Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
نوح
Nuh
Noah · Meccan · 28 ayahs
71:1–4Page 570
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرۡ قَوۡمَكَ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١
Indeed, We sent Noah to his people, [saying], "Warn your people before there comes to them a painful punishment."
قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٢
He said, "O my people, indeed I am to you a clear warner -
أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ٣
To worship Allāh, fear Him and obey me.
يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرۡكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُۚ لَوۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤
He [i.e., Allāh] will forgive you of your sins and delay you for a specified term. Indeed, the time [set by] Allāh, when it comes, will not be delayed, if you only knew."
(p-٣٦٨)سُورَةُ نُوحٍ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ أيْ: بِأنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ. و"العَذابُ الألِيمُ" الغَرَقُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وعَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو "أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ" بِضَمِّ النُّونِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو "أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ" بِكَسْرِ النُّونِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن ضَمَّ كَرِهَ الكَسْرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأطِيعُونِ﴾ أثْبَتَ الياءَ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ "مِن" ها هُنا صِلَةٌ. والمَعْنى: يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما دَخَلَتْ "مِن" ها هُنا لِتَخْتَصَّ الذُّنُوبَ مِن سائِرِ الأشْياءِ. ولَمْ تَدْخُلْ لِتَبْعِيضِ الذُّنُوبِ، ومِثْلُهُ ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ (p-٣٦٩)الأوْثانِ﴾ [الحَجِّ: ٣٠] وذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي إلى أنَّها لِلتَّبْعِيضِ. والمَعْنى: يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم إلى وقْتِ الإيمانِ "وَيُؤَخِّرْكُمْ" أيْ: عَنِ العَذابِ "إلى أجَلٍ مُسَمًّى" وهو مُنْتَهى آجالِهِمْ. والمَعْنى: فَتَمُوتُوا عِنْدَ مُنْتَهى آجالِكم غَيْرَ مِيتَةِ المُعَذَّبِينَ "إنَّ أجَلَ اللَّهِ" فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ أجَلُ المَوْتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّ أجَلَ اللَّهِ الَّذِي أجَّلَكم إلَيْهِ لا يُؤَخَّرُ إذا جاءَ، فَلا يُمْكِنُكم حِينَئِذٍ الإيمانُ.
والثّانِي: أنَّهُ أجَلُ البَعْثِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أجَلُ العَذابِ، قالَهُ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ.
71:5–24Page 570
قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوۡتُ قَوۡمِي لَيۡلٗا وَنَهَارٗا ٥
He said, "My Lord, indeed I invited my people [to truth] night and day.
فَلَمۡ يَزِدۡهُمۡ دُعَآءِيٓ إِلَّا فِرَارٗا ٦
But my invitation increased them not except in flight [i.e., aversion].
وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوۡتُهُمۡ لِتَغۡفِرَ لَهُمۡ جَعَلُوٓاْ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ وَأَصَرُّواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارٗا ٧
And indeed, every time I invited them that You may forgive them, they put their fingers in their ears, covered themselves with their garments,1 persisted, and were arrogant with [great] arrogance.
ثُمَّ إِنِّي دَعَوۡتُهُمۡ جِهَارٗا ٨
Then I invited them publicly.
ثُمَّ إِنِّيٓ أَعۡلَنتُ لَهُمۡ وَأَسۡرَرۡتُ لَهُمۡ إِسۡرَارٗا ٩
Then I announced to them and [also] confided to them secretly
فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا ١٠
And said, 'Ask forgiveness of your Lord. Indeed, He is ever a Perpetual Forgiver.
يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا ١١
He will send [rain from] the sky upon you in [continuing] showers
وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا ١٢
And give you increase in wealth and children and provide for you gardens and provide for you rivers.
مَّا لَكُمۡ لَا تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗا ١٣
What is [the matter] with you that you do not attribute to Allāh [due] grandeur
وَقَدۡ خَلَقَكُمۡ أَطۡوَارًا ١٤
While He has created you in stages?1
أَلَمۡ تَرَوۡاْ كَيۡفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗا ١٥
Do you not consider how Allāh has created seven heavens in layers1
وَجَعَلَ ٱلۡقَمَرَ فِيهِنَّ نُورٗا وَجَعَلَ ٱلشَّمۡسَ سِرَاجٗا ١٦
And made the moon therein a [reflected] light and made the sun a burning lamp?
وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ نَبَاتٗا ١٧
And Allāh has caused you to grow from the earth a [progressive] growth.
ثُمَّ يُعِيدُكُمۡ فِيهَا وَيُخۡرِجُكُمۡ إِخۡرَاجٗا ١٨
Then He will return you into it and extract you [another] extraction.
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ بِسَاطٗا ١٩
And Allāh has made for you the earth an expanse
لِّتَسۡلُكُواْ مِنۡهَا سُبُلٗا فِجَاجٗا ٢٠
That you may follow therein roads of passage.'"
قَالَ نُوحٞ رَّبِّ إِنَّهُمۡ عَصَوۡنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمۡ يَزِدۡهُ مَالُهُۥ وَوَلَدُهُۥٓ إِلَّا خَسَارٗا ٢١
Noah said, "My Lord, indeed they have disobeyed me and followed him whose wealth and children will not increase him except in loss.
وَمَكَرُواْ مَكۡرٗا كُبَّارٗا ٢٢
And they conspired an immense conspiracy
وَقَالُواْ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمۡ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّٗا وَلَا سُوَاعٗا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسۡرٗا ٢٣
And said, 'Never leave your gods and never leave Wadd or Suwāʿ or Yaghūth and Yaʿūq and Nasr.'1
وَقَدۡ أَضَلُّواْ كَثِيرٗاۖ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا ضَلَٰلٗا ٢٤
And already they have misled many. And, [my Lord], do not increase the wrongdoers except in error."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾؟ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا تَرَوْنَ لِلَّهِ عَظَمَةً، قالَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: لا تَخافُونَ عَظَمَةَ اللَّهِ، قالَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: لا تَرَوْنَ لِلَّهِ طاعَةً، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: لا تَرْجُونَ عاقِبَةَ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
(p-٣٧١)﴿وَقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ أيْ: وقَدْ جَعَلَ لَكم في أنْفُسِكم آيَةً تَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ مِن خَلْقِهِ إيّاكم مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إلى آخِرِ الخَلْقِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّوْرُ: الحالُ، وجَمْعُهُ: أطْوارٌ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الطَّوْرُ: التّارَةُ، طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ، أيْ: تارَةً بَعْدَ تارَةٍ. وقِيلَ: أرادَ بِالأطْوارِ: اخْتِلافَ المَناظِرِ والأخْلاقِ، مِن طَوِيلٍ، وقَصِيرٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَرَّرَهُمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "طِباقٍ" بِتَنْوِينِ القافِ، وكَسْرِها مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [المُلْكِ: ٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ وجْهَ القَمَرِ قِبَلَ السَّمَواتِ، وظَهَرَهُ قِبَلَ الأرْضِ يُضِيءُ لِأهْلِ السَّمَواتِ، كَما يُضِيءُ لِأهْلِ الأرْضِ، وكَذَلِكَ الشَّمْسُ، هَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.
والثّانِي: أنَّ القَمَرَ في السَّماءِ الدُّنْيا. وإنَّما قالَ: ﴿فِيهِنَّ﴾ لِأنَّهُنَّ كالشَّيْءِ الواحِدِ، ذَكَرَهُ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ، وغَيْرُهُما. وهَذا كَما تَقُولُ: أتَيْتُ بَنِي تَمِيمٍ، وإنَّما أتَيْتَ بَعْضَهُمْ، ورَكِبْتُ السُّفُنَ، ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ يَسْتَضِيءُ بِها العالَمُ ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ﴾ يَعْنِي: أنَّ مُبْتَدَأ خَلَقِكِمْ مِنَ الأرْضِ، هو (p-٣٧٢)آدَمُ ﴿نَباتًا﴾ قالَ الخَلِيلُ: مَعْناهُ: فَنَبَتُّمْ نَباتًا. وقالَ الزَّجّاجُ: "نَباتًا" مَحْمُولٌ في المَصْدَرِ عَلى المَعْنى، لِأنَّ مَعْنى أنْبَتَكُمْ: جَعَلَكم تَنْبُتُونَ نَباتًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا مِمّا جاءَ فِيهِ المَصْدَرُ، عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ لِأنَّهُ جاءَ في نَبَتَ. ومِثْلُهُ: ﴿وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المُزَّمِّلِ: ٨] فَجاءَ عَلى "بَتَّلَ"
قالَ الشّاعِرُ:
؎ وخَيْرُ الأمْرِ ما اسْتَقْبَلْتَ مِن هُ ولَيْسَ بِأنَّ تَتَبَّعَهُ اتِّباعا
فَجاءَ عَلى اتَّبَعْتُ.
وَقالَ الآخَرُ:
؎ وإنْ شِئْتُمْ تَعاوَدْنا عِوادًا
فَجاءَ عَلى "عاوَدْنا" وإنَّما تَجِيءُ المَصادِرُ مُخالِفَةً الأفْعالَ، لِأنَّ الأفْعالَ وإنِ اخْتَلَفَتْ أبْنِيَتُها، واحِدَةٌ في المَعْنى.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿سُبُلا فِجاجًا﴾ قالَ الفَرّاءُ: هي الطُّرُقُ الواسِعَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، "وَوَلَدُهُ" بِفَتْحِ اللّامِ والواوِ. وقَرَأ الباقُونَ "وُلْدُهُ" بِضَمِّ الواوِ، (p-٣٧٣)وَسُكُونِ اللّامِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلُ العَرَبِ، والعُرْبِ، والعَجَمِ، والعُجْمِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، والجَحْدَرِيُّ: "وَوِلْدُهُ" بِكَسْرِ الواوِ، وإسْكانِ اللّامِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: أنَّ الأتْباعَ، والفُقَراءَ اتَّبَعُوا رَأْيَ الرُّؤَساءِ والكُبَراءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ قَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو عِمْرانَ: "كُبارًا" بِرَفْعِ الكافِ وتَخْفِيفِ الباءِ. وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ "كِبارًا" بِكَسْرِ الكافِ مَعَ تَخْفِيفِ الباءِ. والمَعْنى "كَبِيرًا" يُقالُ: كَبِيرٌ، وكُبارٌ. وقَدْ شَرَحْنا هَذا في أوَّلِ [ص] ومَعْنى "المَكْرِ": السَّعْيُ في الفَسادِ. وذَلِكَ أنَّ الرُّؤَساءَ مَنَعُوا أتْباعَهم مِنَ الإيمانِ بِنُوحٍ ﴿وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ أيْ: لا تَدَعُنَّ عِبادَتَها ﴿وَلا تَذَرُنَّ ودًّا﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ بِضَمِّ الواوِ. والباقُونَ بِفَتْحِها. وهَذا الِاسْمُ وما بَعْدَهُ أسْماءُ آلِهَتِهِمْ. وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ هَذِهِ أسْماءُ قَوْمٍ صالِحِينَ، كانُوا بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، ونَشَأ قَوْمٌ بَعْدَهم يَأْخُذُونَ بِأخْذِهِمْ في العِبادَةِ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: لَوْ صَوَّرْتُمْ صُوَرَهم كانَ أنْشَطَ لَكُمْ، وأشْوَقَ لِلْعِبادَةِ، فَفَعَلُوا. ثُمَّ نَشَأ قَوْمٌ بَعْدَهُمْ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: إنَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا يَعْبُدُونَهُمْ، فَعَبَدُوهُمْ، وكانَ ابْتِداءُ عِبادَةِ الأوْثانِ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ. وسُمِّيَتْ تِلْكَ الصُّوَرُ بِهَذِهِ الأسْماءِ، لِأنَّهم صَوَّرُوها عَلى صُوَرِ أُولَئِكَ القَوْمِ المُسَمَّيْنَ بِهَذِهِ الأسْماءِ. وقِيلَ: إنَّما هي أسْماءٌ لِأوْلادِ آدَمَ، ماتَ مِنهم واحِدٌ، فَجاءَ الشَّيْطانُ فَقالَ: هَلْ لَكَمَ أنْ أُصَوِّرَ لَكم صُورَتَهُ، فَتَذْكُرُونَهُ بِها؟ فَصَوَّرَها. ثُمَّ ماتَ آخَرُ، فَصَوَّرَ لَهم صُورَتَهُ، إلى أنَّ صَوَّرَ صُوَرًا خَمْسَةً. ثُمَّ طالَ الزَّمانُ، وتَرَكُوا عِبادَةَ اللَّهِ، فَقالَ لَهُمُ الشَّيْطانُ: ما لَكم لا تَعْبُدُونَ شَيْئًا؟ فَقالُوا: لِمَن نَعْبُدُ؟ قالَ: هَذِهِ آلِهَتُكُمْ، وآلِهَةُ آبائِكُمْ، ألا تَرَوْنَها مُصَوَّرَةً في مُصَلّاكُمْ؟! فَعَبَدُوها.
(p-٣٧٤)وَقالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الأصْنامُ كانَتْ لِقَوْمِ نُوحٍ، ثُمَّ صارَتْ إلى العَرَبِ، فَكانَ "وَدٌّ" لِكَلْبٍ، "وَسُواعٌ" لِهَمَدانَ، و"يَغُوثُ" لِبَنِي غُطَيْفٌ، وهم حَيٌّ مِن مُرادٍ. وقِيلَ: لَمّا جاءَ الطُّوفانُ غَطّى عَلى هَذِهِ الأصْنامِ وطَمَّها التُّرابُ، فَلَمّا ظَهَرَتْ بَعْدَ الطُّوفانِ صارَتْ إلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ، قالَ الواقِدِيُّ: كانَ "وَدٌّ" عَلى صُورَةِ رَجُلٍ، و"سُواعٌ" عَلى صُورَةِ امْرَأةٍ، و"يَغُوثُ" عَلى صُورَةِ أسَدٍ، و"يَعُوقُ" عَلى صُورَةِ فَرَسٍ، و"نَسْرٌ" عَلى صُورَةِ النَّسْرِ مِنَ الطَّيْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: وقَدْ أضَلَّتِ الأصْنامُ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ، أيْ: ضَلُّوا بِسَبَبِها.
والثّانِي: وقَدْ أضَلَّ الكُبَراءُ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ ﴿وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ ﴿إلا ضَلالا﴾ وهَذا دُعاءٌ مِن نُوحٍ عَلَيْهِمْ، لَمّا أعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.
71:25–28Page 571
مِّمَّا خَطِيٓـَٰٔتِهِمۡ أُغۡرِقُواْ فَأُدۡخِلُواْ نَارٗا فَلَمۡ يَجِدُواْ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَارٗا ٢٥
Because of their sins they were drowned and put into the Fire, and they found not for themselves besides Allāh [any] helpers.
وَقَالَ نُوحٞ رَّبِّ لَا تَذَرۡ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ دَيَّارًا ٢٦
And Noah said, "My Lord, do not leave upon the earth from among the disbelievers an inhabitant.
إِنَّكَ إِن تَذَرۡهُمۡ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓاْ إِلَّا فَاجِرٗا كَفَّارٗا ٢٧
Indeed, if You leave them, they will mislead Your servants and not beget except [every] wicked one and [confirmed] disbeliever.
رَّبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيۡتِيَ مُؤۡمِنٗا وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۖ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا تَبَارَۢا ٢٨
My Lord, forgive me and my parents and whoever enters my house a believer and the believing men and believing women. And do not increase the wrongdoers except in destruction."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ﴾ "ما" صِلَةٌ. والمَعْنى: مِن خَطِيآتِهِمْ: أيْ: مِن أجْلِها، وسَبَبِها. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو "مِمّا خَطاياهُمْ" وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، والجَحْدَرِيُّ "خَطِيئَتِهِمْ" مِن غَيْرِ ألِفٍ ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: المَعْنى: سَيَدْخُلُونَ في الآخِرَةِ نارًا، فَجاءَ لَفْظُ الماضِي بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، لِأنَّ الوَعْدَ حَقٌّ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: فَأُدْخِلُوا نارًا في الدُّنْيا، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَغْرَقُونَ مِن جانِبٍ، ويَحْتَرِقُونَ في الماءِ مِن جانِبٍ.
(p-٣٧٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهم مِن دُونِ اللَّهِ أنْصارًا﴾ أيْ: لَمْ يَجِدُوا أحَدًا يَمْنَعُهم مِن عَذابِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَيّارًا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: أحَدًا. يُقالُ: ما بِالمَنازِلِ دَيّارٌ أيْ: ما بِها أحَدٌ، وهو مِنَ الدّارِ، أيْ: لَيْسَ بِها نازِلٌ دارًا. وقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها: "دَيْوارٌ" فَيْعالٌ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَتْ إحْداهُما في الأُخْرى. وإنَّما دَعا عَلَيْهِمْ نُوحٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِ ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مِن قَدْ آمَنَ﴾ [هُودٍ: ٣٦] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُضِلُّوا عِبادَكَ﴾ وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ مِنهم كانَ يَنْطَلِقُ بِابْنِهِ إلى نُوحٍ فَيُحَذِّرُهُ تَصْدِيقَهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَلِدُوا إلا فاجِرًا كَفّارًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ نُوحًا أنَّهم لا يَلِدُونَ مُؤْمِنًا، فَلِذَلِكَ عَلِمَ الفاجِرَ الخارِجَ عَنِ الطّاعَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ قالَ الحَسَنُ: وذَلِكَ أنَّهُما كانا مُؤْمِنَيْنِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والجَحْدَرِيُّ، والجَوْنِيُّ "وَلِوالِدِي" ساكِنَةَ الياءِ عَلى التَّوْحِيدِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، والزُّهْرِيُّ، والنَّخَعِيُّ "وَلِوَلَدَيَّ" مِن غَيْرِ ألِفٍ عَلى التَّثْنِيَةِ "وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِي" وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "بَيْتِيَ" بِفَتْحِ الياءِ. وفِيهِ ثَلاثَةٌ أقْوالٍ.
أحَدُها: مَنزِلُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: مَسْجِدُهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: سَفِينَتُهُ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ هَذا عامٌّ في كُلِّ مَن آمَنَ ﴿وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ ﴿إلا تَبارًا﴾ أيْ: هَلاكًا. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ [الفَرْقانِ: ٣٩] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences