Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
التوبة
At-Tawbah
The Repentance · Medinan · 129 ayahs
9:1Page 187
بَرَآءَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١
[This is a declaration of] disassociation, from Allāh and His Messenger, to those with whom you had made a treaty among the polytheists.1
(p-٣٨٨)سُورَةُ التَّوْبَةِ
﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾
فَصْلٌ في نُزُولِها
هِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ، سِوى الآَيَتَيْنِ في آَخِرِها ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ فَإنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. رَوى البُخارِيُّ في "صَحِيحِهِ" مِن حَدِيثِ البَراءِ قالَ: آَخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَراءَة وقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ سَمِعَ قارِئًا يَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: إنِّي لَأحْسَبُ هَذِهِ مِن آَخَرِ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآَنِ. قِيلَ لَهُ: ومِن أيْنَ عَلِمْتَ! فَقالَ: إنِّي لَأسْمَعُ عُهُودًا تُنْبَذُ، ووَصايا تُنَفَّذُ.
فَصْلٌ
واخْتَلَفُوا في أوَّلِ ما نَزَلَ مِن ﴿بَراءَةٌ﴾ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنها قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ [التَّوْبَةِ:٢٥]، قالَهُ مُجاهِدٌ.
(p-٣٨٩)والثّانِي: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ [التَّوْبَةِ:٤١]، قالَهُ أبُو الضُّحى، وأبُو مالِكٍ.
والثّالِثُ: ﴿إلا تَنْصُرُوهُ﴾ [التَّوْبَةِ:٤٠] قالَهُ مُقاتِلٌ. وهَذا الخِلافُ إنَّما هو في أوَّلِ ما نَزَلَ مِنها بِالمَدِينَةِ، فَإنَّهم قَدْ قالُوا: نَزَلَتِ الآَيَتانِ اللَّتانِ في آَخِرِها بِمَكَّةَ.
فَصْلٌ
وَلَها تِسْعَةُ أسْماءٍ. أحَدُها: سُورَةُ التَّوْبَةِ. والثّانِي: بَراءَةٌ؛ وهَذانَ مَشْهُورانِ بَيْنَ النّاسِ. والثّالِثُ: سُورَةُ العَذابِ، قالَهُ حُذَيْفَةُ. والرّابِعُ: المُقَشْقَشَةُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ. والخامِسُ: سُورَةُ البُحُوثِ، لِأنَّها بَحَثَتْ عَنْ سَرائِرِ المُنافِقِينَ، قالَهُ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ. والسّادِسُ: الفاضِحَةُ، لِأنَّها فَضَحَتِ المُنافِقِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والسّابِعُ: المُبَعْثَرَةُ، لِأنَّها بَعْثَرَتْ أخْبارَ النّاسِ، وكَشَفَتْ عَنْ سَرائِرِهِمْ، قالَهُ الحارِثُ بْنُ يَزِيدٍ، وابْنُ إسْحاقَ. والثّامِنُ: المُثِيرَةُ لِأنَّها أثارَتْ مَخازِيَ المُنافِقِينَ ومَثالِبَهم، قالَهُ قَتادَةُ. والتّاسِعُ: الحافِرَةُ، لِأنَّها حَفَرَتْ عَنْ قُلُوبِ المُنافِقِينَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
فَصْلٌ
وَفِي سَبَبِ امْتِناعِهِمْ مِن كِتابَةِ التَّسْمِيَةِ في أوَّلِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ: قُلْتُ لَعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: ما حَمْلُكم عَلى أنْ عَمَدْتُمْ إلى (الأنْفالِ) وهي مِنَ المَثانِيَ، وإلى (بَراءَةَ) وهي مِنَ المِئِينَ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُما ولَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُما بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم ؟ فَقالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
(p-٣٩٠)إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ يَدْعُو بَعْضَ مَن يَكْتُبُ، فَيَقُولُ: "ضَعُوا هَذا في السُّورَةِ الَّتِي يَذْكُرُ فِيها كَذا وكَذا"، وكانَتِ [الأنْفالُ] مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، (وَبَراءَةٌ) مِن آَخِرِ القُرْآَنِ، وكانَتْ قِصَّتُها شَبِيهَةً بِقِصَّتِها؛ وقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا أنَّها مِنها، فَظَنَنّا أنَّها مِنها؛ فَمِن ثَمَّ قَرَنَتْ بَيْنَهُما: ولَمْ أكْتُبْ بَيْنَهُما بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم وذُكِرَ نَحْوُ هَذا المَعْنى عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. قالَ الزَّجّاجُ: والشَّبَهُ الَّذِي بَيْنَهُما، أنَّ في (الأنْفالِ) ذِكْرُ العُهُودِ، وفي (بَراءَةَ) نَقْضُها. وكانَ قَتادَةُ يَقُولُ: هُما سُورَةٌ واحِدَةٌ.
والثّانِي: رَواهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ، قالَ: قُلْتُ لِأبِي: لِمَ لَمْ تَكْتُبُوا في (بَراءَةَ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم فَقالَ: يا بُنَيَّ، إنَّ (بَراءَةَ) نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ، وإنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم أمانٌ. وسُئِلَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هَذا، فَقالَ: لِأنَّ التَّسْمِيَةَ رَحْمَةٌ، والرَّحْمَةُ أمانٌ، وهَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ.
والثّالِثُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، لَمّا كَتَبَ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم لَمْ يَقْبَلُوها ورَدُّوها، فَما رَدَّها اللَّهُ عَلَيْهِمْ،» قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى المَكِّيُّ.
فَصْلٌ
فَأمّا سَبَبُ نُزُولِها، فَقالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَتِ العَرَبُ تَنْقُضُ عُهُودًا بِنَتْها مَعَ (p-٣٩١)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِإلْقاءِ عُهُودِهِمْ إلَيْهِمْ، فَأنَزَلَ (بَراءَةً) في سَنَةِ، تِسْعٍ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ أبا بَكْرٍ أمِيرًا عَلى المَوْسِمِ لَيُقِيمَ لَلنّاسِ الحَجَّ في تِلْكَ السَّنَةِ، وبَعَثَ مَعَهُ صَدْرًا مِن (بَراءَةَ) لَيَقْرَأها عَلى أهْلِ المَوْسِمِ، فَلَمّا سارَ، دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا، فَقالَ: "اخْرُجْ بِهَذِهِ القِصَّةِ مَن صَدْرِ (بَراءَةَ) وأذِّنْ في النّاسِ بِذَلِكَ" فَخَرَجَ عَلَيٌّ عَلى ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ العَضْباءِ حَتّى أدْرَكَ أبا بَكْرٍ، فَرَجَعَ أبُو بَكْرٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنْزِلُ في شَأْنِي شَيْءٌ؟ قالَ: "لا، ولَكِنْ لا يُبَلِّغُ عَنِّي إلّا رَجُلٌ مِنِّي أما تَرْضى أنَّكَ كُنْتَ صاحِبِي في الغارِ، وأنَّكَ صاحِبِي عَلى الحَوْضِ"؟ قالَ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ. فَسارَ أبُو بَكْرٍ أمِيرًا عَلى الحَجِّ، وسارَ عَلَيٌّ لِيُؤَذِّنَ بِـ (بَراءَةَ) .
فَصْلٌ
وَفِي عَدَدِ الآَياتِ الَّتِي بَعَثَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن أوَّلِ (بَراءَةَ) خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أرْبَعُونَ آَيَةً، قالَهُ عَلَيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: ثَلاثُونَ آَيَةً، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ. والثّالِثُ: عَشْرُ آَياتٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: سَبْعُ آَياتٍ، رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ. والخامِسُ: تِسْعُ آَياتِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
فَصْلٌ
فَإنْ تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ في أخْذِ (بَراءَةَ) مِن أبِي بَكْرٍ، وتَسْلِيمِها إلى عَلَيٍّ، تَفْضِيلًا لِعَلِيٍّ عَلى أبِي بَكْرٍ، فَقَدْ جَهِلَ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أجْرى العَرَبَ في ذَلِكَ عَلى عادَتِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: وقَدْ جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ في عَقْدِ عَهْدِها ونَقْضِها، أنْ (p-٣٩٢)يَتَوَلّى ذَلِكَ عَلى القَبِيلَةِ رَجُلٌ مِنها؛ وجائِزٌ أنْ تَقُولَ العَرَبُ إذا تَلا عَلَيْها نَقْضَ العَهْدِ مَن لَيْسَ مِن رَهْطِ النَّبِيِّ ﷺ: هَذا خِلافُ ما نَعْرِفُ فِينا في نَقْضِ العُهُودِ، فَأزاحَ النَّبِيُّ ﷺ العِلَّةَ بِما فَعَلَ. وقالَ عَمْرُو بْنُ بَحْرٍ: لَيْسَ هَذا بِتَفْضِيلٍ لِعَلِيٍّ عَلى أبِي بَكْرٍ، وإنَّما عامَلَهم بِعادَتِهِمُ المُتَعارَفَةِ في حَلِّ العَقْدِ، وكانَ لا يَتَوَلّى ذَلِكَ إلّا السَّيِّدُ مِنهم، أوْ رَجُلٌ مِن رَهْطِهِ دَنِيًّا، كَأخٍ، أوْ عَمٍّ؛ وقَدْ كانَ أبُو بَكْرٍ في تِلْكَ الحُجَّةِ الإمامَ، وعَلِيٌّ يَأْتَمُّ بِهِ وأبُو بَكْرٍ الخَطِيبُ، وعَلِيٌّ يَسْمَعُ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: بَعَثَنِي أبُو بَكْرٍ في تِلْكَ الحُجَّةِ مَعَ المُؤَذِّنِينَ الَّذِينَ بَعَثَهم يُؤَذِّنُونَ بِمِنى: أنْ لا يَحُجُّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ؛ فَأذَّنَ مَعَنا عَلِيٌّ بِـ (بَراءَةَ) وبِذَلِكَ الكَلامِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ عَلِيًّا يُؤَذِّنُ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ: "ألا لا يَحُجُّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، ألا ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ألا ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُسْلِمٌ، ألا ومَن كانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُحَمَّدٍ مُدَّةً فَأجَلُهُ إلى مُدَّتِهِ، واللَّهُ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولِهِ" .»
فَصْلٌ
فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَراءَةٌ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هي مَرْفُوعَةٌ بِإضْمارِ "هَذِهِ" ومِثْلُهُ (سُورَةٌ أنْزَلْناها)[النُّورِ:٢] . وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: بَرِئْتُ مِنَ الرَّجُلِ والدِّينِ بَراءَةً، وبَرِئْتُ مِنَ المَرَضِ؛ وبَرَأْتُ أيْضًا أبْرَأُ بُرْءًا وقَدْ رَوَوْا: بَرَّأْتُ أبْرُؤُ بُرُوءًا ولَمْ نَجِدْ في ما لامُهُ هَمْزَةٌ: فَعَلْتُ أفْعَلُ، إلّا هَذا الحَرْفَ. ويُقالُ: بَرَيْتُ القَلَمَ، وكُلُّ شَيْءٍ نَحَتَّهُ: أبْرِيهِ بَرْيًا، غَيْرَ مَهْمُوزٍ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، ومُورِقٌ، وابْنُ يَعْمُرَ: "بَراءَةً" بِالنَّصْبِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والبَراءَةُ هاهُنا: قَطَعُ المُوالاةِ،
(p-٣٩٣)وارْتِفاعُ العِصْمَةِ، وزَوالُ الأمانِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ لِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والمُرادُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، لِأنَّهُ هو الَّذِي كانَ يَتَوَلّى المُعاهَدَةَ، وأصْحابُهُ راضُونَ؛ فَكَأنَّهم بِالرِّضا عاهَدُوا أيْضًا؛ وهَذا عامٌّ في كُلِّ مَن عاهَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وقالَ مُقاتِلٌ: هم ثَلاثَةُ أحْياءٍ مِنَ العَرَبِ: خُزاعَةُ، وبَنُو مُدْلِجٍ، وبَنُو جُذَيْمَةَ.
9:2Page 187
فَسِيحُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخۡزِي ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢
So travel freely, [O disbelievers], throughout the land [during] four months but know that you cannot cause failure to Allāh and that Allāh will disgrace the disbelievers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ أيِ: انْطَلِقُوا فِيها آَمِنِينَ، لا يَقَعُ بِكم مِنّا مَكْرُوهٌ.
إنْ قالَ قائِلٌ: هَذِهِ مُخاطَبَةُ شاهِدٍ، والآَيَةُ الأُولى إخْبارٌ عَنْ غائِبٍ، فَعَنْهُ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ جائِزٌ عِنْدَ العَرَبِ الرُّجُوعُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ. قالَ عَنْتَرَةُ:
؎ شَطَّتْ مَزارُ العاشِقِينَ فَأصْبَحَتْ عَسِرًا عَلَيَّ طِلابُكَ ابْنَةَ مَخْرَمِ
هَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ
والثّانِي: أنَّ في الكَلامِ إضْمارًا، تَقْدِيرُهُ: فَقُلْ لَهُمْ: سِيحُوا في الأرْضِ، أيِ: اذْهَبُوا فِيها، وأقْبِلُوا، وأدْبِرُوا، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
واخْتَلَفُوا فِيمَن جُعِلَتْ لَهُ هَذِهِ الأرْبَعَةُ الأشْهَرُ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.
(p-٣٩٤)أحَدُها: أنَّها أمانٌ لِأصْحابِ العَهْدِ، فَمَن كانَ عَهْدُهُ أكْثَرَ مِنها حُطَّ إلَيْها، ومَن كانَ عَهْدُهُ أقَلَّ مِنها رُفِعَ إلَيْها، ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَأُجَلُهُ انْسِلاخُ المُحَرَّمِ خَمْسُونَ لَيْلَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّها لَلْمُشْرِكِينَ كافَّةً، مَن لَهُ عَهْدٌ، ومَن لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزُّهْرِيُّ، والقُرَظِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّها أجْلٌ لِمَن كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أمَّنَهُ أقَلَّ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، أوْ كانَ أمانُهُ غَيْرَ مَحْدُودٍ؛ فَأمّا مَن لا أمانَ لَهُ، فَهو حَرْبٌ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ:
والرّابِعُ: أنَّها أمانٌ لِمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ أمانٌ ولا عَهْدٌ؛ فَأمّا أرْبابُ العُهُودِ، فَهم عَلى عُهُودِهِمْ إلى حِينِ انْقِضاءِ مُدَدِهِمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. ويُؤَكِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا نادى يَوْمَئِذٍ: ومَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَهْدٌ، فَعَهْدُهُ إلى مُدَّتِهِ. وفي بَعْضِ الألْفاظِ: فَأجَلُهُ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ. واخْتَلَفُوا في مُدَّةِ هَذِهِ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الأشْهُرُ الحُرُمُ: رَجَبٌ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ أوَّلَها يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ، وهو يَوْمُ النَّحْرِ، وآَخِرُها العاشِرُ مِن رَبِيعٍ الآَخِرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، والقُرَظِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّها شَوّالٌ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، لِأنَّ هَذِهِ الآَيَةَ نَزَلَتْ في شَوّالٍ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وهَذا أضْعَفُ الأقْوالِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُ إعْلامِهِمْ بِهِ إلى ذِي الحِجَّةِ إذْ كانَ لا يَلْزَمُهُمُ الأمْرُ إلّا بَعْدَ الإعْلامِ.
والرّابِعُ: أنَّ أوَّلَها العاشِرُ مِن ذِي القِعْدَةِ، وآَخِرَها العاشِرُ مِن رَبِيعٍ الأوَّلِ، لِأنَّ الحَجَّ في تِلْكَ السَّنَةِ كانَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ثُمَّ صارَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ في العَشْرِ (p-٣٩٥)مِن ذِي الحِجَّةِ، وفِيها حَجُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: « "إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ"،» ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ أيْ: وإنْ أُجِّلْتُمْ هَذِهِ الأرْبَعَةَ الأشْهَرَ فَلَنْ تَفُوتُوا اللَّهَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ فَتْحُ "أنْ" عَلى مَعْنى: اعْلَمُوا أنَّ، ويَجُوزُ كَسْرُها عَلى الِاسْتِئْنافِ. وهَذا ضَمانٌ مِنَ اللَّهِ نُصْرَةُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ.
9:3Page 187
وَأَذَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوۡمَ ٱلۡحَجِّ ٱلۡأَكۡبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓءٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ وَرَسُولُهُۥۚ فَإِن تُبۡتُمۡ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٣
And [it is] an announcement from Allāh and His Messenger to the people on the day of the greater pilgrimage1 that Allāh is disassociated from the disbelievers, and [so is] His Messenger. So if you repent, that is best for you; but if you turn away - then know that you will not cause failure to Allāh.2 And give tidings to those who disbelieve of a painful punishment.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى النّاسِ﴾ أيْ: لِلنّاسِ. يُقالُ: هَذا إعْلامٌ لَكَ، وإلَيْكَ. والنّاسُ هاهُنا عامٌّ في المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ. وفي يَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، وأبُو جُحَيْفَةَ، وطاوُوسُ، وعَطاءٌ.
والثّانِي: يَوْمُ النَّحْرِ، قالَهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، والمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوْفى، وابْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، والسُّدِّيُّ في آَخَرِينَ. وعَنْ عَلَيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ أنَّهُ أيّامُ الحَجِّ كُلِّها، فَعَبَّرَ عَنِ الأيّامِ بِاليَوْمِ، قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ. قالَ سُفْيانُ: كَما يُقالُ: يَوْمُ بُعاثٍ، ويَوْمُ الجُمَلِ ويَوْمُ صِفِّينَ يُرادُ بِهِ: أيّامٌ ذَلِكَ، لا كُلُّ حَرْبٍ مِن هَذِهِ الحُرُوبِ دامَتْ أيّامًا. وعَنْ مُجاهِدٍ، كالأقْوالِ الثَّلاثَةِ.
وَفِي تَسْمِيَتِهِ بِيَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ سَمّاهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ اتَّفَقَ في سَنَةٍ حَجَّ فِيها المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ، ووافَقَ ذَلِكَ عِيدُ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّ الحَجَّ الأكْبَرَ: هو الحَجُّ، والأصْغَرُ: هو العُمْرَةُ، قالَهُ عَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّ الحَجَّ الأكْبَرَ: القُرْآَنُ، والأصْغَرُ الإفْرادُ قالَهُ مُجاهِدٌ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمُرَ إنَّ اللَّهَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ أيْ مِن عَهْدِ المُشْرِكِينَ فَحَذَفَ المُضافَ.
(p-٣٩٧)"وَرَسُولُهُ" رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مُضْمَرٌ عَلى مَعْنى: ورَسُولُهُ أيْضًا بَرِيءٌ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمُرَ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "وَرَسُولَهُ" بِالنَّصْبِ. ثُمَّ رَجَعَ إلى خِطابِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: عَنِ الإيمانِ
9:4Page 187
إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٤
Excepted are those with whom you made a treaty among the polytheists and then they have not been deficient toward you in anything or supported anyone against you; so complete for them their treaty until their term [has ended]. Indeed, Allāh loves the righteous [who fear Him].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَلَمّا قَرَأ عَلَيٌّ "بَراءَةَ" قالَتْ بَنُو ضَمْرَةَ: ونَحْنُ مِثْلُهم أيْضًا؟ قالَ: لا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ اسْتَثْناكُمْ؛ ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآَيَةَ. وقالَ مُجاهِدٌ: هم قَوْمٌ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ ومُدَّةٌ، فَأمَرَ أنْ يَفِيَ لَهم. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الكَلامِ: وقَعَتِ البَراءَةُ مِنَ المُعاهِدِينَ النّاقِضِينَ لِلْعُهُودِ، إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ ثُمَّ لَمَّ يَنْقُضُوكم، فَلَيْسُوا داخِلِينَ في البَراءَةِ ما لَمْ يَنْقُضُوا العَهْدَ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وفَصْلُ الخِطابِ في هَذا البابِ: أنَّهُ قَدْ كانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ جَمِيعِ المُشْرِكِينَ عَهْدٌ عامٌّ، وهو أنْ لا يُصَدَّ أحَدٌ عَنِ البَيْتِ، ولا يُخافُ أحَدٌ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَجَعَلَ اللَّهُ عَهْدَهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ؛ وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أقْوامٍ مِنهم عُهُودٌ إلى آَجالٍ مُسَمّاةٍ، فَأمَرَ بِالوَفاءِ لَهم، وإتْمامِ مُدَّتِهِمْ إذا لَمْ يَخْشَ غَدْرَهم.
9:5Page 187
فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥
And when the inviolable months1 have passed, then kill the polytheists wherever you find them and capture them and besiege them and sit in wait for them at every place of ambush. But if they should repent, establish prayer, and give zakāh, let them [go] on their way. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
(p-٣٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ فِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها رَجَبٌ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّها الأرْبَعَةُ الأشْهُرُ الَّتِي جُعِلَتْ لَهم فِيها السِّياحَةُ، قالَهُ الحَسَنُ في آَخَرِينَ، فَعَلى هَذا، سُمِّيَتْ حَرَمًا لِأنَّ دِماءَ المُشْرِكِينَ حُرِّمَتْ فِيها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ حَيْثُ (وَجَدْتُمُوهُمْ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الحِلِّ والحَرَمِ والأشْهُرِ الحُرُمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ أيِ: ائْسِرُوهُمْ؛ والأخِيذُ: الأسِيرُ. ﴿واحْصُرُوهُمْ﴾ أيِ: احْبِسُوهُمْ؛ والحَصْرُ: الحَبْسُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنْ تَحَصَّنُوا فاحْصُرُوهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ قالَ الأخْفَشُ: أيْ: عَلى كُلِّ مَرْصَدٍ؛ فَألْقى "عَلى" وأعْمَلَ الفِعْلَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ نُغالِي اللَّحْمَ لَلْأضْيافِ نِيئًا ونُرَخِّصُهُ إذا نَضِجَ القُدُورُ
المَعْنى: نُغالِي بِاللَّحْمِ فَحَذَفَ الباءَ كَما حَذَفَ "عَلى" . وقالَ الزَّجّاجُ: "كُلُّ مَرْصَدٍ" ظَرْفٌ، كَقَوْلِكَ: ذَهَبْتُ مَذْهَبًا، فَلَسْتَ تَحْتاجُ أنْ تَقُولَ في هَذِهِ الآَيَةِ إلّا ما تَقُولُهُ في الظُّرُوفِ، مِثْلُ: خَلْفٌ وقُدّامٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تابُوا﴾ أيْ: مِن شِرْكِهِمْ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: اعْتَرَفُوا بِذَلِكَ. والثّانِي: فَعَلُوهُ.
فَصْلٌ
واخْتَلَفَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذِهِ الآَيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
(p-٣٩٩)أحَدُها: أنَّ حُكْمَ الأسارى كانَ وُجُوبُ قَتْلِهِمْ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ [مُحَمَّدٌ:٤]، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ في آَخَرِينَ.
والثّانِي: بِالعَكْسِ، وأنَّهُ كانَ الحُكْمُ في الأسارى: أنَّهُ لا يَجُوزُ قَتْلُهم صَبْرًا، وإنَّما يَجُوزُ المَنُّ أوِ الفِداءُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ ثُمَّ نَسَخَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّ الآَيَتَيْنِ مَحْكَمَتانِ، والأسِيرُ إذا حَصَلَ في يَدِ الإمامِ فَهو مُخَيَّرٌ، إنْ شاءَ مَنَّ عَلَيْهِ، وإنْ شاءَ فاداهُ، وإنْ شاءَ قَتَلَهُ صَبْرًا، أيْ ذَلِكَ رَأيٌ فِيهِ المَصْلَحَةُ لَلْمُسْلِمِينَ فِعْلُ هَذا، قَوْلُ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وعَلَيْهِ عامَّةُ الفُقَهاءِ، وهو قَوْلُ الإمامِ أحْمَدَ.
9:6Page 187
وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ ٦
And if any one of the polytheists seeks your protection, then grant him protection so that he may hear the words of Allāh [i.e., the Qur’ān]. Then deliver him to his place of safety. That is because they are a people who do not know.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أمَرْتُكَ بِقَتْلِهِمُ اسْتَأْمَنَكَ يَبْتَغِي أنْ يَسْمَعَ القُرْآَنَ ويَنْظُرَ فِيما أُمِرَ بِهِ ونُهِيَ عَنْهُ، فَأجِرْهُ، ثُمَّ أبْلِغْهُ المَوْضِعَ الَّذِي يَأْمَنُ فِيهِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: ذَلِكَ الَّذِي أمَرْناكَ بِهِ مِن أنْ يُعَرَّفُوا ويُجارُوا لَجَهْلِهِمْ بِالعِلْمِ.
والثّانِي: ذَلِكَ الَّذِي أمَرْناكَ بِهِ مِن رَدِّهِ إلى مَأْمَنِهِ إذا امْتَنَعَ مِنَ الإيمانِ، لِأنَّهم قَوْمٌ جَهَلَةٌ بِخِطابِ اللَّهِ.
9:7Page 188
كَيۡفَ يَكُونُ لِلۡمُشۡرِكِينَ عَهۡدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ فَمَا ٱسۡتَقَٰمُواْ لَكُمۡ فَٱسۡتَقِيمُواْ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٧
How can there be for the polytheists a treaty in the sight of Allāh and with His Messenger, except for those with whom you made a treaty at al-Masjid al-Ḥarām? So as long as they are upright toward you,1 be upright toward them. Indeed, Allāh loves the righteous [who fear Him].
(p-٤٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ أيْ: لا يَكُونُ لَهم ذَلِكَ، ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم بَنُو ضَمْرَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهم قُرَيْشٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ قَتادَةُ: هم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ الَّذِينَ عاهَدَهُمُ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، فَنَكَثُوا وظاهَرُوا المُشْرِكِينَ.
والثّالِثُ: أنَّهم خُزاعَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالسَّيْرِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا صالَحَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو في غَزْوَةِ الحُدَيْبِيَةِ، كُتِبَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ: "هَذا ما اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، اصْطَلَحا عَلى وضْعِ الحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيها النّاسُ، ويَكُفُّ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، عَلى أنَّهُ لا إسْلالَ ولا إغْلالَ، وأنَّ بَيْنَنا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً، وأنَّهُ مَن أحَبَّ أنْ يَدْخُلَ في عَهْدِ مُحَمَّدٍ وعَقْدِهِ فِعْلٌ، ومَن أحَبَّ أنْ يَدْخُلَ في عَهْدِ قُرَيْشٍ وعَقْدِها فِعْلٌ، وأنَّهُ مَن أتى مُحَمَّدًا مِنهم بِغَيْرِ إذْنِ ولِيِّهِ رَدَّهُ إلَيْهِ، وأنَّهُ مَن أتى قُرَيْشًا مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ لَمْ يَرُدُّوهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا يَرْجِعُ عَنّا عامَهُ هَذا بِأصْحابِهِ ويَدْخُلُ عَلَيْنا في قابِلٍ في أصْحابِهِ، فَيُقِيمُ بِها ثَلاثًا لا يَدْخُلُ عَلَيْنا بِسِلاحٍ، إلّا سِلاحُ المُسافِرِ، السُّيُوفُ في القُرُبِ" فَوَثَبَتْ خُزاعَةُ فَقالُوا: نَحْنُ نَدْخُلُ في عَهْدِ مُحَمَّدٍ وعَقْدِهِ، ووَثَبَتْ بَنُو بَكْرٍ فَقالُوا: نَحْنُ نَدْخُلُ في عَهْدِ قُرَيْشٍ وعَقْدِها. ثُمَّ إنْ قُرَيْشًا أعانَتْ بَنِي بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ بِالرِّجالِ والسِّلاحِ فَبَيَّتُوا خُزاعَةَ لَيْلًا، فَقَتَلُوا مِنهم عِشْرِينَ رَجُلًا. ثُمَّ إنَّ قُرَيْشًا نَدِمَتْ عَلى ما صَنَعَتْ، وعَلِمُوا أنَّ هَذا نَقْضٌ لَلْعَهْدِ والمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وخَرَجَ قَوْمٌ مِن خُزاعَةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأُخْبَرُوهُ بِما أصابَهم، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ وكانَتْ غُزاةَ الفَتْحِ.»
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإسْلالُ: السَّرِقَةُ، والإغْلالُ: الخِيانَةُ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: وقَوْلُهُ: "وَأنَّ بَيْنَنا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً" مَثَلٌ، أرادَ: أنَّ صُلْحَنا (p-٤٠١)مُحْكَمٌ مُسْتَوْثَقٌ مِنهُ، كَأنَّهُ عَيْبَةٌ مُشَرَّجَةٌ. وزَعَمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ:٥] .
9:8Page 188
كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨
How [can there be a treaty] while, if they gain dominance over you, they do not observe concerning you any pact of kinship or covenant of protection? They satisfy you with their mouths, but their hearts refuse [compliance], and most of them are defiantly disobedient.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ وأنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم، فَحَذَفَ ذَلِكَ، لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ وخَبَّرْتُمانِي أنَّما المَوْتُ بِالقُرى فَكَيْفَ وهَذِي هَضْبَةٌ وقَلِيبٌ
أيْ: فَكَيْفَ ماتَ ولَيْسَ بِقَرْيَةٍ؟ ومِثْلُهُ قَوْلُ الحَطِيئَةِ:
؎ فَكَيْفَ ولَمْ أعْلَمْهم خَذَلُوكم ∗∗∗ عَلى مُعْظَمٍ ولا أدِيمَكم قَدُّوا
أيْ: فَكَيْفَ تَلُومُونَنِي عَلى مَدْحِ قَوْمٍ؟ واسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ، لِأنَّهُ قَدْ جَرى في القَصِيدَةِ ما يَدُلُّ عَلى ما أُضْمِرَ. وقَوْلُهُ: يَظْهَرُوا يَعْنِي: يُقْدِرُوا ويَظْفَرُوا.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لا يَرْقُبُوا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا يَحْفَظُوا. والثّانِي: لا يَخافُوا، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: لا يُراعُوا، قالَهُ قُطْرُبٌ.
وَفِي الإلِّ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
(p-٤٠٢)أحَدُها: أنَّهُ القَرابَةُ، رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، وأنْشَدُوا:
؎ إنَّ الوُشاةَ كَثِيرٌ إنْ أطَعْتَهم ∗∗∗ لا يَرْقُبُونَ بِنا إلًّا ولا ذِمَمًا
وَقالَ الآَخَرُ:
؎ لَعَمْرُكَ إنَّ إلْكَ مِن قُرَيْشٍ ∗∗∗ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رَأْلِ النَّعامِ
والثّانِي: أنَّهُ الجِوارُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اللَّهُ تَعالى، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ العَهْدُ، رَواهُ خَصِيفٌ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ وأبُو عُبَيْدَةَ.
والخامِسُ: أنَّهُ الحِلْفُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، وعِكْرِمَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "إيلًا" بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، والجَحْدَرِيُّ: "ألًّا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ اللّامِ. وفي المُرادِ بِالذِّمَّةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها العَهْدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ في آَخَرِينَ.
والثّانِي: التَّذَمُّمُ مِمَّنْ لا عَهْدَ لَهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ:
؎ لا يَرْقُبُونَ بِنا إلًّا ولا ذِمَمًا
والثّالِثُ: الأمانُ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ: « "وَيَسْعى بِذِمَّتِهِمْ أدْناهُمْ" .»
(p-٤٠٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ في الوَفاءِ، وتَأْبى قُلُوبُهُمُ إلّا الغَدْرَ.
والثّانِي: يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ في العُدَّةِ بِالإيمانِ، وتَأْبى قُلُوبُهُمُ إلّا الشِّرْكَ.
والثّالِثُ: يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ في الطّاعَةِ، وتَأْبى قُلُوبُهُمُ إلّا المَعْصِيَةَ، ذَكَرَهُنَّ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خارِجُونَ عَنِ الصِّدْقِ، ناكِثُونَ لَلْعَهْدِ.
9:9–11Page 188
ٱشۡتَرَوۡاْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلٗا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩
They have exchanged the signs of Allāh for a small price and averted [people] from His way. Indeed, it was evil that they were doing.
لَا يَرۡقُبُونَ فِي مُؤۡمِنٍ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُعۡتَدُونَ ١٠
They do not observe toward a believer any pact of kinship or covenant of protection. And it is they who are the transgressors.
فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِۗ وَنُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ١١
But if they repent, establish prayer, and give zakāh, then they are your brothers in religion; and We detail the verses for a people who know.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ جَمَعَهم أبُو سُفْيانَ عَلى طَعامِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. فَعَلى الأوَّلِ، آَياتُ اللَّهِ: حُجَجُهُ. وعَلى الثّانِي: هي آَياتُ التَّوْراةِ. والثَّمَنُ القَلِيلُ: ما حَصَّلُوهُ بَدَلًا مِنَ الآَياتِ. وفي وصْفِهِ بِالقَلِيلِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: لِأنَّهُ حَرامٌ، والحَرامُ قَلِيلٌ. والثّانِي لِأنَّهُ مِن عَرَضِ الدُّنْيا الَّذِي بَقاؤُهُ قَلِيلٌ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: عَنْ بَيْتِهِ، وذَلِكَ حِينَ مَنَعُوا النَّبِيَّ ﷺ بِالحُدَيْبِيَةِ دُخُولَ مَكَّةَ. والثّانِي: عَنْ دِينِهِ يَمْنَعُ النّاسَ مِنهُ. والثّالِثُ: عَنْ طاعَتِهِ في الوَفاءِ بِالعَهْدِ.
9:12Page 188
وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ ١٢
And if they break their oaths after their treaty and defame your religion, then combat the leaders of disbelief, for indeed, there are no oaths [sacred] to them; [fight them that] they might cease.
(p-٤٠٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في «أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، والحارِثِ بْنِ هِشامٍ، وسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وعِكْرِمَةَ ابْنِ أبِي جَهِلٍ، وسائِرِ رُؤَساءِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ نَقَضُوا العَهْدَ حِينَ أعانُوا بَنِي بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ حُلَفاءِ رَسُولِ اللَّهِ، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَسِيرَ إلَيْهِمْ فَيَنْصُرُ خُزاعَةَ، وهُمُ الَّذِينَ هَمُّوا بِإخْراجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .» فَأمّا النَّكْثُ، فَمَعْناهُ: النَّقْضُ. والإيمانُ هاهُنا: العُهُودُ. والطَّعْنُ في الدِّينِ: أنْ يُعابَ، وهَذا يُوجِبُ قَتْلَ الذِّمِّيِّ إذا طَعَنَ في الإسْلامِ، لِأنَّ المَأْخُوذَ عَلَيْهِ أنْ لا يَطْعَنَ فِيهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، "أئِمَّةٌ" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: بِتَحْقِيقِ الأُولى وتَلْيِينِ الثّانِيَةِ. والمُرادُ بِأئِمَّةِ الكُفْرِ: رُؤُوسُ المُشْرِكِينَ وقادَتُهم. ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ أيْ: لا عُهُودَ لَهم صادِقَةً؛ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ الألِفَ، وهُمُ الأكْثَرُونَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ "لا إيمانَ لَهُمْ" بِالكَسْرِ؛ وفِيها وجْهانِ ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.
أحَدُهُما: أنَّهُ وصْفٌ لَهم بِالكُفْرِ ونَفْيُ الإيمانِ، والثّانِي: لا أمانَ لَهم، تَقُولُ: آَمَنتُهُ إيمانًا، والمَعْنى: فَقَدْ بَطَلَ أمانُكم لَهم بِنَقْضِهِمْ.
(p-٤٠٥)وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَنِ الشِّرْكِ. والثّانِي عَنْ نَقْضِ العُهُودِ.
وَفِي "لَعَلَّ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى التَّرَجِّي، المَعْنى لَيُرْجى مِنهُمُ الِانْتِهاءُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى: "كَيْ" قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences