Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
آل عمران
Ali 'Imran
Family of Imran · Medinan · 200 ayahs
3:1–4Page 50
الٓمٓ ١
Alif, Lām, Meem.1
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ ٢
Allāh - there is no deity except Him, the Ever-Living, the Self-Sustaining.1
نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ ٣
He has sent down upon you, [O Muḥammad], the Book in truth, confirming what was before it. And He revealed the Torah and the Gospel
مِن قَبۡلُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلۡفُرۡقَانَۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ ٤
Before, as guidance for the people. And He revealed the Criterion [i.e., the Qur’ān]. Indeed, those who disbelieve in the verses of Allāh will have a severe punishment, and Allāh is Exalted in Might, the Owner of Retribution.1
(p-٣٤٩)سُورَةُ آَلِ عِمْرانَ.
ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وأنَّ صَدْرًا مِن أوَّلِها نَزَلَ في وفْدِ نَجْرانَ، قَدِمُوا النَّبِيَّ ﷺ في سِتِّينَ راكِبًا، فِيهِمُ العاقِبُ، والسَّيِّدُ، فَخاصَمُوهُ في عِيسى، فَقالُوا: إنْ لَمْ يَكُنْ ولَدَ اللَّهِ، فَمَن أبَوْهُ؟ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ صَدْرُ (آَلِ عِمْرانَ) إلى بِضْعٍ وثَمانِينَ آَيَةً مِنها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ يَعْنِي: القُرْآَنَ ﴿بِالحَقِّ﴾ يَعْنِي: العَدْلَ. ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ. وقِيلَ: إنَّما قالَ في القُرْآَنِ: "نَزَلَ" بِالتَّشْدِيدِ، وفي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ: أنْزَلَ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما أُنْزِلَ في مَرَّةٍ واحِدَةٍ، وأُنْزِلَ القُرْآَنُ في مَرّاتٍ كَثِيرَةٍ. فَأمّا التَّوْراةُ، فَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنِ الفَرّاءُ أنَّهُ يَجْلَعُها مِن: ورى الزَّنْدُ يُرى: إذا خَرَجَتْ نارُهُ، وأوْرَيْتُهُ، يُرِيدُ أنَّها ضِياءٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرى: ورى يُرِي، ويُقالُ: ورَيْتُ بِكَ زِنادِي. والإنْجِيلَ، مِن نَجَلْتُ الشَّيْءَ: إذا أخْرَجْتُهُ، ووَلَدُ الرَّجُلِ: نَجْلُهُ، كَأنَّهُ هو اسْتَخْرَجَهُ، يُقالُ: قَبَّحَ اللَّهُ ناجِلَيْهِ، أيْ: والِدَيْهِ، وقِيلَ لِلْماءِ يَقْطُرُ مِنَ البِئْرِ: نَجْلٌ، يُقالُ: قَدِ اسْتَنْجَلَ الوادِي: [إذا ظَهَرَ نُزُوزُهُ ] . وإنْجِيلُ: إفْعِيلٌ مِن ذَلِكَ، كَأنَّ اللَّهَ أظْهَرَ بِهِ عافِيًا مِنَ الحَقِّ دارِسًا. قالَ شَيْخُنا أبُو مَنصُورٍ اللُّغَوِيُّ: والإنْجِيلُ: أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ، قالَ: وقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كانَ عَرَبِيًّا، فاشْتِقاقُهُ مِنَ النَّجْلِ، وهو ظُهُورُ الماءِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، واتِّساعُهُ، ونَجَلْتُ الشَّيْءَ: إذا اسْتَخْرَجْتُهُ وأظْهَرْتُهُ، فالإنْجِيلُ مُسْتَخْرَجٌ بِهِ عُلُومٌ وحِكَمٌ وقِيلَ: هو إفْعِيلٌ مِنَ النَّجْلِ وهو الأصْلُ: فالإنْجِيلُ أصْلٌ لِعُلُومٍ وحِكَمٍ وفي الفُرْقانِ (p-٣٥٠)هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآَنُ، قالَهُ قَتادَةُ، والجُمْهُورُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سُمِّيَ القُرْآَنُ فُرْقانًا، لِأنَّهُ فَرَقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والمُؤْمِنِ والكافِرِ، والثّانِي: أنَّهُ الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في أمْرِ عِيسى حِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقالَ السُّدِّيُّ: في الآَيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: وأنْزَلَ التَّوْراةَ، والإنْجِيلَ، والفَرْقانَ، فِيهِ هُدًى لِلنّاسِ.
**
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ وفْدَ نَجْرانَ النَّصارى، كَفَرُوا بِالقُرْآَنِ، وبِمُحَمَّدٍ. والِانْتِقامُ: المُبالَغَةُ في العُقُوبَةِ.
3:5–6Page 50
إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخۡفَىٰ عَلَيۡهِ شَيۡءٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٥
Indeed, from Allāh nothing is hidden in the earth nor in the heaven.
هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦
It is He who forms you in the wombs however He wills. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: هَذا تَعْرِيضٌ بِنَصارى أهْلِ نَجْرانَ فِيما كانُوا يَنْطَوُونَ عَلَيْهِ مِن كَيْدِ النَّبِيِّ ﷺ وذِكْرُ التَّصْوِيرِ في الأرْحامِ تَنْبِيهٌ عَلى أمْرِ عِيسى.
3:7Page 50
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٧
It is He who has sent down to you, [O Muḥammad], the Book; in it are verses [that are] precise - they are the foundation of the Book - and others unspecific.1 As for those in whose hearts is deviation [from truth], they will follow that of it which is unspecific, seeking discord and seeking an interpretation [suitable to them]. And no one knows its [true] interpretation except Allāh. But those firm in knowledge say, "We believe in it. All [of it] is from our Lord." And no one will be reminded except those of understanding,
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ المُحْكَمُ: المُتْقَنُ المُبِينُ، وفي المُرادِ بِهِ هاهُنا ثَمانِيَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ النّاسِخُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ في آَخَرِينَ. والثّانِي: أنَّهُ الحَلالُ والحَرامُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ ما عَلِمَ العُلَماءُ تَأْوِيلَهُ، رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. والرّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي لَمْ يُنْسَخْ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والخامِسُ: أنَّهُ ما لَمْ تَتَكَرَّرْ ألْفاظُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والسّادِسُ: أنَّهُ ما اسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى بَيانٍ، ذَكَرَهُ (p-٣٥١)القاضِي أبُو يَعْلى عَنِ الإمامِ أحْمَدَ. وقالَ الشّافِعِيُّ، وابْنُ الأنْبارِيِّ: هو ما لَمْ يَحْتَمِلْ مِنَ التَّأْوِيلِ إلّا وجْهًا واحِدًا، والسّابِعُ: أنَّهُ جَمِيعُ القُرْآَنِ غَيْرِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ. والثّامِنُ: أنَّهُ الأمْرُ والنَّهْيُ، والوَعْدُ والوَعِيدُ، والحَلالُ والحَرامُ، ذَكُرَ هَذا والَّذِي قَبْلَهُ القاضِي أبُو يَعْلى. وأُمُّ الكِتابِ أصْلُهُ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: هُنَّ أصْلُ الكِتابِ اللَّواتِي يَعْمَلُ عَلَيْهِنَّ في الأحْكامِ، ومَجْمَعُ الحَلالِ والحَرامِ. وفي المُتَشابِهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ المَنسُوخُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ في آَخَرِينَ. والثّانِي: أنَّهُ ما لَمْ يَكُنْ لِلْعُلَماءِ إلى مَعْرِفَتِهِ سَبِيلٌ، كَقِيامِ السّاعَةِ، رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. والثّالِثُ: أنَّهُ الحُرُوفُ المُقَطَّعَةُ كَقَوْلِهِ "ألَمْ" ونَحْوُ ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ ما اشْتَبَهَتْ مَعانِيهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والخامِسُ: أنَّهُ ما تَكَرَّرَتْ ألْفاظُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والسّادِسُ: أنَّهُ ما احْتَمَلَ مِنَ التَّأْوِيلِ وُجُوهًا. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُحْكَمُ ما لا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلاتِ، ولا يَخْفى عَلى مُمَيَّزٍ، والمُتَشابِهُ: الَّذِي تَعْتَوِرُهُ تَأْوِيلاتٌ. والسّابِعُ: أنَّهُ القَصَصُ، والأمْثالُ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى. فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ إنْزالِ المُتَشابِهِ، والمُرادُ بِالقُرْآَنِ البَيانُ والهُدى؟ فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ. أحَدُها: أنَّهُ لَمّا كانَ كَلامُ العَرَبِ عَلى ضَرْبَيْنِ. أحَدُهُما: المُوجَزُ الَّذِي لا يَخْفى عَلى سامِعِهِ، ولا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ظاهِرِهِ. والثّانِي: المَجازُ، والكِناياتُ، والإشاراتُ، والتَّلْوِيحاتُ، وهَذا الضَّرْبُ الثّانِي: هو المُسْتَحْلى عِنْدَ العَرَبِ، والبَدِيعُ في كَلامِهِمْ، أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى القُرْآَنَ عَلى هَذَيْنَ الضَّرْبَيْنِ، لِيَتَحَقَّقَ عَجْزُهم عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: عارِضُوهُ بِأيِّ الضَّرْبَيْنِ شِئْتُمْ، ولَوْ نَزَلَ كُلَّهُ مُحُكَمًا واضِحًا، لَقالُوا: هَلّا نَزَلَ بِالضَّرْبِ المُسْتَحْسَنِ عِنْدَنا. ومَتى وقَعَ في الكَلامِ إشارَةٌ أوْ كِنايَةٌ، أوْ تَعْرِيضٌ أوْ تَشْبِيهٌ، كانَ أفْصَحُ وأغْرَبُ.
(p-٣٥٢)قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ وما ذَرَفَتْ عَيْناكَ إلّا لِتَضْرِبِي بِسَهْمَيْكِ في أعْشارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
فَجَعَلَ النَّظَرَ بِمَنزِلَةِ السَّهْمِ عَلى جِهَةِ التَّشْبِيهِ، فَحَلا هَذا عِنْدَ كُلِّ سامِعٍ ومُنْشِدٍ، وزادَ في بَلاغَتِهِ. وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ أيْضًا:
؎ رَمَتْنِي بِسَهْمٍ أصابَ الفُؤادَ ∗∗∗ غَداةَ الرَّحِيلِ فَلَمْ أنْتَصِرْ
وَقالَ أيْضًا:
؎ فَقُلْتُ لَهُ لَمّا تَمَطّى بِصُلْبِهِ ∗∗∗ وأرْدَفَ أعْجازًا وناءَ بِكَلْكَلِ
فَجَعَلَ لِلَّيْلِ صُلْبًا وصَدْرًا عَلى جِهَةِ التَّشْبِيهِ، نَحْسُنُ بِذَلِكَ شِعْرُهُ. وقالَ غَيْرُهُ:
؎ مِن كُمَيْتٍ أجادَها طابِخاها ∗∗∗ لَمْ تَمُتْ كُلُّ مَوْتِها في القُدُورِ
أرادَ بِالطّابِخِينَ: اللَّيْلُ والنَّهارُ عَلى جِهَةِ التَّشْبِيهِ. وقالَ آَخَرُ:
؎ تَبْكِي هاشِمًا في كُلِّ فَجْرٍ ∗∗∗ كَما تَبْكِي عَلى الفَنَنِ الحَمامُ
(p-٣٥٣)قالَهُ آَخَرُ:
؎ عَجِبْتُ لَها أنّى يَكُونُ غِناؤُها ∗∗∗ فَصِيحًا ولَمْ تَفْتَحْ بِمَنطِقِها فَما
فَجَعَلَ لَها غِناءً وفَمًا عَلى جِهَةِ الِاسْتِعارَةِ. والجَوابُ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَهُ مُخْتَبِرًا بِهِ عِبادَهُ، لِيَقِفَ المُؤْمِنُ عِنْدَهُ، ويَرُدَّهُ إلى عالَمِهِ، فَيَعْظُمَ بِذَلِكَ ثَوابُهُ، ويَرْتابَ بِهِ المُنافِقُ، فَيُداخِلُهُ الزَّيْغُ، فَيَسْتَحِقُّ بِذَلِكَ العُقُوبَةَ، كَما ابْتَلاهم بِنَهْرِ طالُوتَ. والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ أنْ يَشْغَلَ أهْلَ العِلْمِ بِرَدِّهِمُ المُتَشابِهَ إلى المُحْكَمِ، فَيَطُولُ بِذَلِكَ فِكْرُهم، ويَتَّصِلُ بِالبَحْثِ عَنْهُ اهْتِمامُهم، فَيُثابُونَ عَلى تَعَبِهِمْ، كَما يُثابُونَ عَلى سائِرِ عِباداتِهِمْ، ولَوْ جَعَلَ القُرْآَنَ كُلَّهُ مُحْكَمًا لاسْتَوى فِيهِ العالِمُ والجاهِلُ، ولَمْ يَفْضُلِ العالِمُ عَلى غَيْرِهِ، ولَماتَتِ الخَواطِرُ، وإنَّما تَقَعُ الفِكْرَةُ والحِيلَةُ مَعَ الحاجَةِ إلى الفَهْمِ. وقَدْ قالَ الحُكَماءُ: عَيْبُ الغِنى: أنَّهُ يُورِثُ البَلادَةَ، وفَضْلُ الفَقْرِ: أنَّهُ يَبْعَثُ عَلى الحِيلَةِ، لِأنَّهُ إذا احْتاجَ احْتالَ. والرّابِعُ: أنَّ أهْلَ كُلِّ صِناعَةٍ يَجْعَلُونَ في عُلُومِهِمْ مَعانِيَ غامِضَةً، ومَسائِلَ دَقِيقَةً لِيُحَرِّجُوا بِها مَن يَعْلَمُونَ، ويُمَرِّنُوهم عَلى انْتِزاعِ الجَوابِ، لِأنَّهم إذا قَدَرُوا عَلى الغامِضِ، كانُوا عَلى الواضِحِ أقْدَرَ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ حَسَنًا عِنْدَ العُلَماءِ، جازِ أنَّ يَكُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِنَ المُتَشابِهِ عَلى هَذا النَّحْوِ، وهَذِهِ الأجْوِبَةُ مَعْنى ما ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ في الزَّيْغِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّكُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّهُ المَيْلُ، قالَهُ أبُو مالِكٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كالقَوْلَيْنِ. وقِيلَ: هو المَيْلُ عَنِ الهُدى. وفي هَؤُلاءِ القَوْمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ الخَوارِجُ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: المُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. والثّالِثُ: وفْدُ نَجْرانَ مِنَ النَّصارى، قالَهُ الرَّبِيعُ. والرّابِعُ: اليَهُودُ، طَلَبُوا مَعْرِفَةَ بَقاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ مِن حِسابِ الجُمَلِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُحِيلُونَ المُحْكَمَ عَلى المُتَشابِهِ، (p-٣٥٤)والمُتَشابِهُ عَلى المُحْكَمِ، ويَلْبَسُونَ. و قالَ السُّدِّيُّ: يَقُولُونَ: ما بالُ هَذِهِ الآَيَةِ عَمِلَ بِها كَذا وكَذا، ثُمَّ نُسِخَتْ؟! وفي المُرادِ بِالفِتْنَةِ هاهُنا، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها الكُفْرُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، والرَّبِيعُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّانِي: الشُّبُهاتُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: إفْسادُ ذاتِ البَيْنِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وفي التَّأْوِيلِ وجْهانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ التَّفْسِيرُ. والثّانِي: العاقِبَةُ المُنْتَظَرَةُ. والرّاسِخُ: الثّابِتُ، يُقالُ: رَسَخَ يَرْسُخُ رُسُوخًا. وهَلْ يَعْلَمُ الرّاسِخُونَ تَأْوِيلَهُ أمْ لا؟ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم لا يَعْلَمُونَهُ، وأنَّهم مُسْتَأْنِفُونَ، وقَدْ رَوى طاوُوسٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ (وَيَقُولُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ آَمَنّا بِهِ) وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعُرْوَةُ، وقَتادَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وثَعْلَبٌ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، والجُمْهُورُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (إنْ تَأْوِيلُهُ، إلّا عِنْدَ اللَّهِ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ) وُقِيَ قِراءَةِ أُبَيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ (وَيَقُولُ الرّاسِخُونَ) وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ أشْياءَ، اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ [ الأعْرافِ: ١٨٧ ] . و قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [ الفَرْقانِ: ٣٨ ] فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى المُجْمَلَ، لِيُؤْمِنَ بِهِ المُؤْمِنُ، فَيَسْعَدُ، ويَكْفُرُ بِهِ الكافِرُ، فَيَشْقى. والثّانِي: أنَّهم يَعْلَمُونَ، فَهم داخِلُونَ في الِاسْتِثْناءِ. وقَدْ رَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والرَّبِيعِ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الَّذِي رَوى هَذا القَوْلَ عَنْ مُجاهِدٍ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ، ولا تَصِحُّ رِوايَتُهُ التَّفْسِيرَ عَنْ مُجاهِدٍ.
3:8–9Page 50
رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٨
[Who say], "Our Lord, let not our hearts deviate after You have guided us and grant us from Yourself mercy. Indeed, You are the Bestower.1
رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ٩
Our Lord, surely You will gather the people for a Day about which there is no doubt. Indeed, Allāh does not fail in His promise."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ أيْ يَقُولُونَ: (رَبَّنا لا تُمِلْ قُلُوبَنا عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا) وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ، والجَحْدَرِيُّ "لا تُزِغْ" بِفَتْحِ التّاءِ "قُلُوبَنا" بِرَفْعِ الباءِ. ولَدْنَكَ: بِمَعْنى عِنْدَكَ. والوَهّابُ: الَّذِي يَجُودُ بِالعَطاءِ مِن غَيْرِ (p-٣٥٥)اسْتِثابَةٍ، والمَخْلُوقُونَ لا يَمْلِكُونَ أنْ يَهَبُوا شِفاءً لِسَقِيمٍ، ولا ولَدًا لِعَقِيمٍ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَهَبَ جَمِيعَ الأشْياءِ.
3:10Page 51
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ وَقُودُ ٱلنَّارِ ١٠
Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allāh at all. And it is they who are fuel for the Fire.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾ أيْ: لَنْ تَدْفَعَ، لِأنَّ المالَ يَدْفَعُ عَنْ صاحِبِهِ في الدُّنْيا، وكَذَلِكَ الأوْلادُ، فَأمّا في الآَخِرَةِ، فَلا يَنْفَعُ الكافِرَ مالُهُ، ولا ولَدُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ.
3:11Page 51
كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١١
[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and those before them. They denied Our signs, so Allāh seized them for their sins. And Allāh is severe in penalty.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ في الدَّأْبِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ العادَةُ، فَمَعْناهُ: كَعادَةِ آَلِ فِرْعَوْنَ، يُرِيدُ: كُفْرَ اليَهُودِ، كَكُفْرٍ مَن قَبْلَهم، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: و"الكافُ" في "كَدَأْبِ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، كَأنَّهُ قالَ: كَفَرَتِ اليَهُودُ، كَكُفْرِ آَلِ فِرْعَوْنَ. والثّانِي: أنَّهُ الِاجْتِهادُ، فَمَعْناهُ: أنَّ دَأْبَ هَؤُلاءِ، وهو اجْتِهادُهم في كُفْرِهِمْ، وتَظاهُرِهِمْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ كَتَظاهُرِ آَلِ فِرْعَوْنَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
3:12Page 51
قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغۡلَبُونَ وَتُحۡشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٢
Say to those who disbelieve, "You will be overcome and gathered together to Hell, and wretched is the resting place."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ (سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ) بِالتّاءِ و(يَرَوْنَهُمْ) بِالياءِ، وقَرَأ نافِعٌ ثَلاثَتُهُنَّ بِالتّاءِ، وقَرَأهُنَّ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالياءِ. وفي سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ (p-٣٥٦)لَمّا رَأوْا وقْعَةَ بِدْرٍ، هَمُّوا بِالإسْلامِ، وقالُوا: هَذا هو النَّبِيُّ الَّذِي نَجِدُهُ في كِتابِنا، لا تُرَدُّ لَهُ رايَةٌ، ثُمَّ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا تَعْجَلُوا حَتّى تَنْظُرُوا لَهُ وقْعَةً أُخْرى، فَلَمّا كانَتْ أُحُدٌ، شَكَوْا، وقالُوا: ما هو بِهِ، ونَقَضُوا عَهْدًا كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ، وانْطَلَقَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ في سِتِّينَ راكِبًا إلى أهْلِ مَكَّةَ، فَقالُوا: تَكُونُ كَلِمَتُنا واحِدَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ قَبْلَ وقْعَةِ بَدْرٍ، فَحَقَّقَ اللَّهُ وعْدَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ. والثّالِثُ: أنَّ أبا سُفْيانَ في جَماعَةٍ مِن قَوْمِهِ، جَمَعُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
3:13Page 51
قَدۡ كَانَ لَكُمۡ ءَايَةٞ فِي فِئَتَيۡنِ ٱلۡتَقَتَاۖ فِئَةٞ تُقَٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخۡرَىٰ كَافِرَةٞ يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصۡرِهِۦ مَن يَشَآءُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ١٣
Already there has been for you a sign in the two armies which met [in combat at Badr] - one fighting in the cause of Allāh and another of disbelievers. They saw them [to be] twice their [own] number by [their] eyesight.1 But Allāh supports with His victory whom He wills. Indeed in that is a lesson for those of vision.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا﴾ في المُخاطَبِينَ بِهَذا ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والحَسَنِ. والثّانِي: الكَفّارُ، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى الَّذِي قَبْلَهُ، وهو يَتَخَرَّجُ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ الَّذِي ذَكَرْناهُ آَنِفًا. والثّالِثُ: أنَّهُمُ اليَهُودُ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ جَرِيرٍ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: قَدْ كانَتْ لَكُمْ؟ فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّ ما لَيْسَ بِمُؤَنَّثٍ حَقِيقِيٍّ، يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ. والثّانِي: أنَّهُ رَدَّ المَعْنى إلى البَيانِ، فَمَعْناهُ: قَدْ كانَ لَكم بَيانٌ، فَذَهَبَ إلى المَعْنى، وتَرَكَ اللَّفْظَ، وأنْشَدُوا:
؎ إنِ امْرَأ غَرَّهُ مِنكُنَّ واحِدَةٌ، بَعْدِي وبَعْدَكِ في الدُّنْيا، لَمَغْرُورُ
وَقَدْ سَبَقَ مَعْنى "الآَيَةِ" و"الفِئَةُ" وكُلُّ مُشْكِلٍ تَرَكْتُ شَرْحَهُ، فَإنَّكَ تَجِدُهُ فِيما سَبَقَ والمُرادُ بِالفِئَتَيْنِ: النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ، ومُشْرِكُو قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ. قالَهُ قَتادَةُ (p-٣٥٧)والجَماعَةُ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: يَرَوْنَهم ثَلاثَةُ أمْثالِهِمْ، قالَهُ الفَرّاءُ، واحْتَجَّ بِأنَّكَ إذا قُلْتَ: عِنْدِي ألْفُ دِينارٍ، وأحْتاجُ إلى مِثْلَيْهِ، فَإنَّكَ تَحْتاجُ إلى ثَلاثَةِ آَلافٍ. والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ يَرَوْنَهم ومِثْلَهم، قالَ الزَّجّاجُ: وهو الصَّحِيحُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَأْيَ العَيْنِ﴾ أيْ: في رَأْيِ العَيْنِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: جاءَ هَذا عَلى مَصْدَرِ رَأيْتُهُ،، يُقالُ: رَأيْتُهُ رَأْيًا، ورُؤْيَةً. واخْتَلَفُوا في الفِئَةِ الرّائِيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ، هي الَّتِي ذَكَرْناها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ﴾ فَإنْ قُلْنا: إنَ الفِئَةَ الرّائِيَةَ المُسْلِمُونَ، فَوَجْهُهُ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَضْعُفُونَ عَلى عَدَدِ المُسْلِمِينَ، فَرَأوْهم عَلى ما هم عَلَيْهِ، ثُمَّ نَصَرَهُمُ اللَّهُ، وكَذَلِكَ إنْ قُلْنا: إنَّهُمُ اليَهُودُ. وإنْ قُلْنا: إنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، فَتَكْثِيرُ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِهِمْ مِن أسْبابِ النَّصْرِ. وقَدْ قَرَأ نافِعٌ: "تَرَوْنَهُمْ" بِالتّاءِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ذَهَبَ إلى أنَّ الخِطابَ لِلْيَهُودِ. قالَ الفَرّاءُ: ويَجُوزُ لِمَن قَرَأ "يَرَوْنَهُمْ" بِالياءِ أنْ يَجْعَلَ الفِعْلَ لِلْيَهُودِ، وإنْ كانَ قَدْ خاطَبَهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ﴾ لِأنَّ العَرَبَ تَرْجِعُ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، ومِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ. وقَدْ شَرَحْنا هَذا في "الفاتِحَةِ" وغَيْرِها. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُقالُ: إنَّ المُشْرِكِينَ اسْتَكْثَرُوا المُسْلِمِينَ، وإنَّ المُسْلِمِينَ اسْتَكْثَرُوا المُشْرِكِينَ، وقَدْ بَيَّنَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ [ الأنْفالِ: ٤٤ ] . أنَّ الفِئَتَيْنِ تَساوَتا في اسْتِقْلالِ إحْداهُما لِلْأُخْرى؟ فالجَوابُ: أنَّهُمُ اسْتَكْثَرُوهم في حالٍ، واسْتَقَلُّوهم في حالٍ، فَإنَّ (p-٣٥٨)قُلْنا: إنَّ الفِئَةَ الرّائِيَةَ المُسْلِمُونَ، فَإنَّهم رَأوْا عَدَدَ المُشْرِكِينَ عِنْدَ بِدايَةِ القِتالِ عَلى ما هم عَلَيْهِ، ثُمَّ قَلَّلَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ في أعْيُنِهِمْ حَتّى اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِمْ، فَنَصَرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ السَّبَبِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَظَرْنا إلى المُشْرِكِينَ فَرَأيْناهم يَضْعُفُونَ عَلَيْنا، ثُمَّ نَظَرْنا إلَيْهِمْ، فَما رَأيْناهم يَزِيدُونَ عَلَيْنا رَجُلًا واحِدًا. وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى: لَقَدْ قُلِّلُوا في أعْيُنِنا حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي: تَراهم سَبْعِينَ؟ قالَ: أراهم مِئَةً، فَأسَرْنا مِنهم رَجُلًا، فَقُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قالَ: ألْفًا. وإنْ قُلْنا: إنَّ الفِئَةَ الرّائِيَةَ المُشْرِكُونَ، فَإنَّهُمُ اسْتَقَلُّوا المُسْلِمِينَ في حالٍ، فاجْتَرَؤُوا عَلَيْهِمْ، واسْتَكْثَرُوهم في حالٍ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبُ خُذْلانِهِمْ، وقَدْ نُقِلَ أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا أُسِرُوا يَوْمَئِذٍ، قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قالُوا: كُنّا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ. قالُوا: ما كُنّا نَراكم إلّا تَضْعُفُونَ عَلَيْنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُؤَيِّدُ﴾ أيْ: يُقَوِّي ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ في الإشارَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى النَّصْرِ. والثّانِي: إلى رُؤْيَةِ الجَيْشِ مِثْلَيْهِمْ، والعِبْرَةُ: الدَّلالَةُ المُوصِلَةُ إلى اليَقِينِ، المُؤَدِّيَةُ إلى العِلْمِ، وهي مِنَ العُبُورِ، كَأنَّهُ طَرِيقٌ يُعَبِّرُ بِهِ، ويُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المُرادِ. وقِيلَ: العِبْرَةُ: الآَيَةُ الَّتِي يُعَبِّرُ مِنها مِن مَنزِلَةِ الجَهْلِ إلى مَنزِلَةِ العِلْمِ. والأبْصارُ: العُقُولُ والبَصائِرُ.
3:14Page 51
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ ١٤
Beautified for people is the love of that which they desire - of women and sons, heaped-up sums of gold and silver, fine branded horses, and cattle and tilled land. That is the enjoyment of worldly life, but Allāh has with Him the best return [i.e., Paradise].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ قَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ "زَيَّنَ" بِفَتْحِ الزّايِ "حُبَّ" بِنَصْبِ الباءِ، وقَدْ سَبَقَ في "البَقَرَةِ" بَيانُ التَّزْيِينِ. والقَناطِيرُ: جَمْعُ قِنْطارٍ، قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَيْسَتِ النُّونُ فِيهِ أصْلِيَّةٌ، وأحْسَبُ أنَّهُ مُعَرَّبٌ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلْ هو مَحْدُودٌ أمْ لا؟ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْدُودٌ، ثُمَّ فِيهِ (p-٣٥٩)أحَدَ عَشَرَ قَوْلًا. أحَدُها: أنَّهُ ألِفٌ ومِئَتا أوُقِيَّةٍ، رَواهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وبِهِ قالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وابْنُ عُمَرَ، وعاصِمُ بْنُ أبِي النُّجُودِ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ. والثّانِي: أنَّهُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ أُوقِيَّةٍ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ كالقَوْلَيْنِ، وفي رِوايَةٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا: اثْنا عَشَرَ أُوقِيَّةً. والثّالِثُ: أنَّهُ ألْفٌ ومِئَتا دِينارٍ، ذَكَرَهُ الحَسَنُ ورَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ اثْنا عَشَرَ ألْفِ دِرْهَمٍ، أوْ ألْفَ دِينارٍ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، كَهَذا القَوْلِ، والَّذِي قَبْلَهُ. والخامِسُ: أنَّهُ سَبْعُونَ ألْفَ دِينارٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ومُجاهِدٍ. والسّادِسُ: ثَمانُونَ ألْفَ دِرْهَمٍ، أوْ مِئَةُ رَطْلٍ مِنَ الذَّهَبِ، رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وقَتادَةَ. والسّابِعُ: أنَّهُ سَبْعَةُ آَلافِ دِينارٍ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّامِنُ: ثَمانِيَةُ آَلافِ مِثْقالٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والتّاسِعُ: أنَّهُ ألْفُ مِثْقالِ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ. والعاشِرُ: أنَّهُ مِلْءُ مِسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا، قالَهُ أبُو نَضْرَةَ، وأبُو عُبَيْدَةَ. والحادِي عَشَرَ: القِنْطارُ: رَطْلٌ مِنَ الذَّهَبِ، أوِ الفِضَّةِ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ القِنْطارَ لَيْسَ بِمَحْدُودٍ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: القِنْطارُ: المالُ الكَثِيرُ، بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ ذَكَرَ عَنِ العَرَبِ أنَّ القِنْطارَ وزْنٌ لا يُحَدُّ، وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ. قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: القِنْطارُ: العُقْدَةُ الوَثِيقَةُ المُحْكَمَةُ مِنَ المالِ. وفي مَعْنى المُقَنْطَرَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها المُضَعَّفَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القَناطِيرُ ثَلاثَةٌ، والمُقَنْطَرَةُ تِسْعَةٌ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ. والثّانِي: أنَّها المُكَمِّلَةُ، كَما تَقُولُ: بِدْرَةٌ مُبَدَّرَةٌ، وألْفٌ مُؤَلَّفَةٌ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ. والثّالِثُ: أنَّها المَضْرُوبَةُ حَتّى صارَتْ دَنانِيرَ ودَراهِمَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وفي المُسَوَّمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ (p-٣٦٠)أحَدُها: أنَّها الرّاعِيَةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، والرَّبِيعُ، ومُقاتِلٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: سامَتِ الخَيْلُ، وهي سائِمَةٌ: إذا رَعَتْ، وأسْمَتْها وهي مُسامَةٌ، وسَوَّمْتُها فَهي مُسَوَّمَةٌ: إذا رَعَيْتَها والمُسَوَّمَةُ في غَيْرِ هَذا: المُعَلَّمَةُ في الحَرْبِ بِالسَّوْمَةِ وبِالسِّيماءِ، أيْ: بِالعَلامَةِ. والثّانِي: أنَّها المُعَلَّمَةُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وعَنِ الحَسَنِ كالقَوْلَيْنِ. وفي مَعْنى المُعَلَّمَةُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها مُعَلَّمَةٌ بِالشِّيَةِ، وهو اللَّوْنُ الَّذِي يُخالِفُ سائِرَ لَوْنِها، رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ. والثّانِي: بِالكَيِّ، رُوِيَ عَنِ المُؤَرَّجِ. والثّالِثُ: أنَّها البَلْقُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ. والثّالِثُ: أنَّها الحِسانُ، قالَهُ ابْنُ عِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٌ. فَأمّا الأنْعامُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هِيَ: الإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ، واحِدُها. نَعَمٌ، وهو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. والمَآَبُ: المَرْجِعُ. وهَذِهِ الأشْياءُ المَذْكُورَةُ قَدْ تَحْسُنُ نِيَّةُ العَبْدِ بِالتَّلَبُّسِ بِها، فَيُثابُ عَلَيْها، وإنَّما يَتَوَجَّهُ الذَّمُّ إلى سُوءِ القَصْدِ فِيها وبِها.
3:15Page 51
۞ قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٖ مِّن ذَٰلِكُمۡۖ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ١٥
Say, "Shall I inform you of [something] better than that? For those who fear Allāh will be gardens in the presence of their Lord beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and purified spouses and approval from Allāh. And Allāh is Seeing [i.e., aware] of [His] servants -
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ رَوى عَطاءُ بْنُ السّائِبِ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ قالَ عُمَرُ: يا رَبِّ الآَنَ حِينَ زَيَّنْتَها؟! فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ ووَجْهُ الآَيَةِ أنَّهُ خَبَّرَ أنَّ ما عِنْدَهُ خَيْرٌ مِمّا في الدُّنْيا، وإنْ كانَ مَحْبُوبًا، لِيَتْرُكُوا ما يُحِبُّونَ لِما يَرْجُونَ. فَأمّا الرِّضْوانُ، فَقَرَأ عاصِمٌ، إلّا حَفْصًا وأبانَ بْنَ يَزِيدٍ عَنْهُ، بِرَفْعِ الرّاءِ في جَمِيعِ القُرْآَنِ، واسْتَثْنى يَحْيى والعُلَيْمِيَّ كَسَرَ الرّاءَ في المائِدَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ﴾ [ المائِدَةِ: ١٦ ] . وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الرّاءِ، والكَسْرُ لُغَةُ قُرَيْشٍ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَضِيتُ الشَّيْءَ أرْضاهُ رِضًى ومَرْضاةً ورِضْوانًا ورُضْوانًا. ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ يَعْلَمُ مَن يُؤْثِرُ ما عِنْدَهُ مِمَّنْ يُؤْثِرُ شَهَواتِ الدُّنْيا، فَهو يُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ.
3:16–17Page 52
ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٦
Those who say, 'Our Lord, indeed we have believed, so forgive us our sins and protect us from the punishment of the Fire,' "
ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡمُنفِقِينَ وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِينَ بِٱلۡأَسۡحَارِ ١٧
The patient, the true, the obedient, those who spend [in the way of Allāh], and those who seek forgiveness before dawn.
(p-٣٦١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الصّابِرِينَ﴾ أيْ: عَلى طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَنْ مَحارِمِهِ ﴿والصّادِقِينَ﴾ في عَقائِدِهِمْ وأقْوالِهِمْ ﴿والقانِتِينَ﴾ بِمَعْنى المُطِيعِينَ لِلَّهِ ﴿والمُنْفِقِينَ﴾ في طاعَتِهِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ يَعْنِي: بِالنَّفَقَةِ الصَّدَقَةِ. وفي مَعْنى اسْتِغْفارِهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ الِاسْتِغْفارُ المَعْرُوفُ بِاللِّسانِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ في آَخَرِينَ. والثّانِي: أنَّهُ الصَّلاةُ. قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ في آَخَرِينَ. فَعَلى هَذا إنَّما سُمِّيَتِ الصَّلاةُ اسْتِغْفارًا، لِأنَّهم طَلَبُوا بِها المَغْفِرَةَ. فَأمّا السِّحْرُ، فَقالَ إبْراهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ: السِّحْرُ: الوَقْتُ الَّذِي قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وهو أوَّلُ إدْبارِ اللَّيْلِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، فَوَصَفَهُمُ اللهُ بِهَذِهِ الطّاعاتِ، ثُمَّ وصَفَهم بِأنَّهم لِشِدَّةِ خَوْفِهِمْ يَسْتَغْفِرُونَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences