Al-AlusiYunus · 10:15–18

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:15–18

10:15Page 210

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا ٱئۡتِ بِقُرۡءَانٍ غَيۡرِ هَٰذَآ أَوۡ بَدِّلۡهُۚ قُلۡ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلۡقَآيِٕ نَفۡسِيٓۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۖ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٥

And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who do not expect the meeting with Us say, "Bring us a Qur’ān other than this or change it." Say, [O Muḥammad], "It is not for me to change it on my own accord. I only follow what is revealed to me. Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ التِفاتٌ مِن خِطابِهِمْ إلى الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنْهم وتَوْجِيهًا لِلْخِطابِ إلى سَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَعْدِيدِ جِناياتِهِمُ المُضادَّةِ لِما أُرِيدَ مِنهم بِالِاسْتِخْلافِ مِنَ التَّكْذِيبِ والكُفْرِ بِالآياتِ البَيِّناتِ وغَيْرِ ذَلِكَ كَدَأْبِ مَن قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ المُهْلِكَةِ وصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ جَوابِهِمُ الآتِي حَسَبَ تَجَدُّدِ التِّلاوَةِ والمُرادُ بِالآياتِ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الشِّرْكِ

وقِيلَ: ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، والإضافَةُ لِتَشْرِيفِ المُضافِ والتَّرْغِيبِ في الإيمانِ بِهِ والتَّرْهِيبِ عَنْ تَكْذِيبِهِ ونَصْبُ ﴿بَيِّناتٍ﴾ عَلى الحالِ أيْ حالَ كَوْنِها واضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ وإيرادُ فِعْلِ التِّلاوَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُسْنَدًا إلى الآياتِ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِبِنائِهِ لِلْفاعِلِ لِلْإشْعارِ بِعَدَمِ الحاجَةِ لِتَعْيِينِ التّالِي ولِلْإيذانِ بِأنَّ كَلامَهم في نَفْسِ المَتْلُوِّ ولَوْ تَلاهُ رَجُلٌ مَن إحْدى القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٌ ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ وضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ إشْعارًا بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ المُعَظَّمَةِ المَحْكِيَّةِ عَنْهم وذَمًّا لَهم بِذَلِكَ أيْ قالُوا لِمَن يَتْلُوها عَلَيْهِمْ وهو رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا﴾ أشارُوا بِهَذا إلى القُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى تِلْكَ الآياتِ لا إلى أنْفُسِها فَقَطْ قَصْدًا إلى إخْراجِ الكُلِّ مِنَ البَيْنِ أيِ ائْتِ بِكِتابٍ آخَرَ نَقْرَؤُهُ

صفحة 84

لَيْسَ فِيهِ ما نَسْتَبْعِدُهُ مِنَ البَعْثِ وتَوابِعِهِ أوْ ما نَكْرَهُهُ مِن ذَمِّ آلِهَتِنا والوَعِيدِ عَلى عِبادَتِها ﴿أوْ بَدِّلْهُ﴾ بِأنْ تَجْعَلَ مَكانَ الآيَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى ذَلِكَ آيَةً أُخْرى ولَعَلَّهم إنَّما سَألُوا ذَلِكَ كَيْدًا وطَمَعًا في إجابَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيَتَوَسَّلُوا إلى الإلْزامِ والِاسْتِهْزاءِ ولَيْسَ مُرادَهم أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَوْ أجابَهم آمَنُوا ﴿قُلْ﴾ أيُّها الرَّسُولُ لَهم ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ﴾ المَصْدَرُ فاعِلُ يَكُونُ وهي مِن كانَ التّامَّةِ وتُفَسَّرُ بِوَجَدَ ونَفْيُ الوُجُودِ قَدْ يُرادُ بِهِ نَفْيُ الصِّحَّةِ فَإنَّ وُجُودَ ما لَيْسَ بِصَحِيحٍ كَلا وُجُودٍ فالمَعْنى هُنا ما يَصِحُّ لِي أصْلًا تَبْدِيلُهُ ﴿مِن تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ أيْ مِن جِهَتِي ومِن عِنْدِي وأصْلُ تِلْقاءَ مَصْدَرٌ عَلى تَفْعالِ التّاءِ ولَمْ يَجِئْ مَصْدَرٌ بِكَسْرِها غَيْرُهُ وغَيْرُ تِبْيانٍ في المَشْهُورِ

وقُرِئَ شاذًّا بِالفَتْحِ وهو القِياسُ في المَصادِرِ الدّالَّةِ عَلى التَّكْرارِ كالتَّطْوافِ والتَّجْوالِ وقَدْ خَرَجَ هُنا مِن ذَلِكَ إلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ والجَرُّ بِمَن لا يُخْرِجُ الظَّرْفَ عَنْ ظَرْفِيَّتِهِ ولِذا اخْتُصَّتِ الظُّرُوفُ الغَيْرُ المُتَصَرِّفَةِ كَعِنْدَ بِدُخُولِها عَلَيْها

ومِنَ النّاسِ مَن وهِمَ في ذَلِكَ وقَصَرَ الجَوابَ بِبَيانِ امْتِناعِ ما اقْتَرَحُوهُ عَلى اقْتِراحِهِمُ الثّانِي لِلْإيذانِ بِأنَّ اسْتِحالَةَ ما اقْتَرَحُوهُ أوَّلًا مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا حاجَةَ إلى بَيانِها ولِأنَّ ما يَدُلُّ عَلى اسْتِحالَةِ الثّانِي يَدُلُّ عَلى اسْتِحالَةِ الأوَّلِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى فَهو بِحَسَبِ المَآلِ والحَقِيقَةُ جَوابٌ عَنِ الأمْرَيْنِ ﴿إنْ أتَّبِعُ﴾ أيْ ما أتَّبِعُ فِيما آتى وأذَرُ ﴿إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ مِن غَيْرِ تَغْيِيرٍ لَهُ في شَيْءٍ أصْلًا عَلى مَعْنى قِصَرِ حالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى اتِّباعِ ما يُوحى لا قِصَرِ اتِّباعِهِ عَلى ما يُوحى إلَيْهِ كَما هو المُتَبادَرُ مِن ظاهِرِ العِبارَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما أفْعَلُ إلّا اتِّباعَ ما يُوحى إلَيَّ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانًا لِما يَكُونُ فَإنَّ مِن شَأْنِهِ اتِّباعَ الوَحْيِ عَلى ما هو عَلَيْهِ لا يَسْتَقِلُّ بِشَيْءٍ دُونَهُ أصْلًا وفي ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ جَوابٌ لِنَقْضٍ مُقَدَّرٍ وهو أنَّهُ كَيْفَ هَذا وقَدْ نَسَخَ بَعْضَ الآياتِ بِبَعْضِ ورَدَّ لِما عَرَضُوا لَهُ بِهَذا السُّؤالِ مِن أنَّ القُرْآنَ كَلامُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكَذا تَقْيِيدُ التَّبْدِيلِ في الجَوابِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ لِرَدِّ تَعْرِيضِهِمْ بِأنَّهُ مِن عِنْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِذَلِكَ أيْضًا سَمّاهُ عِصْيانًا عَظِيمًا مُسْتَتْبِعًا العَذابَ عَظِيمٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ 15﴾ وهو تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِنِ امْتِناعِ التَّبْدِيلِ واقْتِصارِ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى اتِّباعِ الوَحْيِ أيْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُهُ تَعالى بِتَعاطِي التَّبْدِيلِ والإعْراضِ عَنِ الوَحْيِ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ هو يَوْمُ القِيامَةِ ويَوْمُ اللِّقاءِ الَّذِي لا يَرْجُونَهُ وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ بِهَذا الِاقْتِراحِ لِأنَّ اقْتِراحَ ما يُوجِبُهُ يَسْتَوْجِبُهُ أيْضًا وإنْ لَمْ يَكُنْ كَفِعْلِهِ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ لِضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَهْوِيلِ أمْرِ العِصْيانِ وإظْهارِ كَمالِ نَزاهَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفي إيرادِ اليَوْمَ بِالتَّنْوِينِ التَّفْخِيمِيِّ ووَصْفِهِ بِعَظِيمٍ ما لا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ العَذابِ وتَفْظِيعِهِ وجَوَّزَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ كَوْنَ الجَوابِ المَذْكُورِ جَوابًا عَنِ الِاقْتِراحَيْنِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى شَيْءٍ وذَلِكَ بِحَمْلِ التَّبْدِيلِ فِيهِ عَلى ما يَعُمُّ تَبْدِيلَ ذاتٍ بِذاتٍ أُخْرى كَبَدَّلْتُ الدَّنانِيرَ دَراهِمَ وهو الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا﴾ وتَبْدِيلُ صِفَةٍ بِصِفَةٍ أُخْرى كَبَدَّلْتُ الخاتَمَ حَلْقَةً وهو الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أوْ بَدِّلْهُ﴾ وأوْرَدَ عَلَيْهِ بِأنَّ تَقْيِيدَ التَّبْدِيلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ يَمْنَعُ حَمْلَهُ عَلى الأعَمِّ لِأنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّ ذَلِكَ مَقْدُورٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَكِنْ لا يَفْعَلُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ تَعالى والتَّبْدِيلُ الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ أوَّلًا غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى إنَّ المُقْتَرِحِينَ يَعْلَمُونَ اسْتِحالَةَ ذَلِكَ لَكِنِ اقْتَرَحُوهُ

صفحة 85

لِما مَرَّ وقالُوا: لَوْ شِئْنا لَقُلْنا مِثْلَ هَذا مُكابَرَةً وعِنادًا ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا التَّبْدِيلَ والإتْيانَ بِطَرِيقِ الِافْتِراءِ قِيلَ: لا مَساغَ لِلْقَوْلِ بِأنَّهُمُ اقْتَرَحُوا ذَلِكَ مِن جِهَةِ الوَحْيِ فَكَأنَّهم قالُوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ مِن جِهَةِ الوَحْيِ كَما أتَيْتَ بِالقُرْآنِ مِن جِهَتِهِ ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ لِي﴾ إلَخْ ما يَتَسَهَّلُ لِي ولا يُمْكِنُنِي أنْ أُبَدِّلَهُ لِما في الكَشّافِ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ يَرُدُّ ذَلِكَ ووُجِّهَ بِأنَّهم لَمْ يَطْلُبُوا ما هو عِصْيانٌ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ حَتّى يَقُولَ في جَوابِهِمْ ما ذَكَرَ ونَظَرَ فِيهِ بِأنَّ الطَّلَبَ مِن غَيْرِ إذْنٍ عِصْيانٌ فَإنْ لَمْ يَحْمِلْ ما يَتَسَهَّلُ لِي عَلى أنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَأْذُونٍ كانَ الجَوابُ غَيْرَ مُطابِقٍ لِسُؤالِهِمْ لِأنَّ السُّؤالَ عَنْ تَبْدِيلٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: لا يُمْكِنُنِي التَّبْدِيلُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي في الجَوابِ وإنْ حُمِلَ عَلَيْهِ فالعِصْيانُ أيْضًا مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ وأُجِيبَ بِأنَّ صاحِبَ الكَشّافِ حَمَلَ ﴿ما يَكُونُ﴾ عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ ولا يَتَسَهَّلُ والعِصْيانُ يَقَعُ عَلى المُمْكِنِ المَقْدُورِ لا أنَّهم طَلَبُوا ما هو عِصْيانٌ أوْ لَيْسَ والمُطابَقَةُ حاصِلَةٌ بَلْ أشَدُّها لِأنَّ الحاصِلَ أمّا التَّبْدِيلُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي فَغَيْرُ مُمْكِنٍ وأما مِن قِبَلِ الوَحْيِ فَأنا تابِعٌ غَيْرُ مَتْبُوعٍ نَعَمْ لا يُنْكِرُ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَأْتِيَ وجْهٌ آخَرُ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى أنَّهُ لا يَحِلُّ لِي ذَلِكَ دُونَ إذْنٍ وصاحِبُ الكَشّافِ لَمْ يَنْفِهِ

وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ لا مَساغَ لِحَمْلِ مُقْتَرَحِهِمْ عَلى ما هو مِن جِهَةِ الوَحْيِ لِمَكانِ التَّعْلِيلِ بِـ ﴿إنِّي أخافُ﴾ إلَخْ إذِ المَقْصُودُ بِما ذُكِرَ فِيهِ مَعْصِيَةُ الِافْتِراءُ كَما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ صَرِيحُ ما بَعْدَهُ مِنَ الآيَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ وحِينَئِذٍ لا يَتَحَقَّقُ فِيهِ تِلْكَ المَعْصِيَةُ ومَعْصِيَةُ اسْتِدْعاءِ تَبْدِيلِ ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ التَّشْرِيعِيَّةُ لا سِيَّما بِمُوجِبِ اقْتِراحِ الكَفَرَةِ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً فَلا يَنْفَعُ تَحَقُّقُها وهو كَلامٌ وجِيهٌ يُعْلَمُ مِنهُ ما في الكَلامِ السّابِقِ مِنَ النَّظَرِ بَقِيَ أنَّهُ يُفْهَمُ مِن بَعْضِ الآثارِ أنَّهم طَلَبُوا الإتْيانَ مِن جِهَةِ الوَحْيِ فَعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في خَمْسَةِ نَفَرٍ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيِّ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ ومُكَرَّزِ بْنِ حَفْصٍ وعَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي قَيْسٍ العامِرِيِّ والعاصِ بْنِ عامِرِ بْنِ هِشامٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنْ كُنْتَ تُرِيدُ أنْ نُؤْمِنَ لَكَ فائْتِ بِقُرْآنٍ لَيْسَ فِيهِ تَرْكُ عِبادَةِ اللّاتِ والعُزّى ومَناتَ ولَيْسَ فِيهِ عَيْبُها وإنْ لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ فَقُلْ أنْتَ مِن نَفْسِكَ أوْ بَدِّلْهُ فاجْعَلْ مَكانَ آيَةِ عَذابٍ آيَةَ رَحْمَةٍ ومَكانَ حَرامٍ حَلالًا ومَكانَ حَلالٍ حَرامًا ورُبَّما يُقالُ: إنَّ هَذا عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لا يَأْبى أنْ يَكُونَ ما في الآيَةِ ما أشارَ إلَيْهِ تالِي الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ مِن كَلامِهِمْ فَتَدَبَّرْ

10:16Page 210

قُل لَّوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوۡتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَدۡرَىٰكُم بِهِۦۖ فَقَدۡ لَبِثۡتُ فِيكُمۡ عُمُرٗا مِّن قَبۡلِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٦

Say, "If Allāh had willed, I would not have recited it to you, nor would He have made it known to you, for I had remained among you a lifetime before it.1 Then will you not reason?"

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ تَحْقِيقٌ لِحَقِّيَّةِ القُرْآنِ وأنَّهُ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ إثْرَ بَيانِ بُطْلانِ ما اقْتَرَحُوهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وصَدَرَ بِالأمْرِ المُسْتَقِلِّ إظْهارُ الكَمالِ الِاعْتِناءُ بِشَأْنِهِ وإيذانًا بِاسْتِقْلالِهِ مَفْهُومًا وأُسْلُوبًا فَإنَّهُ بُرْهانٌ دالٌّ عَلى كَوْنِهِ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وما سَبَقَ مُجَرَّدُ إخْبارٍ بِاسْتِحالَةِ ما اقْتَرَحُوهُ ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ يُنْبِئُ عَنْهُ الجَزاءُ كَما هو المُطَّرِدُ في أمْثالِهِ ويُفْهَمُ مِن ظاهِرِ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ غَيْرُ ذَلِكَ ولَيْسَ بِذَلِكَ وهو ظاهِرٌ والمَعْنى أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ مَنُوطٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى ولَيْسَ لِي مِنهُ شَيْءٌ أصْلًا ولَوْ شاءَ سُبْحانَهُ عَدَمَ تِلاوَتِي لَهُ عَلَيْكم وعَدَمَ إدْرائِكم بِهِ بِواسِطَتِي بِأنْ لَمْ يُنْزِلْهُ جَلَّ شَأْنُهُ عَلَيَّ ولَمْ يَأْمُرْنِي بِتِلاوَتِهِ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ أيْ ولا أعْلَمَكم بِهِ بِواسِطَتِي والتّالِي وهو عَدَمُ التِّلاوَةِ والإدْراءُ مُنْتَفٍ فَيَنْتَفِي المُقَدَّمُ وهو مَشِيئَتُهُ العَدَمَ وهي مُسْتَلْزِمَةٌ لِعَدَمِ مَشِيئَتِهِ الوُجُودَ فانْتِفاؤُهُ مُسْتَلْزِمٌ لِانْتِفائِهِ وهو إنَّما يَكُونُ بِتَحَقُّقِ مَشِيئَةِ الوُجُودِ فَثَبَتَ أنَّ تِلاوَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْقُرْآنِ وإدْراءَهُ تَعالى بِواسِطَتِهِ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى.

صفحة 86

وتَقْيِيدُ الإدْراءِ بِذَلِكَ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ وحَيْثُ اقْتَصَرَ بَعْضُهم في تَقْدِيرِ المَفْعُولِ في الشَّرْطِ عَلى عَدَمِ التِّلاوَةِ عَلَّلَ التَّقْيِيدَ بِأنَّ عَدَمَ الإعْلامِ مُطْلَقًا لَيْسَ مِن لَوازِمِ الشَّرْطِ الَّذِي هو عَدَمُ مَشِيئَةِ تِلاوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلا يَجُوزُ نُظُمُهُ في سِلْكِ الجَزاءِ ولَمْ يَظْهَرْ وجْهُ الِاقْتِصارِ عَلى ذَلِكَ وعَدَمُ ضَمِّ عَدَمِ الإدْراءِ إلَيْهِ مَعَ أنَّ العَطْفَ ظاهِرٌ فِيهِ وفي إسْنادِ عَدَمِ الإدْراءِ إلَيْهِ تَعالى المُنْبِئِ عَنِ اسْتِنادِ الإدْراءِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ إعْلامٌ بِأنَّهُ لا دَخْلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في ذَلِكَ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْضًا وفي رِوايَةِ أبِي رَبِيعَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ (ولَأدْراكُمْ) بِلامِ التَّوْكِيدِ وهي الواقِعَةُ في جَوابِ (لَوْ) أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولَأعْلَمَكم بِهِ عَلى لِسانِ غَيْرِي عَلى مَعْنى أنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيصَ عَنْهُ لَوْ لَمْ أُرْسَلْ بِهِ لَأرْسَلَ بِهِ غَيْرِي وجِيءَ بِاللّامِ هُنا لِلْإيذانِ بِأنَّ إعْلامَهم بِهِ عَلى لِسانِ غَيْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أشَدُّ انْتِفاءً وأقْوى ولَعَلَّ (لا) في القِراءَةِ الأُولى لِأنَّهُ يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعِ وإلّا فَهي لا تَقَعُ في جَوابِ (لَوْ) فَلا يُقالُ: لَوْ قامَ زَيْدٌ لا قامَ عَمْرٌو بَلْ ما قامَ ومِن هُنا نَصَّ السَّمِينُ عَلى أنَّها زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلنَّفْيِ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ أنَّهم قَرَأُوا (ولا أدْرَأْتُكُمْ) بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كالفِعْلِ السّابِقِ والأصْلُ ولا أدْرَيْتُكم فَقُلِبَتِ الياءُ ألِفًا عَلى لُغَةِ مَن يَقْلِبُ الياءَ السّاكِنَةَ المَفْتُوحَ ما قَبْلَها ألِفًا وهي لُغَةٌ بِلْحَرْثِ بْنِ كَعْبٍ وقَبائِلَ مِنَ اليَمَنِ حَتّى قَلَبُوا ياءَ التَّثْنِيَةِ ألِفًا وجَعَلُوا المُثَنّى في جَمِيعِ الأحْوالِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ وحَكى ذَلِكَ قُطْرُبٌ عَنْ عَقِيلٍ

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ (ولا أدْرَأْتُكُمْ) بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ فَقِيلَ: إنَّها مُبْدَلَةٌ مِنَ الألِفِ المُنْقَلِبَةِ عَنِ الياءِ كَما سَمِعْتَ وقِيلَ: إنَّها مُبْدَلَةٌ مِنَ الياءِ ابْتِداءً كَما يُقالُ في لَبَيْتُ لَبِئْتُ وعَلى القَوْلَيْنِ هي غَيْرُ أصْلِيَّةٍ وجاءَ ذَلِكَ في بَعْضِ اللُّغاتِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ أصْلِيَّةً عَلى أنَّ الفِعْلَ مِنَ الدَّرْءِ وهو الدَّفْعُ والمَنعُ ويُقالُ: أدَرْأتُهُ أيْ جَعَلْتُهُ دارِئًا أيْ دافِعًا والمَعْنى ولا جَعَلْتُكم بِتِلاوَتِهِ خُصَماءَ تَدْرَءُونَنِي بِالجِدالِ وقُرِئَ (ولا أدْراكُمْ) بِالهَمْزِ وتَرْكِهِ أيْضًا مَعَ إسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ اللَّهِ تَعالى وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كانَ يَقْرَأُ (ولا أنْذَرْتُكم بِهِ) ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا﴾ نَوْعُ تَعْلِيلٍ لِلْمُلازَمَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِكَوْنِ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجُلَّ حَسْبَما مَرَّ آنِفًا واللُّبْثُ الإقامَةُ ونَصْبُ (عُمُرًا) عَلى التَّشْبِيهِ بِظَرْفِ الزَّمانِ والمُرادُ مِنهُ مُدَّةٌ وقِيلَ: هو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مِقْدارَ عُمُرٍ وهو بِضَمِّ المِيمِ وقَرَأ الأعْمَشُ بِسُكُونِها لِلتَّخْفِيفِ والمَعْنى قَدْ أقَمْتُ فِيما بَيْنَكم مُدَّةً مَدِيدَةً وهي مِقْدارُ أرْبَعِينَ سَنَةً تَحْفَظُونَ تَفاصِيلَ أحْوالِي وتُحِيطُونَ خَبَرًا بِأقْوالِي وأفْعالِي ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ مِن قَبْلِ نُزُولِ القُرْآنِ أوْ مِن قَبْلِ وقْتِ نُزُولِهِ ورُجُوعُ الضَّمِيرِ لِلتِّلاوَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لا أتَعاطى شَيْئًا مِمّا يَتَعَلَّقُ بِذاكَ لا مِن حَيْثُ نَظْمُهُ المُعْجِزُ ولا مِن حَيْثُ مَعْناهُ الكاشِفُ عَنْ أسْرارِ الحَقائِقِ وأحْكامِ الشَّرائِعِ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ 16﴾ أيْ ألا تُلاحِظُونَ ذَلِكَ فَلا تَعْقِلُونَ امْتِناعَ صُدُورِهِ عَنْ مِثْلِي ووُجُوبَ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ خافٍ عَلى مَن لَهُ عَقْلٌ سَلِيمٌ وذِهْنٌ مُسْتَقِيمٌ بَلْ لَعَمْرِي أنَّ مَن كانَ لَهُ أدْنى مِسْكَةٍ مِن عَقْلٍ إذا تَأمَّلَ في أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنَّهُ نَشَأ فِيما بَيْنَهم هَذا الدَّهْرَ الطَّوِيلَ مِن غَيْرِ مُصاحَبَةِ العُلَماءِ في شَأْنٍ مِنَ الشُّؤُونِ ولا مُراجَعَةٍ إلَيْهِمْ في فَنٍّ مِنَ الفُنُونِ ولا مُخالَطَةٍ

صفحة 87

لِلْبُلَغاءِ في المُحاوَرَةِ والمُفاوَضَةِ ولا خَوْضٍ مَعَهم في إنْشاءِ الخُطَبِ والمُعارَضَةِ ثُمَّ أتى بِكِتابٍ بَهَرَتْ فَصاحَتُهُ كُلَّ ذِي أدَبٍ وحَيَّرَتْ بَلاغَتُهُ مَصاقِعَ العَرَبِ واحْتَوى عَلى بَدائِعِ أصْنافِ العُلُومِ ودَقائِقِ حَقائِقِ المَنطُوقِ والمَفْهُومِ وغَدا كاشِفًا عَنْ أسْرارِ الغَيْبِ الَّتِي تَنالُها الظُّنُونُ ومُعْرِبًا عَنْ أقاصِيصِ الأوَّلِينَ وأحادِيثِ الآخِرِينَ مِنَ القُرُونِ ومُصَدِّقًا لَما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْها في أحْكامِهِ المُجْمَلَةِ والمُفَصَّلَةِ لا يَبْقى عِنْدَهُ اشْتِباهٌ في أنَّهُ وحْيٌ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ وعَمَّ إفْضالُهُ هَذا هو الَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الجُمْهُورِ وهو أوْفَقُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ

وقِيلَ: إنَّ الأنْسَبَ بِبِناءِ الجَوابِ فِيما سَلَفَ عَلى امْتِناعِ صُدُورِ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَوْنِهِ مَعْصِيَةً مُوجِبَةً لِلْعَذابِ العَظِيمِ واقْتِصارِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى اتِّباعِ الوَحْيِ وامْتِناعِ الِاسْتِبْدادِ بِالرَّأْيِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ هُناكَ ولا هُنا لِكَوْنِ القُرْآنِ في نَفْسِهِ أمْرًا خارِجًا عَنْ طَوْقِ البَشَرِ ولا بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَيْرَ قادِرٍ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ أنْ يُسْتَشْهَدَ هَهُنا بِما يُلائِمُ ذَلِكَ مِن أحْوالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المُسْتَمِرَّةِ في تِلْكَ المُدَّةِ المُتَطاوِلَةِ مِن كَمالِ نَزاهَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَما يُوهِمُ شائِبَةَ صُدُورِ الكَذِبِ والِافْتِراءِ عَنْهُ في حَقِّ أحَدٍ كائِنًا مَن كانَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَعْقِيبُهُ بِتَظْلِيمِ المُفْتَرِي عَلى اللَّهِ تَعالى والمَعْنى قَدْ لَبِثْتُ فِيما بَيْنَ ظَهْرانَيْكم قَبْلَ الوَحْيِ لا أتَعَرَّضُ لِأحَدٍ قَطُّ بِتَحَكُّمٍ ولا جِدالٍ ولا أحُومُ حَوْلَ مَقالٍ فِيهِ شائِبَةُ شُبْهَةٍ فَضْلًا عَما فِيهِ كَذِبٌ وافْتِراءٌ ألا تُلاحِظُونَهُ أفَلا تَعْقِلُونَ أنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ المُطَّرِدُ في هَذا العَهْدِ البَعِيدِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ويَتَحَكَّمَ عَلى كافَّةِ الخَلْقِ بِالأوامِرِ والنَّواهِي المُوجِبَةِ لِسَلْبِ الأمْوالِ وسَفْكِ الدِّماءِ وغَيْرِ ذَلِكَ وأنَّ ما أتى بِهِ وحْيٌ مُبِينٌ تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ انْتَهى

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا غَيْرُ مُنْساقٍ إلى الذِّهْنِ وأنَّ الكَلامَ الأوَّلَ مُشِيرٌ في الجُمْلَةِ إلى كَوْنِ القُرْآنِ أمْرًا خارِجًا عَنْ طَوْقِ البَشَرِ وأنَّهُ ﷺ غَيْرُ قادِرٍ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ عَلى أنَّهُ بُعْدٌ لا يَخْلُو عَنْ مَقالٍ فَتَأمَّلْ،

10:17Page 210

فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ١٧

So who is more unjust than he who invents a lie about Allāh or denies His signs? Indeed, the criminals will not succeed.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ مَعْناهُ النَّفْيُ أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِن ذَلِكَ ونَفْيُ الأظْلَمِيَّةِ كَما هو المَشْهُورُ كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ المُساواةِ فالمُرادُ أنَّهُ أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ

والآيَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِما قَبْلَها عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنها تَفادِيهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِمّا لَوَّحُوا بِهِ مِن نِسْبَةِ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحاشاهُ وتَظْلِيمٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِتَكْذِيبِهِمْ لِلْقُرْآنِ وكُفْرِهِمْ بِهِ وزِيادَةٌ ﴿كَذِبًا﴾ مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما لَوَّحُوا بِهِ ضِمْنًا وحَمَلُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِ صَرِيحًا مَعَ كَوْنِهِ افْتِراءً عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ كَذِبٌ في نَفْسِهِ فَرُبَّ افْتِراءٌ يَكُونُ كَذِبُهُ في الإسْنادِ فَقَطْ كَما إذا أسْنَدْتَ ذَنْبَ زَيْدٍ إلى عَمْرٍو وهَذا لِلْمُبالَغَةِ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في التَّفادِي مِمّا ذُكِرَ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الكَلامِ عَلى ما سَبَقَ مِن بَيانِ كَوْنِ القُرْآنِ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى وأمْرِهِ أيْ وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَمَنِ افْتَرى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِأنْ يَخْلُقَ كَلامًا فَيَقُولُ: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى أوْ يُبَدِّلُ بَعْضَ آياتِهِ بِبَعْضٍ كَما تُجَوِّزُونَ ذَلِكَ في شَأْنِي وكَذَلِكَ مَن كَذَّبَ بِآياتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ كَما تَفْعَلُونَهُ أنْتُمْ أظْلَمُ مَن كُلِّ ظالِمٍ وقِيلَ: المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ تَظْلِيمُ المُشْرِكِينَ لِافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِمْ: إنَّهُ تَعالى عَما يَقُولُونَ ذُو شَرِيكٍ وذُو ولَدٍ وتَكْذِيبُهم بِآياتِهِ سُبْحانَهُ وهي مُرْتَبِطَةٌ إما بِما قَبْلَها أيْضًا عَلى مَعْنى أنِّي لَمْ أفْتَرِ عَلى اللَّهِ تَعالى ولَمْ أكْذِبْ عَلَيْهِ وقَدْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ وأنْتُمْ قَدْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ حَيْثُ زَعَمْتُمْ أنَّ لِلَّهِ تَعالى شَرِيكًا وأنَّ لَهُ

صفحة 88

ولَدًا وكَذَّبْتُمْ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ وأما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا﴾ إلَخْ عَلى أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ إلى هُنا إعْلامًا بِأنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واسْتَنُّوا بِسُنَنِ مَن قَبْلَهم في تَكْذِيبِ آياتِ اللَّهِ تَعالى والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَكُونُ هَذا عَوْدًا إلى الأوَّلِ بَعْدَ الفَراغِ مِن قِصَّةِ المُشْرِكِينَ وقِيلَ: وجْهُ تَعَلُّقِها بِما تَقَدَّمَ أنَّهم إنَّما سَألُوهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَبْدِيلَ القُرْآنِ لِما فِيهِ مِن ذَمِّ آلِهَتِهِمُ الَّذِينَ افْتَرَوْا في جَعْلِها آلِهَةً وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ تَوْطِئَةٌ لَما بَعْدَها ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ هو الأنْسَبُ بِالمَقامِ وأوْفَقُ بِالفاءِ وأبْعَدُ عَنِ التَّكَلُّفِ وأقْرَبُ انْسِياقًا إلى الذِّهْنِ السَّلِيمِ (أنَّهُ) أيِ الشَّأْنَ ﴿لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ 17﴾ أيْ لا يَنْجُونَ مِن مَحْذُورٍ ولا يَفُوزُونَ بِمَطْلُوبٍ والمُرادُ جِنْسُ المُجْرِمِينَ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ المُفْتَرِي والمُكَذِّبُ انْدِراجًا أوَّلِيًّا ولا يَخْفى ما في اخْتِيارِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ ما يُذْكَرُ بَعْدَهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ

10:18Page 210

وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١٨

And they worship other than Allāh that which neither harms them nor benefits them, and they say, "These are our intercessors with Allāh." Say, "Do you inform Allāh of something He does not know in the heavens or on the earth?" Exalted is He and high above what they associate with Him.

﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ حِكايَةٌ لِجِنايَةٍ أُخْرى لَهم وهي عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ (ومِن دُونِ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (يَعْبُدُونَ) أيْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى إما بِمَعْنى تَرْكِ عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ بِالكُلِّيَّةِ لِأنَّها لا تَصِحُّ ولا تَقَعُ عِبادَةٌ مَعَ الشَّرِكَةِ أوْ بِمَعْنى عَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِها وجَعْلِها قَرِينًا لِعِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ كَما اخْتارَهُ البَعْضُ و(ما) إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ والمُرادُ بِها الأصْنامُ ومَعْنى كَوْنِها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ أنَّها لا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّها جَماداتٌ والمَقْصُودُ مِن هَذا الوَصْفِ نَفْيُ صِحَّةِ مَعْبُودِيَّتِها لِأنَّ مِن شَأْنِ المَعْبُودِ القُدْرَةَ عَلى ما ذُكِرَ وقِيلَ: المَعْنى لا تَضُرُّهم إنْ تَرَكُوا عِبادَتَها ولا تَنْفَعُهم إنْ عَبَدُوها والمَقْصُودُ أيْضًا نَفْيُ صِحَّةِ مَعْبُودِيَّتِها لِأنَّ مِن شَأْنِ المَعْبُودِ أنْ يُثِيبَ عابِدَهُ ويُعاقِبَ مَن لَمْ يَعْبُدْهُ والفَرْقُ بَيْنَ التَّفْسِيرَيْنِ عَلى ما قالَهُ القُطْبُ إطْلاقُ النَّفْعِ والضُّرِّ في الأوَّلِ والتَّقْيِيدُ بِالعِبادَةِ وتَرْكِها في الثّانِي وقِيلَ: المَقْصُودُ عَلى الأوَّلِ مِنَ المَوْصُولِ الأصْنامُ بِعَيْنِها وعَلى الثّانِي فاقِدُ أوْصافِ المَعْبُودِيَّةِ ويَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ غَيْرُ الأصْنامِ مِنَ المَلائِكَةِ والمَسِيحِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ هُنا الأصْنامُ لِأنَّ العَرَبَ إنَّما كانُوا يَعْبُدُونَها وكانَ أهْلُ الطّائِفِ يَعْبُدُونَ اللّاتَ وأهْلَ مَكَّةَ ومَناةَ وهُبَلَ وأسافا ونائِلَةَ ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ يَقُولُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ شَفَعَتْ لِي اللّاتُ والعُزّى وفِيهِ نَزَلَتِ الآيَةُ

والظّاهِرُ أنَّ سائِرَ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ هَذا القَوْلَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مِنهم عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ أيْ إنْ كانَ بُعِثَ كَما زَعَمْتُمْ فَهَؤُلاءِ يَشْفَعُونَ لَنا فَلا يُقالُ: إنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الشَّفاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ في الآخِرَةِ وهو مُسْتَلْزِمٌ لِلْبَعْثِ وهم يُنْكِرُونَهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ وكَذا ما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ فَيَلْزَمُ المُنافاةُ بَيْنَ مَفاهِيمِ الآياتِ وكَأنَّهُ لِذَلِكَ قالَ الحَسَنُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: إنَّهم أرادُوا مِن هَذِهِ الشَّفاعَةِ الشَّفاعَةَ في الدُّنْيا لِإصْلاحِ المَعاشِ وحِينَئِذٍ لا مُنافاةَ والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ ومَن سَبَرَ حالَ القَوْمِ رَآهم مُتَرَدِّدِينَ ولِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ كَلِماتُهم ونِسْبَةُ الشَّفاعَةِ لِلْأصْنامِ قِيلَ بِاعْتِبارِ السَّبَبِيَّةِ وذَلِكَ لِأنَّهم كَما هو المَشْهُورُ وضَعُوها عَلى صُوَرِ رِجالٍ صالِحِينَ ذَوِي خَطَرٍ عِنْدَهم وزَعَمُوا

صفحة 89

أنَّهم مَتّى اشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها فَإنَّ أُولَئِكَ الرِّجالَ يَشْفَعُونَ لَهم وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ المُتَوَلِّيَ لِكُلِّ إقْلِيمٍ رُوحُ مُعَيِّنٍ مِن أرْواحِ الأفْلاكِ فَعَيَّنُوا لِذَلِكَ الرُّوحِ صَنَمًا مِنَ الأصْنامِ واشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها قَصْدًا إلى عِبادَةِ الكَواكِبِ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، والحَقُّ أنَّ مِنَ الأصْنامِ ما وُضِعَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ومِنها ما وُضِعَ لِكَوْنِها كالهَياكِلِ لِلرُّوحانِيّاتِ ﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهم ﴿أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ﴾ أيْ أتُخْبِرُونَهُ سُبْحانَهُ بِما لا وُجُودَ لَهُ ولا تَحَقُّقَ أصْلًا وهو كَوْنُ الأصْنامِ شُفَعاءَهم عِنْدَهُ جَلَّ شَأْنُهُ فَإنَّ ما لا يَعْلَمُهُ عَلّامُ الغُيُوبِ المُحِيطُ عِلْمُهُ بِالكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ لا يَكُونُ لَهُ تَحَقُّقٌ بِالكُلِّيَّةِ وذَكَرُوا أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُسَمّى شَيْئًا بِناءً عَلى أنَّهُ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ ما يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ ويُخْبَرَ عَنْهُ وهو يَشْمَلُ المَوْجُودَ والمَعْدُومَ كَما حَقَّقَهُ بَعْضُ أصْحابِنا كالمُعْتَزِلَةِ وسَمَّوْا ما لا يُعْلَمُ بِالمَنفِيِّ كالشَّرِيكِ وكاجْتِماعِ الضِّدَّيْنِ وحَقَّقَ ذَلِكَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ في رِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ أتى فِيها بِالعَجَبِ العُجابِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ شَرِيكًا والمَقْصُودُ عَلى الوَجْهَيْنِ مِن ذِكْرِ أنْباءِ اللَّهِ تَعالى بِما لا تَحَقُّقَ لَهُ ولَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ عِلْمُهُ التَّهَكُّمُ والهَزْءُ بِهِمْ وإلّا فَلا أنْباءَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ أيْ بِما لا يَعْلَمُهُ كائِنًا في ذَلِكَ والمَقْصُودُ مِنهُ تَأْكِيدُ النَّفْيِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما قَبْلَهُ فَإنَّهُ قَدْ جَرى في العُرْفِ أنْ يُقالَ عِنْدَ تَأْكِيدِ النَّفْيِ لِلشَّيْءِ لَيْسَ هَذا في السَّماءِ ولا في الأرْضِ لاعْتِقادِ العامَّةِ أنَّ كُلَّ ما يُوجَدُ إمّا في السَّماءِ وإمّا في الأرْضِ كَما هو رَأْيُ المُتَكَلِّمِينَ في كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إذْ هو سُبْحانَهُ المَعْبُودُ المُنَزَّهُ عَنِ الحُلُولِ في المَكانِ والآياتِ الَّتِي ظاهِرُها ذَلِكَ مِنَ المُتَشابِهِ والمَذاهِبُ فِيهِ شَهِيرَةٌ وهَذا إذا أُرِيدَ بِالسَّماءِ والأرْضِ جِهَتا العُلُوِّ والسُّفْلِ وقِيلَ: الكَلامُ إلْزامِيٌّ لِزَعْمِ المُخاطَبِينَ الكافِرِينَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ أتُخْبِرُونَهُ تَعالى بِشَرِيكٍ أوْ شَفِيعٍ لا يَعْلَمُ شَيْئًا في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِن السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ 18﴾ أيْ عَنْ إشْراكِهِمُ المُسْتَلْزِمِ لِتِلْكَ المَقالَةِ الباطِلَةِ أوْ عَنْ شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَهم شُرَكاءَ وقُرِئَ (أتُنَبِّئُونَ) بِالتَّخْفِيفِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تُشْرِكُونَ) بِتاءِ الخِطابِ عَلى أنَّهُ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ وعَلى الأوَّلِ هو اعْتِراضٌ تَذْلِيلِيٌّ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском