Abu HayyanTaha · 20:90–95

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Taha 20:90–95

20:90–91Page 318

وَلَقَدۡ قَالَ لَهُمۡ هَٰرُونُ مِن قَبۡلُ يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوٓاْ أَمۡرِي ٩٠

And Aaron had already told them before [the return of Moses], "O my people, you are only being tested by it, and indeed, your Lord is the Most Merciful, so follow me and obey my order."

قَالُواْ لَن نَّبۡرَحَ عَلَيۡهِ عَٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرۡجِعَ إِلَيۡنَا مُوسَىٰ ٩١

They said, "We will never cease being devoted to it [i.e., the calf] until Moses returns to us."

(p-٢٧٠)﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ يا قَوْم إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي﴾ ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ [طه: ٩٢] ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] ﴿قالَ يا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] ﴿قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾ [طه: ٩٥] ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه: ٩٦] ﴿قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧] ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨] ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ [طه: ٩٩] ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ [طه: ١٠٠] ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ [طه: ١٠١] ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢] ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣] ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤] ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] ﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى﴾ [طه: ١١٦] ﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ [طه: ١١٧] ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨] ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩] ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠] ﴿فَأكَلا مِنها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ [طه: ١٢٢] ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ [طه: ١٢٣] ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ [طه: ١٢٤] ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٥] ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ [طه: ١٢٦] ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾ [طه: ١٢٧] ﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ [طه: ١٢٨] ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩] ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ [طه: ١٣٠] ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهم فِيهِ ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [طه: ١٣١] ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ [طه: ١٣٢] ﴿وقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ [طه: ١٣٤] ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ومَنِ اهْتَدى﴾ [طه: ١٣٥] اللِّحْيَةُ مَعْرُوفَةٌ، وتُجْمَعُ عَلى لِحًى بِكَسْرِ اللّامِ وضَمِّها. نَسَفَ يَنْسِفُ بِكَسْرِ سِينِ المُضارِعِ وضَمِّها نَسْفًا فَرَّقَ وذَرى. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: قَلَعَ مِنَ الأصْلِ. الزُّرْقَةُ: لَوْنٌ مَعْرُوفٌ، يُقالُ: زَرَقَتْ عَيْنُهُ وازْرَقَّتْ وازْراقَتْ، القاعُ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الأرْضُ المَلْساءُ لا نَباتَ فِيها ولا بِناءَ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ. ومِنهُ قَوْلُ ضِرارِ بْنِ الخَطّابِ:

؎لَيَكُونَنَّ بِالبِطاحِ قُرَيْشٌ فَقُعَّةُ القاعِ في أكُفِّ الإماءِ

(p-٢٧١)والجَمْعُ أقْوُعٌ وأقْواعٌ وقِيعانٌ. وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ القاعَ في اللُّغَةِ المَكانُ المُنْكَشِفُ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: القاعُ مُسْتَنْقَعُ الماءِ. الصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي الأمْلَسُ. وقِيلَ: الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ، وهو مُضاعَفٌ كالسَّبْسَبِ. الأمْتُ: التَّلُّ. والعِوَجُ: التَّعَوُّجُ في الفِجاجِ قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ. الهَمْسُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: وطْءُ الأقْدامِ. قالَ الشّاعِرُ:

؎وهُـنَّ يَمْشِيـنَ بِنَـا هَمِيسًا

ويُقالُ لِلْأسَدِ الهَمُوسُ لِخَفاءِ وطْئِهِ، ويُقالُ هَمْسُ الطَّعامِ مَضْغُهُ. عَنا يَعْنُو: ذَلَّ وخَضَعَ، وأعَناهُ غَيْرُهُ أذَلَّهُ. وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:

؎مَلِيكٌ عَلى عَرْشِ السَّماءِ مُهَيْمِنٌ ∗∗∗ لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الوُجُوهُ وتَسْجُدُ

الهَضْمُ: النَّقْصُ تَقُولُ العَرَبُ: هَضَمْتُ لَكَ حَقِّي أيْ حَطَطْتُ مِنهُ، ومِنهُ هَضِيمُ الكَشْحَيْنِ أيْ ضامِرْهُما وفي الصِّحاحِ: رَجُلٌ هَضِيمٌ ومُتَهَضِّمٌ مَظْلُومٌ وتَهَضَّمُهُ واهْتَضَمَهُ ظَلَمَهُ. وقالَ المُتَوَكِّلُ اللَّيْثِيُّ:

؎إنَّ الأذِلَّةَ واللِّئامَ لَمَعْشَرٌ ∗∗∗ مَوْلاهُمُ المُنْهَضِمُ المَظْلُومُ

عَرى يَعْرى لَمْ يَكُنْ عَلى جِلْدِهِ شَيْءٌ يَقِيهِ. قالَ الشّاعِرُ:

؎وأنْ يَعْرَينَ إنْ كُسِيَ الجَوارِي ∗∗∗ فَتَنْبُو العَيْنُ عَنْ كَرَمٍ عِجافِ

ضَحى يَضْحى: بَرَزَ لِلشَّمْسِ. قالَ عَمْرُو بْنُ أبِي رَبِيعَةَ:

؎رَأتْ رَجُلًا أمّا إذا الشَّمْسُ عارَضَتْ ∗∗∗ فَيَضْحى وأمّا بِالعَشِيِّ فَيَحْضُرُ

الضَّنْكُ: الضِّيقُ والشِّدَّةُ: ضَنُكَ عِيشَةً يَضْنُكُ ضَناكَةً وضَنْكًا، وامْرَأةٌ ضَناكٌ كَثِيرَةُ اللَّحْمِ صارَ جِلْدُها بِهِ.

زَهْرَةَ: بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِها نَحْوَ نَهْرٍ ونَهَرٍ ما يَرُوقُ مِنَ النَّوْرِ، وسِراجٌ زاهِرٌ لَهُ بَرِيقٌ، والأنْجُمُ الزَّهْرُ المُضِيئَةُ، وأزْهَرَ الشَّجَرُ بَدا زَهْرُهُ وهو النَّوْرُ.

* *

﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ يا قَوْم إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي﴾ ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ ﴿قالَ ياهارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ [طه: ٩٢] ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] ﴿قالَ ياابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] ﴿قالَ فَما خَطْبُكَ ياسامِرِيُّ﴾ [طه: ٩٥] ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه: ٩٦] ﴿قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧] ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨] .

(p-٢٧٢)أشْفَقَ هارُونُ عَلى نَفْسِهِ وعَلَيْهِمْ وبَذَلَ لَهُمُ النَّصِيحَةَ، وبَيَّنَ أنَّ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن أمْرِ العِجْلِ إنَّما هو فِتْنَةٌ إذْ كانَ مَأْمُورًا مِن عِنْدِ اللَّهِ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ومِن أخِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢] الآيَةَ ولا يُمْكِنُهُ أنْ يُخالِفَ أمْرَ اللَّهِ وأمْرَ أخِيهِ. ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى يُوشَعٍ إنِّي مُهْلِكٌ مِن قَوْمِكَ أرْبَعِينَ ألْفًا فَقالَ: يا رَبِّ فَما بالُ الأخْيارِ ؟ قالَ: إنَّهم لَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي، والمُضافُ إلَيْهِ المَقْطُوعُ عَنْهُ مِن قَبْلُ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن قَبْلُ أنْ يَقُولَ لَهُمُ السّامِرِيُّ ما قالَ، كَأنَّهم أوَّلُ ما وقَعَتْ عَلَيْهِ أبْصارُهم حِينَ طَلَعَ مِنَ الحُفْرَةِ افْتَتَنُوا بِهِ واسْتَحْسَنُوهُ قَبْلَ أنْ يَنْطِقَ السّامِرِيُّ بادَرَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ .

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ هارُونَ قَدْ كانَ قالَ لَهم في أوَّلِ حالِ العِجْلِ إنَّما هي فِتْنَةٌ وبَلاءٌ وتَمْوِيهٌ مِنَ السّامِرِيِّ، وإنَّما رَبُّكُمُ الرَّحْمَنُ الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ والعِلْمُ والخَلْقُ والِاخْتِراعُ (فاتَّبِعُونِي) إلى الطُّورِ الَّذِي واعَدَكُمُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ ﴿وأطِيعُوا أمْرِي﴾ فِيما ذَكَرْتُهُ لَكم. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى العِجْلِ، زَجَرَهم أوَّلًا هارُونُ عَنِ الباطِلِ وإزالَةِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّما فُتِنْتُمْ﴾ ثُمَّ نَبَّهَهم عَلى مَعْرِفَةِ رَبِّهِمْ وذَكَرَ وصْفَ الرَّحْمَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم مَتى تابُوا قَبِلَهم وتَذْكِيرًا لِتَخْلِيصِهِمْ مِنفِرْعَوْنَ زَمانَ لَمْ يُوجَدِ العِجْلُ، ثُمَّ أمَرَهم بِاتِّباعِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ نَبِيٌّ يَجِبُ أنْ يُتَّبَعَ ويُطاعَ أمْرُهُ.

وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ وأنَّ رَبَّكم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والجُمْهُورُ بِكَسْرِها، والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِنها في مَوْضِعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ والأمْرُ ﴿وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ فَهو مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، وقَدَّرَهُ أبُو حاتِمٍ ولِأنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ أنَما وأنَّ رَبَّكم بِفَتْحِ الهَمْزَتَيْنِ وتَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى لُغَةِ سُلَيْمٍ حَيْثُ يَفْتَحُونَ أنَّ بَعْدَ القَوْلِ مُطْلَقًا.

ولَمّا وعَظَهم هارُونُ ونَبَّهَهم عَلى ما فِيهِ رُشْدُهُمُ اتَّبَعُوا سَبِيلَ الغَيِّ و﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ﴾ عَلى عِبادَتِهِ مُقِيمِينَ مُلازِمِينَ لَهُ، وغَيُّوا ذَلِكَ بِرُجُوعِ مُوسى وفي قَوْلِهِمْ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ رُجُوعِهِمْ إلى الِاسْتِدْلالِ وأخَذَ بِتَقْلِيدِهِمُ السّامِرِيُّ ودَلالَةٌ عَلى أنَّ (لَنْ) لا تَقْتَضِي التَّأْيِيدَ خِلافًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ إذْ لَوْ كانَ مِن مَوْضُوعِها التَّأْبِيدُ لَما جازَتِ التَّغْيِيَةُ بِحَتّى لِأنَّ التَّغْيِيَةَ لا تَكُونُ إلّا حَيْثُ يَكُونُ الشَّيْءُ مُحْتَمَلًا فَيُزِيلُ ذَلِكَ الِاحْتِمالَ بِالتَّغْيِيَةِ.

20:92–95Page 318

قَالَ يَٰهَٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذۡ رَأَيۡتَهُمۡ ضَلُّوٓاْ ٩٢

[Moses] said, "O Aaron, what prevented you, when you saw them going astray,

أَلَّا تَتَّبِعَنِۖ أَفَعَصَيۡتَ أَمۡرِي ٩٣

From following me? Then have you disobeyed my order?"

قَالَ يَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡيَتِي وَلَا بِرَأۡسِيٓۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَيۡنَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِي ٩٤

[Aaron] said, "O son of my mother, do not seize [me] by my beard or by my head. Indeed, I feared that you would say, 'You caused division among the Children of Israel, and you did not observe [or await] my word.'"

قَالَ فَمَا خَطۡبُكَ يَٰسَٰمِرِيُّ ٩٥

[Moses] said, "And what is your case, O Sāmirī?"

وقَبْلَ (p-٢٧٣)قَوْلِهِ ﴿قالَ ياهارُونُ﴾ كَلامٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَرَجَعَ مُوسى ووَجَدَهم عاكِفِينَ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ ﴿قالَ ياهارُونُ﴾ وكانَ ظُهُورُ العِجْلِ في سادِسِ وثَلاثِينَ يَوْمًا وعَبَدُوهُ وجاءَهم مُوسى بَعْدَ اسْتِكْمالِ الأرْبَعِينَ، فَعَتَبَ مُوسى عَلى عَدَمِ اتِّباعِهِ لَمّا رَآهم قَدْ ضَلُّوا و(لا) زائِدَةٌ كَهي في قَوْلِهِ ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] . وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى دَخَلَتْ (لا) هُنا لِأنَّ المَعْنى ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَتَّبِعَنِي، وما حَمَلَكَ عَلى أنْ لا تَتَّبِعَنِي بِمَن مَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ يُرِيدُ قَوْلَهُ ﴿اخْلُفْنِي﴾ [الأعراف: ١٤٢] الآيَةَ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما مَنَعَكَ أنْ تَتَّبِعَنِي في الغَضَبِ لِلَّهِ وشِدَّةِ الزَّجْرِ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي، وهَلّا قاتَلَتْ مَن كَفَرَ بِمَن آمَنَ ومالَكَ لَمْ تُباشِرِ الأمْرَ كَما كُنْتُ أُباشِرُهُ أنا لَوْ كُنْتُ شاهِدًا، أوْ مالَكَ لَمْ تَلْحَقْنِي. وفي ذَلِكَ تَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُهُ وتَكْثِيرٌ ولَمّا كانَ قَوْلُهُ تَتَّبِعَنِي لَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلِّقُهُ كانَ الظّاهِرُ أنْ لا تَتَّبِعَنِي إلى جَبَلِ الطُّورِ بِبَنِي إسْرائِيلَ فَيَجِيءُ اعْتِذارُ هارُونَ بِقَوْلِهِ ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ إذْ كانَ لا يَتَّبِعُهُ إلّا المُؤْمِنُونَ ويَبْقى عُبّادُ العِجْلِ عاكِفِينَ عَلَيْهِ كَما قالُوا ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَتَّبِعَنِي تَسِيرُ بِسَيْرِي في الإصْلاحِ والتَّسْدِيدِ، فَيَجِيءُ اعْتِذارُهُ أنَّ الأمْرَ تَفاقَمَ فَلَوْ تَقَوَّيْتُ عَلَيْهِ تَقاتَلُوا واخْتَلَفُوا فَكانَ تَفْرِيقًا بَيْنَهم وإنَّما لايَنْتُ جُهْدِي.

وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ بِلَحْيَتِي بِفَتْحِ اللّامِ وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ شَدِيدَ الغَضَبِ لِلَّهِ ولِدِينِهِ، ولَمّا رَأى قَوْمَهُ عَبَدُوا عِجْلًا مِن دُونِ اللَّهِ بَعْدَ ما شاهَدُوا مِنَ الآياتِ العِظامِ لَمْ يَتَمالَكْ أنْ أقْبَلَ عَلى أخِيهِ قابِضًا عَلى شَعْرِ رَأْسِهِ، وكانَ كَثِيرَ الشَّعْرِ وعَلى شَعْرِ وجْهِهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ فَأبْدى عُذْرَهُ فَإنَّهُ لَوْ قاتَلَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَتّفَرَّقُوا وتَفانَوْا، فانْتَظَرَتُكَ لِتَكُونَ المُتَدَرِاكَ لَهم، وخَشِيتُ عِتابَكَ عَلى اطِّراحِ ما وصَّيْتَنِي بِهِ والعَمَلِ بِمُوجِبِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ [الأعراف: ١٥٠] قِراءَةً وإعْرابًا وغَيْرَ ذَلِكَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ولَمْ يُرْقِبْ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ القافِ مُضارِعُ أرْقُبُ.

ولَمّا اعْتَذَرَ لَهُ أخُوهُ رَجَعَ إلى مُخاطَبَةِ الَّذِي أوْقَعَهم في الضَّلالِ وهو السّامِرِيُّ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الخَطْبِ في سُورَةِ يُوسُفَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿فَما خَطْبُكَ﴾ كَما تَقُولُ ما شَأْنُكَ وما أمْرُكَ، لَكِنَّ لَفْظَةَ الخَطْبِ تَقْتَضِي انْتِهارًا لِأنَّ الخَطْبَ مُسْتَعْمَلٌ في المَكارِهِ فَكَأنَّهُ قالَ: ما نَحْسُكَ وما شُؤْمُكَ، وما هَذا الخَطْبُ الَّذِي جاءَ مِن قِبَلَكَ. انْتَهى.

وهَذا لَيْسَ كَما ذَكَرَ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ قالَ ﴿فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ [الحجر: ٥٧] وهو قَوْلُ إبْراهِيمَ لِمَلائِكَةِ اللَّهِ فَلَيْسَ هَذا يَقْتَضِي انْتِهارًا ولا شَيْئًا مِمّا ذَكَرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَطْبٌ مَصْدَرُ خَطَبَ الأمْرَ إذا طَلَبَهُ، فَإذا قِيلَ لِمَن يَفْعَلُ شَيْئًا ما خَطْبُكَ، فَمَعْناهُ ما طَلَبُكَ لَهُ. انْتَهى. ومِنهُ خِطْبَةُ النِّكاحِ وهو طَلَبُهُ. وقِيلَ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ الخِطابِ كَأنَّهُ قالَ لَهُ: ما حَمَلَكَ عَلى أنْ خاطَبْتَ بَنِي إسْرائِيلَ بِما خاطَبْتَ وفَعَلْتَ مَعَهم ما فَعَلْتَ ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه: ٩٦] . قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلِمْتُ ما لَمْ يَعْلَمُوا. وقالَ الزَّجّاجُ: بَصُرَ بِالشَّيْءِ إذا عَلِمَهُ وأبْصَرَ إذا نَظَرَ. وقِيلَ: بَصَرَ بِهِ وأبْصَرَهُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو السَّمّاكِ: بَصِرْتُ بِكَسْرِ الصّادِ بِما لَمْ تَبْصَرُوا بِفَتْحِ الصّادِ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ بُصُرْتُ بِضَمِّ الباءِ وضَمِّ الصّادِ بِما لَمْ تُبْصِرُوا بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فِيهِما. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بَصُرْتُ﴾ [طه: ٩٦] بِضَمِّ الصّادِ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَحْرِيَّةَ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وابْنُ مُناذِرٍ وابْنُ سَعْدانَ وقَعْنَبٌ تَبْصُرُوا بِتاءِ الخِطابِ لِمُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ وباقِي السَّبْعَةِ (يَبْصُرُوا) بِياءِ الغَيْبَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً﴾ [طه: ٩٦] بِالضّادِ المُعْجَمَةِ فِيهِما أيْ أخَذْتُ بِكَفِّي مَعَ الأصابِعِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأُبَيٌّ وابْنُ الزُّبَيْرِ وحُمَيدٌ والحَسَنُ بِالصّادِ فِيهِما، وهو الأخْذُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ وقَتادَةُ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِضَمِّ القافِ والصّادِ المُهْمَلَةِ، وأدْغَمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ الضّادَ المَنقُوطَةَ في تاءِ المُتَكَلِّمِ وأبْقى الإطْباقَ مَعَ تَشْدِيدِ التّاءِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ (الرَّسُولِ) هُنا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ (p-٢٧٤)السَّلامُ، وتَقْدِيرُهُ مِن (أثَرِ) فَرَسِ (الرَّسُولِ) وكَذا قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والأثَرُ التُّرابُ الَّذِي تَحْتَ حافِرِهِ (فَنَبَذْتُها) أيْ ألْقَيْتُها عَلى الحُلِيِّ الَّذِي تَصَوَّرَ مِنهُ العِجْلُ فَكانَ مِنها ما رَأيْتُ. وقالَ الأكْثَرُونَ رَأى السّامِرِيُّ جِبْرِيلَ يَوْمَ فُلِقَ البَحْرُ، وعَنْ عَلِيٍّ رَآهُ حِينَ ذَهَبَ مُوسى إلى الطُّورِ وجاءَهُ جِبْرِيلُ فَأبْصَرَهُ دُونَ النّاسِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: لِمَ سَمّاهُ (الرَّسُولَ) دُونَ جِبْرِيلَ ورُوحِ القُدُسِ ؟ قُلْتُ: حِينَ حَلَّ مِيعادُ الذِّهابِ إلى الطُّورِ أرْسَلَ اللَّهُ إلى مُوسى جِبْرِيلَ راكِبَ حَيْزُومَ فَرَسِ الحَياةِ لِيَذْهَبَ بِهِ، فَأبْصَرَهُ السّامِرِيُّ فَقالَ: إنَّ لِهَذا لَشَأْنًا فَقَبَضَ القَبْضَةَ مِن تُرْبَةِ مَوْطِئِهِ، فَلَمّا سَألَهُ مُوسى عَنْ قِصَّتِهِ قالَ قَبَضْتُ مِن أثَرِ فَرَسِ المُرْسَلِ إلَيْكَ يَوْمَ حُلُولِ المِيعادِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أنَّهُ جِبْرِيلُ. انْتَهى. وهو قَوْلُ عَلِيٍّ مَعَ زِيادَةٍ.

وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيُّ: لَيْسَ في القُرْآنِ تَصْرِيحٌ بِهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ، وهُنا وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالرَّسُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأثَرُهُ سُنَّتُهُ ورَسْمُهُ الَّذِي أمَرَ بِهِ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ: فُلانٌ يَقْفُو أثَرَ فُلانٍ ويَقْتَصُّ أثَرَهُ إذا كانَ يَمْتَثِلُ رَسْمَهُ، والتَّقْدِيرُ أنَّ مُوسى لَمّا أقْبَلَ عَلى السّامِرِيِّ بِاللَّوْمِ والمَسْألَةِ عَنِ الأمْرِ الَّذِي دَعاهُ إلى إضْلالِ القَوْلِ في العِجْلِ ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه: ٩٦] أيْ عَرَفْتُ أنَّ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ بِحَقٍّ، وقَدْ كُنْتُ قَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِكَ أيُّها الرَّسُولُ أيْ شَيْئًا مِن دِينِكَ (فَنَبَذْتُها) أيْ طَرَحْتُها. فَعِنْدَ ذَلِكَ أُعْلِمَ مُوسى بِما لَهُ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وإنَّما أرادَ لَفْظَ الإخْبارِ عَنْ غائِبٍ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِرَئِيسِهِ وهو مُواجِهٌ لَهُ: ما يَقُولُ الأمِيرُ في كَذا أوْ بِماذا يَأْمُرُ الأمِيرُ، وتَسْمِيَتُهُ رَسُولًا مَعَ جَحْدِهِ وكُفْرِهِ، فَعَلى مَذْهَبِ مَن حَكى اللَّهُ عَنْهُ قَوْلَهُ ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] فَإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالإنْزالِ قِيلَ: وما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ إلّا أنَّ فِيهِ مُخالَفَةَ المُفَسِّرِينَ. قِيلَ: ويَبْعُدُ ما قالُوهُ أنَّ جِبْرِيلَ لَيْسَ مَعْهُودًا بِاسْمِ رَسُولٍ، ولَمْ يَجْرِ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرٌ حَتّى تَكُونَ اللّامُ في الرَّسُولِ لِسابِقٍ في الذِّكْرِ، ولِأنَّ ما قالُوهُ لا بُدَّ مِن إضْمارِ أيْ مِن أثَرِ حافِرِ فَرَسِ الرَّسُولِ والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ، ولِأنَّ اخْتِصاصَ السّامِرِيِّ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ ومَعْرِفَتِهِ مِن بَيْنِ النّاسِ يَبْعُدُ جَدًّا، وكَيْفَ عَرَفَ أنَّ حافِرَ فَرَسِهِ يُؤَثِّرُ هَذا الأثَرَ الغَرِيبَ العَجِيبَ مِن إحْياءِ الجَمادِ بِهِ وصَيْرُورَتِهِ لَحْمًا ودَمًا ؟ وكَيْفَ عَرَفَ جِبْرِيلُ يَتَرَدَّدُ إلى نَبِيٍّ وقَدْ عَرَفَ نُبُوَّتَهُ وصَحَّتْ عِنْدَهُ فَحاوَلَ الإضْلالَ ؟ وكَيْفَ اطَّلَعَ كافِرٌ عَلى تُرابٍ هَذا شَأْنُهُ ؟ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَعَلَّ مُوسى اطَّلَعَ عَلى شَيْءٍ آخَرَ يُشْبِهُ هَذا فَلِأجْلِهِ أتى بِالمُعْجِزاتِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ قادِحًا فِيما أتَوْا بِهِ مِنَ الخَوارِقِ. انْتَهى. ما رَجَّحَ بِهِ هَذا القائِلُ قَوْلَ أبِي مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيِّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском