Ibn al-JawziAl‑Balad · 90:1–20

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

البلد

Al-Balad

The City · Meccan · 20 ayahs

90:1–10Page 594

لَآ أُقۡسِمُ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ١

I swear by this city [i.e., Makkah] –

وَأَنتَ حِلُّۢ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ٢

And you, [O Muḥammad], are free of restriction in this city –

وَوَالِدٖ وَمَا وَلَدَ ٣

And [by] the father1 and that which was born [of him],

لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِي كَبَدٍ ٤

We have certainly created man into hardship.

أَيَحۡسَبُ أَن لَّن يَقۡدِرَ عَلَيۡهِ أَحَدٞ ٥

Does he think that never will anyone overcome him?

يَقُولُ أَهۡلَكۡتُ مَالٗا لُّبَدًا ٦

He says, "I have spent wealth in abundance."

أَيَحۡسَبُ أَن لَّمۡ يَرَهُۥٓ أَحَدٌ ٧

Does he think that no one has seen him?

أَلَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ عَيۡنَيۡنِ ٨

Have We not made for him two eyes?

وَلِسَانٗا وَشَفَتَيۡنِ ٩

And a tongue and two lips?

وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ ١٠

And have shown him the two ways?1

(p-١٢٦)سُورَةُ البَلَدِ

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أُقْسِمُ. و " لا " دَخَلَتْ تَوْكِيدًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحَدِيدِ: ٢٩] وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو العالِيَةِ: " لِأُقْسِمُ " قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في أوَّلِ " القِيامَةِ " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

(p-١٢٧)وَ " البَلَد " هاهُنا: مَكَّةُ.

أحَدُها: حِلٌّ لَكَ ما صَنَعْتَ في هَذا البَلَدِ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَجُلٌ حِلٌّ، وحَلالٌ، ومُحِلٌّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ نَبِيَّهُ أنْ يَفْتَحَ مَكَّةَ عَلى يَدَيْهِ بِأنْ يُحِلَّها لَهُ، فَيَكُونَ فِيها حِلًّا.

والثّانِي: فَأنْتَ مُحِلٌّ بِهَذا البَلَدِ غَيْرُ مُحْرِمٍ في دُخُولِهِ، يَعْنِي: عامَ الفَتْحَ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ.

والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ بِهَذا البَلَدِ يَسْتَحِلُّونَ إخْراجَكَ وقَتْلَكَ، ويُحَرِّمُونَ قَتْلَ الصَّيْدِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ آدَمُ وما ولَدَ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.

(p-١٢٨)والثّانِي: أوْلادُ إبْراهِيمَ، وما ولَدَ: ذُرِّيَّتُهُ، قالَهُ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ والِدٍ وما ولَدَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ.

وَفِيمَن عَنى بِالإنْسانِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ أبُو الأشَدَّيْنِ الجُمَحِيُّ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، [المُدَّثِّرِ: ٢٩، والِانْفِطارِ: ٥] قالَهُ الحَسَنُ.

(p-١٢٩)والثّالِثُ: أنَّهُ الحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ أذْنَبَ ذَنْبًا، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالكَفّارَةِ، فَقالَ لَقَدْ ذَهَبَ مالِي في الكَفّاراتِ، والنَّفَقاتِ مُنْذُ دَخَلْتُ في دِينِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: في نَصَبٍ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ، فَإنَّهم قالُوا: في شِدَّةٍ. قالَ الحَسَنُ: يُكابِدُ الشُّكْرَ عَلى السَّرّاءِ والصَّبْرَ عَلى الضَّرّاءِ، لِأنَّهُ لا يَخْلُو مِن أحَدِهِما ويُكابِدُ مَصائِبَ الدُّنْيا، وشَدائِدَ الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: في شِدَّةِ غَلَبَةٍ ومُكابَدَةٍ لِأُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مِن مُكابَدَةِ الأمْرِ، وهي مُعاناتُهُ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: خُلِقَ مُنْتَصِبًا يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وسائِرُ الحَيَوانِ (p-١٣٠)غَيْرُ مُنْتَصِبٍ، رَواهُ مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وعَطِيَّةُ، والفَرّاءُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى الكَبَدِ: الِاسْتِواءَ والِاسْتِقامَةَ.

والثّالِثُ: في وسَطِ السَّماءِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ يَعْنِي: آدَمَ ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أيْ: في وسَطِ السَّماءِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أيْ: [أيَحْسَبُ أنْ] لَنْ نَقْدِرَ عَلى بَعْثِهِ، ومُعاقَبَتِهِ؟! ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ أيْ: كَثِيرًا، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، هو فُعَلٌ مِنَ التَّلَبُّدِ، وهو المالُ الكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو المالُ المُتَلَبِّدُ، (p-١٣١)كَأنَّ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وهو فُعَلٌ لِلْكَثْرَةِ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ حُطَمٌ: إذا كانَ كَثِيرَ الحُطَمِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعائِشَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " لُبَّدًا " بِضَمِّ اللّامِ، وتَشْدِيدِ الباءِ مَفْتُوحَةً. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ: " لَبْدًا " بِفَتْحِ اللّامِ وتَسْكِينِ الباءِ خَفِيفَةً. وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: " لُبُدًا " بِرَفْعِ اللّامِ والباءِ وتَخْفِيفِهِما. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ أبِي الجَوْزاءِ: " لِبَدًا " بِكَسْرِ اللّامِ، وفَتْحِ الباءِ مُخَفَّفَةً.

وَفِيما قالَ لِأجْلِهِ ذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ: أهْلَكْتُ مالًا كَثِيرًا في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، فَكَأنَّهُ اسْتَطالَ بِما أنْفَقَ.

والثّانِي: أنْفَقْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي الكَفّاراتِ مالًا كَثِيرًا، قالَهُ مُقاتِلٌ. فَكَأنَّهُ نَدِمَ عَلى ما أنْفَقَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. والمَعْنى: أيُظَنُّ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَرَ نَفَقَتَهُ، ولَمْ يُحْصِها؟! وكانَ قَدِ ادَّعى ما لَمْ يُنْفِقْ.

(p-١٣٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ والمَعْنى: ألَمْ نَفْعَلْ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: سَبِيلُ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، والحَسَنُ، والفَرّاءُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقالَ الزَّجّاجُ: النَّجْدانِ: الطَّرِيقانِ الواضِحانِ. والنَّجْدُ: المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ، فالمَعْنى: ألَمْ نُعَرِّفْهُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ كَتَبَيُّنِ الطَّرِيقَيْنِ العالِيَيْنِ.

والثّانِي: سَبِيلُ الهُدى والضَّلالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو سَبِيلُ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ.

والثّالِثُ: الثَّدْيانِ لِيَتَغَذّى بِلَبَنِهِما، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.

90:11–20Page 594

فَلَا ٱقۡتَحَمَ ٱلۡعَقَبَةَ ١١

But he has not broken through the difficult pass.1

وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡعَقَبَةُ ١٢

And what can make you know what is [breaking through] the difficult pass?

فَكُّ رَقَبَةٍ ١٣

It is the freeing of a slave

أَوۡ إِطۡعَٰمٞ فِي يَوۡمٖ ذِي مَسۡغَبَةٖ ١٤

Or feeding on a day of severe hunger

يَتِيمٗا ذَا مَقۡرَبَةٍ ١٥

An orphan of near relationship

أَوۡ مِسۡكِينٗا ذَا مَتۡرَبَةٖ ١٦

Or a needy person in misery

ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡمَرۡحَمَةِ ١٧

And then being among those who believed and advised one another to patience and advised one another to compassion.

أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ ١٨

Those are the companions of the right.1

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا هُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ ١٩

But they who disbelieved in Our signs - those are the companions of the left.1

عَلَيۡهِمۡ نَارٞ مُّؤۡصَدَةُۢ ٢٠

Over them will be fire closed in.1

(p-١٣٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَلَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ [فِي الدُّنْيا] . وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَلا هو اقْتَحَمَ العَقَبَةَ. قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَضُمَّ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ كَلامًا آخَرَ فِيهِ " لا "، والعَرَبُ لا تَكادُ تُفْرِدُ " لا " في الكَلامِ حَتّى يُعِيدُوها عَلَيْهِ في كَلامٍ آخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القِيامَةِ: ٣١]، ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦٢] . ومَعْنى " لا " مَأْخُوذٌ مِن آخَرِ هَذا الكَلامِ، فاكْتَفى بِواحِدَةٍ مِنَ الأُخْرى، ألا تَرى أنَّهُ فَسَّرَ اقْتِحامَ العَقَبَةِ، فَقالَ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ.﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَفَسَّرَها بِثَلاثَةِ أشْياءَ. فَكَأنَّهُ كانَ في أوَّلِ الكَلامِ: فَلا فَعَلَ ذا، ولا ذا، وذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أفَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ؟ عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: فَهَلّا أنْفَقَ مالَهُ في فَكِّ الرِّقابِ والإطْعامِ لِيُجاوِزَ بِذَلِكَ العَقَبَةَ؟! .

فَأمّا: الِاقْتِحامُ فَقَدْ بَيَّناهُ في [ص: ٥٩] .

وَفِي العَقَبَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

(p-١٣٤)والثّانِي: عَقَبَةٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: سَبْعُونَ دَرَكَةً في جَهَنَّمَ، قالَهُ كَعْبٌ.

والرّابِعُ: الصِّراطُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.

والخامِسُ: نارٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والسّادِسُ: طَرِيقُ النَّجاةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والسّابِعُ: أنَّ ذِكْرَ العَقَبَةِ هاهُنا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِمُجاهِدَةِ النَّفْسِ والهَوى والشَّيْطانِ في أعْمالِ البِرِّ، فَجَعَلَهُ كالَّذِي يَتَكَلَّفُ صُعُودَ العَقَبَةِ. يَقُولُ: لَمْ يَحْمِلْ عَلى نَفْسِهِ المَشَقَّةَ بِعِتْقِ الرَّقَبَةِ والإطْعامِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ في آخَرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ ما فِيهِ ﴿وَما أدْراكَ﴾ فَقَدْ أخْبَرَهُ بِهِ، وكُلُّ ما فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ . ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ تَعالى: (p-١٣٥)﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، إلّا عَبْدَ الوارِثِ، والكِسائِيُّ، والدّاجُونِيُّ عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ: " فَكَّ " بِفَتْحِ الكافِ " رَقَبَةً " بِالنَّصْبِ " أوْأطْعَمَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والمِيمِ وسُكُونِ الطّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ: " فَكُّ " بِالرَّفْعِ " رَقَبَةٍ " بِالخَفْضِ " أوْ إطْعامٌ " بِالألِفِ. ومَعْنى فَكِّ الرَّقَبَةِ: تَخْلِيصُها مِن أسْرِ الرِّقِّ، وكُلُّ شَيْءٍ أطْلَقْتَهُ فَقَدْ فَكَكْتَهُ. ومَن قَرَأ " فَكَّ رَقَبَةً " عَلى الفِعْلِ، فَهو تَفْسِيرُ اقْتِحامِ العَقَبَةِ بِالفِعْلِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَسْغَبَةُ: المَجاعَةُ. يُقالُ: سَغَبَ يَسْغَبُ سُغُوبًا: إذا جاعَ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ أيْ: ذا قَرابَةٍ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ أيْ: ذا فَقْرٍ كَأنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرابِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَطْرُوحُ في التُّرابِ لا يَقِيهِ شَيْءٌ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ القُرَبَ إنَّما تَنْفَعُ مَعَ الإيمانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و " ثُمَّ " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [يُونُسَ: ٤٦] .

(p-١٣٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عَلى فَرائِضِ اللَّهِ وأمْرِهِ ﴿وَتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ أيْ: بِالتَّراحُمِ بَيْنَهم. وقَدْ ذَكَرْنا أصْحابَ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ في [الواقِعَةِ: ٧، ٨] قالَ الفَرّاءُ: و " المُؤْصَدَةُ " المُطْبَقَةُ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أبْوابُها عَلَيْهِمْ مُطْبَقَةٌ فَلا يُفْتَحُ لَها بابٌ، ولا يَخْرُجُ مِنها غَمٌّ، ولا يَدْخُلُ فِيها رَوْحٌ آخِرَ الأبَدِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أوْصَدْتُ البابَ وآصَدْتُهُ: إذا أطْبَقْتُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ العَذابَ مُطْبِقٌ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " مُوصَدَةٌ " بِغَيْرِ هَمْزٍ هاهُنا وفي [الهُمَزَةِ: ٨] وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالهَمْزِ في المَوْضِعَيْنِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском