Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
العلق
Al-'Alaq
The Clot · Meccan · 19 ayahs
96:1–5Page 597
ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ١
Recite in the name of your Lord who created –
خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ ٢
Created man from a clinging substance.
ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ ٣
Recite, and your Lord is the most Generous -
ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ ٤
Who taught by the pen –
عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ ٥
Taught man that which he knew not.
(p-١٧٥)سُورَةُ العَلَقِ
وَتُسَمّى: سُورَةَ القَلَمِ، وسُورَةَ العَلَقِ، وهي مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
وَهِيَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ. وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ عَلَيْهِ في أوَّلِ الوَحْيِ خَمْسُ آياتٍ مِنها، ثُمَّ نَزَلَ باقِيها في أبِي جَهْلٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْرَأْ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ في الحَرْفَيْنِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ والباءُ زائِدَةٌ.
وَقالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: اذْكُرِ اسْمَهُ مُسْتَفْتِحًا بِهِ قِراءَتَكَ. وإنَّما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ لِأنَّ الكُفّارَ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّهُ الخالِقُ دُونَ أصْنامِهِمْ. والإنْسانُ هاهُنا: ابْنُ آدَمَ. والعَلَقُ: جَمْعُ عَلَقَةٍ، وقَدْ بَيَّنّاها في سُورَةِ " الحَجِّ " قالَ الفَرّاءُ: لَمّا كانَ الإنْسانُ في مَعْنى الجَمْعِ جَمَعَ العَلَقَ مَعَ مُشاكَلَةِ رُؤُوسِ الآياتِ.
(p-١٧٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْرَأْ﴾ تَقْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ تَعالى: ﴿وَرَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ قالَ الخَطّابِيُّ: الأكْرَمُ: الَّذِي لا يُوازِيهِ كَرَمٌ، ولا يُعادِلُهُ في الكَرَمِ نَظِيرٌ. وقَدْ يَكُونُ الأكْرَمُ بِمَعْنى الكَرِيمِ، كَما جاءَ الأعَزُّ والأطْوَلُ بِمَعْنى العَزِيزِ والطَّوِيلِ. وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ الكَرِيمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ أيْ: عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ مِنَ الخَطِّ، والصَّنائِعِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هاهُنا: مُحَمَّدٌ ﷺ .
96:6–19Page 597
كـَلَّآ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَيَطۡغَىٰٓ ٦
No! [But] indeed, man transgresses
أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰٓ ٧
Because he sees himself self-sufficient.
إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجۡعَىٰٓ ٨
Indeed, to your Lord is the return.
أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يَنۡهَىٰ ٩
Have you seen the one who forbids
عَبۡدًا إِذَا صَلَّىٰٓ ١٠
A servant when he prays?
أَرَءَيۡتَ إِن كَانَ عَلَى ٱلۡهُدَىٰٓ ١١
Have you seen if he is upon guidance
أَوۡ أَمَرَ بِٱلتَّقۡوَىٰٓ ١٢
Or enjoins righteousness?
أَرَءَيۡتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰٓ ١٣
Have you seen if he denies and turns away -
أَلَمۡ يَعۡلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ ١٤
Does he not know that Allāh sees?
كـَلَّا لَئِن لَّمۡ يَنتَهِ لَنَسۡفَعَۢا بِٱلنَّاصِيَةِ ١٥
No! If he does not desist, We will surely drag him by the forelock1 –
نَاصِيَةٖ كَٰذِبَةٍ خَاطِئَةٖ ١٦
A lying, sinning forelock.
فَلۡيَدۡعُ نَادِيَهُۥ ١٧
Then let him call his associates;
سَنَدۡعُ ٱلزَّبَانِيَةَ ١٨
We will call the angels of Hell.1
كـَلَّا لَا تُطِعۡهُ وَٱسۡجُدۡۤ وَٱقۡتَرِب۩ ١٩
No! Do not obey him. But prostrate and draw near [to Allāh].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾ أيْ: حَقًّا. وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿كَلا﴾ لا يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلَّمَهُ. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ يَعْنِي: أبا جَهْلٍ. وكانَ إذا أصابَ مالًا أشِرَ وبَطَرَ في ثِيابِهِ، ومَراكِبِهِ، وطَعامِهِ. ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: أنْ رَأى نَفْسَهُ اسْتَغْنى. و " الرُّجْعى " المَرْجِعُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ مَعْنى: أرَأيْتَ: تَعْجِيبُهُ المُخاطَبَ، وإنَّما كَرَّرَها لِلتَّأْكِيدِ والتَّعْجِيبِ. والمُرادُ بِالنّاهِي هاهُنا: أبُو جَهْلٍ. «قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: (p-١٧٧)قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: فَبِالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ لَئِنْ رَأيْتُهُ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ. فَقِيلَ لَهُ: هاهُوَ ذاكَ يُصَلِّي. فانْطَلَقَ لِيَطَأ عَلى رَقَبَتِهِ، فَما فَجَأهم إلّا وهو يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ، ويَتَّقِي بِيَدَيْهِ، فَأتَوْهُ، فَقالُوا: مالَكَ ياأبا الحَكَمِ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِن نارٍ، وهَوْلًا وأجْنِحَةً. وقالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: " والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا "، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ.» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَجاءَ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا؟! فانْصَرَفَ إلَيْهِ (p-١٧٨)النَّبِيُّ ﷺ فَزَبَرَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واللَّهِ إنَّكَ لَتَعْلَمُ ما بِها نادٍ أكْثَرُ مِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ لَوْ دَعا نادِيَهُ لَأخَذَتْهُ زَبانِيَةُ اللَّهِ.»
قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِالعَبْدِ هاهُنا: مُحَمَّدٌ ﷺ . وقِيلَ: كانَتِ الصَّلاةُ صَلاةَ الظُّهْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ يَعْنِي المَنهِيَّ وهو النَّبِيُّ ﷺ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي: النّاهِي، وهو أبُو جَهْلٍ، قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى: أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى، وهو كاذِبٌ مُتَوَلٍّ عَنِ الذِّكْرِ، فَأيُّ شَيْءٍ أعْجَبُ مِن هَذا؟! وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقْدِيرُهُ: أرَأيْتَهُ مُصِيبًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ﴾ يَعْنِي: أبا جَهْلٍ ﴿بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ ذَلِكَ فَيُجازِيهِ ﴿كَلا﴾ أيْ: لا يَعْلَمُ ذَلِكَ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ عَنْ تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ وشَتْمِهِ وإيذائِهِ ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ السَّفْعُ: الأخْذُ، والنّاصِيَةُ: مُقَدَّمُ الرَّأْسِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: سَفَعْتُ بِيَدِهِ، (p-١٧٩)أيْ: أخَذْتُ بِها. وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: سَفَعْتُ الشَّيْءَ: إذا قَبَضْتَ عَلَيْهِ وجَذَبْتَهُ جَذْبًا شَدِيدًا. والمَعْنى: لَنَجُرَنَّ ناصِيَتَهُ إلى النّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي بَدَلٌ، فَلِذَلِكَ جَرَّها. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: بِناصِيَةٍ صاحِبُها كاذِبٌ خاطِئٌ، كَما يُقالُ: نَهارُهُ صائِمٌ، ولَيْلُهُ قائِمٌ، أيْ: هو صائِمٌ في نَهارِهِ، قائِمٌ في لَيْلِهِ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ أيْ: أهْلَ نادِيهِ، وهم أهْلُ مَجْلِسِهِ فَلْيَسْتَنْصِرْهم ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ قالَ عَطاءٌ: هُمُ المَلائِكَةُ الغِلاظُ الشِّدادُ. وقالَ مُقاتِلٌ: هم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ. وقالَ قَتادَةُ: الزَّبانِيَةُ في كَلامِ العَرَبِ: الشُّرَطُ. قالَ الفَرّاءُ: كانَ الكِسائِيُّ يَقُولُ: لَمْ أسْمَعْ لِلزَّبانِيَةِ بِواحِدٍ، ثُمَّ قالَ بِأخَرَةٍ: واحِدُ الزَّبانِيَةِ: زِبْنِيٌّ، فَلا أدْرِي أقِياسًا مِنهُ أوْ سَماعًا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: واحِدُ الزَّبانِيَةِ: زِبْنِيَةٌ، وهو كُلُّ مُتَمَرِّدٍ مِن إنْسٍ، أوْ جانٍّ. يُقالُ: فُلانٌ زِبْنِيَةٌ عِفْرِيَةٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّبْنِ، وهو الدَّفْعُ، كَأنَّهم يَدْفَعُونَ أهْلَ النّارِ إلَيْها. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الزَّبْنُ: الدَّفْعُ. يُقالُ: ناقَةٌ زَبُونٌ: إذا زَبَنَتْ حالِبَها، ودَفَعَتْهُ بِرِجْلِها. وتَزابَنَ القَوْمُ: تَدارَؤُوا. واشْتِقاقُ الزَّبانِيَةِ مِنَ الزَّبْنِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما عَلَيْهِ أبُو جَهْلٍ ﴿لا تُطِعْهُ﴾ في تَرْكِ الصَّلاةِ ﴿واسْجُدْ﴾ أيْ: صِلِّ لِلَّهِ ﴿واقْتَرِبْ﴾ إلَيْهِ بِالطّاعَةِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واقْتَرِبْ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ . وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِأبِي جَهْلٍ. ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.
(p-١٨٠)أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: اسْجُدْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، واقْتَرِبْ أنْتَ يا أبا جَهْلٍ مِنَ النّارِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والثّانِي: واقْتَرِبْ يا أبا جَهْلٍ تَهَدُّدًا لَهُ، رَواهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ بَعْضِ القُدَماءِ. وهَذا يَشْرَحُهُ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي قَدَّمْناهُ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ فَأكْثِرُوا الدُّعاءَ» " .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences