Ibn al-JawziAl‑Anfal · 8:1–16

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

الأنفال

Al-Anfal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

8:1Page 177

يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١

They ask you, [O Muḥammad], about the bounties [of war]. Say, "The [decision concerning] bounties is for Allāh and the Messenger." So fear Allāh and amend that which is between you and obey Allāh and His Messenger, if you should be believers.

(p-٣١٦)سُورَةُ الأنْفالِ

وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ. وحَكى الماوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ فِيها سَبْعَ آَياتٍ مَكِّيّاتٍ، أوَّلُها: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنْفالِ:٣٠] .

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالِ لِلَّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: "مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ كَذا وكَذا، ومَن أسَرَ أسِيرًا فَلَهُ كَذا وكَذا"، فَأمّا المَشْيَخَةُ، فَثَبَتُوا تَحْتَ الرّاياتِ، وأمّا الشُّبّانُ، فَسارَعُوا إلى القَتْلِ والغَنائِمِ، فَقالَ المَشْيَخَةُ لَلشُّبّانِ: أشْرِكُونا مَعَكم، فَإنّا كُنّا لَكم رِدَءًا؛ فَأبَوْا، فاخْتَصَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ سُورَةُ [الأنْفال]» رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

(p-٣١٧)والثّانِي: «أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ أصابَ سَيْفًا يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَبْهُ لِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى «عَنْ سَعْدٍ قالَ: قَتَلْتُ سَعْدَ بْنَ العاصِ، وأخَذْتُ سَيْفَهُ فَأتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: "اذْهَبْ فاطْرَحْهُ في القَبْضِ" فَرَجَعْتُ، وبِي ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ؛ فَما جاوَزْتُ إلّا قَرِيبًا حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ (الأنْفال)، فَقالَ: "اذْهَبْ فَخُذْ سَيْفَكَ" .»

وَقالَ السُّدِّيُّ: «اخْتَصَمَ سَعْدٌ وناسٌ آَخَرُونَ في ذَلِكَ السَّيْفِ، فَسَألُوا النَّبِيَّ ﷺ، فَأخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.»

والثّالِثُ: أنَّ الأنْفالَ كانَتْ خالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَيْسَ لِأحَدٍ مِنها شَيْءٌ، فَسَألُوهُ أنْ يُعْطِيَهم مِنها شَيْئًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وفي المُرادِ بِالأنْفالِ سِتَّةُ أقْوالٍ: (p-٣١٨)أحَدُها: أنَّها الغَنائِمُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آَخَرِينَ. وواحِدُ الأنْفالِ: نَفْلٌ، قالَ لَبِيدٌ:

؎ إنَّ تَقْوى رَبِّنا خَيْرُ نَفْلٍ وبِإذْنِ اللَّهِ رَيْثِي وعَجَلِ

والثّانِي: أنَّها ما نَفَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ القاتِلُ مَن سَلَبَ قَتِيلَهُ.

والثّالِثُ: أنَّها ما شَذَّ مِنَ المُشْرِكِينَ إلى المُسْلِمِينَ مِن عَبْدٍ أوْ دابَّةٍ بِغَيْرِ قِتالٍ، قالَهُ عَطاءٌ. وهَذا والَّذِي قَبْلَهُ مَرْوِيّانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والرّابِعُ: أنَّهُ الخَمْسُ الَّذِي أخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الغَنائِمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والخامِسُ: أنَّهُ أنْفالُ السَّرايا، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ صالِحِ بْنِ حَيٍّ. وحُكِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: هي السَّرايا الَّتِي تَتَقَدَّمُ أمامَ الجُيُوشِ.

والسّادِسُ: أنَّها زِياداتٌ يُؤْثِرُ بِها الإمامُ بَعْضَ الجَيْشِ لِما يَراهُ مِنَ المَصْلَحَةِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وفي "عَنْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ، والمَعْنى: يَسْألُونَكَ الأنْفالَ؛ وكَذَلِكَ قَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو العالِيَةِ: "يَسْألُونَكَ الأنْفالَ" بِحَذْفِ "عَنْ"

والثّانِي: أنَّها أصْلٌ، والمَعْنى: يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ لِمَن هِيَ؟ أوْ عَنْ حُكْمِ الأنْفالِ؛ وقَدْ ذَكَرْنا في سَبَبِ نُزُولِها ما يَتَعَلَّقُ بِالقَوْلَيْنِ. وذَكَرَ أنَّهم إنَّما سَألُوا عَنْ حُكْمِها لِأنَّها كانَتْ حَرامًا عَلى الأُمَمِ قَبْلَهم. (p-٣١٩)* فَصْلٌ

واخْتَلَفَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذِهِ الآَيَةِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّها ناسِخَةٌ مِن وجْهٍ، مَنسُوخَةٌ مِن وجْهٍ، وذَلِكَ أنَّ الغَنائِمَ كانَتْ حَرامًا في شَرائِعِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، فَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآَيَةِ، وجَعَلَ الأمْرَ في الغَنائِمِ إلى ما يَراهُ الرَّسُولُ ﷺ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنْفالِ:٤١] . وقالَ آَخَرُونَ: المُرادُ بِالأنْفالِ شَيْئانِ.

أحَدُهُما: ما يَجْعَلُهُ الرَّسُولُ ﷺ لَطائِفَةٍ مِن شُجْعانِ العَسْكَرِ ومُتَقَدِّمِيهِ، يَسْتَخْرِجُ بِهِ نُصْحَهم، ويُحَرِّضُهم عَلى القِتالِ.

والثّانِي: ما يُفْضُلُ مِنَ الغَنائِمِ بَعْدَ قِسْمَتِها كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «بَعَثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في سَرِيَّةٍ، فَغَنِمْنا إبِلًا، فَأصابَ كُلُّ واحِدٍ مِنّا اثْنا عَشَرَ بَعِيرًا، ونَفَلْنا بَعِيرًا بَعِيرًا؛ فَعَلى هَذا هي مَحْكَمَةٌ، لِأنَّ هَذا الحُكْمَ باقٍ إلى وقْتِنا هَذا.»

فَصْلٌ

وَيَجُوزُ النَّفْلُ قَبْلَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ، وهو أنْ يَقُولَ الإمامُ: مَن أصابَ شَيْئًا فَهو لَهُ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. فَأمّا بَعْدَ إحْرازِها، فَفِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ. وهَلْ يَسْتَحِقُّ القاتِلُ سَلْبَ المَقْتُولِ إذا لَمْ يَشْرُطْهُ لَهُ الإمامُ؟ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَسْتَحِقُّهُ، وبِهِ قالَ الأوْزاعِيُّ، واللَّيْثُ، والشّافِعِيُّ.

والثّانِي: لا يَسْتَحِقُّهُ، ويَكُونُ غَنِيمَةً لَلْجَيْشِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ؛ وعَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ كالقَوْلَيْنِ. (p-٣٢٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ يَحْكُمانِ فِيها ما أرادا، ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بِتَرْكِ مُخالَفَتِهِ ﴿وَأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى "ذاتَ بَيْنِكُمْ" حَقِيقَةُ وصْلِكم. والبَيْنُ: الوَصْلُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنْعامِ:٩٤] .

ثُمَّ في المُرادِ بِالكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنْ يَرُدَّ القَوِيُّ عَلى الضَّعِيفِ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّانِي: تَرَكَ المُنازَعَةَ تَسْلِيمًا لَلَّهِ ورَسُولِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيِ: اقْبَلُوا ما أمَرْتُمْ بِهِ في الغَنائِمِ وغَيْرِها.

8:2Page 177

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٢

The believers are only those who, when Allāh is mentioned, their hearts become fearful, and when His verses are recited to them, it increases them in faith; and upon their Lord they rely -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إذا ذَكَرْتَ عَظَمَتَهُ وقُدْرَتَهُ وما خَوَّفَ بِهِ مَن عَصاهُ، فَزِعَتْ قُلُوبُهم، قالَ الشّاعِرُ:

؎ لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنِّي لَأوْجَلُ عَلى أيِّنا تَعْدُو المَنِيَّةُ أوَّلُ

يُقالُ: وجِلَ يَوْجَلُ وياجَلُ ويَيْجَلُ ويِيجَلُ، هَذِهِ أرْبَعُ لُغاتٍ حَكاها سِيبَوَيْهِ. وأجْوَدُها: يَوْجَلُ. وقالَ السُّدِّيُّ: هو الرَّجُلُ يَهِمُّ بِالمَعْصِيَةِ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ فَيَنْزِعُ عَنْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ﴾ أيْ: آَياتُ القُرْآَنِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿زادَتْهم إيمانًا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تَصْدِيقًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والمَعْنى: أنَّهم كُلَّما جاءَهم شَيْءٌ عَنِ اللَّهِ آَمَنُوا بِهِ فَيَزْدادُوا إيمانًا بِزِيادَةِ الآَياتِ.

والثّانِي: يَقِينًا، قالَهُ الضَّحّاكُ. (p-٣٢١)والثّالِثُ: خَشْيَةُ اللَّهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى التَّوَكُّلِ في (آَلِ عِمْرانَ:١٢٢) .

8:3Page 177

ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣

The ones who establish prayer, and from what We have provided them, they spend.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي الصَّلَواتِ الخَمْسَ. ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ يَعْنِي الزَّكاةَ.

8:4Page 177

أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٤

Those are the believers, truly. For them are degrees [of high position] with their Lord and forgiveness and noble provision.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "حَقًّا" مَنصُوبٌ بِمَعْنًى دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ، والجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾، فالمَعْنى: أُحِقُّ ذَلِكَ حَقًّا: وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى: أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ لا شَكَّ في إيمانِهِمْ كَشَكِّ المُنافِقِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قالَ عَطاءٌ: دَرَجاتُ الجَنَّةِ يَرْتَقُونَها بِأعْمالِهِمْ، والرِّزْقُ الكَرِيمُ: ما أعَدَّ لَهم فِيها.

8:5–6Page 177

كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ ٥

[It1 is] just as when your Lord brought you out of your home [for the battle of Badr] in truth, while indeed, a party among the believers were unwilling,

يُجَٰدِلُونَكَ فِي ٱلۡحَقِّ بَعۡدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلۡمَوۡتِ وَهُمۡ يَنظُرُونَ ٦

Arguing with you concerning the truth after it had become clear, as if they were being driven toward death while they were looking on.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ في مُتَعَلِّقٍ هَذِهِ الكافِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِالأنْفالِ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ تَأْوِيلَهُ: امْضِ لِأمْرِ اللَّهِ في الغَنائِمِ وإنْ كَرِهُوا، كَما مَضَيْتَ في خُرُوجِكَ مَن بَيْتِكَ وهم كارِهُونَ، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: أنَّ الأنْفالَ لَلَّهِ والرَّسُولِ ﷺ بِالحَقِّ الواجِبِ، كَما (p-٣٢٢)أخْرَجَكَ رَبُّكَ بِالحَقِّ، وإنْ كَرِهُوا ذَلِكَ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: يَسْألُوكَ عَنِ الأنْفالِ مُجادَلَةً، كَما جادَلُوكَ في خُرُوجِكَ، حَكاهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

والثّانِي: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا﴾، والمَعْنى: إنَّ التَّقْوى والإصْلاحَ خَيْرٌ لَكم، كَما كانَ إخْراجُ اللَّهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا خَيْرًا لَكم وإنْ كَرِهَهُ بَعْضُكم، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

والثّالِثُ: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يُجادِلُونَكَ﴾، فالمَعْنى: مُجادَلَتُهم إيّاكَ في الغَنائِمِ كَإخْراجِ اللَّهِ إيّاكَ إلى بَدْرٍ وهم كارِهُونَ، قالَهُ الكِسائِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ والمَعْنى: وهُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ، ذَكَرَهُ بَعْضُ ناقِلِي التَّفْسِيرِ.

والخامِسُ: أنْ "كَما" في مَوْضِعِ قَسَمٍ، مَعْناها: والَّذِي أخْرَجَكَ مِن بَيْتِكَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، واحْتَجَّ بِأنَّ "ما" في مَوْضِعِ "الَّذِي" ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [اللَّيْلِ:٣] قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وفي هَذا القَوْلِ بَعْدَ؛ لِأنَّ الكافُ لَيْسَتْ مِن حُرُوفِ الإقْسامِ. وفي هَذا الخُرُوجِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خُرُوجُهُ إلى بَدْرٍ، وكَرِهَ ذَلِكَ طائِفَةٌ مِن أصْحابِهِ، لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّهم لا يَظْفَرُونَ بِالغَنِيمَةِ إلّا بِالقِتالِ.

والثّانِي: أنَّهُ خُرُوجُهُ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ لَلْهِجْرَةِ.

وَفِي مَعْنى قَوْلِهِ: "بِالحَقِّ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّكَ خَرَجْتَ ومَعَكَ الحَقُّ.

والثّانِي: أنَّكَ خَرَجْتَ بِالحَقِّ الَّذِي وجَبَ عَلَيْكَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ قَوْلانِ

أحَدُهُما: كارِهُونَ خُرُوجَكَ. (p-٣٢٣)والثّانِي: كارِهُونَ صَرْفَ الغَنِيمَةِ عَنْهم، وهَذِهِ كَراهَةُ الطَّبْعِ لَمَشَقَّةِ السَّفَرِ والقِتالِ، ولَيْسَتْ كَراهَةً لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ﴾ يَعْنِي في القِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ، لِأنَّهم خَرَجُوا بِغَيْرِ عِدَّةٍ، فَقالُوا: هَلّا أخْبَرْتَنا بِالقِتالِ لِنَأْخُذَ العُدَّةَ، فَجادَلُوهُ طَلَبًا لَلرُّخْصَةِ في تَرْكِ القِتالِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿بُعْدما تَبَيَّنَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تَبَيَّنَ لَهم فَرْضُهُ. والثّانِي: تَبَيَّنَ لَهم صَوابُهُ. والثّالِثُ: تَبَيَّنَ لَهم أنَّكَ لا تَفْعَلُ إلّا ما أُمِرْتَ بِهِ. وفي "المُجادِلِينَ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم طائِفَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ جِدالُهم في الحَقِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، لا في القِتالِ. فَعَلى الأوَّلِ، يَكُونُ مَعْنى قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ﴾ أيْ: في لَقاءِ العَدُوِّ ﴿وَهم يَنْظُرُونَ﴾، لِأنَّ أشَدَّ حالٍ مَن يُساقُ إلى المَوْتِ أنْ يَكُونَ ناظِرًا إلَيْهِ، وعالِمًا بِهِ. وعَلى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى الإسْلامِ لَكَراهَتِهِمْ إيّاهُ.

8:7–8Page 177

وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧

[Remember, O believers], when Allāh promised you one of the two groups1 - that it would be yours - and you wished that the unarmed one would be yours. But Allāh intended to establish the truth by His words and to eliminate the disbelievers

لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٨

That He should establish the truth and abolish falsehood, even if the criminals disliked it.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: «أقْبَلَ أبُو سُفْيانَ مِنَ الشّامِ في عِيرٍ لَقُرَيْشٍ، حَتّى إذا دَنا مِن بَدْرٍ، نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ، فَخَرَجَ في جَماعَةٍ مِن أصْحابِهِ يُرِيدُهم، فَبَلَّغَهم ذَلِكَ فَبَعَثُوا عَمْرَو بْنَ ضَمْضَمٍ الغِفارِيَّ إلى مَكَّةَ مُسْتَغِيثًا، فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ لِلْمَنعِ عَنْها، ولَحِقَ أبُو سُفْيانَ (p-٣٢٤)بِساحِلِ البَحْرِ، فَفاتَ رَسُولُ اللَّهِ، ونَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآَيَةِ: ﴿وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾» والمَعْنى: اذْكُرُوا إذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ. والطّائِفَتانِ: أبُو سُفْيانَ وما مَعَهُ مِنَ المالِ، وأبُو جَهْلٍ ومَن مَعَهُ مِن قُرَيْشٍ؛ فَلَمّا سَبَقَ أبُو سُفْيانَ بِما مَعَهُ، كَتَبَ إلى قُرَيْشٍ: إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ لَتُحْرِزُوا: رَكائِبَكم، فَقَدْ أحْرَزْتُها لَكم. فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واللَّهِ لا نَرْجِعُ. وسارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ القَوْمَ، فَكِرَهَ أصْحابُهُ ذَلِكَ ووَدُّوا أنْ لَوْ نالُوا الطّائِفَةَ الَّتِي فِيها الغَنِيمَةُ دُونَ القِتالِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ أيْ: ذاتُ السِّلاحِ. يُقالُ: فُلانٌ شاكِي السِّلاحَ؛ بِالتَّخْفِيفِ، وشاكٌّ في السِّلاحِ؛ بِالتَّشْدِيدِ، وشائِكُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَجازُ الشَّوْكَةِ الحَدُّ؛ يُقالُ: ما أشَدَّ شَوْكَةَ بَنِي فُلانٍ، أيْ: حَدُّهم. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّما أنَّثَ "ذاتَ الشَّوْكَةِ" لِأنَّهُ يَعْنِي الطّائِفَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ﴾ في المُرادِ بِالحَقِّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ القُرْآَنُ، والمَعْنى: يَحِقُّ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنَ القُرْآَنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: "بِكَلِماتِهِ" أيْ: بِعِداتِهِ الَّتِي سَبَقَتْ مِن إعْزازِ الدِّينِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التَّوْبَةِ:٣٣] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: يَجْتَثُّ أصْلَهُمْ؛ وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في (الأنْعامِ:٤٥) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾ المَعْنى: ويُرِيدُ أنْ يَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ كَيْما يَحِقُّ الحَقَّ. وفي هَذا الحَقِّ القَوْلانِ المُتَقَدِّمانِ. فَأمّا الباطِلُ، فَهو الشِّرْكُ؛ والمُجْرِمُونَ هاهُنا: المُشْرِكُونَ.

8:9–10Page 178

إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ ٩

[Remember] when you were asking help of your Lord, and He answered you, "Indeed, I will reinforce you with a thousand from the angels, following one another."

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ١٠

And Allāh made it not but good tidings and so that your hearts would be assured thereby. And victory is not but from Allāh. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.

(p-٣٢٥)قَوْلُهُ تَعالى: "إذْ" قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هي مِن صِلَةِ "يُبْطِلُ" . وفي قَوْلِهِ: ﴿تَسْتَغِيثُونَ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: تَسْتَنْصِرُونَ. والثّانِي: تَسْتَجِيرُونَ. والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ المُسْتَنْصِرَ يَطْلُبُ الظَّفْرَ، والمُسْتَجِيرَ يَطْلُبُ الخَلاصَ. وفي المُسْتَغِيثِينَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ. فَأمّا الإمْدادُ فَقَدْ سَبَقَ في (p-٣٢٦)[آَلِ عِمْرانَ:١٢٤] . وقَوْلُهُ: بِألْف قَرَأ الضَّحّاكُ، وأبُو رَجاءٍ: "بِآَلافٍ" بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ وبِألِفٍ عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةَ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: "بِأُلُوفٍ" بِرَفْعِ الهَمْزَةِ واللّامِ وبِواوٍ بَعْدَها عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ حَذْلَمَ، والجَحْدَرِيُّ: "بِأُلُفٍ" بِضَمِّ الألِفِ واللّامِ مِن غَيْرِ واوٍ ولا ألِفٍ، وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: "بَيَلِفٍ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ وسُكُونِ اللّامِ مِن غَيْرِ واوٍ ولا ألِفٍ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مُرْدِفِينَ" بِكَسْرِ الدّالِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، والفَرّاءُ: هُمُ المُتَتابِعُونَ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنْ يَكُونُوا مُرْدَفِينَ مِثْلَهم، تَقُولُ أرْدَفْتُ زَيْدًا دابَّتِي؛ فَيَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفًا في الآَيَةِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونُوا جاؤُوا بَعْدَهُمْ؛ تَقُولُ العَرَبُ: بَنُو فُلانٍ مَرْدُوفُونا، أيْ: هم يَجِيؤُونَ بَعْدَنا. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مُرْدَفِينَ: جاؤُوا بَعْدُ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ: "مُرْدِفِينَ" بِفَتْحِ الدّالِ. قالَ الفَرّاءُ: أرادَ: فِعْلَ ذَلِكَ بِهِمْ، أيْ: إنَّ اللَّهَ أرْدَفَ المُسْلِمِينَ بِهِمْ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِيُّ، وأبُو مِجْلَزٍ: "مُرَدَّفِينَ" بِفَتْحِ الرّاءِ والدّالِ مَعَ التَّشْدِيدِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: "مُرُدِفِينَ" بِرَفْعِ الرّاءِ وكَسْرِ الدّالِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَدَفْتُ الرَّجُلَ: إذا رَكِبْتُ خَلْفَهُ، وأرْدَفْتُهُ: إذا أرْكَبْتُهُ خَلْفِي. ويُقالُ: هَذِهِ دابَّةٌ لا تُرادِفُ، ولا يُقالُ: لا تُرْدِفُ. ويُقالُ: أرْدَفْتُ الرَّجُلَ: إذا جِئْتُ بَعْدَهُ. فَمَعْنى "مُرْدِفِينَ" يَأْتُونَ فِرْقَةً. بَعْدَ فِرْقَةٍ ويَجُوزُ في اللُّغَةِ: مُرَدِّفِينَ ومُرُدِّفِينَ ومُرِدِّفِينَ، فالدّالُ مَكْسُورَةٌ مُشَدِّدَةٌ عَلى كُلِّ حالِ، والرّاءُ يَجُوزُ فِيها الفَتْحُ والضَّمُّ والكَسْرُ. قالَ (p-٣٢٧)سِيبَوَيْهِ: الأصْلُ مُرْتَدِفِينِ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فَصارَتْ مُرَدِّفِينَ لِأنَّكَ طَرَحْتَ حَرَكَةَ التّاءِ عَلى الرّاءِ؛ وإنْ شِئْتَ لَمْ تَطْرَحْ حَرَكَةَ التّاءِ، وكَسَرْتَ الرّاءَ لالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. والَّذِينَ ضَمُّوا الرّاءَ، جَعَلُوها تابِعَةً لَضَمَّةِ المِيمِ. وقَدْ سَبَقَ في (آَل عِمْرانَ) تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى﴾ [آَلِ عِمْرانَ:١٢٦]، وكانَ مُجاهِدٌ يَقُولُ: ما أمَدَّ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ بِأكْثَرِ مِن هَذِهِ الألْفِ الَّتِي ذُكِرَتْ في [الأنْفالِ:١٠]، وما ذَكَرَ الثَّلاثَةَ والخَمْسَةَ إلّا بُشْرى، ولَمْ يَمُدُّوا بِها؛ والجُمْهُورُ عَلى خِلافِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا اخْتِلافَهم في عَدَدِ المَلائِكَةِ في [آَلِ عِمْرانَ:١٢٦] .

8:11Page 178

إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ ١١

[Remember] when He overwhelmed you with drowsiness [giving] security from Him and sent down upon you from the sky, rain by which to purify you and remove from you the evil [suggestions] of Satan and to make steadfast your hearts and plant firmly thereby your feet.

قَوْلُهُ تَعالى: " إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ أمَنَة مِنهُ " قالَ الزَّجّاجُ: "إذْ" مَوْضِعُها نَصْبٌ عَلى مَعْنى: وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى، في ذَلِكَ الوَقْتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اذْكُرُوا إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "إذْ يَغْشاكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ وجَزْمِ الغَيْنِ وفَتْحِ الشِّينِ وألِفِ "النُّعاسُ" بِالرَّفْعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُغَشِّيكُمْ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ مُشَدَّدَةَ الشِّينِ مَكْسُورَةً "النُّعاسَ" بِالنَّصْبِ. وقَرَأ نافِعٌ "يُغْشِيكُمْ" بِضَمِّ الياءِ وجَزْمِ الغَيْنِ وكَسْرِ الشِّينِ النُّعاسَ بِالنَّصْبِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: الكَلامُ راجِعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ. قالَ الزَّجّاجُ: "وَأمَنَةً" مَنصُوبٌ: مَفْعُولٌ لَهُ، كَقَوْلِكَ: فَعَلْتَ ذَلِكَ حَذَرَ الشَّرِّ. يُقالُ: أمِنتَ آَمَنَ أمْنًا وأمانًا وأمَنَةً. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السِّلْمِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "أمَنَةً مِنهُ" بِسُكُونِ المِيمِ. (p-٣٢٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الماءِ رَمْلَةٌ، وغَلَبَهُمُ المُشْرِكُونَ عَلى الماءِ، فَأصابَ المُسْلِمِينَ الظَّمَأُ، وجَعَلُوا يُصَلُّونَ مُحْدِثِينَ، وألْقى الشَّيْطانُ في قُلُوبِهِمُ الوَسْوَسَةَ، يَقُولُ: تَزْعُمُونَ أنَّكم أوْلِياءُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ، وقَدْ غَلَبَكُمُ المُشْرِكُونَ عَلى الماءِ، وأنْتُمْ تُصَلُّونَ مُحْدِثِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَطَرًا، فَشَرِبُوا وتَطَهَّرُوا، واشْتَدَّ الرَّمْلُ حِينَ أصابَهُ المَطَرُ، وأزالَ اللَّهُ رِجْزَ الشَّيْطانِ، وهو وسْواسُهُ، حَيْثُ قالَ: قَدْ غَلَبَكُمُ المُشْرِكُونَ عَلى الماءِ.» وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: رِجْزُ الشَّيْطانِ: كَيْدُهُ، حَيْثُ أوْقَعَ في قُلُوبِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ لَكم بِهَؤُلاءِ القَوْمِ طاقَةٌ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ساءَهم عَدَمُ الماءِ عِنْدَ فَقْرِهِمْ إلَيْهِ، فَأرْسَلَ اللَّهُ السَّماءَ، فَزالَتْ وسْوَسَةُ الشَّيْطانِ الَّتِي تُكْسِبُ عَذابَ اللَّهِ وغَضَبَهُ، إذِ الرِّجْزُ: العَذابُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ الرَّبْطُ: الشَّدُّ. و"عَلى" في قَوْلِ بَعْضِهِمْ صِلَةٌ، فالمَعْنى: ولِيَرْبِطَ قُلُوبَكم. وفي الَّذِي رَبَطَ بِهِ قُلُوبَهم وقَوّاها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الصَّبْرُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ الإيمانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّهُ المَطَرُ الَّذِي أرْسَلَهُ يُثَبِّتُ بِهِ قُلُوبَهم بَعْدَ اضْطِرابِها بِالوَسْوَسَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ في هاءِ "بِهِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى الماءِ؛ فَإنَّ الأرْضَ كانَتْ رَمَلَةً، فاشْتَدَّتْ بِالمَطَرِ، وثَبَتَتْ عَلَيْها الأقْدامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الرَّبْطِ، فالمَعْنى: ويُثَبِّتُ بِالرَّبْطِ الأقْدامَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

8:12–14Page 178

إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ ١٢

[Remember] when your Lord inspired to the angels, "I am with you, so strengthen those who have believed. I will cast terror into the hearts of those who disbelieved, so strike [them] upon the necks and strike from them every fingertip."1

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٣

That is because they opposed Allāh and His Messenger. And whoever opposes Allāh and His Messenger - indeed, Allāh is severe in penalty.

ذَٰلِكُمۡ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٤

"That [is yours], so taste it." And indeed for the disbelievers is the punishment of the Fire.

(p-٣٢٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "إذْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والمَعْنى: ولِيَرْبِطَ إذْ يُوحِي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: واذْكُرُوا إذْ يُوحِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا الوَحْيُ إلْهامٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى المَلائِكَةِ﴾ وهُمُ الَّذِينَ أمَدَّ بِهِمُ المُسْلِمِينَ. ﴿أنِّي مَعَكُمْ﴾ بِالعَوْنِ والنُّصْرَةِ. ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: قاتِلُوا مَعَهم.، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: بَشِّرُوهم بِالنَّصْرِ؛ فَكانَ المَلِكُ يَسِيرُ أمامَ الصَّفِّ في صُورَةِ الرَّجُلِ، ويَقُولُ: أبْشِرُوا فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُكم، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: ثَبَّتُوهم بِأشْياءَ تُلْقُونَها في قُلُوبِهِمْ تَقْوى بِها، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: صَحَّحُوا عَزائِمَهم ونِيّاتِهِمْ عَلى الجِهادِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. فَأمّا الرُّعْبُ، فَهو الخَوْفُ. قالَ السّائِبُ بْنُ يَسارٍ: كُنّا إذا سَألْنا يَزِيدَ بْنَ عامِرٍ السِّوائِي عَنِ الرُّعْبِ الَّذِي ألْقاهُ اللَّهُ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ كَيْفَ؟ كانَ يَأْخُذُ الحَصى فَيَرْمِي بِهِ الطَّسْتَ فَيَطِنُّ، فَيَقُولُ: كَما نَجِدُ في أجْوافِنا مِثْلَ هَذا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمْ تَعْلَمِ المَلائِكَةُ أيْنَ تَقْصِدُ بِالضَّرْبِ مِنَ النّاسِ، فَعَلَّمَهُمُ اللهُ تَعالى ذَلِكَ. (p-٣٣٠)والثّانِي: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: فاضْرِبُوا الأعْناقَ، و"فَوْقَ" صِلَةٌ، وهَذا قَوْلُ عَطِيَّةَ، والضَّحّاكِ، والأخْفَشِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "فَوْقَ" بِمَعْنى "عَلى"، تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ فَوْقَ الرَّأْسِ، وضَرَبْتُهُ عَلى الرَّأْسِ.

والثّانِي: اضْرِبُوا الرُّؤُوسَ بِها فَوْقَ الأعْناقِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ.

وَفِي المُرادِ بِالبَنانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الأطْرافُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ. وقالَ الفَرّاءُ: عَلَّمَهم مَواضِعَ الضَّرْبِ، فَقالَ: اضْرِبُوا الرُّؤُوسَ والأيْدِي والأرْجُلَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: البَنانُ: أطْرافُ الأصابِعِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: واكْتَفى بِهَذا مِن جُمْلَةِ اليَدِ والرِّجْلِ.

والثّانِي: أنَّهُ كُلُّ مُفَصَّلٍ، قالَهُ عَطِيَّةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الأصابِعُ وغَيْرُها مِن جَمِيعِ الأعْضاءِ، والمَعْنى: أنَّهُ أباحَهم قَتْلَهم بِكُلِّ نَوْعٍ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. قالَ: واشْتِقاقُ البَنانِ مِن قَوْلِهِمْ: أبَنَّ بِالمَكانِ: إذا أقامَ بِهِ؛ فالبَنانُ بِهِ يَعْتَمِلُ كُلَّ ما يَكُونُ لِلْقامَةِ والحَياةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ﴾ "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الضَّرْبِ، و"شاقُّوا" بِمَعْنى: جانَبُوا، فَصارُوا في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ المُؤْمِنِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ﴾ خِطابٌ لَلْمُشْرِكِينَ؛ والمَعْنى: ذُوقُوا هَذا في عاجِلِ الدُّنْيا. وفي فَتْحِ "أنْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بِإضْمارِ فِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكم فَذُوقُوهُ واعْلَمُوا أنَّ لَلْكافِرِينَ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ذَلِكَ بِأنَّ لَلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ. فَإذا ألْقَيْتَ (p-٣٣١)الباءَ، نَصَبْتَ. وإنْ شِئْتَ، جَعَلْتَ "أنْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ يُرِيدُ: ذَلِكم فَذُوقُوهُ، وذَلِكم أنَّ لَلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ، هَذا مَعْنى قَوْلِ الفَرّاءِ.

8:15–16Page 178

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحۡفٗا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ١٥

O you who have believed, when you meet those who disbelieve advancing [in battle], do not turn to them your backs [in flight].

وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفٗا لِّقِتَالٍ أَوۡ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ فَقَدۡ بَآءَ بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٦

And whoever turns his back to them on such a day, unless swerving [as a strategy] for war or joining [another] company, has certainly returned with anger [upon him] from Allāh, and his refuge is Hell - and wretched is the destination.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ الزَّحْفُ: جَماعَةٌ يَزْحَفُونَ إلى عَدْوِّهِمْ؛ قالَهُ اللَّيْثُ. والتَّزاحُفُ: التَّدانِي والتَّقارُبُ، قالَ الأعْشى:

لِمَنِ الظَّعائِنُ سَيْرُهُنَّ تَزْحَفُ

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الكَلامِ: إذا واقَفْتُمُوهم لَلْقِتالِ فَلا تُدْبِرُوا (وَمَن يُوَلِّهِمْ) يَوْمَ حَرْبِهِمْ (دُبُرَهُ) إلّا أنْ يَتَحَرَّفَ لَيُقاتِلَ، أوْ يَتَحَيَّزَ إلى فِئَةٍ؛ فَ "مُتَحَرِّفًا" و"مُتَحَيِّزًا" مَنصُوبانِ عَلى الحالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُما عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: إلّا رَجُلًا مُتَحَرِّفًا أوْ مُتَحَيِّزًا وأصْلُ مُتَحَيِّزٍ: مُتَحْيْوِزٍ؛ فَأُدْغِمَتِ الياءُ في الواوِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾ أيْ: مَرْجِعُهُ إلَيْها؛ ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى التَّخْلِيدِ.

فَصْلٌ

اخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِ هَذِهِ الآَيَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: هَذِهِ خاصَّةً في أهْلِ بَدْرٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، والحَسَنِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ. وقالَ آَخَرُونَ: هي عَلى عُمُومِها في كُلِّ ِمُنْهَزِمٍ؛ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ آَخَرُونَ هي عَلى عُمُومِها، غَيْرِ أنَّها نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنْفالِ:٦٦] فَلَيْسَ لَلْمُسْلِمِينَ أنْ يَفِرُّوا مِن مِثْلَيْهِمْ، وبِهِ قالَ (p-٣٣٢)عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ. ورَوى أبُو طالِبٍ عَنْ أحْمَدَ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ، فَقالَ: لا يَفِرُّ رَجُلٌ مِن رَجُلَيْنِ؛ فَإنْ كانُوا ثَلاثَةً، فَلا بَأْسَ. وقَدْ نُقِلَ نَحْوُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: إذا بَلَغَ الجَيْشُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، فَلَيْسَ لَهم أنْ يَفِرُّوا مِن عَدُوِّهِمْ، وإنْ كَثُرَ عَدَدُهم. ونُقِلَ نَحْوُ هَذا عَنْ مالِكٍ؛ ووَجْهُهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ما هُزِمَ قَوْمٌ إذا بَلَغُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا مِن قِلَّةٍ" إذا صَبَرُوا وصَدَّقُوا.»

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском