Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:162–165
3:162–163Page 71
أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٦٢
So is one who pursues the pleasure of Allāh like one who brings upon himself the anger of Allāh and whose refuge is Hell? And wretched is the destination.
هُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ١٦٣
They are [varying] degrees in the sight of Allāh, and Allāh is Seeing of whatever they do.
﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾: هَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ النَّفْيُ، أيْ لَيْسَ مَنِ اتَّبَعَ رِضا اللَّهِ فامْتَثَلَ أوامِرَهُ واجْتَنَبَ مَناهِيهِ كَمَن عَصاهُ فَباءَ بِسَخَطِهِ، وهَذا مِنَ الِاسْتِعارَةِ البَدِيعِيَّةِ، جَعَلَ ما شَرَعَهُ اللَّهُ كالدَّلِيلِ الَّذِي يَتْبَعُهُ مَن يَهْتَدِي بِهِ، وجَعَلَ العاصِيَ كالشَّخْصِ الَّذِي أُمِرَ بِأنْ يَتَّبِعَ شَيْئًا عَنِ اتِّباعِهِ ورَجَعَ مَصْحُوبًا بِما (p-١٠٢)يُخالِفُ الِاتِّباعَ. وفي الآيَةِ مِن حَيْثُ المَعْنى حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أفَمَنِ اتَّبَعَ ما يَئُولُ بِهِ إلى رِضا اللَّهِ عَنْهُ، فَباءَ بِرِضاهُ كَمَن لَمْ يَتَّبِعْ ذَلِكَ فَباءَ بِسَخَطِهِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ والجُمْهُورُ: أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ فَلَمْ يَغُلَّ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ حِينَ غَلَّ. وقالَ الزَّجّاجُ: أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ يَوْمَ أُحُدٍ، كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ بِتَخَلُّفِهِ وهم جَماعَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ أيْضًا: رِضْوانُ اللَّهِ الجِهادُ، والسُّخْطُ الفِرارُ. وقِيلَ: رِضا اللَّهِ طاعَتُهُ، وسُخْطُهُ عِقابُهُ. وقِيلَ: سُخْطُهُ مَعْصِيَتُهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. ويَعْسُرُ ما يَزْعُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن تَقْدِيرِ مَعْطُوفٍ بَيْنَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وبَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ، وتَقْدِيرُهُ مُتَكَلَّفٌ جِدًّا فِيهِ، رَجَحَ إذْ ذاكَ مَذْهَبُ الجُمْهُورِ مِن أنَّ الفاءَ مَحَلُّها قَبْلَ الهَمْزَةِ، لَكِنْ قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ. وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في ”رِضْوانَ“ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ، والظّاهِرُ اسْتِئْنافٌ.
﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾: أخْبَرَ أنَّ مَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ فَمَكانُهُ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ هو جَهَنَّمُ، وأفْهَمَ هَذا أنَّ مُقابِلَهُ وهو مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ مَأْواهُ الجَنَّةُ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في صِلَةِ ”مَن“ فَوَصَلَها بِقَوْلِهِ: ”باءَ“ . وبِهَذِهِ الجُمْلَةِ كانَ المَعْنى: كَمَن باءَ بِسَخَطِ اللَّهِ وآلَ إلى النّارِ. وبِئْسَ المَصِيرُ: أيْ جَهَنَّمَ.
﴿هم دَرَجاتٌ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ كَقَوْلِهِ: هم طَبَقاتٌ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: أيْ ذَوُو دَرَجاتٍ، فَإنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ أفْضَلُ مِن بَعْضٍ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الغالِّ وتارِكِ الغُلُولِ، والدَّرَجَةُ: الرُّتْبَةُ. وقالَ الرّازِيُّ: تَقْدِيرُهُ: لَهم دَرَجاتٌ. قالَ بَعْضُ المُصَنِّفِينَ رادًّا عَلَيْهِ: اتَّبَعَ الرّازِيُّ في ذَلِكَ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ بِجَهْلِهِ وجَهْلِهِمْ بِلِسانِ العَرَبِ؛ لِأنَّ حَذْفَ لامِ الجَرِّ هُنا لا مَساغَ لَهُ؛ لِأنَّهُ إنَّما تُحْذَفُ لامُ الجَرِّ في مَواضِعِ الضَّرُورَةِ، أوْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وهَذا لَيْسَ مِن تِلْكَ المَواضِعِ. عَلى أنَّ المَعْنى دُونَ حَذْفِها حَسَنٌ مُتَمَكِّنٌ جِدًّا؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ، وكَأنَّهُ مُنْتَظِرٌ لِلْجَوابِ، قِيلَ لَهُ في الجَوابِ: لا، لَيْسُوا سَواءً، بَلْ هم دَرَجاتٌ (عِنْدَ اللَّهِ) عَلى حَسَبِ أعْمالِهِمْ. وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى تَقْدِيرِ حَذْفِ اللّامِ لَوْ كانَ سائِغًا، كَيْفَ وهو غَيْرُ سائِغٍ. انْتَهى كَلامُ المُصَنِّفِ. ويَحْمِلُ تَفْسِيرُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنِ أنَّ المَعْنى: لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ، عَلى تَفْسِيرِ المَعْنى لا تَفْسِيرِ اللَّفْظِ الإعْرابِيِّ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِمْ: هم دَرَجاتٌ، أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى الجَمِيعِ، فَهم مُتَفاوِتُونَ في الثَّوابِ والعِقابِ، وقَدْ جاءَ التَّفاوُتُ في العَذابِ كَما جاءَ التَّفاوُتُ في الثَّوابِ. ومَعْنى عِنْدَ اللَّهِ عَلى هَذا القَوْلِ: في حُكْمِ اللَّهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى أهْلِ الرِّضْوانِ، فَيَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ مَعْناها التَّشْرِيفُ والمَكانَةُ لا المَكانُ. كَقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] والدَّرَجاتُ إذْ ذاكَ مَخْصُوصَةٌ بِالجَنَّةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ جُبَيْرٍ وأبِي صالِحٍ ومُقاتِلٍ، وظاهِرُ ما قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ. والدَّرَجاتُ المَنازِلُ بَعْضُها أعْلى مِن بَعْضٍ مِنَ المَسافَةِ أوْ في التَّكْرِمَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”دَرَجاتٌ“، فَهي مُطابِقَةٌ لِلَفْظِ ”هم“ . وقَرَأ النَّخَعِيُّ دَرَجَةً بِالإفْرادِ.
﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾: أيْ عالِمٌ بِأعْمالِهِمْ ودَرَجاتِها، فَمُجازِيهِمْ عَلى حَسَبِها. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الطِّباقَ في: يَنْصُرُكم ويَخْذُلُكم، وفي رِضْوانِ اللَّهِ وبِسَخَطٍ. والتَّكْرارُ في: يَنْصُرُكم ويَنْصُرُكم، وفي الجَلالَةِ في مَواضِعَ. والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ: في يَغُلُّ وما غَلَّ. والِاسْتِفْهامُ الَّذِي مَعْناهُ في: ”﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ﴾“ الآيَةَ. والِاخْتِصاصُ في: فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ، وفي: وما كانَ لِنَبِيٍّ، وفي: بِما يَعْمَلُونَ، خُصَّ العَمَلُ دُونَ القَوْلِ؛ لِأنَّ العَمَلَ جُلُّ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ. والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ.
3:164Page 71
لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ١٦٤
Certainly did Allāh confer [great] favor upon the believers when He sent among them a Messenger from themselves, reciting to them His verses and purifying them and teaching them the Book [i.e., the Qur’ān] and wisdom,1 although they had been before in manifest error.
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الفَرِيقَيْنِ: (p-١٠٣)فَرِيقَ الرِّضْوانِ، وفَرِيقَ السُّخْطِ، وأنَّهم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ مُجْمَلًا مِن غَيْرِ تَفْصِيلٍ، فَصَلَ أحْوالَهم وبَدَأ بِالمُؤْمِنِينَ، وذَكَرَ ما امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِ مِن بَعْثِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ تالِيًا لِآياتِ اللَّهِ، ومُبَيِّنًا لَهم طَرِيقَ الهُدى، ومُطَهِّرًا لَهم مِن أرْجاسِ الشِّرْكِ، ومُنْقِذًا لَهم مِن غَمْرَةِ الضَّلالَةِ بَعْدَ أنْ كانُوا فِيها. وسَلّاهم عَمّا أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الخِذْلانِ والقَتْلِ والجَرْحِ لِما أنالَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ. ثُمَّ فَصَّلَ حالَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ هم أهْلُ السُّخْطِ بِما نَصَّ عَلَيْهِ تَعالى.
ومَعْنى ”مَنَّ“: تَطَوَّلَ وتَفَضَّلُ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِبَعْثِهِ، والظّاهِرُ عُمُومُهُ. فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى مِن أنْفُسِهِمْ مِن أهْلِ مِلَّتِهم، كَما قالَ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] والمَعْنى: مِن جِنْسِ بَنِي آدَمَ، والِامْتِنانُ بِذَلِكَ لِحُصُولِ الأُنْسِ بِكَوْنِهِ مِنَ الإنْسِ، فَيَسْهُلُ المُتَلَقّى مِنهُ، وتَزُولُ الوَحْشَةُ والنَّفْرَةُ الطَّبِيعِيَّةُ الَّتِي بَيْنَ الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ، ولِمَعْرِفَةِ قُوى جِنْسِهِمْ. فَإذا ظَهَرَتِ المُعْجِزَةُ أدْرَكُوا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في قُوى بَنِي آدَمَ، فَعَلِمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَكانَ ذَلِكَ داعِيَةً إلى الإجابَةِ. ولَوْ كانَ الرَّسُولُ مِن غَيْرِ الجِنْسِ لَتُخُيِّلَ أنَّ تِلْكَ المُعْجِزَةَ هي في طِباعِهِ، أشارَ إلى هَذِهِ العِلَّةِ الماتُرِيدِيُّ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ العَرَبُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ حَيٌّ مِن أحْياءِ العَرَبِ إلّا لَهُ فِيهِمْ نَسَبٌ مِن قَبْلِ أُمَّهاتِهِ، إلّا بَنِي تَغْلِبَ؛ لِنَصْرانِيَّتِهِمْ. قالَهُ النَّقّاشُ، فَصارَ بَعْثُهُ فِيهِمْ شَرَفًا لَهم عَلى سائِرِ الأُمَمِ.
ويَكُونُ مَعْنى ”مِن أنْفُسِهِمْ“: أيْ مِن جِنْسِهِمْ عَرَبِيًّا مِثْلَهم. وقِيلَ: مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، كَما أنَّهم مِن ولَدَهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: قالَ ”مِن أنْفُسِهِمْ“ لِكَوْنِهِ مَعْرُوفَ النِّسَبِ فِيهِمْ، مَعْرُوفًا بِالأمانَةِ والصِّدْقِ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمُ التَّعْلِيمُ مِنهُ، لِمُوافَقَةِ اللِّسانِ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: لِأنَّ شَرَفَهم يَتِمُّ بِظُهُورِ نَبِيٍّ مِنهم. انْتَهى.
والمِنَّةُ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِ مِن أنْفُسِهِمْ، إذْ كانَ اللِّسانُ واحِدًا، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِمْ أخْذُ ما يَجِبُ أخْذُهُ عَنْهُ. وكانُوا واقِفِينَ عَلى أحْوالِهِ في الصِّدْقِ والأمانَةِ، فَكانَ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى تَصْدِيقِهِ والوُثُوقِ بِهِ. وقُرِئَ شاذًّا: لِمِن مَنِّ اللَّهِ عَلى المُؤْمِنِينَ (p-١٠٤)بِمِنِ الجارَّةِ و”مَنِّ“ مَجْرُورٌ بِها بَدَلَ ”قَدْ مَنَّ“ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ وجْهانِ: أنْ يُرادَ لِمِن مَنِّ اللَّهِ عَلى المُؤْمِنِينَ مِنهُ أوْ بَعَثَهُ فِيهِمْ، فَحُذِفَ لِقِيامِ الدَّلالَةِ. أوْ يَكُونُ ”إذْ“ في مَحَلِّ الرَّفْعِ كَإذا في قَوْلِكَ: أخْطَبُ ما يَكُونُ الأمِيرُ، إذْ كانَ قائِمًا، بِمَعْنى لِمِن مَنِّ اللَّهِ عَلى المُؤْمِنِينَ وقْتَ بَعْثِهِ. انْتَهى.
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَهو سائِغٌ، وقَدْ حُذِفَ المُبْتَدَأُ مَعَ مِن في مَواضِعَ مِنها: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لِيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] ﴿وما مَنّا إلّا لَهُ مَقامٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١] عَلى قَوْلٍ. وأمّا الوَجْهُ الثّانِي فَهو فاسِدٌ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ ”إذْ“ مُبْتَدَأةً ولَمْ يَسْتَعْمِلْها العَرَبُ مُتَصَرِّفَةً ألْبَتَّةَ، إنَّما تَكُونُ ظَرْفًا أوْ مُضافًا إلَيْها اسْمُ زَمانٍ، ومُفَعْوِلَةً بِاذْكُرْ عَلى قَوْلٍ. أمّا أنْ تُسْتَعْمَلَ مُبْتَدَأةً فَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ في لِسانِ العَرَبِ، لَيْسَ في كَلامِهِمْ نَحْوُ: إذْ قامَ زَيْدٌ طَوِيلٌ وأنْتَ، تُرِيدُ وقْتَ قِيامِ زَيْدٍ طَوِيلٍ. وقَدْ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لَمْ تَرِدْ إذْ وإذا في كَلامِ العَرَبِ إلّا ظَرْفَيْنِ، ولا يَكُونانِ فاعِلَيْنِ ولا مَفْعُولَيْنِ، ولا مُبْتَدَأيْنِ. انْتَهى كَلامُهُ. وأمّا قَوْلُهُ: في مَحَلِّ الرَّفْعِ كَإذا، فَهَذا التَّشْبِيهُ فاسِدٌ؛ لِأنَّ المُشَبَّهَ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، والمُشَبَّهَ بِهِ لَيْسَ مُبْتَدَأً. إنَّما هو ظَرْفٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَلى زَعْمِ مَن يَرى ذَلِكَ. ولَيْسَ في الحَقِيقَةِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، بَلْ هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالعامِلِ المَحْذُوفِ، وذَلِكَ العامِلُ هو مَرْفُوعٌ. فَإذا قالَ النُّحاةُ: هَذا الظَّرْفُ الواقِعُ خَبَرًا في مَحَلِّ الرَّفْعِ، فَيَعْنُونَ أنَّهُ لَمّا قامَ مَقامَ المَرْفُوعِ صارَ في مَحَلِّهِ، وهو في التَّحْقِيقِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ كَما ذَكَرْنا. وأمّا قَوْلُهُ في قَوْلِكَ: أخْطَبُ ما يَكُونُ الأمِيرُ إذا كانَ قائِمًا، فَهَذا في غايَةِ الفَسادِ؛ لِأنَّ هَذا الظَّرْفَ عَلى مَذْهَبِ مَن يَجْعَلُهُ في مَوْضِعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو أخْطَبُ، لا يُجِيزُ أنْ يَنْطِقَ بِهِ، إنَّما هو أمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ. ونَصَّ أرْبابُ هَذا المَذْهَبِ وهُمُ القائِلُونَ بِإعْرابِ أخْطَبَ مُبْتَدَأً، أنَّ هَذِهِ الحالَ سَدَّتْ مَسَدَّ الخَبَرِ، وأنَّهُ مِمّا يَجِبُ حَذْفُ الخَبَرِ فِيهِ لِسَدِّ هَذِهِ الحالِ مَسَدَّهُ. وفي تَقْرِيرِ هَذا الخَبَرِ أرْبَعَةُ مَذاهِبَ، ذُكِرَتْ في مَبْسُوطاتِ النَّحْوِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”مِن أنْفُسِهِمْ“ بِضَمِّ الفاءِ، جَمْعُ نَفْسٍ. وقَرَأتْ فاطِمَةُ، وعائِشَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو الجَوْزاءِ: ”مِن أنْفَسِهِمْ“ بِفَتْحِ الفاءِ مِنَ النَّفاسَةِ والشَّيْءِ النَّفِيسِ. ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ أنَّهُ سَمِعَها كَذَلِكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . «ورَوى عَلِيٌّ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”أنا مِن أنْفَسِكم نَسَبًا وحَسَبًا وصِهْرًا، ولا في آبائِي مِن آدَمَ إلى يَوْمِ وُلِدْتُ سِفاحٌ، كُلُّها نِكاحٌ والحَمْدُ لِلَّهِ“» .
قِيلَ: والمَعْنى مِن أشْرَفِهِمْ؛ لِأنَّ عَدْنانَ ذُرْوَةُ ولَدِ إسْماعِيلَ، ومُضَرَ ذُرْوَةُ نِزارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنانَ، وخِنْدِفَ ذُرْوَةُ مُضَرَ، ومُدْرِكَةَ ذُرْوَةُ خِنْدِفَ، وقُرَيْشًا ذُرْوَةُ مُدْرِكَةَ، وذُرْوَةَ قُرَيْشٍ مُحَمَّدٌ ﷺ . وفِيما خَطَبَ بِهِ أبُو طالِبٍ في تَزْوِيجِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وقَدْ حَضَرَ مَعَهُ بَنُو هاشِمٍ ورُؤَساءُ مُضَرٍ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وزَرْعِ إسْماعِيلَ، وضِئْضِئِ مَعَدٍّ، وعُنْصُرِ مُضَرَ، وجَعَلَنا حَضَنَةَ بَيْتِهِ وسُوّاسَ حَرَمَهُ، وجَعَلَ لَنا بَيْتًا مَحْجُوجًا، وحَرَمًا آمِنًا، وجَعَلَنا الحُكّامَ عَلى النّاسِ، ثُمَّ إنَّ ابْنَ أخِي هَذا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَن لا يُوازَنُ بِهِ فَتًى مِن قُرَيْشٍ إلّا رَجَحَ بِهِ، وهو واللَّهِ بَعْدَ هَذا لَهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ وخَطَرٌ جَلِيلٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما خَلَقَ اللَّهُ نَفْسًا هي أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِهِ ﷺ وما أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ غَيْرِهِ فَقالَ: ”﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢]“ .
﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمَلِ.
﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ﴾: أيْ مِن قَبْلِ بَعْثِهِ.
﴿لَفِي ضَلالٍ﴾: (p-١٠٥)أيْ حَيْرَةٍ واضِحَةٍ فَهَداهم بِهِ. وإنْ هُنا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها وعَلى اللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَتْ لِكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] والخِلافُ في ذَلِكَ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، وتَقْدِيرُهُ: وإنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ. انْتَهى. وقالَ مَكِّيٌّ: وقَدْ ذَكَرَ أنَّهُ قَبْلَ إنْ نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، أيْ: وما كانُوا مِن قَبْلُ إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ، قالَ: وهَذا قَوْلُ الكُوفِيِّينَ. وأمّا سِيبَوَيْهِ فَإنَّهُ قالَ: إنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها مُضْمَرٌ، والتَّقْدِيرُ عَلى قَوْلِهِ: وإنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ في ضَلالٍ مُبِينٍ. فَظَهَرَ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ حِينَ خُفِّفَتْ حُذِفَ اسْمُها وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ والحَدِيثِ، ومِن كَلامِ مَكِّيٍّ أنَّها حِينَ خُفِّفَتْ حُذِفَ اسْمُها وهو ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، وكِلا هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ لا نَعْرِفُ. نَحْوِيًّا ذَهَبَ إلَيْهِ. إنَّما تَقَرَّرَ عِنْدَنا في كُتُبِ النَّحْوِ ومِنَ الشُّيُوخِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: إنَّ زَيْدًا قائِمٌ ثُمَّ خَفَّفْتَ، فَمَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ فِيها إذْ ذاكَ وجْهانِ، أحَدُهُما: جَوازُ الإعْمالِ، ويَكُونُ حالُها وهي مُخَفَّفَةٌ كَحالِها وهي مُشَدَّدَةٌ، إلّا أنَّها لا تَعْمَلُ في مُضْمَرٍ. ومَنَعَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ، وهم مَحْجُوجُونَ بِالسَّماعِ الثّابِتِ مِن لِسانِ العَرَبِ. والوَجْهُ الثّانِي: وهو الأكْثَرُ عِنْدَهم أنْ تُهْمَلَ فَلا تَعْمَلُ، لا في ظاهِرٍ، ولا في مُضْمَرٍ، لا مَلْفُوظٍ بِهِ ولا مُقَدَّرٍ ألْبَتَّةَ. فَإنْ ولِيَها جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ ارْتَفَعَتْ بِالِابْتِداءِ والخَبَرِ، ولَزِمَتِ اللّامُ في ثانِي مَضْمُونَيْها إنْ لَمْ يُنْفَ، وفي أوَّلِهِما إنْ تَأخَّرَ، فَنَقُولُ: إنْ زَيْدٌ لَقائِمٌ، ومَدْلُولُهُ مَدْلُولُ إنَّ زَيْدًا قائِمٌ. وإنْ ولِيَها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ فَلا بُدَّ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ أنْ تَكُونَ مِن فَواتِحِ الِابْتِداءِ. وإنْ جاءَ الفِعْلُ مِن غَيْرِها فَهو شاذٌّ لا يُقاسُ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ”وإنْ كانُوا“ حالِيَّةٌ. والظّاهِرُ أنَّ العامِلَ فِيها هو: ”ويَعْلَمُهم“، فَهو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ.
3:165Page 71
أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَيۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٦٥
Why [is it that] when a [single] disaster struck you [on the day of Uḥud], although you had struck [the enemy in the battle of Badr] with one twice as great, you said, "From where is this?" Say, "It is from yourselves [i.e., due to your sin]." Indeed, Allāh is over all things competent.
﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ (p-١٠٦)الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: دَخَلَتْ عَلَيْها ألَّفُ التَّقْرِيرِ عَلى مَعْنى إلْزامِ المُؤْمِنِينَ هَذِهِ المَقالَةَ في هَذِهِ الحالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و”لَمّا“ نُصِبَ بِقُلْتُمْ وأصابَتْكم في مَحَلِّ الجَرِّ بِإضافَةِ ”لَمّا“ إلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: أقَلْتُمْ حِينَ أصابَتْكم. وأنّى هَذا نَصْبٌ ! لِأنَّهُ مَقُولٌ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّقْرِيعِ. (فَإنْ قُلْتَ): عَلامَ عَطَفَتِ الواوُ هَذِهِ الجُمْلَةَ ؟ (قُلْتُ): عَلى ما مَضى مِن قِصَّةِ أُحُدٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ [آل عمران: ١٥٢] ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى مَحْذُوفٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: أفَعَلْتُمْ كَذا وقُلْتُمْ حِينَئِذٍ كَذا ؟ . انْتَهى.
أمّا العَطْفُ عَلى ما مَضى مِن قِصَّةِ أُحُدٍ مِن قَوْلِهِ: ”﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ [آل عمران: ١٥٢]“ . فَفِيهِ بُعْدٌ، وبِعِيدٌ أنْ يَقَعَ مِثْلُهُ في القُرْآنِ. وأمّا العَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ فَهو جارٍ عَلى ما تَقَرَّرَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن مَذْهَبِهِ، وقَدْ رَدَدْناهُ عَلَيْهِ. وأمّا عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ: سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ قالُوا: وأصْلُها التَّقْدِيمُ، وعُطِفَتِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ عَلى ما قَبْلَها. وأمّا قَوْلُهُ: ولَمّا نُصِبَ إلى آخِرِهِ وتَقْدِيرُهُ: وقُلْتُمْ حِينَئِذٍ كَذا - فَجَعَلَ لَمّا بِمَعْنى حِينَ، فَهَذا لَيْسَ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ، وإنَّما هو مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. زَعَمَ أنَّ لَمّا ظَرْفُ زَمانٍ بِمَعْنى حِينَ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ جَرٍّ بِها، فَجَعَلَها مِنَ الظُّرُوفِ الَّتِي تَجِبُ إضافَتُها إلى الجُمَلِ، وجَعَلَها مَعْمُولَةً لِلْفِعْلِ الواقِعِ جَوابًا لَها في نَحْوِ: لَمّا جاءَ زَيْدٌ جاءَ عَمْرٌو، فَلَمّا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِجاءَ، مِن قَوْلِكَ: جاءَ عَمْرٌو. وأمّا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ فَلَمّا حَرْفٌ لا ظَرْفٌ، وهو حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ هو الصَّحِيحُ. وقَدْ بَيَّنّا فَسادَ مَذْهَبِ أبِي عَلِيٍّ مِن وُجُوهٍ في كِتابِنا المُسَمّى بِالتَّكْمِيلِ.
والمُصِيبَةُ: هي ما نَزَلَ بِالمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ مِنهم، وكَفِّهِمْ عَنِ الثَّباتِ لِلْقِتالِ. وإسْنادُ الإصابَةِ إلى المُصِيبَةِ هو مَجازٌ، كَإسْنادِ الإرادَةِ إلى الجِدارِ، والمِثْلانِ اللَّذانِ أصابُوهُما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ، وجَماعَةٌ: قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ، وأسْرُهم سَبْعِينَ، فالمِثْلِيَّةُ وقَعَتْ في العَدَدِ مِن إصابَةِ الرِّجالِ. وقالَ الزَّجّاجُ: قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ وقَتْلُهم يَوْمَ أُحُدٍ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ، فَهو قَتْلٌ بِقَتْلٍ، ولا مَدْخَلَ لِلْأسْرى في الآيَةِ؛ لِأنَّهم فُدُوا، فَلا مُماثَلَةَ بَيْنَ حالِهِمْ وبَيْنَ قَتْلِ سَبْعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المِثْلِيَّةُ في الِانْهِزامِ. هَزَمَ المُؤْمِنُونَ الكُفّارَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهَزَمُوهم أوَّلًا يَوْمَ أُحُدٍ، وهَزَمَهُمُ المُشْرِكُونَ في آخِرِ يَوْمِ أُحُدٍ. ومُلَخَّصُ ذَلِكَ: هَلِ المِثْلِيَّةُ في الإصابَةِ مِن قَتْلٍ وأسْرٍ، أوْ مِن قَتْلٍ، أوْ مِن هَزِيمَةٍ ؟ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، والأظْهَرُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها هو عَلى (p-١٠٧)طَرِيقِ التَّفَضُّلِ مِنهُ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ بِإدالَتِهِمْ عَلى الكُفّارِ، والتَّسْلِيَةِ لَهم عَلى ما أصابَهم، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِالأبْلَغِ في التَّسْلِيَةِ. وتَنْبِيهُهم عَلى أنَّهم قَتَلُوا مِنهم سَبْعِينَ، وأسَرُوا سَبْعِينَ أبْلَغُ في المِنَّةِ وفي التَّسْلِيَةِ. وأدْعى إلى أنْ يَذْكُرُوا نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمُ السّابِقَةَ، وأنْ يَتَناسَوْا ما جَرى عَلَيْهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ.
وأنّى هَذا: جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَعْمُولَةٌ لِقَوْلِهِ: قُلْتُمْ. قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ والإنْكارِ لِما أصابَهم، والمَعْنى: كَيْفَ أصابَنا هَذا ونَحْنُ نُقاتِلُ أعْداءَ اللَّهِ، وقَدْ وُعِدْنا بِالنَّصْرِ وإمْدادِ المَلائِكَةِ ؟ فاسْتَفْهَمُوا عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ عَنْ ذَلِكَ. وأنّى سُؤالٌ عَنِ الحالِ هُنا، ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ هُنا بِمَعْنى أيْنَ أوْ مَتى؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَمْ يَقَعْ عَنِ المَكانِ ولا عَنِ الزَّمانِ هُنا، إنَّما الِاسْتِفْهامُ وقَعَ عَنِ الحالَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ لَهم ذَلِكَ، سَألُوا عَنْها عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنّى هَذا: مِن أيْنَ هَذا، كَقَوْلِهِ: ”أنّى لَكَ هَذا“؛ لِقَوْلِهِ: ”مِن عِنْدِ أنْفُسِكم“ وقَوْلِهِ: ”مِن عِنْدِ اللَّهِ“ . انْتَهى كَلامُهُ. والظَّرْفُ إذا وقَعَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ لا يُقَدَّرُ داخِلًا عَلَيْهِ حَرْفُ جَرٍّ غَيْرُ ”في“، أمّا أنْ يُقَدَّرَ داخِلًا عَلَيْهِ ”مِن“، فَلا؛ لِأنَّهُ إنَّما انْتَصَبَ عَلى إسْقاطِ ”في“ . وكَذَلِكَ إذا أُضْمِرَ الظَّرْفُ تَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ بِوَساطَةِ ”في“ إلّا أنْ يُتَّسَعَ في الفِعْلِ فَيُنْصَبُ نَصْبَ التَّشْبِيهِ بِالمَفْعُولِ بِهِ، فَتَقْدِيرُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنّى هَذا: مِن أيْنَ هَذا تَقْدِيرٌ غَيْرُ سائِغٍ، واسْتِدْلالُهُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ بِقَوْلِهِ: ”مِن عِنْدِ أنْفُسِكم“، وقَوْلِهِ: ”مِن عِنْدِ اللَّهِ“، وُقُوفٌ مَعَ مُطابَقَةِ الجَوابِ لِلسُّؤالِ في اللَّفْظِ، وذُهُولٌ عَنْ هَذِهِ القاعِدَةِ الَّتِي ذَكَرْناها. وأمّا عَلى ما قَرَّرْناهُ، فَإنَّ الجَوابَ جاءَ عَلى مُراعاةِ المَعْنى، لا عَلى مُطابَقَةِ الجَوابِ لِلسُّؤالِ في اللَّفْظِ. وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ أنَّ الجَوابَ يَأْتِي عَلى حَسَبِ السُّؤالِ مُطابِقًا لَهُ في اللَّفْظِ، ومُراعًى فِيهِ المَعْنى لا اللَّفْظُ. والسُّؤالُ بِأنّى سُؤالٌ عَنْ تَعْيِينِ كَيْفِيَّةِ حُصُولِ هَذا الأمْرِ، والجَوابُ بِقَوْلِهِ: ”مِن عِنْدِ أنْفُسِكم“ يَتَضَمَّنُ تَعْيِينَ الكَيْفِيَّةِ؛ لِأنَّهُ بِتَعْيِينِ السَّبَبِ تَتَعَيَّنُ الكَيْفِيَّةُ مِن حَيْثُ المَعْنى لَوْ قِيلَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ والإنْكارِ: كَيْفَ لا يَحُجُّ زَيْدٌ الصّالِحُ، وأُجِيبَ ذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: بِعَدَمِ اسْتِطاعَتِهِ حَصَلَ الجَوابُ وانْتَظَمَ مِنَ المَعْنى أنَّهُ لا يَحُجُّ وهو غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ.
﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾: الإضْمارُ في ”هو“ راجِعٌ إلى المُصِيبَةِ عَلى المَعْنى، لا عَلى اللَّفْظِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المُصِيبَةِ في تَفْسِيرِ مُقابِلِ المِثْلَيْنِ: أهْوَ القَتْلُ المُقابِلُ لِلْقَتْلِ والأسْرِ، أوِ المُقابِلُ لِلْقَتْلِ فَقَطْ ؟ أوِ الِانْهِزامُ المُقابِلُ لِلِانْهِزامَيْنِ ؟ والمَعْنى: أنَّ سَبَبَ هَذِهِ المُصِيبَةِ صَدَرَ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم. فَقِيلَ: هو الفِداءُ الَّذِي آثَرُوهُ عَلى القَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ مِن غَيْرِ إذْنِ اللَّهِ تَعالى، قالَ مَعْناهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيٌّ، والحَسَنُ، «ورَوى عَلِيٌّ في ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا فَرُغَتْ هَزِيمَةُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ جاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ”يا مُحَمَّدُ، إنَّ اللَّهَ قَدْ كَرِهَ ما صَنَعَ قَوْمُكَ في أخْذِهِمْ فَداءَ الأسْرى، وقَدْ أمَرَكَ أنْ تُخَيِّرَهم بَيْنَ أمْرَيْنِ: أنْ يُقَدِّمُوا الأسْرى فَتُضْرَبَ أعْناقُهم، أوْ يَأْخُذُوا الفِداءَ عَلى أنْ يُقْتَلَ مِن أصْحابِكَ عِدَّةُ هَؤُلاءِ الأسْرى، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهم، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، عَشائِرُنا وإخْوانُنا نَأْخُذُ فِداءَهم فَنَتَقَوّى بِهِ عَلى قِتالِ عَدُوِّنا، ويَسْتَشْهِدُ مِنّا عُدَّتُهم، فَلَيْسَ في ذَلِكَ ما نَكْرَهُ“ . فَقُتِلَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ رَجُلًا» . وقالَ الجُمْهُورُ: هو مُخالَفَةُ الرَّسُولِ في الرَّأْيِ حِينَ رَأى أنْ يُقِيمَ بِالمَدِينَةِ ويَتْرُكَ الكُفّارَ بِشَرِّ مَجْلِسٍ، فَخالَفُوا وخَرَجُوا حَتّى جَرَتِ القِصَّةُ. وقالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ: هو عِصْيانُ الرُّماةِ وتَسْبِيبِهِمُ الهَزِيمَةَ عَلى المُؤْمِنِينَ. وقَدْ لَخَّصَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ أحْسَنَ تَلْخِيصٍ، فَقالَ: المَعْنى أنْتُمُ السَّبَبُ فِيما (p-١٠٨)أصابَكم؛ لِاخْتِيارِكُمُ الخُرُوجَ مِنَ المَدِينَةِ، أوْ لِتَخْلِيَتِكُمُ المَرْكَزَ. وعَنْ عَلِيٍّ: لِأخْذِكُمُ الفِداءَ مِن أُسارى بَدْرٍ قَبْلَ أنْ يُؤْذَنَ لَكم. انْتَهى. ولَمْ يُعَيِّنِ اللَّهُ تَعالى السَّبَبَ ما هو لُطْفًا بِالمُؤْمِنِينَ في خِطابِهِ تَعالى لَهم. والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ”أنّى هَذا“ هو مِن سُؤالِ المُؤْمِنِينَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ.
وذَكَرَ الرّازِيُّ أنَّ اللَّهَ لَمّا حَكى عَنِ المُنافِقِينَ طَعْنَهم في الرَّسُولِ بِأنْ نَسَبُوهُ إلى الغُلُولِ والخِيانَةِ، حَكى عَنْهم شُبْهَةً أُخْرى في هَذِهِ الآيَةِ وهي قَوْلُهم: لَوْ كانَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَما انْهَزَمَ عَسْكَرُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: أنّى هَذا. فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكم، أيْ هَذا الِانْهِزامُ إنَّما حَصَلَ بِشُؤْمِ عِصْيانِكم. انْتَهى كَلامُهُ. ودَلَّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ”أنّى هَذا“ مِن كَلامِ المُنافِقِينَ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ أيْضًا: إنَّهُ مِن كَلامِ المُنافِقِينَ. والظّاهِرُ ما قُلْناهُ أنَّهُ مِن كَلامِ المُؤْمِنِينَ، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ: ”﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾“؛ لِأنَّ المُنافِقِينَ لَمْ تُصِبْهم مُصِيبَةٌ؛ لِأنَّهم رَجَعُوا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، ولَمْ يَحْضُرُوا القِتالَ، إلّا أنْ تَجُوزَ في قَوْلِهِ: ”﴿أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾“ بِمَعْنى أصابَتْ أقْرِباءَكم وإخْوانَكم، فَهو يُمْكِنُ عَلى بُعْدٍ.
﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: أيْ قادِرٌ عَلى النَّصْرِ، وعَلى مَنعِهِ، وعَلى أنْ يُصِيبَ بِكم تارَةً، ويُصِيبَ مِنكم أُخْرى. ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ ما أصابَهم كانَ لِوَهَنٍ في دِينِهِمْ، لا لِضَعْفٍ في قُدْرَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّ مَن هو قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ هو قادِرٌ عَلى دِفاعِهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences