Ibn al-JawziAt‑Tur · 52:1–43

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

الطور

At-Tur

The Mount · Meccan · 49 ayahs

52:1–16Page 523

وَٱلطُّورِ ١

By the mount

وَكِتَٰبٖ مَّسۡطُورٖ ٢

And [by] a Book inscribed1

فِي رَقّٖ مَّنشُورٖ ٣

In parchment spread open

وَٱلۡبَيۡتِ ٱلۡمَعۡمُورِ ٤

And [by] the frequented House1

وَٱلسَّقۡفِ ٱلۡمَرۡفُوعِ ٥

And [by] the ceiling [i.e., heaven] raised high

وَٱلۡبَحۡرِ ٱلۡمَسۡجُورِ ٦

And [by] the sea set on fire,1

إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٞ ٧

Indeed, the punishment of your Lord will occur.

مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٖ ٨

Of it there is no preventer.

يَوۡمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوۡرٗا ٩

On the Day the heaven will sway with circular motion

وَتَسِيرُ ٱلۡجِبَالُ سَيۡرٗا ١٠

And the mountains will pass on, departing1 -

فَوَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١١

Then woe, that Day, to the deniers,

ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي خَوۡضٖ يَلۡعَبُونَ ١٢

Who are in [empty] discourse amusing themselves.

يَوۡمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ١٣

The Day they are thrust toward the fire of Hell with a [violent] thrust, [its angels will say],

هَٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٤

"This is the Fire which you used to deny.

أَفَسِحۡرٌ هَٰذَآ أَمۡ أَنتُمۡ لَا تُبۡصِرُونَ ١٥

Then is this magic, or do you not see?

ٱصۡلَوۡهَا فَٱصۡبِرُوٓاْ أَوۡ لَا تَصۡبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٦

[Enter to] burn therein; then be patient or impatient - it is all the same for you. You are only being recompensed [for] what you used to do."

(p-٤٥)سُورَةُ الطُّورِ

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ

قَوْلُهُ تَعالى ﴿والطُّورِ﴾ هَذا قَسَمٌ بِالجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو بِأرْضِ مَدْيَنَ [واسْمُهُ زُبَيْرٌ] .

﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ أيْ: مَكْتُوبٍ، وفِيهِ أرْبَعَةِ أقْوال.

أحَدُها: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

(p-٤٦)والثّانِي: كُتُبُ أعْمالِ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: التَّوْراةُ.

والرّابِعُ: "القُرْآنُ" حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي رَقٍّ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّقُّ: الوَرَقُ. فَأمّا المَنشُورُ فَهو المَبْسُوطُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ. وفي أيِّ سَماءٍ هُوَ؟ [فِيهِ] ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: « [أنَّهُ] في السَّماءِ السّابِعَةِ،» رَواهُ أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وحَدِيثُ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ الَّذِي أُخْرِجَ في "الصَّحِيحَيْنِ" يَدُلُّ عَلَيْهِ.

والثّانِي: أنَّهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

(p-٤٧)والثّالِثُ: أنَّهُ في السَّماءِ الدُّنْيا، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو حِيالَ الكَعْبَةِ يَحُجُّهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ، يُسَمّى "الضُّراحَ" . وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ البَيْتُ المَعْمُورُ مَكانَ الكَعْبَةِ في زَمانِ آدَمَ، فَلَمّا كانَ زَمَنُ نُوحٍ أمَرَ النّاسَ بِحَجِّهِ، فَعَصَوْهُ، فَلَمّا طَغى الماءُ رُفِعَ فَجُعِلَ بِحِذاءِ البَيْتِ في السَّماءِ الدُّنْيا.

والثّانِي: أنَّهُ البَيْتُ الحَرامُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى "المَعْمُورِ": الكَثِيرُ الغاشِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ السَّماءُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والجُمْهُورُ.

والثّانِي: العَرْشُ، قالَهُ الرَّبِيعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَحْرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بَحْرٌ تَحْتَ العَرْشِ ماؤُهُ غَلِيظٌ يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

والثّانِي: أنَّهُ بَحْرُ الأرْضِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي ﴿المَسْجُورِ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المَمْلُوءُ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ، وابْنُ السّائِبِ، وجَمِيعُ اللُّغَوِيِّينَ.

(p-٤٨)والثّانِي: أنَّهُ المُوقَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هو بِمَنزِلَةِ التَّنُّورِ المَسْجُورِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اليابِسُ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ ماؤُهُ ونَضَبَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: تُسْجَرُ، يَعْنِي البَحّارَ، حَتّى يَذْهَبَ ماؤُها، فَلا يَبْقى فِيها قَطْرَةٌ. وقَوْلُ هَذَيْنِ يَرْجِعُ إلى مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ. وقَدْ نَقَلَ في الحَدِيثِ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ البِحارَ كُلَّها نارًا، فَتُزادُ في نارِ جَهَنَّمَ.»

والرّابِعُ: أنَّ ﴿المَسْجُورِ﴾ المُخْتَلِطُ عَذْبُهُ بِمِلْحِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَ المُشْرِكِينَ حَقٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ أيْ: لَكائِنٌ في الآخِرَةِ.

ثُمَّ بَيَّنَ مَتى يَقَعُ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تَدُورُ دَوْرًا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجِ.

والثّانِي: تَحَرَّكُ تَحَرُّكًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ "تَمُورُ" أيْ: تَكَفَّأُ وقالَ الأعْشى:

؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ

والثّالِثُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّمْلِ: ٨٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ (p-٤٩)أيْ: يَخُوضُونَ في حَدِيثِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَلْهُونَ بِذِكْرِهِ، فالوَيْلُ لَهم.

وَ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُدْفَعُونَ، يُقالُ: دَعَعْتُهُ أدُعُّهُ، أيْ: دَفَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعُونِ: ٢] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُدْفَعُ في أعْناقِهِمْ حَتّى يَرِدُوا النّارَ. وقالَ مُقاتِلٌ: تُغَلُّ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ وتُجْمَعُ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ، ثُمَّ يُدْفَعُونَ إلى جَهَنَّمَ عَلى وُجُوهِهِمْ، حَتّى إذا دَنَوْا مِنها قالَتْ لَهم خَزَنَتُها: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ العَذابُ الَّذِي تَرَوْنَ؟ فَإنَّكم زَعَمْتُمْ أنَّ الرُّسُلَ سَحَرَةٌ ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ النّارَ؟ فَلَمّا أُلْقُوا فِيها قالَ لَهم خَزَنَتُها: ﴿اصْلَوْها﴾ . وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا نَسَبُوا مُحَمَّدًا ﷺ إلى أنَّهُ ساحِرٌ يُغَطِّي عَلى الأبْصارِ بِالسِّحْرِ، وُبِّخُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ النّارِ بِهَذا التَّوْبِيخِ، وقِيلَ: ﴿اصْلَوْها﴾ أيْ: قاسُوا شِدَّتَها ﴿فاصْبِرُوا﴾ عَلى العَذابِ ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ الصَّبْرُ والجَزَعُ ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ﴾ جَزاءَ ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

52:17–20Page 524

إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَعِيمٖ ١٧

Indeed, the righteous will be in gardens and pleasure,

فَٰكِهِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ وَوَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ ١٨

Enjoying what their Lord has given them, and their Lord protected them from the punishment of Hellfire.

كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٩

[They will be told], "Eat and drink in satisfaction for what you used to do."

مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٖ مَّصۡفُوفَةٖۖ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ ٢٠

They will be reclining on thrones lined up, and We will marry them to fair women with large, [beautiful] eyes.

ثُمَّ وصَفَ ما لِلْمُؤْمِنِينَ بِما بَعْدَ هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿فاكِهِينَ﴾ قُرِئَتْ بِألِفٍ، وبِغَيْرِ ألِفٍ، وقَدْ شَرَحْناها في [يَس: ٥٥]، ﴿وَوَقاهُمْ﴾ أيْ: صَرَفَ عَنْهم والجَحِيم مَذْكُورٌ في [البَقَرَةِ: ١١٩] .

﴿كُلُوا﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا ﴿واشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ تَأْمَنُونَ حُدُوثَ المَرَضِ (p-٥٠)عَنْهُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لِيَهْنِكم ما صِرْتُمْ إلَيْهِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في سُورَةِ [ النِّساءِ: ٤ ] . ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم عِنْدَ أكْلِهِمْ وشُرْبِهِمْ، فَقالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ﴾ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَلى نَمارِقَ عَلى سُرُرٍ، وهي جَمْعُ سَرِيرٍ. ﴿مَصْفُوفَةٍ﴾ قَدْ وُضِعَ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ. وباقِي الآيَةِ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ [الدُّخانِ: ٥٤] .

52:21–28Page 524

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ كُلُّ ٱمۡرِيِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ ٢١

And those who believed and whose descendants followed them in faith - We will join with them their descendants, and We will not deprive them of anything of their deeds.1 Every person, for what he earned, is retained.2

وَأَمۡدَدۡنَٰهُم بِفَٰكِهَةٖ وَلَحۡمٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ ٢٢

And We will provide them with fruit and meat from whatever they desire.

يَتَنَٰزَعُونَ فِيهَا كَأۡسٗا لَّا لَغۡوٞ فِيهَا وَلَا تَأۡثِيمٞ ٢٣

They will exchange with one another a cup [of wine] wherein [results] no ill speech or commission of sin.

۞ وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ غِلۡمَانٞ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤٞ مَّكۡنُونٞ ٢٤

There will circulate among them [servant] boys [especially] for them, as if they were pearls well-protected.

وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٢٥

And they will approach one another, inquiring of each other.

قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا قَبۡلُ فِيٓ أَهۡلِنَا مُشۡفِقِينَ ٢٦

They will say, "Indeed, we were previously among our people fearful [of displeasing Allāh].

فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ ٢٧

So Allāh conferred favor upon us and protected us from the punishment of the Scorching Fire.

إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ نَدۡعُوهُۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡبَرُّ ٱلرَّحِيمُ ٢٨

Indeed, we used to supplicate1 Him before. Indeed, it is He who is the Beneficent, the Merciful."

قَوْلُهُ تَعالى: " وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتهمْ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "واتَّبَعَتْهُمْ" بِالتّاءِ "ذُرِّيَّتُهُمْ" واحِدَةً ﴿بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ واحِدَةً أيْضًا. وقَرَأ نافِعٌ: "واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ" واحِدَةً "بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ" "بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعًا في المَوْضِعَيْنِ. واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناها: واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ [ذُرِّيّاتِهِمْ] مِنَ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ، وإنْ كانُوا لَمْ يَبْلُغُوا أعْمالَ آبائِهِمْ، تَكْرُمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِآبائِهِمُ المُؤْمِنِينَ بِاجْتِماعِ أوْلادِهِمْ مَعَهُمْ، رَوى هَذا المَعْنى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

(p-٥١)والثّانِي: ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ﴾، أيْ: بَلَغَتْ أنْ آمَنَتْ، ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمُ الصِّغارَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الإيمانَ. ورَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. ومَعْنى هَذا القَوْلِ، أنَّ أوْلادَهُمُ الكِبارَ تَبِعُوهم بِإيمانٍ مِنهُمْ، وأوْلادَهُمُ الصِّغارَ تَبِعُوهم بِإيمانِ الآباءِ، [لِأنَّ الوَلَدَ يُحْكَمُ لَهُ بِالإسْلامِ تَبَعًا لِوَلَدِهِ.

والثّالِثُ: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ" بِإيمانِ الآباءِ] فَأدْخَلْناهُمُ الجَنَّةَ، وهَذا مُرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ألَتْناهُمْ﴾ قَرَأ نافِعٌ: وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَما ألَتْناهُمْ" بِالهَمْزَةِ وفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَما ألِتْناهُمْ" بِكَسْرِ اللّامِ. ورَوى ابْنُ شَنْبُوذٍ عَنْ قُنْبُلٍ عَنْهُ "وَما لِتْناهُمْ" بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ مَعَ كَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ مَعَ فَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ "وَما آلَتْناهُمْ" بِمَدِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِها. وقَرَأ الضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "وَما ولَتْناهُمْ" بِواوٍ مَفْتُوحَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزَةٍ وبِنَصْبِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: "وَما ألَتُّهُمْ" مَثَلُ جَعَلْتُهم. وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ الكَلِمَةَ في [ الحُجُراتِ: ١٤٠] والمَعْنى: ما نَقَصْنا الآباءَ بِما أعْطَيْنا الذُّرِّيَّةَ.

﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أيْ: مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ أحَدٍ. وقِيلَ: هَذا الكَلامُ يَخْتَصُّ بِصِفَةِ أهْلِ النّارِ، وذَلِكَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمْدَدْناهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ هي الزِّيادَةُ عَلى الَّذِي كانَ لَهم.

(p-٥٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَنازَعُونَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: يَتَعاطَوْنَ ويَتَداوَلُونَ، وأنْشَدَ الأخْطَلُ:

؎ نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرّاحِ الشُّمُولِ وقَدْ صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السّارِي

قالَ الزَّجّاجُ: يَتَناوَلُ هَذا الكَأْسَ مِن يَدٍ هَذا، وهَذا مِن يَدِ هَذا. فَأمّا الكَأْسُ فَقَدْ شَرَحْناها في [الصّافّاتِ: ٤٥] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ" نَصْبًا وقَرَأ الباقُونَ: "لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ" رَفْعًا مُنَوَّنًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغُوا ويَرْفُثُوا فَيَأْثَمُوا، كَما يَكُونُ ذَلِكَ في خَمْرِ الدُّنْيا. وقالَ غَيْرُهُ: التَّأْثِيمُ: تَفْعِيلٌ مِنَ الإثْمِ، يُقالُ: آثَمَهُ: إذا جَعَلَهُ ذا إثْمٍ. والمَعْنى أنَّ تِلْكَ الكَأْسَ لا تَجْعَلُهم آثِمِينَ.

﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ لِلْخِدْمَةِ ﴿غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهُمْ﴾ في الحُسْنِ والبَياضِ ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أيْ: مَصُونٌ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي. «وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، هَذا الخادِمُ، فَكَيْفَ المَخْدُومُ؟ فَقالَ: "إنَّ فَضْلَ المَخْدُومِ عَلى الخادِمِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ" .»

وَقَوْلُهُ تَعالى" ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٥٣)يَتَذاكَرُونَ ما كانُوا فِيهِ في الدُّنْيا مِنَ الخَوْفِ والتَّعَبِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا﴾ أيْ: في دارِ الدُّنْيا ﴿مُشْفِقِينَ﴾ أيْ: خائِفِينَ مِنَ العَذابِ، ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالمَغْفِرَةِ ﴿وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ أيْ: عَذابَ النّارِ. وقالَ الحَسَنُ: السَّمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ.

وَقالَ غَيْرُهُ: سَمُومُ: جَهَنَّمُ. وهو ما يُوجَدُ مِن نَفْحِها وحَرِّها، ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أيْ: نُوَحِّدُهُ ونُخْلِصُ لَهُ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وفي مَعْنى "البَرِّ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: الصّادِقُ فِيما وعَدَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: اللَّطِيفُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: العَطُوفُ عَلى عِبادِهِ المُحْسِنُ إلَيْهِمُ الَّذِي عَمَّ بِبَرِّهِ جَمِيعَ خَلْقِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ.

52:29–34Page 524

فَذَكِّرۡ فَمَآ أَنتَ بِنِعۡمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٖ وَلَا مَجۡنُونٍ ٢٩

So remind, [O Muḥammad], for you are not, by the favor of your Lord, a soothsayer or a madman.

أَمۡ يَقُولُونَ شَاعِرٞ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيۡبَ ٱلۡمَنُونِ ٣٠

Or do they say [of you], "A poet for whom we await a misfortune of time"?1

قُلۡ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُتَرَبِّصِينَ ٣١

Say, "Wait, for indeed I am, with you, among the waiters."

أَمۡ تَأۡمُرُهُمۡ أَحۡلَٰمُهُم بِهَٰذَآۚ أَمۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ ٣٢

Or do their minds1 command them to [say] this, or are they a transgressing people?

أَمۡ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُۥۚ بَل لَّا يُؤۡمِنُونَ ٣٣

Or do they say, "He has made it up"? Rather, they do not believe.

فَلۡيَأۡتُواْ بِحَدِيثٖ مِّثۡلِهِۦٓ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ ٣٤

Then let them produce a statement like it, if they should be truthful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: فَعِظْ بِالقُرْآنِ ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ أيْ: بِإنْعامِهِ عَلَيْكَ بِالنُّبُوَّةِ "بِكاهِنٍ" وهو الَّذِي يُوهِمُ أنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ ويُخْبِرُ عَمّا في غَدٍ مِن غَيْرِ وحْيٍ. والمَعْنى: إنَّما تَنْطِقُ بِالوَحْيِ لا كَما يَقُولُ [فِيكَ] كُفّارُ مَكَّةَ.

﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ أىْ: هو شاعِرٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، قالَ الأخْطَلُ: (p-٥٤)

؎ كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أمْ رَأيْتَ بِواسِطِ غَلَسَ الظَّلامِ مِنَ الرَّبابِ خَيالا

لَمْ يَسْتَفْهِمْ، إنَّما أوْجَبَ أنَّهُ رَأى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: حَوادِثُ الدَّهْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: حَوادِثُ الدَّهْرِ وأوْجاعُهُ ومَصائِبُهُ، و"المَنُونُ" الدَّهْرُ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:

؎ أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ

هَكَذا أنْشَدَناهُ أصْحابُ الأصْمَعِيِّ عَنْهُ، وكانَ يَذْهَبُ إلى أنَّ المَنُونَ الدَّهْرُ، قالَ: وقَوْلُهُ "والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ" يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، كَأنَّهُ قالَ: أمِنَ الدَّهْرِ ورَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ؟! قالَ الكِسائِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ: لا أُكَلِّمُكَ آخِرَ المَنُونِ، أيْ: آخِرَ الدَّهْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ أيِ: انْتَظَرُوا بِي ذَلِكَ ﴿فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أيْ: مِنَ المُنْتَظَرِينَ عَذابَكُمْ، فَعُذِّبُوا يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ. وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ يَقُولُ: هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، إذْ لا تَضادَّ بَيْنَ الآيَتَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ عُظَماءُ قُرَيْشٍ تُوصَفُ بِالأحْلامِ، وهي العُقُولُ، فَأزْرى اللَّهُ بِحُلُومِهِمْ، إذْ لَمْ تُثْمِرْ لَهم مَعْرِفَةَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ. وقِيلَ لِعَمْرِو بْنِ العاصِ: ما بالُ قَوْمِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا (p-٥٥)وَقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالعُقُولِ؟! فَقالَ: تِلْكَ عُقُولٌ كادَها بارِئُها، أيْ: لَمْ يَصْحَبْها التَّوْفِيقُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أمْ تَأْمُرُهُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أمْ هُمْ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُما بِمَعْنى "بَلْ"، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّانِي: بِمَعْنى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، قالَهُ الزَّجّاجُ؛ قالَ: والمَعْنى: أتَأْمُرُهم أحْلامُهم بِتَرْكِ القَبُولِ مِمَّنْ يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ ويَأْتِيهِمْ عَلى ذَلِكَ بِالدَّلائِلِ، أمْ يَكْفُرُونَ طُغْيانًا وقَدْ ظَهَرَ لَهُمُ الحَقُّ؟! وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: أمْ تَدُلُّهم عُقُولُهم عَلى هَذا؟ لِأنَّ الحِلْمَ يَكُونُ بِالعَقْلِ، فَكَنّى عَنْهُ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أيِ: افْتَعَلَ القُرْآنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ؟ والتَّقَوُّلُ: تُكَلُّفُ القَوْلِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الكَذِبِ "بَلْ" أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِالقُرْآنِ، اسْتِكْبارًا.

فَلْيَأْتُوا ﴿بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ في نَظْمِهِ وحُسْنِ بَيانِهِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُورِقٌ العِجْلِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "بِحَدِيثِ مِثْلِهِ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ أنَّ مُحَمَّدًا تَقَوَّلَهُ.

52:35–43Page 525

أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٣٥

Or were they created by nothing, or were they the creators [of themselves]?

أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ ٣٦

Or did they create the heavens and the earth? Rather, they are not certain.

أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمۡ هُمُ ٱلۡمُصَۜيۡطِرُونَ ٣٧

Or have they the depositories [containing the provision] of your Lord? Or are they the controllers [of them]?

أَمۡ لَهُمۡ سُلَّمٞ يَسۡتَمِعُونَ فِيهِۖ فَلۡيَأۡتِ مُسۡتَمِعُهُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٣٨

Or have they a stairway [into the heaven] upon which they listen? Then let their listener produce a clear authority [i.e., proof].

أَمۡ لَهُ ٱلۡبَنَٰتُ وَلَكُمُ ٱلۡبَنُونَ ٣٩

Or has He daughters while you have sons?

أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرٗا فَهُم مِّن مَّغۡرَمٖ مُّثۡقَلُونَ ٤٠

Or do you, [O Muḥammad], ask of them a payment, so they are by debt burdened down?

أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ ٤١

Or have they [knowledge of] the unseen, so they write [it] down?

أَمۡ يُرِيدُونَ كَيۡدٗاۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلۡمَكِيدُونَ ٤٢

Or do they intend a plan? But those who disbelieve - they are the object of a plan.

أَمۡ لَهُمۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٤٣

Or have they a deity other than Allāh? Exalted is Allāh above whatever they associate with Him.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٥٦)أحَدُها: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ رَبٍّ خالِقٍ؟

والثّانِي: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ آباءٍ ولا أُمَّهاتٍ، فَهم كالجَمادِ لا يَعْقِلُونَ؟

والثّالِثُ: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ كالسَّماواتِ والأرْضِ؟ أيْ: إنَّهم لَيْسُوا بِأشَدَّ خَلْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّها خُلِقَتْ مِن غَيْرِ شَيْءٍ وهم خُلِقُوا مِن آدَمَ وآدَمُ مِن تُرابٍ.

والرّابِعُ: أمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ؟ فَتَكُونُ "مِن" بِمَعْنى اللّامِ. والمَعْنى: ما خُلِقُوا عَبَثًا فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ فَلِذَلِكَ لا يَأْتَمِرُونَ ولا يَنْتَهُونَ؟ لِأنَّ الخالِقَ لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى.

قَوْلُهُ: تَعالى ﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ بِالحَقِّ، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المَطَرُ والرِّزْقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: عِلْمُ ما يَكُونُ مِنَ الغَيْبِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

وَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أعِنْدَهم ما في خَزائِنِ رَبِّكَ مِنَ العِلْمِ، وقِيلَ: مِنَ الرِّزْقِ، فَهم مُعْرِضُونَ عَنْ رَبِّهِمْ لِاسْتِغْنائِهِمْ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "المُسَيْطِرُونَ" بِالسِّينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُسَلَّطُونَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "المُصَيْطِرُونَ": الأرْبابُ. يُقالُ: تَسَيْطَرْتَ عَلَيَّ، أيِ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، قالَ: ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى "مُفَيْعِلٍ" إلّا خَمْسَةُ أسْماءٍ: مُهَيْمِنٌ، ومُجَيْمِرٌ، ومُسَيْطِرٌ، ومُبَيْطَرٌ، ومُبَيْقَرٌ؛ فالمُهَيْمِنُ: اللَّهُ النّاظِرُ المُحْصِي الَّذِي لا يَفُوتُهُ (p-٥٧)شَيْءٌ؛ ومُجَيْمِرٌ: جَبَلٌ؛ والمُسَيْطِرُ: المُسَلَّطُ؛ ومُبَيْطِرٌ: بَيْطارٌ؛ والمُبَيْقِرُ: الَّذِي يَخْرُجُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، يُقالُ: بَيْقَرَ: إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

؎ ألا هَلْ أتاها والحَوادِثُ جَمَّةٌ بِأنَّ امْرَأ القَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا؟

قالَ الزَّجّاجُ: المُسَيْطِرُونَ: الأرْبابُ المُسَلَّطُونَ، يُقالُ: قَدْ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا وتَصَيْطَرَ: بِالسِّينِ والصّادِ، والأصْلُ السِّينُ، وكُلُّ سِينٍ بَعْدَها طاءٌ، فَيَجُوزُ أنْ تُقْلَبَ صادًا، تَقُولُ سَطَرَ وصَطَرَ، وسَطا عَلَيْنا وصَطا. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى الكَلامِ: أمْ هُمُ الأرْبابُ فَيَفْعَلُونَ ما شاؤُوا ولا يَكُونُونَ تَحْتَ أمْرٍ ولا نَهْىٍ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ أيْ: مَرْقى ومَصْعَدٌ إلى السَّماءِ ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ: عَلَيْهِ الوَحْيَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طَهَ: ٧١] فالمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ [الوَحْيَ] فَيَعْلَمُونَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ حَقٌّ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ، بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ كَما أتى مُحَمَّدٌ بِحُجَّةٍ عَلى قَوْلِهِ.

﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ هَذا إنْكارٌ عَلَيْهِمْ حِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ البَناتِ.

﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ: هَلْ سَألْتَهم أجْرًا عَلى ما جِئْتَ بِهِ، فَأثْقَلَهم ذَلِكَ الَّذِي تَطْلُبُهُ مِنهم فَمَنَعَهم عَنِ الإسْلامِ؟ والمَغْرَمُ بِمَعْنى الغُرْمِ، وقَدْ شَرَحْناهُ في [بَراءَةٍ: ٩٨] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ والمَعْنى: أعِنْدَهُمُ الغَيْبُ؟ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ النّاسَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

(p-٥٨)والثّانِي: أعِنَدَهم عِلْمُ الغَيْبِ فَيَعْلَمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ، يَحْكُمُونَ فَيَقُولُونَ: سَنَقْهَرُكَ. والكِتابُ: الحُكْمُ؛ ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: « "سَأقْضِي بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ"» أيْ: بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ وإلى هَذا المَعْنى: ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ وهو ما كانُوا عَزَمُوا عَلَيْهِ في دارِ النَّدْوَةِ؛ وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنْفالِ: ٣٠] ومَعْنى ﴿هُمُ المَكِيدُونَ﴾ هُمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، لِأنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ عادَ عَلَيْهِمْ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ وغَيْرِها.

﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ ألْهَمَ إلَهٌ يَرْزُقُهم ويَحْفَظُهم غَيْرُ اللَّهِ؟ والمَعْنى أنَّ الأصْنامَ لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، لِأنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَدْفَعُ. ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ بِباقِي الآيَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском