْسِهِ؛ فَإنَّهُ مِن ضَرُورَةِ نُزُولِ السُّورَةِ نُزُولُ البَسْمَلَةِ مَعَها فَهي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلى الإطْلاقِ وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ كَما لا يَخْفى.

وجُوِّزَ كَوْنُ الباءِ لِلِاسْتِعانَةِ مُتَعَلِّقَةً بِما عِنْدَها أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا ورُجِّحَتِ المُلابَسَةُ بِسَلامَتِها عَنْ إيهامِ كَوْنِ اسْمِهِ تَعالى آلَةً لِغَيْرِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ أوَّلَ الكِتابِ، ثُمَّ إنَّهُ لَيْسَ في الأمْرِ المَذْكُورِ تَكْلِيفٌ بِما لا يُطاقُ سَواءٌ دَلَّ الأمْرُ عَلى الفَوْرِ أمْ لا؛ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلِمَ أنَّ ما أُوحِيَ قُرْآنٌ فَهو المُكَلَّفُ بِقِراءَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا مَحْذُورَ في كَوْنِ اقْرَأْ إلَخْ مَأْمُورًا بِقِراءَتِهِ لِصِدْقِ المَأْمُورِ بِقِراءَتِهِ عَلَيْهِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِشَخْصٍ: اسْمَعْ ما أقُولُ لَكَ، فَإنَّهُ مَأْمُورٌ بِسَماعِ هَذا اللَّفْظِ أيْضًا. وقَدْ ذَكَرَ جَمْعٌ مِنَ الأُصُولِيِّينَ أنَّ هَذا بَيانٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ في قَوْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿اقْرَأْ﴾ المَذْكُورِ في حَدِيثِ بَدْءِ الوَحْيِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ. قالَ الآمِدِيُّ عِنْدَ ذِكْرِ أدِلَّةِ جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ الحَنَفِيَّةِ وغَيْرِهِمْ: ومِنَ الأدِلَّةِ ما رُوِيَ «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿اقْرَأْ﴾ قالَ: «وما أقْرَأُ؟» كَرَّرَ عَلَيْهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ ثُمَّ قالَ لَهُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾» .

فَأُخِّرَ بَيانُ ما أمَرَهُ بِهِ أوَّلًا مَعَ إجْمالِهِ إلى ما بَعْدَ ثَلاثِ مَرّاتٍ مِن أمْرِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وسُؤالِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ إمْكانِ بَيانِهِ أوَّلًا وذَلِكَ دَلِيلُ جَوازِ التَّأْخِيرِ إلى آخِرِ ما قالَ سُؤالًا وجَوابًا لا يَتَعَلَّقُ بِهِما غَرَضُنا، ولا يَخْفى أنْ يَكُونَ هَذا بَيانًا لِلْمُرادِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ ظاهِرٌ وكَوْنُهُ كَذَلِكَ بِجَعْلِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخِرِ ما نَزَلَ أوْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿اقْرَأْ﴾ إلَخْ ما ادَّعاهُ الجَلالُ مَعْمُولَ اقْرَأْ المُكَرَّرَ في كَلامِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا لا أظُنُّ أنَّ أُصُولِيًّا يَقُولُ بِهِ، ومِثْلُهُ كَوْنُهُ كَذَلِكَ بِحَمْلِ الآيَةِ عَلى ما سَمِعْتَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ. وأمّا بِناءُ الِاسْتِدْلالِ عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو بِحِراءَ بِنَمَطٍ مِن دِيباجٍ مَكْتُوبٍ فِيهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى: ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ فَقالَ لَهُ: اقْرَأْ. فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ السَّلامَ: «ما أنا بِقارِئٍ» قالَ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ. بِأنْ يَكُونَ اقْرَأْ... إلَخْ بَيانًا وتِلاوَةً مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما في النَّمَطِ المُنَزَّلِ لِعَدَمِ العِلْمِ بِما فِيهِ وإنْ كانَ مُشاهَدًا مَنزِلَةُ المُجْمَلِ الغَيْرِ المَعْلُومِ فَلا يَخْفى حالُهُ فَتَأمَّلْ. ثُمَّ إنَّ في كَلامِ الآمِدِيِّ مِن حَيْثُ رِوايَةُ الخَبَرِ ما فِيهِ فَلا تَغْفُلْ. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ التَّرْبِيَةِ والتَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ اللّائِقِ شَيْئًا فَشَيْئًا مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْإشْعارِ بِتَبْلِيغِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الكَمالاتِ البَشَرِيَّةِ بِإنْزالِ الوَحْيِ المُتَواتِرِ.

ووَصْفُ الرَّبِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ لِتَذْكِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلَ النَّعْماءِ الفائِضَةِ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ

صفحة 180

عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنهُ سُبْحانَهُ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى تَعْلِيمِ القِراءَةِ بِألْطَفِ وجْهٍ، وقِيلَ: لِتَأْكِيدِ عَدَمِ إرادَةِ غَيْرِهِ تَعالى مِنَ الرَّبِّ؛ فَإنَّ العَرَبَ كانَتْ تُسَمِّي الأصْنامَ أرْبابًا لَكِنَّهم لا يَنْسُبُونَ الخَلْقَ إلَيْها، والفِعْلُ إمّا مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيِ الَّذِي لَهُ الخَلْقُ، أوْ مُقَدَّرٌ مَفْعُولُهُ عامًّا أيِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ. والأوَّلُ يُفِيدُ العُمُومَ أيْضًا؛ فَعَلى الوَجْهَيْنِ يَكُونُ وجْهُ تَخْصِيصِ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ تَعالى:

96:2Page 597

خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ ٢

Created man from a clinging substance.

﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ أنَّهُ أشْرَفُ المَخْلُوقاتِ وفِيهِ مِن بَدائِعِ الصُّنْعِ والتَّدْبِيرِ ما فِيهِ؛ فَهو أدَلُّ عَلى وُجُوبِ العِبادَةِ المَقْصُودَةِ مِنَ القِراءَةِ مَعَ أنَّ التَّنْزِيلَ إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ خَلْقُ الإنْسانِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ أوَّلًا وذُكِرَ ثانِيًا قَصْدًا لِتَفْخِيمِهِ بِالإبْهامِ ثُمَّ التَّفْسِيرِ. وعَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ المُناسِبَ أنْ يُرادَ خَلْقُ الإنْسانِ بَعْدَ الأمْرِ بِقِراءَةِ القُرْآنِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ لِلْقِراءَةِ والدِّرايَةِ كَما أنَّ ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ عَقِيبَ تَعْلِيمِ القُرْآنِ أوَّلَ سُورَةِ الرَّحْمَنِ لِنَحْوِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن عَلَقٍ﴾ أيْ: دَمٍ جامِدٍ لِبَيانِ كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى بِإظْهارِ ما بَيْنَ حالَتَيْهِ الأُولى والآخِرَةِ مِنَ التَّبايُنِ البَيِّنِ، وأتى بِهِ دالًّا عَلى الجَمْعِ لِأنَّ الإنْسانَ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ فَهو في مَعْنى الجَمْعِ فَأتى بِما خُلِقَ مِنهُ كَذَلِكَ لِيُطابِقَهُ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن رِعايَةِ الفَواصِلِ، ولَعَلَّهُ عَلى ما قِيلَ: السِّرُّ في تَخْصِيصِ هَذا الطَّوْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ أطْوارِ الفِطْرَةِ الإنْسانِيَّةِ مِن كَوْنِ النُّطْفَةِ والتُّرابِ أدَلَّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ لِكَوْنِهِما أبْعَدَ مِنهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الإنْسانِيَّةِ. وفي البَحْرِ: لَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ مادَّةَ الأصْلِ يَعْنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو التُّرابُ لِأنَّ خَلْقَهُ مِن ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتَقَرِّرًا عِنْدَ الكُفّارِ، فَذَكَرَ مادَّةَ الفَرْعِ وخَلْقَهُ مِنها، وتَرَكَ مادَّةَ أصْلِ الخِلْقَةِ تَقْرِيبًا لِإفْهامِهِمْ وهو عَلى ما فِيهِ لا يَحْسِمُ مادَّةَ السُّؤالِ.

وقِيلَ: خُصَّ هَذا الطَّوْرُ تَذْكِيرًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما وقَعَ مِن شَرْحِ الصَّدْرِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وإخْراجِ العَلَقِ مِنهُ لِيَتَهَيَّأ تَهَيُّئًا تامًّا لِما يَكُونُ لَهُ بَعْدُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ مِن جِنْسِ ما أخْرَجَهُ مِن صَدْرِكَ الشَّرِيفِ لِيُهَيِّئَكَ بِذَلِكَ لِمِثْلِ ما يُلْقى إلَيْكَ الآنَ وبِهَذا تَقْوى مُناسِبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ لِسُورَةِ الشَّرْحِ قَبْلَها أتَمَّ مُناسَبَةً لا سِيَّما عَلى تَفْسِيرِ الشَّرْحِ بِالشَّقِّ فَتَدَبَّرْهُ.

ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّ المَعْنى خَلَقَ آدَمَ مِن طِينٍ يَعْلَقُ بِاليَدِ وهو مِمّا لا تَعْلَقُ بِهِ يَدُ القَبُولِ، ولَمّا كانَ خَلْقُ الإنْسانِ أوَّلَ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِ مِنهُ تَعالى وأقْدَمَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِهِ عَزَّ وجَلَّ وكَمالِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ سُبْحانَهُ وصَفَ ذاتَهُ تَعالى بِذَلِكَ أوَّلًا لِيَسْتَشْهِدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ عَلى تَمْكِينِهِ تَعالى لَهُ مِنَ القِراءَةِ.

96:3–4Page 597

ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ ٣

Recite, and your Lord is the most Generous -

ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ ٤

Who taught by the pen –

ثُمَّ كَرَّرَ جَلَّ وعَلا الأمْرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْرَأْ﴾ أيِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ تَأْكِيدًا لِلْإيجابِ وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وأرادَ لِإزاحَةِ ما بَيْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ العُذْرِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ قالَ لَهُ اقْرَأْ فَقالَ: «ما أنا بِقارِئٍ».

يُرِيدُ أنَّ القِراءَةَ شَأْنُ مَن يَكْتُبُ ويَقْرَأُ وأنا أُمِّيٌّ فَقِيلَ: ﴿ورَبُّكَ﴾ الَّذِي أمَرَكَ بِالقِراءَةِ مُفْتَتِحًا ومُبْتَدَئًا بِاسْمِهِ ﴿الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ أيْ: عَلَّمَ ما عُلِّمَ بِواسِطَةِ القَلَمِ لا غَيْرِهِ تَعالى، فَكَما عَلَّمَ سُبْحانَهُ القارِئَ بِواسِطَةِ الكِتابَةِ بِالقَلَمِ يُعَلِّمُكَ بِدُونِها. وحَقِيقَةُ الكَرَمِ إعْطاءُ ما يَنْبَغِي لا لِغَرَضٍ فَهو صِفَةٌ لا يُشارِكُهُ تَعالى في إطْلاقِها أحَدٌ فافْعَلْ لِلْمُبالَغَةِ، وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ اقْرَأْ هَذا تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ وإنَّما ذُكِرَ لِيُوصَلَ بِهِ ما يُزِيحُ العُذْرَ. فَجُمْلَةُ: ﴿ورَبُّكَ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ.

96:5Page 597

عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ ٥

Taught man that which he knew not.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن عَلَّمَ بِالقَلَمِ؛ أيْ: عَلَّمَهُ بِهِ وبِدُونِهِ مِنَ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ والجَلِيَّةِ والخَفِيَّةِ ما لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ، في حَذْفِ المَفْعُولِ أوَّلًا وإيرادِهِ بِعُنْوانِ عَدَمِ المَعْلُومِيَّةِ ثانِيًا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى وكَمالِ كَرَمِهِ عَزَّ وجَلَّ والإشْعارِ بِأنَّهُ تَعالى يُعَلِّمُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ العُلُومِ ما لا يُحِيطُ بِهِ العُقُولُ ما لا يَخْفى قالَهُ في الإرْشادِ.

وقَدَّرَ بَعْضُهم مَفْعُولَ عَلَّمَ الخَطَّ، وجَعَلَ «بِالقَلَمِ» مُتَعَلِّقًا بِهِ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ

صفحة 181

ابْنِ الزُّبَيْرِ: «الَّذِي عَلَّمَ الخَطَّ بِالقَلَمِ» حَيْثُ صَرَّحَ فِيها بِذَلِكَ، وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ ﴿اقْرَأْ﴾ الأوَّلَ أمْرٌ بِالقِراءَةِ لِنَفْسِهِ. وقِيلَ: مُطْلَقًا. والثّانِي أمْرٌ بِالقِراءَةِ لِلتَّبْلِيغِ، وقِيلَ: في الصَّلاةِ المُشارِ إلَيْها فِيما بَعْدُ. وجُمْلَةُ ( ورَبُّكَ ) إلَخْ تَحْتَمِلُ الحالِيَّةَ والِاسْتِئْنافِيَّةَ، وحاصِلُ المَعْنى عَلى إرادَةِ القِراءَةِ لِلتَّبْلِيغِ في قَوْلٍ بَلِّغْ قَوْمَكَ.

﴿ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ الَّذِي يُثِيبُكَ عَلى عَمَلِكَ بِما يَقْتَضِيهِ كَرَمُهُ ويُقَوِّيكَ عَلى حِفْظِ القُرْآنِ لِتُبَلِّغَهُ. وأوْلى الأوْجُهِ وأظْهَرُها التَّأْكِيدُ وأبْعَدَ بَعْضُهم جِدًّا فَزَعَمَ أنَّ «بِسْمِ» في البَسْمَلَةِ مُتَعَلِّقٌ بِ «اقْرَأْ» الأوَّلِ، وبِاسْمِ رَبِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِ «اقْرَأْ» الثّانِي لِيُفِيدَ التَّقْدِيمُ اخْتِصاصَ اسْمِ اللَّهِ تَعالى بِالِابْتِداءِ. وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يُبْقى بِاسْمِ اللَّهِ عَلى ما هو المَشْهُورُ فِيهِ، واقْرَأْ أمْرٌ بِإحْداثِ القِراءَةِ وبِاسْمِ رَبِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِ «اقْرَأْ» الثّانِي لِذَلِكَ ولا يَخْفى أنَّ الظّاهِرَ تَعَلُّقُ بِاسْمِ رَبِّكَ بِما عِنْدَهُ، وتَقْدِيمُ الفِعْلِ هاهُنا أوْقَعُ لِأنَّ السُّورَةَ المَذْكُورَةَ عَلى ما سَبَقَ مِنَ التَّصْحِيحِ أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ فالقِراءَةُ فِيها أهَمُّ نَظَرًا لِلْمَقامِ. وقِيلَ: إنَّهُ لَوْ سُلِّمَ كَوْنُ غَيْرِها نازِلًا قَبْلَها لا يَضُرُّ في حُسْنِ تَقْدِيمِ الفِعْلِ؛ لَأنَّ المَعْنى كَما سَمِعْتَ عَنْ قَتادَةَ: اقْرَأْ مُفْتَتِحًا بِاسْمِ رَبِّكَ؛ أيْ: قُلْ بِاسْمِ اللَّهِ ثُمَّ اقْرَأْ فَلَوِ افْتَتَحَ بِغَيْرِ البَسْمَلَةِ لَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا فَضْلًا عَنْ أنْ يَفْتَتِحَ بِما يُضادُّها مِن أسْماءِ الأصْنامِ، ولَوْ قُدِّمَ أفادَ مَعْنًى آخَرَ وهو أنَّ المَطْلُوبَ عِنْدَ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ الِافْتِتاحُ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى لا باسِمِ الأصْنامِ ولا تَكُونُ القِراءَةُ في نَفْسِها مَطْلُوبَةً لِما عُلِمَ أنَّ مُقْتَضى التَّقْدِيمِ أنْ يَكُونَ أصْلُ الفِعْلِ مُسَلَّمًا عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن زَمانٍ طَلَبًا كانَ أوْ خَبَرًا، وأجابَ مَن عَلَّقَ الجارَّ بِالثّانِي بِأنَّ مَطْلُوبِيَّةَ القِراءَةِ في نَفْسِها اسْتُفِيدَتْ مِنَ «اقْرَأْ» الأوَّلِ فَلا تَغْفُلْ.

والظّاهِرُ أنَّ المُعَلَّمَ بِالقَلَمِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وقِيلَ: هو كُلُّ نَبِيٍّ كَتَبَ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أوَّلُ مَن خَطَّ. وقالَ كَعْبٌ: هو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أوَّلُ مَن كَتَبَ. وقَدْ نَسَبُوا لِآدَمَ وإدْرِيسَ عَلَيْهِما السَّلامُ نُقُوشًا مَخْصُوصَةً في كِتابَةِ حُرُوفِ الهِجاءِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ عَدَمُ صِحَّةِ ذَلِكَ، وقَدْ أدْمَجَ سُبْحانَهُ وتَعالى التَّنْبِيهَ عَلى فَضْلِ عِلْمِ الكِتابَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ ونَيْلِ الرُّتَبِ الفَخِيمَةِ ولَوْلاهُ لَمْ يَقُمْ دِينٌ ولَمْ يَصْلُحْ عَيْشٌ ولَوْ لَمْ يَكُنْ عَلى دَقِيقِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى ولَطِيفِ تَدْبِيرِهِ سُبْحانَهُ دَلِيلٌ إلّا أمْرُ القَلَمِ والخَطِّ لَكَفى بِهِ، وقَدْ قِيلَ فِيهِ:

لُعابُ الأفاعِي القاتِلاتِ لُعابُهُ وأرْيُ الجَنى اشْتارَتْهُ أيْدٍ عَواسِلُ

ومِمّا نَسَبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في ذَلِكَ لِبَعْضِهِمْ وعَنى عَلى ما قِيلَ نَفْسَهُ:

ورَواقِمِ رَقْشٍ كَمِثْلِ أراقِمَ ∗∗∗ قَطْفُ الخُطى نَيّالَةٌ أقْصى المَدى

سُودُ القَوائِمِ ما يَجِدُّ مَسِيرُها ∗∗∗ إلّا إذا لَعِبَتْ بِها بِيضُ المَدى

ولَهم في هَذا البابِ كَلامٌ فَصْلٌ يَضِيقُ عَنْهُ الكِتابُ، وظاهِرُ الآثارِ أنَّ الكِتابَةَ في الأُمَمِ غَيْرِ العَرَبِ قَدِيمَةٌ وفِيهِمْ حادِثَةٌ لا سِيَّما في أهْلِ الحِجازِ، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الكِتابَةَ نُقِلَتْ إلَيْهِمْ مِن أهْلِ الحِيرَةِ وأنَّهم أخَذُوها مِن أهْلِ الأنْبارِ، وذَكَرَ الكَلْبِيُّ والهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ أنَّ النّاقِلَ لِلْخَطِّ العَرَبِيِّ مِنَ العِراقِ إلى الحِجازِ حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ وكانَ قَدْ قَدِمَ الحِيرَةَ فَعادَ إلى مَكَّةَ بِهِ، وأنَّهُ قِيلَ لِابْنِهِ أبِي سُفْيانَ: مِمَّنْ أخَذَ أبُوكَ هَذا الخَطَّ؟ فَقالَ: مِن أسْلَمَ بْنِ سِدْرَةَ. وقالَ: سَألْتُ أسْلَمَ: مِمَّنْ أخَذْتَ هَذا الخَطَّ؟ فَقالَ: مِن واضِعِهِ مُرامِرِ بْنِ مُرَّةَ. وقِيلَ: كانَ لِحِمْيَرَ كِتابَةٌ يُسَمُّونَها المُسْنَدَ مُنْفَصِلَةً غَيْرَ مُتَّصِلَةٍ، وكانَ لَها شَأْنٌ عِنْدَهم فَلا يَتَعاطاها إلّا مَن أُذِنَ لَهُ في تَعَلُّمِها، وأصْنافُ الكِتابَةِ كَثِيرَةٌ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ جُلَّ كِتاباتِ الأُمَمِ اثْنا عَشَرَ صِنْفًا: العَرَبِيَّةُ والحِمْيَرِيَّةُ والفارِسِيَّةُ والعِبْرانِيَّةُ واليُونانِيَّةُ والرُّومِيَّةُ والقِبْطِيَّةُ والبَرْبَرِيَّةُ والأنْدَلُسِيَّةُ والهِنْدِيَّةُ والصِّينِيَّةُ والسُّرْيانِيَّةُ، ولَعَلَّ هَذا إنْ صَحَّ بِاعْتِبارِ الأُصُولِ وإلّا فالفُرُوعُ تُوشِكُ أنْ لا يُحْصِيَها قَلَمٌ كَما لا يَخْفى. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

ولَمْ يَرَ بَعْضُ العُلَماءِ مِنَ الأدَبِ وصْفَ غَيْرِهِ تَعالى بِالأكْرَمِ كَما يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ في رَسائِلِهِمْ فَيَكْتُبُونَ: إلى فُلانٍ الأكْرَمِ ومَعَ هَذا يَعُدُّونَهُ وصْفًا نازِلًا ويَسْتَهْجِنُونَهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُلُوكِ ونَحْوِهِمْ مِنَ الأكابِرِ، وقَدْ يَصِفُونَ

صفحة 182

بِهِ اليَهُودِيَّ والنَّصْرانِيَّ ونَحْوَهُما مَعَ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ فَعَلى العَبْدِ أنْ يُراعِيَ الأدَبَ مَعَ مَوْلاهُ شاكِرًا كَرَمَهُ الَّذِي أوْلاهُ.

96:6Page 597

كـَلَّآ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَيَطۡغَىٰٓ ٦

No! [But] indeed, man transgresses

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِمَن كَفَرَ مِن جِنْسِ الإنْسانِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ بِطُغْيانِهِ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مُفْتَتَحَ السُّورَةِ إلى هَذا المَقْطَعِ يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ مِنَّتِهِ تَعالى عَلى الإنْسانِ فَإذا قِيلَ: ﴿كَلا﴾ كانَ رَدْعًا لِلْإنْسانِ الَّذِي قابَلَ تِلْكَ النِّعَمَ الحَلائِلَ بِالكُفْرانِ وبِالطُّغْيانِ، وكَذَلِكَ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ أيْ: لَيَتَجاوَزُ الحَدَّ في المَعْصِيَةِ واتِّباعِ هَوى النَّفْسِ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقالَ الكَلْبِيُّ: أيْ: لَيَرْتَفِعُ عَنْ مَنزِلَةٍ إلى مَنزِلَةٍ في اللِّباسِ والطَّعامِ وغَيْرِهِما ولَيْسَ بِذاكَ، وقَدَّرَ بَعْضُهم بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ لِيَشْكُرَ تِلْكَ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ فَطَغى وكَفَرَ ﴿كَلا﴾ .

وقِيلَ: كَلّا بِمَعْنى حَقًّا لِعَدَمِ ما يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الرَّدْعُ والزَّجْرُ ظاهِرًا فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِما أُرِيدَ إحْقاقُهُ وهَذا إلى آخِرِ السُّورَةِ قِيلَ: نَزَلَ في أبِي جَهْلٍ بَعْدَ زَمانٍ مِن نُزُولِ الآياتِ السّابِقَةِ وهو الظّاهِرُ، ومَعَ نُزُولِهِ في ذَلِكَ اللَّعِينِ المُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ.

96:7Page 597

أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰٓ ٧

Because he sees himself self-sufficient.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ؛ أيْ: يَطْغى لِأنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا عَلى أنَّ جُمْلَةَ ﴿اسْتَغْنى﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِرَأى لِأنَّهُ بِمَعْنى عَلِمَ، ولِذَلِكَ ساغَ كَوْنُ فاعِلِهِ ومَفْعُولِهِ ضَمِيرَيْ واحِدٍ نَحْوَ: عَلَّمْتَنِي. فَقَدْ قالُوا: إنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ في غَيْرِ أفْعالِ القُلُوبِ وفُقِدَ وعُدِمَ، وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنْ رَأى البَصَرِيَّةَ قَدْ تُعْطى حُكْمَ القَلْبِيَّةِ في ذَلِكَ وجَعَلُوا مِنهُ قَوْلَ عائِشَةَ: «لَقَدْ رَأيْتُنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وما لَنا طَعامٌ إلّا الأسْوَدانِ». وأنْشَدُوا:

ولَقَدْ أرانِي لِلرِّماحِ دَرِيئَةً مِن عَنْ يَمِينِي تارَةً وأمامِي

فَإذا جُعِلَتْ رَأى هُنا بَصَرِيَّةً فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، وتَعْلِيلُ طُغْيانِهِ بِرُؤْيَتِهِ لا بِنَفْسِ الِاسْتِغْناءِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ طُغْيانِهِ زَعْمُهُ الفاسِدُ عَلى الأوَّلِ، ومُجَرَّدُ رُؤْيَتِهِ ظاهِرُ الحالِ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ وتَأمُّلٍ في حَقِيقَتِهِ عَلى الثّانِي، وعَلى الوَجْهَيْنِ المُرادُ بِالِاسْتِغْناءِ الغِنى بِالمالِ أعْنِي مُقابِلَ الفَقْرِ المَعْرُوفِ. وقِيلَ: المُرادُ أنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا عَنْ رَبِّهِ سُبْحانَهُ بِعَشِيرَتِهِ وأمْوالِهِ وقُوَّتِهِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ويُبْعِدُهُ ظاهِرُ ما رُوِيَ«أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أتَزْعُمُ أنَّ مَنِ اسْتَغْنى طَغى فاجْعَلْ لَنا جِبالَ مَكَّةَ ذَهَبًا وفِضَّةً لَعَلَّنا نَأْخُذُ مِنها فَنَطْغى فَنَدَعُ دِينَنا ونَتَّبِعُ دِينَكَ. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: إنْ شِئْتَ فَعَلْنا ذَلِكَ ثُمَّ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا بِأصْحابِ المائِدَةِ، فَكَفَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ الدُّعاءِ إبْقاءً عَلَيْهِمْ». وقَرَأ قُنْبُلٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: «أنْ رَأهُ» بِحَذْفِ الألِفِ الَّتِي بَعْدَ الهَمْزَةِ وهي لامُ الفِعْلِ، ورَوى ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ مُجاهِدٍ وغَلَّطَهُ فِيهِ وقالَ: إنَّ ذَلِكَ حَذْفٌ لا يَجُوزُ، وفي البَحْرِ: يَنْبَغِي أنْ لا يُغَلِّطَهُ بَلْ يَتَطَلَّبُ لَهُ وجْهًا، وقَدْ حُذِفَتِ الألْفُ في نَحْوٍ مِن هَذا؛ قالَ:

وصّانِي العَجّاجُ فِيمَن وصَّنِي. يُرِيدُ: وصّانِي فَحَذَفَ الألِفَ وهي لامُ الفِعْلِ وقَدْ حُذِفَتْ في مُضارِعِ رَأى في قَوْلِهِمْ: أصابَ النّاسَ جَهْدٌ لَوْ تَرَ أهْلَ مَكَّةَ، وهو حَذْفٌ لا يَنْقاسُ، لَكِنْ إذا صَحَّتِ الرِّوايَةُ وجَبَ القَبُولُ فالقِراءاتُ جاءَتْ عَلى لُغَةِ العَرَبِ قِياسُها وشاذُّها.

96:8Page 597

إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجۡعَىٰٓ ٨

Indeed, to your Lord is the return.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ تَهْدِيدٌ لِلطّاغِي وتَحْذِيرٌ لَهُ مِن عاقِبَةِ الطُّغْيانِ، والخِطابُ قِيلَ لِلْإنْسانِ، والِالتِفاتُ لِلتَّشْدِيدِ في التَّهْدِيدِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. والمُرادُ أيْضًا تَهْدِيدُ الطّاغِي وتَحْذِيرُهُ ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ نَظَرًا إلى الخِطاباتِ قَبْلَهُ والرُّجْعى مَصْدَرٌ بِمَعْنى الرُّجُوعِ كالبُشْرى والألِفُ فِيها لِلتَّأْنِيثِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلَيْهِ لِلْقَصْرِ؛ أيْ: إنَّ إلى رَبِّكَ رُجُوعَ الكُلِّ بِالمَوْتِ والبَعْثِ لا إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا فَتَرى حِينَئِذٍ عاقِبَةَ الطُّغْيانِ. وفي هَذِهِ الآياتِ عَلى ما قِيلَ: إدْماجُ التَّنْبِيهِ عَلى مَذَمَّةِ المالِ كَما أنَّ في الآياتِ الأُوَلِ إدْماجُ التَّنْبِيهِ عَلى مَدْحِ العِلْمِ وكَفى ذَلِكَ مُرَغِّبًا في الدِّينِ والعِلْمِ ومُنَفِّرًا عَنِ الدُّنْيا والمالِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском