Abu HayyanAl‑An'am · 6:130–135

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:130–135

6:130Page 144

يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ شَهِدۡنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَاۖ وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ١٣٠

"O company of jinn and mankind,1 did there not come to you messengers from among you, relating to you My verses and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "We bear witness against ourselves"; and the worldly life had deluded them, and they will bear witness against themselves that they were disbelievers.

﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ هَذا النِّداءُ أيْضًا يَوْمَ القِيامَةِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، حَيْثُ أعْذَرَ اللَّهُ إلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ مِنَ الجِنِّ رُسُلًا إلَيْهِمْ كَما أنَّ مِنَ الإنْسِ رُسُلًا لَهم، فَقِيلَ: بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا واحِدًا مِنَ الجِنِّ إلَيْهِمُ اسْمُهُ يُوسُفُ. وقِيلَ: رُسُلُ الجِنِّ هم رُسُلُ الإنْسِ، فَهم رُسُلُ اللَّهِ بِواسِطَةٍ، إذْ هم رُسُلُ رُسُلِهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ. ورُوِيَ أنْ قَوْمًا مِنَ الجِنِّ اسْتَمَعُوا إلى الأنْبِياءِ ثُمَّ عادُوا إلى قَوْمِهِمْ فَأخْبَرُوهم كَما جَرى لَهم مَعَ الرَّسُولِ، فَيُقالُ لَهم رُسُلُ اللَّهِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا رُسُلَهُ حَقِيقَةً، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى ﴿الجِنِّ والإنْسِ﴾، وقَدْ تَعَلَّقَ قَوْمٌ بِهَذا الظّاهِرِ فَزَعَمُوا أنَّ اللَّهَ - تَعالى - بَعَثَ إلى الجِنِّ رُسُلًا مِنهم، ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مُكَلَّفِينَ ومُكَلَّفِينَ أنْ يُبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولٌ مِن جِنْسِهِمْ لِأنَّهم بِهِ آنَسُ وآلَفُ. وقالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ والجُمْهُورُ: والرُّسُلُ مِنَ الإنْسِ دُونَ الجِنِّ، ولَكِنْ لَمّا كانَ النِّداءُ لَهُما والتَّوْبِيخُ مَعًا جَرى الخِطابُ عَلَيْهِما عَلى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ، المَعْهُودُ في كَلامِ العَرَبِ تَغْلِيبًا لِلْإنْسِ لِشَرَفِهِمْ، وتَأوَّلَهُ الفَرّاءُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن أحَدِكم، كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، أيْ: مِن أحَدِهِما وهو المِلْحُ، وكَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦] أيْ: في إحْداهُنَّ (p-٢٢٣)وهِيَ سَماءُ الدُّنْيا، ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ [الحج: ٢٨] أرادَ بِالذِّكْرِ التَّكْبِيرَ، وبِالأيّامِ المَعْلُوماتِ العَشْرَ، أيْ: في أحَدِ أيّامٍ وهو يَوْمُ النَّحْرِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كانَ الرُّسُلُ يُبْعَثُونَ إلى الإنْسِ، وبُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ إلى الجِنِّ والإنْسِ. ورُوِيَ هَذا أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَعْنى قَصَصِ الآياتِ الإخْبارُ بِما أُوحِيَ إلَيْهِمْ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى مَواضِعِ الحَجِّ، والتَّعْرِيفِ بِأدِلَّةِ التَّوْحِيدِ، والِامْتِثالِ لِأوامِرِهِ والِاجْتِنابِ بِمَناهِيهِ. والإنْذارُ الإعْلامُ بِالمَخُوفِ، و﴿لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، والإنْذارُ بِما يَكُونُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ والمَخاوِفِ وصَيْرُورَةُ الكُفّارِ المُكَذِّبِينَ إلى العَذابِ الأبَدِيِّ. وقَرَأ الأعْرَجُ: ألَمْ تَأْتِكم، عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ الرُّسُلِ بِالتّاءِ.

﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ حِكايَةٌ لِتَصْدِيقِهِمْ، وإلْجائِهِمْ قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ لِأنَّ الهَمْزَةَ الدّاخِلَةَ عَلى نَفْيِ إتْيانِ الرُّسُلِ لِلْإنْكارِ فَكانَ تَقْرِيرًا لَهم، والمَعْنى قالُوا: شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا بِإتْيانِ الرُّسُلِ إلَيْنا وإنْذارِهِمْ إيّانا هَذا اليَوْمَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ نابَتْ مَنابَ بَلى هُنا، وقَدْ صَرَّحَ بِها في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى﴾ [الزمر: ٧١]، أقَرُّوا بِأنَّ حُجَّةَ اللَّهِ لازِمَةٌ لَهم وأنَّهم مَحْجُوجُونَ بِها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: (شَهِدْنا) إقْرارٌ مِنهم بِالكُفْرِ واعْتِرافٌ، أيْ: ﴿شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ بِالتَّقْصِيرِ. انْتَهى. والظّاهِرُ في ﴿شَهِدْنا﴾ شَهادَةُ كُلِّ واحِدٍ عَلى نَفْسِهِ. وقِيلَ: شَهِدَ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ بِإنْذارِ الرُّسُلِ.

﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ هَذا إخْبارٌ عَنْهم مِنَ اللَّهِ - تَعالى - وتَنْبِيهٌ عَلى السَّبَبِ المُوجِبِ لِكُفْرِهِمْ، وإفْصاحٌ لَهم بِأذَمِّ الوُجُوهِ الَّذِي هو الخِداعُ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن غَرَّ الطّائِرُ فَرْخَهُ، أيْ: أطْعَمَهم وأشْبَعَهم، والتَّوْسِيعُ في الرِّزْقِ والبَسْطُ سَبَبٌ لِلْبَغْيِ ”ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ“ .

﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ ظاهِرُهُ شَهادَةُ كُلِّ واحِدٍ عَلى نَفْسِهِ بِالكُفْرِ. وقِيلَ: شَهِدَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ. وقِيلَ: شَهِدَتْ جَوارِحُهم عَلَيْهِمْ بَعْدَ إنْكارِهِمْ والخَتْمِ عَلى أفْواهِهِمْ، وهو بَعِيدٌ مِن سِياقِ الآيَةِ، وتَنافى بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ وبَيْنَ الآياتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى الإنْكارِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن طَوائِفَ، طائِفَةٍ تَشْهَدُ وطائِفَةٍ تُنْكِرُ، أوْ مِن طائِفَةٍ واحِدَةٍ لِاخْتِلافِ الأحْوالِ ومُواطِنِ القِيامَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ المُتَطاوِلِ، فَيُقِرُّونَ في بَعْضٍ ويَجْحَدُونَ في بَعْضٍ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: ﴿وشَهِدُوا﴾ أقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمُ اضْطِرارًا لا اخْتِيارًا، ولَوْ أرادُوا أنْ يَقُولُوا غَيْرَهُ ما طاوَعَتْهم أنْفُسُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ كَرَّرَ ذِكْرَ شَهادَتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ ؟ (قُلْتُ): الأُولى حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ: كَيْفَ يَقُولُونَ ويَعْتَرِفُونَ، والثّانِيَةُ ذَمٌّ لَهم وتَخْطِئَةٌ لِرَأْيِهِمْ ووَصْفٌ لِقِلَّةِ نَظَرِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ، وأنَّهم قَوْمٌ غَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا واللَّذّاتُ الحاضِرَةُ، وكانَ عاقِبَةُ أمْرِهِمْ أنِ اضْطُرُّوا إلى الشَّهادَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والِاسْتِسْلامِ لِرَبِّهِمْ واسْتِنْجازِ عَذابِهِ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ تَحْذِيرًا لِلسّامِعِينَ مِثْلَ حالِهِمْ. انْتَهى. ونَقُولُ: لَمْ تَتَكَرَّرِ الشَّهادَةُ لِاخْتِلافِ المُخْبِرِ ومُتَعَلَّقِها، فالأُولى إخْبارُهم عَنْ أنْفُسِهِمْ، (p-٢٢٤)والثّانِيَةُ إخْبارُهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم شَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، فَهَذِهِ الشَّهادَةُ غَيْرُ الأُولى.

6:131Page 144

ذَٰلِكَ أَن لَّمۡ يَكُن رَّبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا غَٰفِلُونَ ١٣١

That is because your Lord would not destroy the cities for wrongdoing1 while their people were unaware.

﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، وهو إتْيانُ الرُّسُلِ قاصِّينَ الآياتِ ومُنْذِرِينَ بِالحَشْرِ والحِسابِ والجَزاءِ بِسَبَبِ انْتِفاءِ إهْلاكِ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها لَمْ يَنْتَهُوا بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، والإعْذارِ إلَيْهِمْ، والتَّقَدُّمِ بِالإخْبارِ بِما يَحِلُّ بِهِمْ إذا لَمْ يَتَّبِعُوا الرُّسُلَ، وفي الحَدِيثِ: «لَيْسَ أحَدٌ أحَبُّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ»، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ أنْزَلَ الكِتابَ وأرْسَلَ الرُّسُلَ. وقالَ الزَّجّاجُ قَرِيبًا مِن هَذا، أيْ: ذَلِكَ الَّذِي قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن أمْرِ الرُّسُلِ وأمَرِ عَذابِ مَن كَذَّبَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذا، أيْ: لا يُهْلِكُهم حَتّى يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا. وقِيلَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى السُّؤالِ وهو ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] أنْ لَمْ يَكُنْ، أيْ: لِبَيانِ أنْ لَمْ يَكُنْ، حَكاهُ التِّبْرِيزِيُّ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: الإشارَةُ إلى ما وُجِدَ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ والمَعاصِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشارَ بِهِ إلى الهَلاكِ الَّذِي كانَ بِالأُمَمِ الخالِيَةِ. انْتَهى. ولا يَسْتَقِيمُ هَذانِ القَوْلانِ مَعَ قَوْلِهِ ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ﴾؛ لِأنَّ المَعاصِيَ أوِ الإهْلاكَ لَيْسَ مُعَلَّلًا بِأنْ لَمْ يَكُنْ، وجَوَّزُوا في ذَلِكَ الرَّفْعَ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: ذَلِكَ الأمْرُ، وخَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ، أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، والنَّصْبَ عَلى فَعَلْنا ذَلِكَ، و﴿أنْ لَمْ يَكُنْ﴾ تَعْلِيلٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنِ النّاصِبَةَ لِلْمُضارِعِ والمُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أيْ: لِأنَّ الشَّأْنَ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ لا يَكُونَ ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ﴾ تَعْلِيلًا فَأجازَ فِيهِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ [الحجر: ٦٦]، فَإذا كانَ تَعْلِيلًا فَهو عَلى إسْقاطِ حَرْفِ العِلَّةِ عَلى الخِلافِ أمَوْضِعُهُ نَصْبٌ أوْ جَرٌّ، وإنْ كانَ بَدَلًا فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ لِأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لَمْ يَذْكُرْ في ذَلِكَ إلّا أنَّهُ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، و”بِظُلْمٍ“ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى اللَّهِ، أيْ: ظالِمًا لَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]، ومَعْنى ﴿وأهْلُها غافِلُونَ﴾ أيْ: دُونَ أنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِالنِّذارَةِ ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعُبَيْدٍ﴾ [فصلت: ٤٦]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى القُرى، أيْ: ظالِمَةٌ دُونَ أنْ يُنْذِرَهم، وهَذا مَعْنى قَوْلِ القُشَيْرِيِّ: أيْ لا يُهْلِكُهم بِذُنُوبِهِمْ ما لَمْ يَبْعَثْ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وهَذا الوَجْهُ ألْيَقُ؛ لِأنَّ الأوَّلَ يُوهِمُ أنَّهُ تَعالى لَوْ آخَذَهم قَبْلَ بِعْثَةِ الرُّسُلِ كانَ ظالِمًا، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ عِنْدَنا؛ لِأنَّهُ تَعالى يَحْكُمُ ما يَشاءُ ويَفْعَلُ ما يُرِيدُ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ: لَوْ أهْلَكَهم وهم غافِلُونَ لَمْ يَنْتَهُوا بِكِتابٍ ولا رَسُولٍ لَكانَ ظالِمًا، وهو مُتَعالٍ عَنِ الظُّلْمِ وعَنْ كُلِّ قَبِيحٍ. وقِيلَ: (بِظُلْمٍ) بِشِرْكِ مَن أشْرَكَ مِنهم، فَهو مِثْلُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . وقالَ الماتُرِيدِيُّ: أيْ لَمْ يَكُنْ يُهْلِكُهم بِظُلْمِ أنْفُسِهِمْ إهْلاكَ اسْتِئْصالٍ وتَعْذِيبٍ إلّا بَعْدَ تَقَدُّمِ وعِيدٍ أوْ سُؤالِهِمُ العَذابَ، ولا يُهْلِكُهم مَعَ الغَفْلَةِ عَنِ الظُّلْمِ والعِصْيانِ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ سُنَّتُهُ هَكَذا، لِئَلّا يَقُولُوا: لَوْلا أرْسَلَتْ إلَيْنا، وكُلُّ ذَلِكَ فَضْلٌ مِنهُ ورَحْمَةٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يُهْلِكُهم بِظُلْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وقِيلَ: بِظُلْمِ واحِدٍ مِنهم. وقِيلَ: بِجِنْسِ الظُّلْمِ، حَتّى يَرْتَكِبُوا مَعَ الظُّلْمِ غَيْرَهُ مِمّا لا يَرْضاهُ اللَّهُ مِن سائِرِ القَبائِحِ، ذَكَرَهُ التِّبْرِيزِيُّ. ومَعْنى ﴿وأهْلُها غافِلُونَ﴾ أيْ: لا يُبَيِّنُ لَهم كَيْفِيَّةَ الحالِ ولا يُزِيلُ عَدَدَهم، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهم غافِلُونَ عَمّا يُوعَظُونَ بِهِ.

6:132Page 145

وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ ١٣٢

And for all are degrees [i.e., positions resulting] from what they have done. And your Lord is not unaware of what they do.

﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ أيْ: ولِكُلٍّ مِنَ المُكَلَّفِينَ مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ دَرَجاتٌ مُتَفاوِتَةٌ مِن جَزاءِ أعْمالِهِمْ وتَفاوُتِها بِنِسْبَةِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ، أوْ بِنِسْبَةِ عَمَلِ كُلِّ عامِلٍ، فَيَكُونُ هو في دَرَجَةٍ فَيَتَرَقّى إلى أُخْرى كامِلَةٍ ثُمَّ إلى أكْمَلَ، والظّاهِرُ انْدِراجُ الجِنِّ في العُمُومِ في الجَزاءِ كَما انْدَرَجُوا في التَّكْلِيفِ وفي إرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ. قالَ الضَّحّاكُ: مُؤْمِنُو الجِنِّ في الجَنَّةِ كَمُؤْمِنِي الإنْسِ. وقِيلَ: لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا النّارَ، يُقالُ لَهم كُونُوا تُرابًا فَيَصِيرُونَ تُرابًا كالبَهائِمِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَزاءُ مُؤْمِنِي الجِنِّ إجارَتُهم مِنَ النّارِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ لِلْجِنِّ ثَوابٌ لِأنَّ (p-٢٢٥)الثَّوابَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ، فَلا يُقالُ بِهِ لَهم إلّا بِبَيانٍ مِنَ اللَّهِ، ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ في حَقِّهِمْ إلّا عُقُوبَةَ عاصِيهِمْ لا ثَوابَ طائِعِهِمْ، وخالَفَهُ صاحِباهُ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ، فَقالا: لَهم ثَوابٌ عَلى الطّاعاتِ وعِقابٌ عَلى المَعاصِي، ودَلِيلُهُما عُمُومُ الكِتابِ والسُّنَّةِ. وقِيلَ: ولِكُلٍّ مِنَ المُؤْمِنِينَ خاصَّةً. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: ولِكُلٍّ مِنَ الكُفّارِ خاصَّةً ﴿دَرَجاتٌ﴾ دِرْكاتٌ، ومَراتِبُ مِنَ العِقابِ مِمّا عَمِلُوا مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي؛ لِأنَّهُ جاءَ عَقِيبَ خِطابِ الكُفّارِ فَيَكُونُ راجِعًا عَلَيْهِمْ.

﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ بِساهٍ بِخَفِيٍّ عَلَيْهِ مَقادِيرُ الأعْمالِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الأُجُورِ، وفي ذَلِكَ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: تَعْمَلُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ.

6:133Page 145

وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوۡمٍ ءَاخَرِينَ ١٣٣

And your Lord is the Free of need, the possessor of mercy. If He wills, He can do away with you and give succession after you to whomever He wills, just as He produced you from the descendants of another people.

﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى مَن أطاعَ ومَن عَصى والثَّوابَ والعِقابَ، ذَكَرَ أنَّهُ هو الغَنِيُّ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ لا تَنْفَعُهُ الطّاعَةُ ولا تَضُرُّهُ المَعْصِيَةُ، ومَعَ كَوْنِهِ غَنِيًّا هو ذُو الرَّحْمَةِ، أيِ: التَّفَضُّلِ التّامِّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ بِأوْلِيائِهِ وأهْلِ طاعَتِهِ. وقِيلَ: بِكُلِّ خَلْقِهِ، ومِن رَحْمَتِهِ تَأْخِيرُ الِانْتِقامِ مِنَ العُصاةِ. وقِيلَ: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ جاعِلُ نَفْعِ الخَلائِقِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ بِالتَّكْلِيفِ لِيُعَرِّضَهم لِلْمَنافِعِ الدّائِمَةِ.

﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ هَذا فِيهِ إظْهارُ القُدْرَةِ التّامَّةِ والغِنى المُطْلَقِ، والخِطابُ عامٌّ لِلْخَلْقِ كُلِّهِمْ، كَما قالَ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣]، فالمَعْنى إنْ يَشَأْ إفْناءَ هَذا العالَمِ واسْتِخْلافَ ما يَشاءُ مِنَ الخَلْقِ غَيْرَهِمْ فَعَلَ، والإذْهابَ هُنا الإهْلاكُ، إهْلاكُ الِاسْتِئْصالٍ لا الإماتَةُ، ناسًا بَعْدَ ناسٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ واقِعٌ فَلا يُعَلَّقُ الواقِعُ عَلى إنْ يَشَأْ. وقِيلَ: الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ. وقالَ عَطاءٌ: يَعْنِي الأنْصارَ والتّابِعِينَ. وقِيلَ: ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ أيُّها العُصاةُ ﴿ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ﴾ مِنَ النَّوْعِ الطّائِعِ، و﴿كَما أنْشَأكُمْ﴾ في مَوْضِعِ مَصْدَرٍ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ لِقَوْلِهِ: (ويَسْتَخْلِفْ) لِأنَّ مَعْناهُ ويُنْشِئْ، والمَعْنى إنْ يَشَأِ الإذْهابَ والِاسْتِخْلافَ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ، فَكُلٌّ مِنَ الإذْهابِ والِاسْتِخْلافِ مَعْذُوقٌ بِمَشِيئَتِهِ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ وتَبِعَهُ مَكِّيٌّ: هي بِمَعْنى أخَذْتُ مِن ثَوْبِي دِينارًا بِمَعْنى عَنْهُ وعِوَضُهُ. انْتَهى. يَعْنِي أنَّها بِدَلِيَّةٌ، والمَعْنى مِن أوْلادِ قَوْمٍ مُتَقَدِّمِينَ أصْلُهم آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أوْلادِ ﴿قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ لَمْ يَكُونُوا عَلى مِثْلِ صِفَتِكم، وهم أهْلُ سَفِينَةِ نُوحٍ. انْتَهى. ويَعْنِي أنَّكم ﴿مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ﴾ صالِحِينَ، فَلَوْ شاءَ أذَهْبَكم أيُّها العُصاةُ ويَسْتَخْلِفْ بَعْدَكم طائِعِينَ، كَما أنَّكم عُصاةٌ أنْشَأكم مِن قَوْمٍ طائِعِينَ، وما في قَوْلِهِ: ﴿ما يَشاءُ﴾ قِيلَ: بِمَعْنى مَن، والأوْلى إنْ كانَ المِقْدارُ اسْتِخْلافُهُ مِن غَيْرِ العاقِلِ فَهي واقِعَةٌ مَوْقِعَها، وإنْ كانَ عاقِلًا فَيَكُونُ قَدْ أُرِيدَ بِها النَّوْعُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: (ذَرِّيَّةً) بِفَتْحِ الذّالِ، وكَذا في آلِ عِمْرانَ، وأبانُ بْنُ عُثْمانَ (ذَرِيَّةً) بِفَتْحِ الذّالِ وتَخْفِيفِ الرّاءِ المَكْسُورَةِ، وعِنْدَ (ذَرْيَةً) عَلى وزْنِ ضَرْبَةٍ، وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ التَّحْذِيرَ مَن بَطْشِ اللَّهِ في التَّعْجِيلِ بِذَلِكَ.

6:134Page 145

إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَأٓتٖۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ١٣٤

Indeed, what you are promised is coming, and you will not cause failure [to Allāh].1

﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ ظاهِرُ ”ما“ العُمُومُ في كُلِّ ما يُوعَدُ بِهِ. وقالَ الحَسَنُ: مِن مَجِيءِ السّاعَةِ لِأنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِها. وقِيلَ: مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ. وقِيلَ: مِنَ النَّصْرِ لِلرَّسُولِ لَكائِنٌ. وقِيلَ: مِنَ العَذابِ ﴿لِآتٍ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: مِنَ الوَعْدِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِقَرِينَةِ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، والإشارَةُ إلى هَذا الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ خُصُوصًا، وإمّا أنْ يَكُونَ لِلْعُمُومِ مُطْلَقًا فَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إنْفاذَ الوَعِيدِ، والعَقائِدُ تَرُدُّ ذَلِكَ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الوَعْدُ مَخْصُوصٌ بِالإخْبارِ عَنِ الثَّوابِ فَهو آتٍ لا مَحالَةَ، فَتَخْصِيصُ الوَعْدِ بِهَذا الجَزْمِ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الوَعِيدِ لَيْسَ كَذَلِكَ، ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ أنَّهُ قالَ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، أيْ: لا تَخْرُجُونَ عَنْ قُدْرَتِنا وحِكْمَتِنا، فَلَمّا ذَكَرَ الوَعْدَ جَزَمَ، ولَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ ما زادَ عَلى ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ غالِبٌ، فَتَلَخَّصَ في قَوْلِهِ: ﴿ما تُوعَدُونَ﴾ العُمُومُ، ويَخْرُجُ مِنهُ ما خَرَجَ بِالدَّلِيلِ، أوْ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ مِنَ الحَشْرِ أوِ النَّصْرِ أوِ الوَعِيدِ أوِ الوَعْدِ، (p-٢٢٦)أيْ: بِلازِمِهِما مِنَ الثَّوابِ أوِ العِقابِ أوْ مَجْمُوعِهِما، سِتَّةُ أقْوالٍ. وكُتِبَتْ ) أنَّ ) مَفْصُولَةً مِن (ما)، وما بِمَعْنى الَّذِي، وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ إشْعارٌ بِقَصْرِ الأمَلِ وقُرْبِ الأجَلِ والمُجازاةِ عَلى العَمَلِ.

﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: فائِتِينَ، أعْجَزَنِي الشَّيْءُ: فاتَنِي، أيْ: لا يَفُوتُنا عَنْ ما أرَدْنا بِكم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ بِناجِينَ، وهُنا تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ.

6:135Page 145

قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَامِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ١٣٥

Say, "O my people, work according to your position; [for] indeed, I am working. And you are going to know who will have succession in the home.1 Indeed, the wrongdoers will not succeed."

﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ: عَلى مَكاناتِكم، عَلى الجَمْعِ حَيْثُ وقَعَ، فَمَن جَمَعَ قابَلَ جَمْعَ المُخاطَبِينَ بِالجَمْعِ، ومَن أفْرَدَ فَعَلى الجِنْسِ، والمَكانَةُ مَصْدَرُ مَكَّنَ، فالمِيمُ أصْلِيَّةٌ، وبِمَعْنى المَكانِ، ويُقالُ: المَكانُ والمَكانَةُ مُفْعَلٌ ومُفْعَلَةٌ مِنَ الكَوْنِ فالمِيمُ زائِدَةٌ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى تَمَكُّنِكم مِن أمْرِكم وأقْصى اسْتِطاعَتِكم وإمْكانِكم، قالَ مَعْناهُ الزَّجّاجُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى جِهَتِكم وحالِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها، يُقالُ: عَلى مَكانَتِكَ يا فُلانُ، إذا أمَرْتَهُ أنْ يَثْبُتَ عَلى حالِهِ، أيِ: اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ لا تَنْحَرِفْ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلى ناحِيَتِكم، والمَعْنى ما تَنْحُونَ أيْ: ما تَقْصِدُونَ مِن صالِحٍ وطالِحٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: عَلى حالِكم. وقالَ يَمانٌ: عَلى مَذاهِبِكم. وقالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: عَلى دِينِكم في مَنازِلِكم لِهَلاكِي، خِطابًا لِكُفّارِ مَكَّةَ، ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ لِهَلاكِكم. انْتَهى. وهي ألْفاظٌ مُتَقارِبَةٌ، وهَذا الأمْرُ أمْرُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وهي التَّخْلِيَةُ والتَّسْجِيلُ عَلى المَأْمُورِ بِأنَّهُ لا يَأْتِي مِنهُ إلّا الشَّرُّ، فَكَأنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ وهو واجِبٌ عَلَيْهِ حَتْمًا لَيْسَ لَهُ أنْ يَتَفَصّى عَنْهُ ويَعْمَلَ بِخِلافِهِ، ومَعْنى ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ أيْ: عَلى مَكانَتِي الَّتِي أنا عَلَيْها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اثْبُتُوا عَلى كُفْرِكم وعَداوَتِكم فِيَّ، فَإنِّي ثابِتٌ عَلى الإسْلامِ وعَلى مُصابِرَتِكم. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) مَفْعُولٌ بِـ ﴿تَعْلَمُونَ﴾، وأجازُوا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً اسْمَ اسْتِفْهامٍ، وخَبَرُهُ ﴿تَكُونُ﴾، والفِعْلُ مُعَلَّقٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ إنْ كانَ (يَعْلَمُونَ) مُعَدّى إلى واحِدٍ، أوْ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ إنْ كانَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، و﴿عاقِبَةُ الدّارِ﴾ مَآلُها وما تَنْتَهِي إلَيْهِ، والدّارُ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّها دارُ الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مَآلُ الدُّنْيا بِالنَّصْرِ والظُّهُورِ، فَفي الآيَةِ إعْلامٌ بِغَيْبٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: العاقِبَةُ الحُسْنى الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ هَذِهِ الدّارَ لَها، وهَذا طَرِيقٌ مِنَ الإنْذارِ لِطَيْفُ المَسْلَكِ فِيهِ إنْصافٌ في المَقالِ وأدَبٌ حَسَنٌ مَعَ تَضَمُّنِ شِدَّةِ الوَعِيدِ والوُثُوقِ بِأنَّ المُنْذِرَ مُحِقٌّ وأنَّ المُنْذَرَ مُبْطِلٌ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ أيْ: مِن لَهُ النُّصْرَةُ في دارِ الإسْلامِ ومَن لَهُ الدّارُ الآخِرَةُ، أيْ: الجَنَّةُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ مِنَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ ما لا يَخْفى، كَقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقالَ الشّاعِرُ:

؎إذا ما التَقَيْنا والتَقى الرُّسْلُ بَيْنَنا فَسَوْفَ تَرى يا عَمْرُو ما اللَّهُ صانِعُ

وقالَ آخَرُ:

؎سَتَعْلَمُ لَيْلى أيُّ دَيْنٍ تَدايَنَتْ ∗∗∗ وأيُّ غَرِيمٍ لِلتَّقاضِي غَرِيمُها

﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: لا يَفُوزُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: لا يَبْقَوْنَ. وقالَ عَطاءٌ: لا يَسْعَدُ مَن كَفَرَ نِعْمَتِي. وقِيلَ: لا يَأْمَنُونَ ولا يَنْجُونَ مِنَ العَذابِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم هُمُ الظّالِمُونَ الَّذِينَ لا يُفْلِحُونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ تَرْدِيدٌ بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهم، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا التَّهْدِيدَ والوَعِيدَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ، وأنَّ عاقِبَةَ الدّارِ الحُسْنى هي لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَكِنَّهُ أُجْرِيَ مُجْرى قَوْلِهِ: فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ. وقَوْلُهُ:

؎فَأيِّي ما وأيُّكَ كانَ شَرًّا ∗∗∗ فَسِيقَ إلى المَقادَةِ في هَوانِ

وقَدْ عُلِمَ ما هو شَرٌّ وما هو خَيْرٌ، ولَكِنَّهُ أُبْرِزَ في صُورَةِ التَّرْدِيدِ إظْهارًا لِصُورَةِ الإنْصافِ ورَمْيًا (p-٢٢٧)بِالكَلامِ عَلى جِهَةِ الِاشْتِراكِ اتِّكالًا عَلى فَهْمِ المَعْنى. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: مَن يَكُونُ، بِالياءِ عَلى التَّذْكِيرِ، وكَذا في القَصَصِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском