Abu HayyanAl‑Isra · 17:60–65

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:60–65

17:60Page 288

وَإِذۡ قُلۡنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِۚ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلۡمَلۡعُونَةَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِۚ وَنُخَوِّفُهُمۡ فَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا طُغۡيَٰنٗا كَبِيرٗا ٦٠

And [remember, O Muḥammad], when We told you, "Indeed, your Lord has encompassed the people."1 And We did not make the sight which We showed you2 except as a trial for the people, as was the accursed tree [mentioned] in the Qur’ān. And We threaten [i.e., warn] them, but it increases them not except in great transgression.

﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ .

لَمّا طَلَبُوا الرَّسُولَ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ وأخْبَرَ اللَّهُ بِالمَصْلَحَةِ في عَدَمِ المَجِيءِ بِها طَعَنَ الكُفّارُ فِيهِ، وقالُوا: لَوْ كانَ رَسُولًا حَقًّا لَأتى بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ أنَّهُ يَنْصُرُهُ ويُؤَيِّدُهُ وأنَّهُ ﴿أحاطَ بِالنّاسِ﴾ . فَقِيلَ: بِعِلْمِهِ فَلا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ عِلْمِهِ، وقِيلَ: بِقُدْرَتِهِ فَقُدْرَتُهُ غالِبَةٌ كُلَّ شَيْءٍ، وقِيلَ: الإحاطَةُ هُنا: الإهْلاكُ كَقَوْلِهِ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] والظّاهِرُ: أنَّ النّاسَ عامٌّ. وقِيلَ: أهْلُ مَكَّةَ، بَشَّرَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يَغْلِبُهم ويَظْهَرُ عَلَيْهِمْ، و﴿أحاطَ﴾ بِمَعْنى يُحِيطُ، عَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِالماضِي؛ لِأنَّهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ، والوَقْتُ الَّذِي وقَعَتْ فِيهِ الإحاطَةُ بِهِمْ، قِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: هَذا خَبَرُ غَيْبٍ قَدَّمَهُ قَبْلَ وقْتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في أمْرِ الخَنْدَقِ ومَجِيءِ الأحْزابِ يَطْلُبُونَ ثَأْرَهم بِبَدْرٍ فَصَرَفَهُمُ اللَّهُ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا. وقِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ ويَوْمُ الفَتْحِ. وقِيلَ: الأشْبَهُ أنَّهُ يَوْمُ الفَتْحِ؛ فَإنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي أحاطَ أمْرُ اللَّهِ بِإهْلاكِ أهْلِ مَكَّةَ فِيهِ وأمْكَنَ مِنهم. وقالَ الطَّبَرِيُّ: ﴿أحاطَ بِالنّاسِ﴾ في مَنعِكَ يا مُحَمَّدُ وحِياطَتِكَ وحِفْظِكَ، فالآيَةُ إخْبارٌ لَهُ أنَّهُ مَحْفُوظٌ مِنَ الكَفَرَةِ آمِنٌ أنْ يُقْتَلَ ويُنالَ بِمَكْرُوهٍ عَظِيمٍ، أيْ: فَلْتُبَلِّغْ رِسالَةَ رَبِّكَ ولا تَتَهَيَّبْ أحَدًا مِنَ المَخْلُوقِينَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا تَأْوِيلٌ بَيِّنٌ جارٍ مَعَ اللَّفْظِ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ إلّا أنَّهُ لا يُناسِبُ ما بَعْدَهُ مُناسَبَةً شَدِيدَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ الكَلامُ مُناسِبًا لِما بَعْدَهُ تَوْطِئَةً لَهُ.

فَأقُولُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في الرُّؤْيا. فَقالَ الجُمْهُورُ: هي رُؤْيا عَيْنٍ ويَقَظَةٍ، وهي ما رَأى في لَيْلَةِ الإسْراءِ مِنَ العَجائِبِ قالَ الكُفّارُ: إنَّ هَذا لَعَجَبٌ نَخُبُّ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ شَهْرَيْنِ إقْبالًا وإدْبارًا، ويَقُولُ مُحَمَّدٌ جاءَهُ مِن لَيْلَتِهِ وانْصَرَفَ مِنهُ، فافْتَتَنَ بِهَذا التَّلْبِيسِ قَوْمٌ مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ فارْتَدُّوا وشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَعَلى هَذا يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ أيْ: في إضْلالِهِمْ وهِدايَتِهِمْ، وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ أيْ: فَلا تَهْتَمَّ أنْتَ بِكُفْرِ مَن كَفَرَ، ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ فَقَدْ قِيلَ لَكَ: إنَّ اللَّهَ مُحِيطٌ بِهِمْ مالِكٌ لِأمْرِهِمْ، وهو جَعَلَ رُؤْياكَ هَذِهِ فِتْنَةً؛ لِيَكْفُرَ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الكُفْرُ، وسُمِّيَتِ الرُّؤْيَةُ في هَذا التَّأْوِيلِ رُؤْيا إذْ هُما مَصْدَرانِ مِن رَأى. وقالَ النَّقّاشُ: جاءَ ذَلِكَ مِنِ اعْتِقادِ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّها مَنامِيَّةٌ وإنْ كانَتِ الحَقِيقَةُ غَيْرَ ذَلِكَ. انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِمْ: هو قِصَّةُ الإسْراءِ والمِعْراجِ عِيانًا آمَنَ بِهِ المُوَفَّقُونَ وكَفَرَ بِهِ المَخْذُولُونَ، وسَمّاهُ رُؤْيا لِوُقُوعِهِ في اللَّيْلِ وسُرْعَةِ تَقَضِّيهِ، كَأنَّهُ مَنامٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا هو رُؤْياهُ أنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ فَعَجَّلَ في سَنَتِهِ الحُدَيْبِيَةَ ورُدَّ فافْتَتَنَ النّاسُ، وهَذا مُناسِبٌ لِصَدْرِ الآيَةِ فَإنَّ الإحاطَةَ بِمَكَّةَ أكْثَرُ ما كانَتْ. وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: هي رُؤْياهُ بَنِي أُمَيَّةَ يَنْزُونَ عَلى (p-٥٥)مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ فاهْتَمَّ لِذَلِكَ وما اسْتَجْمَعَ ضاحِكًا مِن يَوْمِئِذٍ حَتّى ماتَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُخْبِرَةً أنَّ ذَلِكَ مِن مُلْكِهِمْ، وصُعُودِهِمُ المَنابِرَ إنَّما يَجْعَلُها اللَّهُ فِتْنَةً لِلنّاسِ. ويَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿أحاطَ بِالنّاسِ﴾ أيْ: بِأقْدارِهِ وإنْ كانَ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ فَلا تَهْتَمَّ بِما يَكُونُ بَعْدَكَ مِن ذَلِكَ.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ في خُطْبَتِهِ في شَأْنِ بَيْعَتِهِ لِمُعاوِيَةَ: وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم ومَتاعٌ إلى حِينٍ. وقالَتْ عائِشَةُ: ﴿الرُّؤْيا﴾ رُؤْيا مَنامٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ تَقْضِي بِفَسادِهِ، وذَلِكَ أنَّ رُؤْيا المَنامِ لا فِتْنَةَ فِيها، وما كانَ أحَدٌ لِيُنْكِرَها. انْتَهى. ولَيْسَ كَما قالابْنُ عَطِيَّةَ: فَإنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ ويُخْبِرُ النَّبِيُّ بِوُقُوعِ ذَلِكَ لا مَحالَةَ فَيَصِيرُ إخْبارُهُ بِذَلِكَ فِتْنَةً لِمَن يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: سَألْتُ أبا العَبّاسِ القُرْطُبِيَّ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ذَهَبَ المُفَسِّرُونَ فِيها إلى أمْرٍ غَيْرِ مُلائِمٍ في سِياقِ أوَّلِ الآيَةِ، والصَّحِيحُ أنَّها رُؤْيَةُ عَيْنٍ يَقَظَةً، لَمّا آتاهُ بَدْرًا أراهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَصارِعَ القَوْمِ فَأراها النّاسَ، وكانَتْ فِتْنَةً لِقُرَيْشٍ، فَإنَّهم لَمّا سَمِعُوا أخَذُوا في الهُزْءِ والسُّخْرِيَةِ بِالرَّسُولِ ﷺ .

﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ﴾ هُنا هي أبُو جَهْلٍ. انْتَهى.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَعَلَّ اللَّهَ تَعالى أراهُ مَصارِعَهم في مَنامِهِ فَقَدْ كانَ يَقُولُ حِينَ ورَدَ ماءَ بَدْرٍ: «واللَّهِ لَكَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ» وهو يُومِئُ إلى الأرْضِ، ويَقُولُ: «هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ» . فَتَسامَعَتْ قُرَيْشٌ بِما أُوحِيَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أمْرِ بَدْرٍ وما أُرِيَ في مَنامِهِ مِن مَصارِعِهِمْ، فَكانُوا يَضْحَكُونَ ويَسْتَسْخِرُونَ بِهِ اسْتِهْزاءً. وقِيلَ: رَأى في المَنامِ أنَّ ولَدَ الحَكَمِ يَتَداوَلُونَ مِنبَرَهُ كَما يَتَداوَلُ الصِّبْيانُ الكُرَةَ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِالشَّجَرَةِ حَقِيقَتُها. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي الكَشُوثُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦] وعَنْهُ أيْضًا: هي الشَّجَرَةُ الَّتِي تَلْتَوِي عَلى الشَّجَرَةِ فَتُفْسِدُها. قالَ: والفِتْنَةُ قَوْلُهم ما بالُ الحَشائِشِ تُذْكَرُ في القُرْآنِ. وقالَ الجُمْهُورُ: هي شَجَرَةُ الزَّقُّومِ لَمّا نَزَلَ أمْرُها في الصّافّاتِ وغَيْرِها قالَ أبُو جَهْلٍ وغَيْرُهُ: هَذا مُحَمَّدٌ يَتَوَعَّدُكم بِنارٍ تُحْرِقُ الحِجارَةَ ثُمَّ يَزْعُمُ أنَّها تُنْبِتُ الشَّجَرَ، والنّارُ تَأْكُلُ الشَّجَرَ، وما نَعْرِفُ الزَّقُّومَ إلّا التَّمْرَ بِالزُّبْدِ، ثُمَّ أمَرَ أبُو جَهْلٍ جارِيَةً لَهُ فَأحْضَرَتْ تَمْرًا وزُبْدًا، وقالَ لِأصْحابِهِ: ”تَزَقَّمُوا“ فافْتَتَنَ أيْضًا بِهَذِهِ المَقالَةِ بَعْضُ الضُّعَفاءِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما أنْكَرُوا أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ (الشَّجَرَةَ) مِن جِنْسٍ لا تَأْكُلُهُ النّارُ، فَهَذا وبَرُ السَّمَندَلِ، وهو دُوَيْبَةٌ بِبِلادِ التُّرْكِ يُتَّخَذُ مِنها مَنادِيلُ إذا اتَّسَخَتْ طُرِحَتْ في النّارِ فَيَذْهَبُ الوَسَخُ، وبَقِيَ المِندِيلُ سالِمًا لا تَعْمَلُ فِيهِ النّارُ، وتَرى النَّعامَةَ تَبْتَلِعُ الجَمْرَ وقِطَعَ الحَدِيدِ الحُمْرِ كالجَمْرِ بِإحْماءِ النّارِ فَلا يَضُرُّها، ثُمَّ أقْرَبُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ خَلَقَ في كُلِّ شَجَرَةٍ نارًا فَلا تُحْرِقُها فَما أنْكَرُوا أنْ يَخْلُقَ في النّارِ شَجَرَةً لا تُحْرِقُها، والمَعْنى: أنَّ الآياتِ إنَّما نُرْسِلُ بِها تَخْوِيفًا لِلْعِبادِ، وهَؤُلاءِ قَدْ خُوِّفُوا بِعَذابِ الدُّنْيا وهو القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ فَما كانَ ما أرَيْناكَ مِنهُ في مَنامِكَ بَعْدَ الوَحْيِ إلَيْكَ إلّا فِتْنَةً لَهم حَيْثُ اتَّخَذُوهُ سُخْرِيًّا، وخُوِّفُوا بِعَذابِ الآخِرَةِ وبِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ فَما أثَّرَ فِيهِمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿ونُخَوِّفُهُمْ﴾ أيْ: بِمَخاوِفَ الدُّنْيا والآخِرَة ﴿فَما يَزِيدُهُمْ﴾ التَّخْوِيفُ ﴿إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ فَكَيْفَ يَخافُ قَوْمٌ هَذِهِ حالُهم بِإرْسالِ ما يَقْتَرِحُونَ مِنَ الآياتِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ بَعْدَ الوَحْيِ إلَيْكَ هو قَوْلُهُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] والظّاهِرُ إسْنادُ اللَّعْنَةِ إلى (الشَّجَرَةَ) واللَّعْنُ: الإبْعادُ مِنَ الرَّحْمَةِ، وهي في أصْلِ الجَحِيمِ في أبْعَدِ مَكانٍ مِنَ الرَّحْمَةِ. وقِيلَ: تَقُولُ العَرَبُ لِكُلِّ طَعامٍ مَكْرُوهٍ ضارٍّ: مَلْعُونٌ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَألْتُ بَعْضَهم، فَقالَ: نَعَمِ الطَّعامُ المَلْعُونُ القِشْبُ المَمْحُونُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿المَلْعُونَةَ﴾ يُرِيدُ آكِلَها، ونَمَّقَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: لُعِنَتْ حَيْثُ لُعِنَ طاعِمُوها مِنَ الكَفَرَةِ والظَّلَمَةِ؛ لِأنَّ الشَّجَرَةَ لا ذَنْبَ لَها حَتّى تُلْعَنَ عَلى الحَقِيقَةِ، وإنَّما وُصِفَتْ بِلَعْنِ أصْحابِها عَلى المَجازِ. انْتَهى.

وقِيلَ لَمّا شَبَّهَ طَلْعَها بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ، والشَّيْطانُ (p-٥٦)مَلْعُونٌ نُسِبَتِ اللَّعْنَةُ إلَيْها. وقالَ قَوْمٌ (الشَّجَرَةَ) هُنا مَجازٌ عَنْ واحِدٍ وهو أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: هو الشَّيْطانُ، وقِيلَ: مَجازٌ عَنْ جَماعَةٍ وهُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ تَظاهَرُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى وفِتْنَتُهم أنَّهم كانُوا يَنْتَظِرُونَ بَعْثَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا بَعَثَهُ اللَّهُ كَفَرُوا بِهِ وقالُوا: لَيْسَ هو الَّذِي كُنّا نَنْتَظِرُهُ فَثَبَّطُوا كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِمَقالَتِهِمْ عَنِ الإسْلامِ. وقِيلَ: بَنُو أُمَيَّةَ حَتّى إنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن لا يُعَبِّرُ عَنْهم إلّا بِالشَّجَرَةِ المَلْعُونَةِ لِما صَدَرَ مِنهم مَنِ اسْتِباحَةِ الدِّماءِ المَعْصُومَةِ، وأخْذِ الأمْوالِ مِن غَيْرِ حِلِّها وتَغْيِيرِ قَواعِدِ الدِّينِ وتَبْدِيلِ الأحْكامِ، ولَعْنُها في القُرْآنِ ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ) عَطْفًا عَلى ﴿الرُّؤْيا﴾ فَهي مُنْدَرِجَةٌ في الحَصْرِ، أيْ وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِرَفْعِ ﴿والشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ﴾ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ كَذَلِكَ أيْ: فِتْنَةٌ، والضَّمِيرُ في ﴿ونُخَوِّفُهُمْ﴾ لِكُفّارِ مَكَّةَ. وقِيلَ: لِمُلُوكِ بَنِي أُمَيَّةَ بَعْدَ الخِلافَةِ الَّتِي قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَضُوضًا» والأوَّلُ أصْوَبُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ويُخَوِّفُهم بِياءِ الغَيْبَةِ والجُمْهُورُ بِنُونِ العَظَمَةِ.

17:61–65Page 288

وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ قَالَ ءَأَسۡجُدُ لِمَنۡ خَلَقۡتَ طِينٗا ٦١

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except for Iblees.1 He said, "Should I prostrate to one You created from clay?"

قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٢

[Iblees] said, "Do You see this one whom You have honored above me? If You delay me [i.e., my death] until the Day of Resurrection, I will surely destroy1 his descendants, except for a few."

قَالَ ٱذۡهَبۡ فَمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمۡ جَزَآءٗ مَّوۡفُورٗا ٦٣

[Allāh] said, "Go, for whoever of them follows you, indeed Hell will be the recompense of [all of] you - an ample recompense.

وَٱسۡتَفۡزِزۡ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتَ مِنۡهُم بِصَوۡتِكَ وَأَجۡلِبۡ عَلَيۡهِم بِخَيۡلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِ وَعِدۡهُمۡۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ٦٤

And incite [to senselessness] whoever you can among them with your voice and assault them with your horses and foot soldiers and become a partner in their wealth and their children and promise them." But Satan does not promise them except delusion.

إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٞۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلٗا ٦٥

Indeed, over My [believing] servants there is for you no authority. And sufficient is your Lord as Disposer of affairs.1

﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ وعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾ .

(p-٥٧)مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما أنَّهُ لَمّا نازَعُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ في النُّبُوَّةِ واقْتَرَحُوا عَلَيْهِ الآياتِ كانَ ذَلِكَ لِكِبْرِهِمْ وحَسَدِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ، فَناسَبَ ذِكْرَ قِصَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإبْلِيسَ حَيْثُ حَمَلَهُ الكِبْرُ والحَسَدُ عَلى الِامْتِناعِ مِنَ السُّجُودِ. والثّانِي أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠] بَيَّنَ ما سَبَبُ هَذا الطُّغْيانِ وهو قَوْلُ إبْلِيسَ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ وانْتَصَبَ ﴿طِينًا﴾ عَلى الحالِ قالَهُ الزَّجّاجُ وتَبِعَهُ الحَوْفِيُّ، فَقالَ: مِنَ الهاءِ في خَلَقْتُهُ المَحْذُوفَةِ، والعامِلُ ﴿خَلَقْتَ﴾ والزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: ﴿طِينًا﴾ إمّا مِنَ المَوْصُولِ والعامِلُ فِيهِ ﴿أأسْجُدُ﴾ عَلى آسْجُدُ لَهُ وهو طِينٌ أيْ: أصْلُهُ طِينٌ، أوْ مِنَ الرّاجِعِ إلَيْهِ مِنَ الصِّلَةِ عَلى آسْجُدُ لِمَن كانَ في وقْتِ خَلْقِهِ ﴿طِينًا﴾ . انْتَهى. وهَذا تَفْسِيرُ مَعْنًى. وقالَ أبُو البَقاءِ: والعامِلُ فِيهِ ﴿خَلَقْتَ﴾ يَعْنِي إذا كانَ حالًا مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى حَذْفِ مِنَ التَّقْدِيرُ مِن طِينٍ كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] وأجازَ الزَّجّاجُ أيْضًا وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا، ولا يَظْهَرُ كَوْنُهُ تَمْيِيزًا، وقَوْلُهُ: ﴿أأسْجُدُ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَعَجُّبٍ. وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿أأسْجُدُ﴾ وما قَبْلَهُ كَلامٌ مَحْذُوفٌ، وكَأنَّ تَقْدِيرَهُ قالَ: لِمَ لَمْ تَسْجُدْ لِآدَمَ قالَ: ﴿أأسْجُدُ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ﴾ وقالَ آسْجُدُ جُمَلٌ قَدْ ذُكِرَتْ حَيْثُ طُوِّلَتْ قِصَّتُهُ والكافُ في أرَأيْتَكَ لِلْخِطابِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في سُورَةِ الأنْعامِ ولا يَلْحَقُ كافُ الخِطابِ هَذِهِ إلّا إذا كانَتْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي، وبِهَذا المَعْنى قَدَّرَها الحَوْفِيُّ وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ فِيها والزَّجّاجِ.

قالَ الحَوْفِيُّ: و﴿أرَأيْتَكَ﴾ بِمَعْنى عَرِّفْنِي وأخْبِرْنِي، وهَذا مَنصُوبٌ بِأرَأيْتَكَ، والمَعْنى أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ، وقَدْ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ، وحُذِفَ هَذا لِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ لِلْخِطابِ و﴿هَذا﴾ مَفْعُولٌ بِهِ، والمَعْنى أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ أيْ: فَضَّلْتَهُ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ وأنا خَيْرٌ مِنهُ، فاخْتَصَرَ الكَلامَ بِحَذْفِ ذَلِكَ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِي﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والكافُ في ﴿أرَأيْتَكَ﴾ حَرْفُ خِطابٍ ومُبالَغَةٍ في التَّنْبِيهِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ فَهي زائِدَةٌ، ومَعْنى أرَأيْتَ أتَأمَّلْتَ ونَحْوَهُ كانَ المُخاطِبُ بِها يُنَبِّهُ المُخاطَبَ لِيَسْتَجْمِعَ لِما يَنُصُّهُ عَلَيْهِ بَعْدُ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: هي بِمَعْنى أخْبِرْنِي، ومَثَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ﴾ زَيْدًا أيُؤْمِنُ هو. وقالَهُ الزَّجّاجُ ولَمْ يُمَثِّلْ، وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ صَحِيحٌ حَيْثُ يَكُونُ بَعْدَها اسْتِفْهامٌ كَمِثالِهِ، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَهي كَما قُلْتُ ولَيْسَتِ الَّتِي ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ. انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ في ﴿أرَأيْتَكَ﴾ هُنا هو الصَّحِيحُ، ولِذَلِكَ قُدِّرَ الِاسْتِفْهامُ وهو لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ فَقَدِ انْعَقَدَ مِن قَوْلِهِ: هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، وصارَ مِثْلَ: زَيْدٌ أيُؤْمِنُ هو دَخَلَتْ عَلَيْهِ ﴿أرَأيْتَكَ﴾ فَعَمِلَتْ في الأوَّلِ، والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ الثّانِي والمُسْتَقِرُّ في أرَأيْتَ بِمَعْنى أخْبِرْنِي أنْ تَدْخُلُ عَلى جُمْلَةٍ ابْتِدائِيَّةٍ يَكُونُ الخَبَرُ اسْتِفْهامًا، فَإنْ صُرِّحَ بِهِ فَذَلِكَ واضِحٌ وإلّا قُدِّرَ. وقَدْ أشْبَعْنا الكَلامَ في الأنْعامِ وفي شَرْحِ التَّسْهِيلِ.

وقالَ الفَرّاءُ: هُنا لِلْكافِ مَحْمَلٌ مِنَ الإعْرابِ، وهو النَّصْبُ أيْ: أرَأيْتَ نَفْسَكَ قالَ: وهَذا كَما تَقُولُ أتَدَبَّرْتَ آخِرَ أمْرِكَ. فَإنِّي صانِعٌ فِيهِ كَذا، ثُمَّ ابْتَدَأ ﴿هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ . انْتَهى. والرَّدُّ عَلَيْهِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، ولَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنَّ هَذا مَفْعُولٌ أوَّلُ لِقَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ﴾ بِمَعْنى أخْبِرْنِي والثّانِي الجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ بَعْدَهُ لِانْعِقادِهِما مُبْتَدَأً وخَبَرًا قَبْلَ دُخُولِ ﴿أرَأيْتَكَ﴾ لِذَلِكَ مَذْهَبًا حَسَنًا، إذْ لا يَكُونُ في الكَلامِ إضْمارٌ، وتَلَخَّصَ مِن هَذا كُلِّهِ الكافُ إمّا في مَوْضِعِ نَصْبٍ وهَذا مُبْتَدَأٌ، وإمّا حَرْفُ خِطابٍ وهَذا مَفْعُولٌ بِأرَأيْتَ بِمَعْنًى مَحْذُوفٍ، وهو الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ (p-٥٨)أوْ مَذْكُورٍ وهو الجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ، ومَعْنى ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِي﴾ أيْ: أخَّرْتَ مَماتِي وأبْقَيْتَنِي حَيًّا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ﴾ لَأسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمْ وقالَهُ الفَرّاءُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَأُضِلَّنَّهم. وقالَ الطَّبَرِيُّ: لَأسْتَأْصِلَنَّ، وكَفَرَ إبْلِيسُ بِجَهْلِهِ صِفَةَ العَدْلِ مِنَ اللَّهِ حِينَ لَحِقَتْهُ الأنَفَةُ والكِبْرُ، وظَهَرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ إذْ نَصَّ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُكَرَّمَ بِالسُّجُودِ مِنِّي مَن أنا خَيْرٌ مِنهُ، وأقْسَمَ إبْلِيسُ عَلى أنَّهُ يَحْتَنِكُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ وعَلِمَ ذَلِكَ إمّا بِسَماعِهِ مِنَ المَلائِكَةِ، وقَدْ أخْبَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ أوِ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة: ٣٠] أوْ نَظَرَ إلَيْهِ فَتَوَسَّمَ في مَخايِلِهِ أنَّهُ ذُو شَهْوَةٍ وعَوارِضَ كالغَضَبِ ونَحْوِهِ، ورَأى خِلْقَتَهُ مُجَوَّفَةً مُخْتَلِفَةَ الأجْزاءِ، وقالَ الحَسَنُ: ظَنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ وسَوَّسَ إلى آدَمَ فَلَمْ يَجِدْ لَهُ عَزْمًا فَظَنَّ ذَلِكَ بِذُرِّيَّتِهِ، وهَذا لَيْسَ بِظاهِرٍ؛ لِأنَّ قَوْلَ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ وسْوَسَتِهِ لِآدَمَ في أكْلِ الشَّجَرَةِ، واسْتَثْنى القَلِيلَ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ يَكُونُ في ذُرِّيَّةِ آدَمَ مَن لا يَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢] والأمْرُ بِالذَّهابِ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ مِن نَقِيضِ المَجِيءِ، ولَكِنَّ المَعْنى اذْهَبْ لِشَأْنِكَ الَّذِي اخْتَرْتَهُ، وعَقَّبَهُ بِذِكْرِ ما جَرَّهُ سُوءُ فِعْلِهِ مِن جَزائِهِ وجَزاءِ أتْباعِهِ جَهَنَّمَ، ولَمّا تَقَدَّمَ اسْمٌ غائِبٌ وضَمِيرُ خِطابٍ غَلَبَ الخِطابُ فَقالَ: ﴿جَزاؤُكُمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ مِن عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، والمَوْفُورُ المُكَمَّلُ ووَفَرَ مُتَعَدٍّ كَقَوْلِهِ:

؎ومَن يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِن دُونِ عَرْضِهِ يَفْرِهُ ومَن لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ

ولازِمٌ تَقُولُ: وفَرَ المالُ يَفِرُ وُفُورًا، وانْتَصَبَ ﴿جَزاءً﴾ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ ﴿جَزاؤُكُمْ﴾ أوْ يُجاوِزُ مُضْمَرَهُ أوْ عَلى الحالِ المُوَطِّئَةِ. وقِيلَ: تَمْيِيزٌ ولا يُتَعَقَّلُ ﴿واسْتَفْزِزْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى فاذْهَبْ وعُطِفَ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ مِنَ الأمْرِ، وكُلُّها بِمَعْنى التَّهْدِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] ومَن في ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ مَوْصُولَةٌ مَفْعُولَةٌ بِاسْتِفْزِزْ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ مَنِ اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِاسْتَطَعْتَ، وهَذا لَيْسَ بِظاهِرٍ؛ لِأنَّ (اسْتَفْزِزْ) ومَفْعُولَ ﴿اسْتَطَعْتَ﴾ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ أنْ تَسْتَفِزَّهُ والصَّوْتُ هُنا الدُّعاءُ إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الغِناءُ والمَزامِيرُ واللَّهْوُ. وقالَ الضَّحّاكُ: صَوْتُ المِزْمارِ، وذَكَرَ الغَزْنَوِيُّ أنَّ آدَمَ أسْكَنَ ولَدَ هابِيلَ أعْلى الجَبَلِ ووَلَدَ قابِيلَ أسْفَلَهُ. وفِيهِمْ بَناتٌ حِسانٌ، فَزَمَّرَ الشَّيْطانُ فَلَمْ يَتَمالَكُوا أنِ انْحَدَرُوا واقْتَرَنُوا. وقِيلَ: الصَّوْتُ هُنا الوَسْوَسَةُ.

وقَرَأ الحَسَنُ (واجْلُبْ عَلَيْهِمْ) بِوَصْلِ الألِفِ وضَمِّ اللّامِ مِن جَلَبَ ثُلاثِيًّا، والظّاهِرُ أنَّ إبْلِيسَ لَهُ خَيْلٌ ورَجّالَةٌ مِنَ الجِنِّ جِنْسِهِ قالَهُ قَتادَةُ، والخَيْلُ تُطْلَقُ عَلى الأفْراسِ حَقِيقَةً وعَلى أصْحابِها مَجازًا وهُمُ الفُرْسانُ، ومِنهُ: يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، والباءُ في ﴿بِخَيْلِكَ﴾ قِيلَ: زائِدَةٌ. وقِيلَ: مِنَ الآدَمِيِّينَ أُضِيفُوا إلَيْهِ لِانْخِراطِهِمْ في طاعَتِهِ وكَوْنِهِمْ أعْوانَهم عَلى غَيْرِهِمْ قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ ﴿بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ . قِيلَ: هَذا مَجازٌ واسْتِعارَةٌ بِمَعْنى اسْعَ سَعْيَكَ وابْلُغْ جُهْدَكَ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ خَيْلٌ ولا رَجِلٌ ولا هو مَأْمُورٌ إنَّما هَذا زَجْرٌ واسْتِخْفافٌ بِهِ كَما تَقُولُ لِمَن تُهَدِّدُهُ: اذْهَبْ فاصْنَعْ ما شِئْتَ واسْتَعِنْ بِما شِئْتَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى اسْتِفْزازِ إبْلِيسَ بِصَوْتِهِ وإجْلابِهِ بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ ؟ قُلْتُ: هو كَلامٌ وارِدٌ مَوْرِدَ التَّمْثِيلِ مُثِّلَتْ حالُهُ في تَسَلُّطِهِ عَلى مَن يُغْوِيهِ بِمِغْوارٍ أوْقَعَ عَلى قَوْمٍ فَصَوَّتَ بِهِمْ صَوْتًا يَسْتَفِزُّهم مِن أماكِنِهِمْ ويُقْلِقُهم عَنْ مَراكِزِهِمْ، وأجْلَبَ عَلَيْهِمْ بِجُنْدِهِ مِن خَيّالَةٍ ورَجّالَةٍ حَتّى اسْتَأْصَلَهُمُ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ورَجْلِكَ﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ الجِيمِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ واحِدُ راجِلٍ كَرَكْبٍ وراكِبٍ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ وحَفْصٍ بِكَسْرِ الجِيمِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ بِمَعْنى الرِّجالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي صِفَةٌ يُقالُ: فُلانٌ يَمْشِي رَجِلًا أيْ: غَيْرُ راكِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎رَجِلًا إلّا بِأصْحابِ

وقالَ (p-٥٩)الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ ﴿ورَجِلِكَ﴾ عَلى أنْ فَعِلًا بِمَعْنى فاعِلٍ نَحْوَ تَعِبٍ وتاعِبٍ، ومَعْناهُ وجَمْعُكَ الرَّجُلَ وتُضَمُّ جِيمُهُ أيْضًا فَيَكُونُ مِثْلَ حَدِثَ وحَدُثَ ونَدِسَ ونَدُسَ وأخَواتٌ لَهُما. انْتَهى. وقَرَأ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ ورِجالِكَ. وقُرِئَ ورُجِّلَ لَكَ - بِضَمِّ الرّاءِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ. والمُشارَكَةُ في الأمْوالِ، قالَ الضَّحّاكُ: ما يَذْبَحُونَ لِآلِهَتِهِمْ وقَتادَةُ البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ. وقِيلَ: ما أُصِيبَ مِن مالٍ وحَرامٍ، وقِيلَ: ما جَعَلُوهُ مِن أمْوالِهِمْ لِغَيْرِ اللَّهِ، وقِيلَ: ما صُرِفَ في الزِّنا، والأوْلى ما أُخِذَ مِن غَيْرِ حَقِّهِ وما وُضِعَ في غَيْرِ حَقِّهِ والمُشارَكَةُ في الأوْلادِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَسْمِيَتُهم عَبْدَ العُزّى وعَبْدَ اللّاتِ وعَبْدَ الشَّمْسِ وعَبْدَ الحَرْثِ، وعَنْهُ أيْضًا تَرْغِيبُهم في الأدْيانِ الباطِلَةِ كاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. وعَنْهُ أيْضًا إقْدامُهم عَلى قَتْلِ الأوْلادِ، قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: وما مَجَّسُوهُ وهَوَّدُوهُ ونَصَّرُوهُ وصَبَغُوهم غَيْرَ صِبْغَةِ الإسْلامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: عَدَمُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الجِماعِ فالجانُّ يَنْطَوِي إذْ ذاكَ عَلى إحْلِيلِهِ فَيُجامِعُ مَعَهُ. وقِيلَ: تَرْغِيبُهم في القِتالِ والقَتْلِ وحِفْظِ الشِّعْرِ المُشْتَمِلِ عَلى الفُحْشِ، والأوْلى أنَّهُ كُلُّ تَصَرُّفٍ في الوَلَدِ يُؤَدِّي إلى ارْتِكابِ مُنْكَرٍ وقَبِيحٍ، وأمّا وعْدُهُ فَهو الوَعْدُ الكاذِبُ كَوَعْدِهِمْ أنْ لا بَعْثَ وهَذِهِ مُشارَكَةٌ في النُّفُوسِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وعِدْهُمْ﴾ المَواعِيدَ الكاذِبَةَ مِن شَفاعَةِ الآلِهَةِ والكَرامَةِ عَلى اللَّهِ بِالأنْسابِ الشَّرِيفَةِ، وتَسْوِيفِ التَّوْبَةِ ومَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ بِدُونِها، والِاتِّكالِ عَلى الرَّحْمَةِ وشَفاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ في الكَبائِرِ والخُرُوجِ مِنَ النّارِ بَعْدَ أنْ يَصِيرُوا حَمِيمًا، وإيثارِ العاجِلِ عَلى الآجِلِ. انْتَهى. وهو جارٍ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ في أنَّهُ لا تُغْفَرُ الذُّنُوبُ بِدُونِ التَّوْبَةِ، وبِأنَّهُ لا شَفاعَةَ في الكَبائِرِ، وبِأنَّهُ لا يَخْرُجُ مِنَ النّارِ أبَدًا مَن دَخَلَها مِن فاسِقٍ مُؤْمِنٍ. وانْتَصَبَ ﴿غُرُورًا﴾ وهو مَصْدَرٌ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وعْدًا غُرُورًا عَلى الوُجُوهِ الَّتِي في رَجُلٍ صَوْمٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ (وما يَعِدُكم) ويُمَنِّيكم ما لا يَتِمُّ ولا يَقَعُ إلّا لِأنْ يَغُرَّكم، والإضافَةُ إلَيْهِ تَعالى في ﴿إنَّ عِبادِي﴾ إضافَةُ تَشْرِيفٍ، والمَعْنى المُخْتَصِّينَ بِكَوْنِهِمْ ﴿عِبادِي﴾ لا يُضافُونَ إلى غَيْرِي، كَما قالَ في مُقابِلِهِمْ: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧] و﴿أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ [النساء: ٧٦] .

وقِيلَ: ثَمَّ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ أيْ إنَّ عِبادِي الصّالِحِينَ، ونَفى السُّلْطانَ وهو الحَجَّةُ والِاقْتِدارُ عَلى إغْوائِهِمْ عَنِ الإيمانِ ويَدُلُّ عَلى لَحْظِ الصِّفَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠] . وقالَ الجُبّائِيُّ: ﴿عِبادِي﴾ عامٌّ في المُكَلَّفِينَ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ في آيٍ مَنِ اتَّبَعَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] واسْتَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ ولا قُدْرَةَ عَلى تَخْلِيطِ العَقْلِ وإنَّما قُدْرَتُهُ عَلى الوَسْوَسَةِ، ولَوْ كانَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى ذَلِكَ لَخَبَطَ العُلَماءَ لِيَكُونَ ضَرَرُهُ أتَمَّ، ومَعْنى ﴿وكِيلًا﴾ حافِظًا لِعِبادِهِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ مِن إغْواءِ الشَّيْطانِ أوْ ﴿وكِيلًا﴾ يَكِلُونَ أُمُورَهم إلَيْهِ فَهو حافِظُهم بِتَوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском