Ibn al-JawziAl‑A'raf · 7:1–20

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

الأعراف

Al-A'raf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

7:1Page 151

الٓمٓصٓ ١

Alif, Lām, Meem, Ṣād.1

(p-١٦٤)سُورَةُ الأعْرافِ

فَصْلٌ في نُزُولِها

رَوى العَوْفِيُّ، وابْنُ أبِي طَلْحَةُ، وأبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ سُورَةَ (الأعْرافِ) مِنَ المَكِّيِّ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وقَتادَةَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّها مَكِّيَّةٌ، إلّا خَمْسُ آَياتٍ؛ أوَّلُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ﴾ وقالَ مُقاتِلٌ: كُلُّها مَكِّيَّةٌ، إلّا قَوْلَهُ: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعْرافِ: ١٦٣-١٧٢] فَإنَّهُنَّ مَدَنِيّاتٌ.

﴿المص﴾

فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المص﴾ قَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ سُورَةِ (البَقَرَةِ) كَلامًا مُجْمَلًا في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ أوائِلَ السُّوَرِ، فَهو يَعُمُّ هَذِهِ أيْضًا. فَأمّا ما يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الآَيَةِ فَفِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: أنا اللَّهُ أعْلَمُ وأُفَصِّلُ، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-١٦٥)والثّانِي: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّ الألِفَ مِفْتاحٌ اسْمُهُ "اللَّهُ" واللّامَ مِفْتاحٌ اسْمُهُ "لَطِيفٌ" والمِيمَ مِفْتاحٌ اسْمُهُ "مَجِيدٌ" والصّادَ مِفْتاحٌ اسْمُهُ "صادِقٌ" قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والخامِسُ: أنَّ ﴿المص﴾ اسْمٌ لَلسُّورَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والسّادِسُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآَنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والسّابِعُ: أنَّها بَعْضُ كَلِمَةٍ. ثُمَّ في تِلْكَ الكَلِمَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: المُصَوِّرُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: المُصَيِّرُ إلى كِتابٍ أُنْزِلَ إلَيْكَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

7:2Page 151

كِتَٰبٌ أُنزِلَ إِلَيۡكَ فَلَا يَكُن فِي صَدۡرِكَ حَرَجٞ مِّنۡهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٢

[This is] a Book revealed to you, [O Muḥammad] - so let there not be in your breast distress therefrom - that you may warn thereby and as a reminder to the believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ قالَ الأخْفَشُ: رُفِعَ الكِتابُ بِالِابْتِداءِ. ومَذْهَبُ الفَرّاءِ أنَّ اللَّهَ اكْتَفى في مُفْتَتَحِ السُّوَرِ بِبَعْضِ حُرُوفِ المُعْجَمِ عَنْ جَمِيعِها، كَما يَقُولُ القائِلُ: "ا ب ت ث" ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ حَرْفًا؛ فالمَعْنى: حُرُوفُ المُعْجَمِ: كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ الكِتابُ بِإضْمارِ: هَذا الكِتابُ. وفي الحَرَجِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّكُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ الضِّيقُ، قالَهُ الحَسَنُ، والزَّجّاجُ. وفي هاءِ "مِنهُ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكِتابِ؛ فَعَلى هَذا، في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لا يَضِيقَنَّ صَدْرُكَ بِالإبْلاغِ، ولا تَخافَنَّ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّانِي: لا تَشُكَّنَّ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ. (p-١٦٦)والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى مُضْمَرٍ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الإنْذارُ، وهو التَّكْذِيبُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قالَ الفَرّاءُ: فَمَعْنى الآَيَةِ: لا يَضِيقَنَّ صَدْرُكَ إنْ كَذَّبُوكَ. قالَ الزَّجّاجُ: و قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ مُقَدَّمٌ؛ والمَعْنى: أنْزَلَ إلَيْكَ لَتُنْذِر بِهِ وذِكْرى لَلْمُؤْمِنِينَ، فَلا يَكُنْ في صَدْرِك حَرَج مِنهُ. "وَذِكْرى" يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ ونَصْبٍ وخَفْضٍ؛ فَأمّا النَّصْبُ، فَعَلى قَوْلِهِ: أُنْزِلَ إلَيْكَ لَتُنْذِرَ بِهِ، وذِكْرى لَلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: ولِتُذَكِّرَ بِهِ ذِكْرى، لِأنَّ في الإنْذارِ مَعْنى التَّذْكِيرِ. ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى أنْ يَكُونَ: وهو ذِكْرى، كَقَوْلِكَ: وهو ذِكْرى لَلْمُؤْمِنِينَ. فَأمّا الخَفْضُ، فَعَلى مَعْنى: لَتُنْذِرَ، لِأنَّ مَعْنى لَتُنْذِر لِأنْ تُنْذِرَ؛ المَعْنى: لِلإنْذارِ والذِّكْرى، وهو في مَوْضِعِ خَفْضٍ.

7:3Page 151

ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٣

Follow, [O mankind], what has been revealed to you from your Lord and do not follow other than Him any allies. Little do you remember.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ إنْ قِيلَ: كَيْفَ خاطَبَهُ بِالإفْرادِ في الآَيَةِ الأوْلى، ثُمَّ جَمَعَ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا﴾ ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّهُ لَمّا عَلِمَ أنَّ الخِطابَ لَهُ ولِأُمَّتِهِ، حَسُنَ الجَمْعُ لِذَلِكَ المَعْنى.

والثّانِي: أنَّ الخِطابَ الأوَّلَ خاصٌّ لَهُ؛ والثّانِي: مَحْمُولٌ عَلى الإنْذارِ، والإنْذارُ في طَرِيقِ القَوْلِ، فَكَأنَّهُ قالَ: لِتَقُولَ لَهم مُنْذِرًا: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّالِثُ أنَّ الخِطابَ الثّانِيَ لَلْمُشْرِكِينَ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ؛ قالَ: والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْهِمُ القُرْآَنُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي أُنْزِلَ: القُرْآَنُ وما أتى عَنَ النَّبِيِّ ﷺ، لِأنَّهُ مِمّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، (p-١٦٧)وَما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحَشْرِ:٧] . ﴿وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ أيْ لا تَتَوَلَّوْا مَن عَدَلَ عَنْ دِينِ الحَقِّ؛ وكُلُّ مَنِ ارْتَضى مَذْهَبًا فَهو ولِيُّ أهْلِ المَذْهَبِ. و قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ ما: زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ والمَعْنى: قَلِيلًا تَتَذَكَّرُونَ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " تَذَكَّرُونَ " مُشَدَّدَةَ الذّالِ والكافِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ:" تَذَكَّرُونَ" خَفِيفَةَ الذّالِ مُشَدَّدَةَ الكافِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ " تُذَكَّرُونَ" بِالتَّشْدِيدِ، أرادَ " تَتَذَكَّرُونَ " فَأدْغَمَ التّاءَ في الذّالِ؛ وإدْغامُها فِيها حَسَنٌ، لِأنَّ التّاءَ مَهْمُوسَةٌ، والذّالَ مَجْهُورَةٌ؛ والمَجْهُورُ أزْيَدُ صَوْتًا مِنَ المَهْمُوسِ وأقْوى؛ فَإدْغامُ الأنْقَصِ في الأزْيَدِ حَسَنٌ. وأمّا حَمْزَةُ ومَن وافَقَهُ، فَإنَّهم حَذَفُوا التّاءَ الَّتِي أدْغَمَها هَؤُلاءِ، وذَلِكَ حُسْنٌ لاجْتِماعِ ثَلاثَةِ أحْرُفٍ مُتَقارِبَةٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: " يَتَذَكَّرُونَ " بِياءٍ وتاءٍ عَلى الخِطابِ لَلنَّبِيِّ ﷺ؛ والمَعْنى: قَلِيلًا ما يَتَذَكَّرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذُكِّرُوا بِهَذا الخِطابِ.

7:4Page 151

وَكَم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا فَجَآءَهَا بَأۡسُنَا بَيَٰتًا أَوۡ هُمۡ قَآئِلُونَ ٤

And how many cities have We destroyed, and Our punishment came to them at night or while they were sleeping at noon.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ كَمّ تَدَلُّ عَلى الكَثْرَةِ، و"رُبَّ" مَوْضُوعَةٌ لَلْقِلَّةِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ، فَحَذَفَ الأهْلَ، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ.

وَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾ مَحْمُولٌ عَلى لَفْظِ القَرْيَةِ؛ والمَعْنى: فَجاءَهم بَأْسُنا غَفْلَةً وهم غَيْرُ مُتَوَقِّعِينَ لَهُ؛ إمّا لَيْلًا وهم نائِمُونَ، أوْ نَهارًا وهم قائِلُونَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بَأْسُنا: عَذابُنا. وبَياتًا: لَيْلًا. وقائِلُونَ: مِنَ القائِلَةِ نِصْفُ النَّهارِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّما أتاها البَأْسُ قَبْلَ الإهْلاكِ، فَكَيْفَ يُقَدِّمُ الهَلاكَ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ. (p-١٦٨)أحَدُها: أنَّ الهَلاكَ والبَأْسَ يَقَعانِ مَعًا، كَما تَقُولُ: أعْطَيْتَنِي فَأحْسَنْتَ؛ ولَيْسَ الإحْسانُ بَعْدَ الإعْطاءِ ولا قَبْلَهُ، وإنَّما وقَعا مَعًا، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّ الكَوْنَ مُضْمَرٌ في الآَيَةِ، تَقْدِيرُهُ: أهْلَكْناها، وكانَ بَأْسُنا قَدْ جاءَها، فَأضْمَرَ الكَوْنَ، كَما أُضْمِرَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البَقَرَةِ:١٠٢]، أيْ: ما كانَتِ الشَّياطِينُ تَتْلُوهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَسْرِقْ﴾ [يُوسُفَ:٧٧] أيْ: إنْ يَكُنْ سَرَقَ.

والثّالِثُ: أنَّ في الآَيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ: وكَمْ مِن قَرْيَةٍ جاءَها بَأْسُنا بَياتًا، أوْ هم قائِلُونَ فَأهْلَكْناها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آَلِ عِمْرانَ:٥٥]، أيْ: رافِعُكَ ومُتَوَفِّيكَ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ هم قائِلُونَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فِيهِ واوٌ مُضْمَرَةٌ؛ والمَعْنى: فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا، أوْ وهم قائِلُونَ، فاسْتَثْقَلُوا نَسَقًا عَلى نَسَقٍ.

7:5Page 151

فَمَا كَانَ دَعۡوَىٰهُمۡ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٥

And their declaration when Our punishment came to them was only that they said, "Indeed, we were wrongdoers!"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ﴾ قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الدَّعْوى هاهُنا بِمَعْنى الدُّعاءِ والقَوْلِ. والمَعْنى: ما كانَ قَوْلُهم وتَداعِيهم إذْ جاءَهُمُ العَذابُ إلّا الِاعْتِرافَ بِالظُّلْمِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولِلدَّعْوى في الكَلامِ مَوْضِعانِ.

أحَدُهُما: الِادِّعاءُ. والثّانِي: القَوْلُ والدُّعاءُ. (p-١٦٩)قالَ الشّاعِرُ:

؎ إذا مَذِلَتْ رِجْلِي دَعَوْتُكَ أشْتَفِي بِدَعْواكَ مِن مَذْلٍ بِها فَيَهُونُ

7:6–7Page 151

فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٦

Then We will surely question those to whom [a message] was sent, and We will surely question the messengers.

فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيۡهِم بِعِلۡمٖۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ٧

Then We will surely relate [their deeds] to them with knowledge, and We were not [at all] absent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي: الأُمَمَ يَسْألُونَ: هَلْ بَلَّغَكُمُ الرُّسُلُ، وماذا أجَبْتُمْ؟ ويَسْألُ الرُّسُلَ: هَلْ بَلَّغْتُمْ، وماذا أجَبْتُمْ؟ ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: فَلْنُخْبِرَنَّهم بِما عَمِلُوا بِعِلْمٍ مِنّا ﴿وَما كُنّا غائِبِينَ﴾ عَنِ الرُّسُلِ والأُمَمِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُوضَعُ الكِتابُ، فَيَتَكَلَّمُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.

7:8–9Page 151

وَٱلۡوَزۡنُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّۚ فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٨

And the weighing [of deeds] that Day will be the truth. So those whose scales are heavy - it is they who will be the successful.

وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ ٩

And those whose scales are light - they are the ones who will lose themselves for what injustice they were doing toward Our verses.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ أيِ: العَدْلُ. وإنَّما قالَ: ﴿مَوازِينُهُ﴾ لِأنَّ "مَن " في مَعْنى جَمِيعٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَأُولَئِكَ وفي مَعْنى يَظْلِمُونَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَجْحَدُونَ. والثّانِي: يَكْفُرُونَ.

قالَ الفَرّاءُ: والمُرادُ بِمَوازِينِهِ: وزْنُهُ. والعَرَبُ تَقُولُ: هَلْ لَكَ في دِرْهَمٍ بِمِيزانِ دِرْهَمِكَ، ووَزْنُ دِرْهَمِكَ، ويَقُولُونَ: دارِي بِمِيزانِ دارِكَ، ووَزْنُ دارِكَ؛ ويُرِيدُنَّ: حِذاءُ دارِكَ. (p-١٧٠)قالَ الشّاعِرُ:

؎ قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لَقائِكم ذا مَرَّةٍ عِنْدِي لَكم مُخاصِمُ مِيزانِهِ

يَعْنِي: مِثْلَ كَلامِهِ ولَفْظِهِ.

فَصْلٌ

والقَوْلُ بِالمِيزانِ مَشْهُورٌ في الحَدِيثِ، وظاهِرُ القُرْآَنِ يَنْطِقُ بِهِ. وأنْكَرَتِ المُعْتَزِلَةُ ذَلِكَ، وقالُوا: الأعْمالُ أعْراضٌ، فَكَيْفَ تُوزَنُ؟ فالجَوابُ: أنَّ الوَزْنَ يَرْجِعُ إلى الصَّحائِفِ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ العاصِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَسْتَخْلِصُ رَجُلًا مِن أُمَّتِي عَلى رُؤُوسِ النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مَدَّ البَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: أتُنْكِرُ مِن هَذا شَيْئًا؟ أظْلَمَتْكَ كَتَبَتِي الحافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ. فَيَقُولُ: ألَكَ عُذْرٌ أوْ حَسَنَةٌ؟ فَيُبْهَتُ الرَّجُلُ، فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ؛ فَيَقُولُ: بَلى، إنَّ لَكَ عِنْدَنا حَسَنَةً واحِدَةً، لا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَيُخْرِجُ لَهُ بِطاقَةً فِيها، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَتُوضَعُ السِّجِلّاتُ في كِفَّةٍ، والبِطاقَةُ في كِفَّةٍ؛ قالَ: فَطاشَتِ السِّجِلّاتُ وثَقُلَتِ البِطاقَةُ"» أخْرَجَهُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ"، والتِّرْمِذِيُّ ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «يُؤْتى بِالرَّجُلِ الطَّوِيلِ الأكُولِ (p-١٧١)الشَّرُوبِ، فَلا يَزِنُ جَناحَ بَعُوضَةٍ"، فَعَلى هَذا يُوزَنُ الإنْسانُ.» قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تُوزَنُ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ في مِيزانٍ، لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ. فَأمّا المُؤْمِنُ، فَيُؤْتى بِعَمَلِهِ في أحْسَنِ صُورَةٍ، فَيُوضَعُ في كِفَّةِ المِيزانِ، فَتَثْقُلُ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ، وأمّا الكافِرُ، فَيُؤْتى بِعَمَلِهِ في أقْبَحِ صُورَةٍ، فَيُوضَعُ في كِفَّةِ المِيزانِ، فَيَخِفُّ وزْنُهُ. وقالَ الحَسَنُ: لَلْمِيزانِ لِسانٌ وكِفَّتانِ. وجاءَ في الحَدِيثِ: «أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهُ المِيزانَ، فَأراهُ إيّاهُ؛ فَقالَ: يا إلَهِي، مَن يَقْدِرُ أنْ يَمْلَأ كِفَّتَيْهِ حَسَناتٍ؟ فَقالَ: يا داوُدُ، إنِّي إذا رَضِيتُ عَنْ عَبْدِي، مَلَأتُها بِتَمْرَةٍ.» وقالَ حُذَيْفَةُ: جِبْرِيلُ صاحِبُ المِيزانِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ: زِنْ بَيْنَهم، ورُدَّ مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ؛ فَيَرُدُّ عَلى المَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ ما وجَدَ لَهُ مِن حَسَنَةٍ. فَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ، أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ المَظْلُومِ، فَرُدَّ عَلى سَيِّئاتِ الظّالِمِ، فَيَرْجِعُ وعَلَيْهِ مَثَلُ الجِبالِ.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ اللَّهُ يَعْلَمُ مَقادِيرَ الأعْمالِ، فَما الحِكْمَةُ في وزْنِها؟ فالجَوابُ أنَّ فِيهِ خَمْسَةَ حِكَمٍ.

أحَدُها: امْتِحانُ الخَلْقِ بِالإيمانِ بِذَلِكَ في الدُّنْيا. والثّانِيَةُ: إظْهارُ عَلامَةِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ في الأُخْرى. والثّالِثَةُ: تَعْرِيفُ العِبادِ ما لَهم مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. والرّابِعَةُ: إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ. والخامِسَةُ: الإعْلامُ بِأنَّ اللَّهَ عادِلٌ لا يَظْلِمُ. ونَظِيرُ هَذا أنَّهُ أثْبَتَ الأعْمالَ في كِتابٍ، واسْتَنْسَخَها مِن غَيْرِ جَوازِ النِّسْيانِ عَلَيْهِ.

7:10Page 151

وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَۗ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ١٠

And We have certainly established you upon the earth and made for you therein ways of livelihood. Little are you grateful.

(p-١٧٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مَكَّنّاكم إيّاها. والثّانِي: سَهَّلْنا عَلَيْكُمُ التَّصَرُّفَ فِيها

وَفِي المَعايِشِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ما تَعِيشُونَ بِهِ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ.

والثّانِي: ما تَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى المَعايِشِ، مِن زِراعَةٍ، وعَمَلٍ، وكَسْبٍ. وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى تَرْكِ الهَمْزِ في "مَعايِشَ" وقَدْ رَواها خارِجَةُ عَنْ نافِعٍ مَهْمُوزَةً. قالَ الزَّجّاجُ: وجَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ البَصْرِيِّينَ يَزْعُمُونَ أنْ هَمَزَها خَطَأٌ، لِأنَّ الهَمْزَ إنَّما يَكُونُ في الياءِ الزّائِدَةِ، نَحْوُ صَحِيفَةٌ وصَحائِفُ؛ فَصَحِيفَةٌ مِنَ الصُّحُفِ؛ والياءُ زائِدَةٌ، فَأمّا مَعايِشُ، فَمِنَ العَيْشِ؛ فالياءُ أصْلِيَّةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: شُكْرُكم قَلِيلٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أنَّكم غَيْرُ شاكِرِينَ.

7:11Page 151

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَٰكُمۡ ثُمَّ صَوَّرۡنَٰكُمۡ ثُمَّ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ لَمۡ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ١١

And We have certainly created you, [O mankind], and given you [human] form. Then We said to the angels, "Prostrate to Adam"; so they prostrated, except for Iblees.1 He was not of those who prostrated.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ولِقَدٍّ خَلَقْناكم في ظَهْرِ آَدَم ثُمَّ صَوَّرْناكم في الأرْحامِ، رَواهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ولَقَدْ خَلَقْناكم في أصْلابِ الرِّجالِ، وصَوَّرْناكم في أرْحامِ النِّساءِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ. (p-١٧٣)والثّالِثُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي آَدَمَ، ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ يَعْنِي ذُرِّيَّتَهُ مِن بَعْدِهِ رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾، يَعْنِي آَدَمَ، ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ في ظَهْرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والخامِسُ: خَلَقْناكم نُطَفًا في أصْلابِ الرِّجالِ، وتَرائِبِ النِّساءِ، ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ عِنْدَ اجْتِماعِ النُّطَفِ في الأرْحامِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والسّادِسُ: ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ فِيما بَعْدَ الخَلْقِ بِشِقِّ السَّمْعِ والبَصَرِ، قالَهُ مَعْمَرٌ.

والسّابِعُ: ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي آَدَمَ خَلَقْناهُ مِن تُرابٍ، ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ أيْ: صَوَّرْناهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَجَعَلَ الخَلْقَ لَهم إذْ كانُوا مِنهُ؛ فَمَن قالَهُ: عَنِيَ بِقَوْلِهِ ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ آَدَمَ، فَمَعْناهُ: خَلَقْنا أصْلَكُمْ؛ ومَن قالَ: صُوَّرْنا ذُرِّيَّتَهُ في ظَهْرِهِ، أرادَ إخْراجَهم يَوْمَ المِيثاقِ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ.

والثّامِنُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي الأرْواحَ، ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ يَعْنِي الأجْسادَ، حَكاهُ القاضِي أبُو يَعْلى في "المُعْتَمَدِ" . وُفي ثُمَّ المَذْكُورَةِ مَرَّتَيْنِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما" أنَّها بِمَعْنى الواوِ، قالَهُ الأخْفَشُ. والثّانِي: أنَّها لَلتَّرْتِيبِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

7:12Page 152

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ ١٢

[Allāh] said, "What prevented you from prostrating when I commanded you?" [Satan] said, "I am better than him. You created me from fire and created him from clay [i.e., earth]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ﴾ ما اسْتِفْهامٌ، ومَعْناها الإنْكارُ. قالَ الكِسائِيُّ: "لا" هاهُنا زائِدَةٌ. والمَعْنى: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ؟ وقالَ الزَّجّاجُ: مُوضِعُ "ما" رَفْعٌ. والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ؟ و"لا" زائِدَةٌ (p-١٧٤)مُؤَكِّدَةٌ؛ ومِثْلُهُ: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحَدِيدِ:٢٩] . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وقَدْ تُزادُ "لا" في الكَلامِ. والمَعْنى: طَرَحَها لَإباءٍ في الكَلامِ، أوْ جَحْدٍ، كَهَذِهِ الآَيَةِ. وإنَّما زادَ "لا" لِأنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ. ومِثْلُهُ: ﴿أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنْعامِ:١٠٩] عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ "أنَّها"، فَزادَ "لا" لِأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا؛ ومِثْلُهُ: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٥] . وقالَ الفَرّاءُ: "لا" هاهُنا جَحْدٌ مَحْضٌ، ولَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، والمَنعُ راجِعٌ إلى تَأْوِيلِ القَوْلِ، والتَّأْوِيلُ: مَن قالَ لَكَ: لا تَسْجُدْ؛ فَأحَلَّ المَنعَ مَحَلَّ القَوْلِ، ودَخَلَتْ بَعْدَهُ "أنْ" لَيَدُلَّ عَلى تَأْوِيلِ القَوْلِ الَّذِي لَمَّ يَتَصَرَّحْ لَفْظُهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ما مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ، فَأحْوَجَكَ أنْ لا تَسْجُدَ؟ . قالَ الزَّجّاجُ: وسُؤالُ اللَّهِ تَعالى لَإبْلِيسَ ما مَنَعَك تَوْبِيخٌ لَهُ، ولِيُظْهِرَ أنَّهُ مُعانِدٌ، ولِذَلِكَ لَمْ يَتُبْ، وأتى بِشَيْءٍ في مَعْنى الجَوابِ، ولَفْظُهُ غَيْرُ الجَوابِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ إنَّما هو جَوابُ، أيُّكُما خَيْرٌ؟ ولَكِنَّ المَعْنى: مَنَعَنِي مِنَ السُّجُودِ فَضْلِي عَلَيْهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُكَ لَلرَّجُلِ: كَيْفَ كُنْتَ؟ فَيَقُولُ: أنا صالِحٌ؛ وإنَّما الجَوابُ: كُنْتُ صالِحًا، فَيُجِيبُ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ وزِيادَةً. قالَ العُلَماءُ: وقَعَ الخَطَأُ مِن إبْلِيسَ حِينَ قاسَ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، وخَفِيَ عَلَيْهِ فَضْلُ الطِّينِ عَلى النّارِ؛ وفَضْلُهُ مِن وُجُوهٍ.

أحَدُها أنَّ مَن طَبْعِ النّارِ الطَّيْشَ والِالتِهابَ والعَجَلَةَ، ومَن طَبْعِ الطِّينِ الهُدُوءُ والرَّزانَةُ.

والثّانِي: أنَّ الطِّينَ سَبَبُ الإنْباتِ والإيجادِ، والنّارُ سَبَبُ الإعْدامِ والإهْلاكِ.

والثّالِثُ: أنَّ الطِّينَ سَبَبُ جَمْعِ الأشْياءِ، والنّارَ سَبَبُ تَفْرِيقِها.

7:13Page 152

قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ ١٣

[Allāh] said, "Descend from it [i.e., Paradise], for it is not for you to be arrogant therein. So get out; indeed, you are of the debased."

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى السَّماءِ، لِأنَّهُ كانَ فِيها، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: إلى الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ إنْ قِيلَ: فَهَلْ لِأحَدٍ أنْ يَتَكَبَّرَ في غَيْرِها؟ فالجَوابُ: أنَّ المَعْنى: ما لَلْمُتَكَبِّرِ أنْ يَكُونَ فِيها، وإنَّما المُتَكَبِّرُ في غَيْرِها. وأمّا الصّاغِرُ، فَهو الذَّلِيلُ. والصَّغارُ: الذُّلُّ. قالَ الزَّجّاجُ: اسْتَكْبَرَ إبْلِيسٌ بِإبائِهِ السُّجُودَ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهُ صاغِرٌ بِذَلِكَ.

7:14–15Page 152

قَالَ أَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٤

[Satan] said, "Reprieve me until the Day they are resurrected."

قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ١٥

[Allāh] said, "Indeed, you are of those reprieved."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أنْظِرْنِي﴾ أيْ أمْهِلْنِي وأخِّرْنِي ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، فَأرادَ أنْ يَعْبُرَ قَنْطَرَةَ المَوْتِ؛ وسَألَ الخُلُودَ، فَلَمْ يُجِبْهُ إلى ذَلِكَ، وأنْظَرْهُ إلى النَّفْخَةِ الأُولى حِينَ يَمُوتُ الخَلْقُ كُلُّهم. وقَدْ بَيَّنَ مُدَّةَ إمْهالِهِ في (الحْجِرِ) بِقَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [الحِجْرِ:٣٨] . وفي ما سَألَ الإمْهالَ لَهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: المَوْتُ. والثّانِي: العُقُوبَةُ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قِيلَ لَهُ: ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ولَيْسَ أحَدٌ أنْظَرُ سِواهُ؟ فالجَوابُ: أنَّ الَّذِينَ تَقُومُ عَلَيْهِمُ السّاعَةُ مُنْظَرُونَ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ بِآَجالِهِمْ، فَهو مِنهم.

7:16Page 152

قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ١٦

[Satan] said, "Because You have put me in error, I will surely sit in wait for them [i.e., mankind] on Your straight path.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ في مَعْنى هَذا الإغْواءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الإضْلالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى الإهْلاكِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٥٩]، أيْ: هَلاكًا، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وفي مَعْنى "فَبِما" قَوْلانِ. (p-١٧٦)أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى القَسَمِ، أيْ: فَبِإغْوائِكَ لِي.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى الجَزاءِ، أيْ: فَبِأنَّكَ أغْوَيْتَنِي، ولِأجْلِ أنَّكَ أغْوَيْتَنِي ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ . قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: أيْ عَلى صِراطِكَ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُمْ: ضَرَبَ زِيدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ. وفي المُرادِ بِالصِّراطِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ طَرِيقُ مَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؛ كَأنَّ المُرادَ صَدَّهم عَنِ الحَجِّ.

والثّانِي: أنَّهُ الإسْلامُ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وابْنُ الحَنِيفَةِ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الحَقُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

7:17Page 152

ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ ١٧

Then I will come to them from before them and from behind them and on their right and on their left, and You will not find most of them grateful [to You]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ أُشَكِّكُهم في آَخِرَتِهِمْ، ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ أُرَغِّبُهم في دُنْياهم، ﴿وَعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ أيْ: مِن قِبَلِ حَسَناتِهِمْ، ﴿وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ مِن قِبَلِ سَيِّئاتِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مِثْلُهُ، إلّا أنَّهم جَعَلُوا ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ الدُّنْيا، ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ الآَخِرَةَ، قالَهُ النَّخَعِيُّ، والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: مِثْلُ الثّانِي، إلّا أنَّهم جَعَلُوا ﴿وَعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ مِن قِبَلِ الحَقِّ أصُدُّهم عَنْهُ، ﴿وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ مِن قِبَلِ الباطِلِ أرُدُّهم إلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ مِن سَبِيلِ الحَقِّ ومِن خَلْفِهِمْ مِن سَبِيلِ (p-١٧٧)الباطِلِ، ﴿وَعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ مِن قِبَلِ آَخِرَتِهِمْ، ﴿وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ مِن أمْرِ الدُّنْيا، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

والخامِسُ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ ﴿وَعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ، ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ ﴿وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ مِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ، نُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.

والسّادِسُ: أنَّ المَعْنى: لَأتَصَرَّفَنَّ لَهم في الإضْلالِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. فَعَلى هَذا، يَكُونُ ذِكْرُ هَذِهِ الجِهاتِ، لَلْمُبالَغَةِ في التَّأْكِيدِ.

والسّابِعُ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ فِيما بَقِيَ مِن أعْمارِهِمْ، فَلا يُقْدِمُونَ فِيهِ عَلى طاعَةٍ، ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ فِيما مَضى مِن أعْمارِهِمْ، فَلا يَتُوبُونَ فِيهِ مِن مَعْصِيَةٍ، ﴿وَعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ مِن قِبَلِ الغِنى، فَلا يُنْفِقُونَهُ في مَشْكُورٍ، ﴿وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ مِن قِبَلِ الفَقْرِ، فَلا يَمْتَنِعُونَ فِيهِ مِن مَحْظُورٍ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مُوَحِّدِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: شاكِرِينَ لَنِعْمَتِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. فَإنْ قِيلَ: مَن أيْنَ عَلِمَ إبْلِيسُ ذَلِكَ؟ فَقَدْ أسْلَفْنا الجَوابَ عَنْهُ في سُورَةِ (النِّساءِ) .

7:18–19Page 152

قَالَ ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا مَذۡءُومٗا مَّدۡحُورٗاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٨

[Allāh] said, "Depart from it [i.e., Paradise], reproached and expelled. Whoever follows you among them - I will surely fill Hell with you, all together."

وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩

And "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat from wherever you will but do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا﴾ وقَرَأ الأعْمَشُ: " مَذُومًا " بِضَمِّ الذّالِ (p-١٧٨)مِن غَيْرِ هَمْزٍ. قالَ الفَرّاءُ: الذَّأْمُ: الذَّمُّ؛ يُقالُ: ذَأمْتُ الرَّجُلَ، أذْأمُهُ ذَأْمًا؛ وذَمَمْتُهُ، أذُمُّهُ ذَمًّا؛ وذِمْتُهُ، أذِيمُهُ ذَيْمًا؛ ويُقالُ: رَجُلٌ مَذْؤُومٌ، ومَذْمُومٌ، ومَذِيمٌ، بِمَعْنًى. قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ:

؎ وأقامُوا حَتّى أبِيرُوا جَمِيعًا في مَقامٍ وكُلِّهِمُ مَذْؤُومُ

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَذْؤُومُ: المَذْمُومُ بِأبْلَغِ الذَّمِّ. والمَدْحُورُ: المُقْصى المُبْعَدُ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى المَذْؤُومِ كَمَعْنى المَذْمُومِ، والمَدْحُورِ: المُبْعَدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ. واللّامُ مِن "لَأمْلَأنَّ": لامُ القَسَمِ؛ والكَلامُ بِمَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَن تَبِعَكَ، أُعَذِّبُهُ، فَدَخَلَتِ اللّامُ لَلْمُبالَغَةِ والتَّوْكِيدِ. فَلامُ "لَأمْلَأنَّ" هي لامُ القَسَمِ، ولامُ ﴿لَمَن تَبِعَكَ﴾ تَوْطِئَةٌ لَها. فَأمّا قَوْلُهُ: مِنهم فَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الهاءُ والمِيمُ عائِدَتانِ عَلى ولَدِ آَدَمَ، لِأنَّهُ حِينَ قالَ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ [الأعْرافِ: ١١] كانَ مُخاطِبًا لَوَلَدِ آَدَمَ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ فَجَعَلَهم غائِبِينَ، لِأنَّ مُخاطَبَتَهم في ذا المَوْضِعِ تُوقِعُ لَبْسًا؛ والعَرَبُ تَرْجِعُ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، ومِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ. ومَن قالَ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ خِطابٌ لِآَدَمَ، قالَ: أعادَ الهاءَ والمِيمَ عَلى ولَدِهِ، لِأنَّ ذِكْرَهُ يَكْفِي مِن ذِكْرِهِمْ؛ والعَرَبُ تَكْتَفِي بِذِكْرِ الوالِدِ مِن ذِكْرِ الأوْلادِ إذا انْكَشَفَ المَعْنى وزالَ اللَّبْسُ. قالَ الشّاعِرُ:

؎ أرى الخَطَفَيَّ بَذَّ الفَرَزْدَقُ شِعْرَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّ خَيْرًا مِن كُلَيْبٍ مُجاشِعُ

أرادَ: أرى ابْنَ الخَطَفِيِّ، فاكْتَفى بِالخَطَفِيِّ مِنِ ابْنِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ﴾ يَعْنِي أوْلادَ آَدَمَ المُخالِفِينَ وقُرَناءَهم مِنَ الشَّياطِينِ.

7:20Page 152

فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ ٢٠

But Satan whispered to them to make apparent to them that which was concealed from them of their private parts. He said, "Your Lord did not forbid you this tree except that you become angels or become of the immortal."

(p-١٧٩)قَوْلُهُ: تَعالى ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ قِيلَ: إنَّ الوَسْوَسَةَ: إخْفاءُ الصَّوْتِ. قالَ ابْنُ فارِسٍ: الوَسْواسُ: صَوْتُ الحُلِيِّ، ومِنهُ وسْواسُ الشَّيْطانِ. و"لَهُما" بِمَعْنى "إلَيْهِما" ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما﴾ أيْ: لَيُظْهِرَ لَهُما (ما وُورِيَ عَنْهُما) أيْ: سَتَرَ. وقِيلَ: إنَّ لامَ "لِيُبْدِيَ" لامُ العاقِبَةِ؛ وذَلِكَ أنَّ عاقِبَةَ الوَسْوَسَةِ أدَّتْ إلى ظُهُورِ عَوْرَتِهِما، ولَمْ تَكُنَ الوَسْوَسَةُ لَظُهُورِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ قالَ الأخْفَشُ، والزَّجّاجُ: مَعْناهُ: ما نَهاكُما إلّا كَراهَةَ أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: إلّا أنْ لا تَكُونا، فاكْتَفى بِـ"أنَّ" مِن "لا" فَأسْقَطَها. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ انْقادَ آَدَمُ لَإبْلِيسَ، مُسْتَشْرِفًا إلى أنْ يَكُونَ مَلِكًا، وقَدْ شاهَدَ المَلائِكَةَ ساجِدَةً لَهُ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عَرَفَ قُرْبَهم مِنَ اللَّهِ، واجْتِماعَ أكْثَرِهِمْ حَوْلَ عَرْشِهِ، فاسْتَشْرَفَ لَذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: إلّا أنْ تَكُونا طَوِيلَيَّ العُمْرِ مَعَ المَلائِكَةِ ﴿أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ لا تَمُوتانِ أبَدًا، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقَدْ رَوى يَعْلى بْنُ حَكِيمٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: ﴿أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ بِكَسْرِ اللّامِ، وهي قِراءَةُ الزُّهْرِيِّ.

.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском