Al-AlusiYunus · 10:19–21

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:19–21

10:19Page 210

وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَٱخۡتَلَفُواْۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡ فِيمَا فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١٩

And mankind was not but one community [united in religion], but [then] they differed. And if not for a word1 that preceded from your Lord, it would have been judged between them [immediately] concerning that over which they differ.

﴿وما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ وما كانَ النّاسُ كافَّةً مِن أوَّلِ الأمْرِ إلّا مُتَّفِقِينَ عَلى الحَقِّ والتَّوْحِيدِ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ ومُجاهِدٍ والجِبائِيِّ وأبِي مُسْلِمٍ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً عَلى هُدًى) وذَلِكَ مِن عَهْدِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى أنْ قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ وقِيلَ: إلى زَمَنِ إدْرِيسَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقِيلَ: إلى زَمَنِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانُوا عَشَرَةَ قُرُونٍ وقِيلَ: كانُوا كَذَلِكَ في زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَبْقَ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارٌ إلى أنْ ظَهَرَ بَيْنَهُمُ الكُفْرُ وقِيلَ: مِن لَدُنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى أنْ أظْهَرَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ عِبادَةَ الأصْنامِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَطاءٍ وعَلَيْهِ فالمُرادُ مِنَ ﴿النّاسُ﴾ العَرَبُ خاصَّةً وهو الأنْسَبُ بِإيرادِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إثْرَ حِكايَةِ ما حُكِيَ مِنهم مِنَ الهَناتِ وتَنْزِيهِ ساحَةِ الكِبْرِياءِ عَنْ ذَلِكَ.

صفحة 90

﴿فاخْتَلَفُوا﴾ بِأنْ كَفَرَ بَعْضُهم وثَبَتَ الآخَرُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ فَخالَفَ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الآخَرَ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ وهي لا تُنافِي امْتِدادَ زَمانٍ الِاتِّفاقِ إذِ المُرادُ بَيانُ وُقُوعِ الِاخْتِلافِ عَقِيبَ انْصِرامِ مُدَّةِ الِاتِّفاقِ لا عَقِيبَ حُدُوثِهِ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ بِتَأْخِيرِ القَضاءِ بَيْنَهُمِ أوِ العَذابِ الفاصِلِ بَيْنَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَإنَّهُ يَوْمَ الفَصْلِ والجَزاءِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ عاجِلًا ﴿فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ 19﴾ بِأنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ آياتٍ مُلْجِئَةً إلى اتِّباعِ الحَقِّ ورَفْعِ الِاخْتِلافِ أوْ بِأنْ يُهْلِكَ المُبْطِلَ ويُبْقِيَ المُحِقَّ وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ والدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ ووَجْهُ ارْتِباطِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّها كالتَّأْكِيدِ لِما أشارَ إلَيْهِ مِن أنَّ التَّوْحِيدَ هو الدِّينُ الحَقُّ حَيْثُ أفادَتْ أنَّهُ مِلَّةٌ قَدِيمَةٌ اجْتَمَعَتْ عَلَيْها الأُمَمُ قاطِبَةً وأنَّ الشِّرْكَ وفُرُوعَهُ جَهالاتٌ ابْتَدَعَها الغُواةُ خِلافًا لِلْجُمْهُورِ وشَقًّا لِعَصا الجَماعَةِ وقِيلَ: وجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ فِيما قَبْلُ فَسادَ القَوْمِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ وبَيَّنَ في هَذِهِ أنَّ هَذا المَذْهَبَ لَيْسَ مَذْهَبًا لِلْعَرَبِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بَلْ كانُوا عَلى الدِّينِ الحَقَّ الخالِي عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ وإنَّما حَدَثَتْ فِيهِمْ عِبادَتُها بِتَسْوِيلِ الشَّياطِينِ

قِيلَ: والغَرَضُ مِن ذَلِكَ أنَّ العَرَبَ إذا عَلِمُوا أنَّ ما هم عَلَيْهِ اليَوْمَ لَمْ يَكُنْ مِن قَبْلُ فِيهِمْ وإنَّما حَدَثَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَتَعَصَّبُوا لِنُصْرَتِهِ ولَمْ يَتَأذَّوْا مِن تَزْيِيفِهِ وإبْطالِهِ وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ مَعْنى كَوْنِهِمْ أُمَّةً واحِدَةً اتِّفاقُهم عَلى الكُفْرِ وذَلِكَ في زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ إلّا أنَّهُ قالَ: كانُوا كَذَلِكَ مِن لَدُنْ وفاةِ آدَمَ إلى زَمَنِ نُوحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ ثُمَّ آمَنَ مَن آمَنَ وبَقِيَ مَن بَقِيَ عَلى الكُفْرِ وفائِدَةُ إيرادِ هَذا الكَلامِ في هَذا المَقامِ تَسْلِيَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَطْمَعْ في أنْ يَصِيرَ كُلُّ مَن تَدْعُوهُ إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ مُجِيبًا لَكَ قابِلًا لِدِينِكَ فَإنَّ النّاسَ كُلَّهم كانُوا عَلى الكُفْرِ وإنَّما حَدَثَ الإيمانُ في بَعْضِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَيْفَ تَطْمَعُ في اتِّفاقِ الكُلِّ عَلَيْهِ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلى هَذا خُلُوُّ الأرْضِ في عَصْرٍ عَنْ مُؤْمِنٍ بِاللَّهِ تَعالى عارِفٍ بِهِ وقَدْ قالُوا: إنَّ الأرْضَ في كُلِّ وقْتٍ لا تَخْلُو عَنْ ذَلِكَ وأُجِيبُ بِأنَّ عَدَمَ الخُلُوِّ في حَيِّزِ المَنعِ فَقَدْ ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ النّاسَ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ لَيْسَ فِيهِمْ مَن يَقُولُ اللَّهُ اللَّهُ وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ المُرادِ بِالِاتِّفاقِ عَلى الكَفْرِ اتِّفاقُ الأكْثَرِ

والحَقُّ أنَّ هَذا القَوْلَ في حَدِّ ذاتِهِ ضَعِيفٌ فَلا يَنْبَغِي دَفْعُ ما يَرُدُّ عَلَيْهِ وأضْعَفَ مِنهُ بَلْ لا يَكادُ يَصِحُّ كَوْنُ المُرادِ أنَّهم كانُوا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا بِأنْ أحْدَثَ كُلٌّ مِنهم مِلَّةً عَلى حِدَةٍ مِن مِلَلِ الكُفْرِ مُخالَفَةً لِمِلَّةِ الآخَرِ لِأنَّ الكَلامَ لَيْسَ في ذَلِكَ الِاخْتِلافِ إذْ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مُبْطِلٌ حِينَئِذٍ فَلا يُتَصَوَّرُ أنْ يُقْضى بَيْنَهُما بِإبْقاءِ المُحِقِّ وإهْلاكِ المُبْطِلِ أوْ بِإلْجاءِ أحَدِهِما إلى اتِّباعِ الحَقِّ لِيَرْتَفِعَ الِاخْتِلافُ كَما لا يَخْفى هَذا

* * *

ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿الر﴾ –ا- إشارَةٌ إلى الذّاتِ الَّذِي هو أوَّلُ الوُجُودِ و(ل) إشارَةٌ إلى العَقْلِ المُسَمّى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أوْسَطُ الوُجُودِ الَّذِي يَسْتَفِيضُ مِنَ المَبْدَأِ ويَفِيضُ إلى المُنْتَهى و(ر) إشارَةٌ إلى الرَّحْمَةِ الَّتِي هي الذّاتُ المُحَمَّدِيَّةُ وهي في الحَقِيقَةِ أوَّلٌ ووَسَطٌ وآخِرٌ لَكِنَّ الِاعْتِباراتِ مُخْتَلِفَةٌ وكَأنَّ ذَلِكَ قَسَمٌ مِنهُ تَعالى بِالحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ عَلى أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ أوِ القُرْآنُ مِنَ الآيِ آياتُ الكِتابِ المُتْقَنِ وقِيلَ: المَعْنى ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِهَذِهِ الأحْرُفِ أرْكانُ كِتابِ الكُلِّ ذِي الحِكْمَةِ أوِ المُحْكَمِ ومُعْظَمُ تَفاصِيلِهِ ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ إنْكارٌ لِتَعَجُّبِهِمْ مِن سُنَّةِ اللَّهِ الجارِيَةِ وهي الإيحاءُ إلى رَجُلٍ وكانَ ذَلِكَ لِبُعْدِهِمْ عَنْ مَقامِهِمْ وعَدَمِ مُناسَبَةِ حالِهِمْ لِحالِهِ ومُنافاةِ ما جاءَ بِهِ لِما اعْتَقَدُوهُ ﴿أنْ أنْذِرِ النّاسَ﴾ أيْ خَوِّفْهم

صفحة 91

مِن أنْ يُشْرِكُوا بِي شَيْئًا ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ سابِقَةً عَظِيمَةً وقُرْبَةً لَيْسَ لِأحَدٍ مِثْلُها وقِيلَ: سابِقَةَ رَحْمَةٍ أوْدَعَها في مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿قالَ الكافِرُونَ﴾ أيِ المَحْجُوبُونَ عَنِ اللَّهِ تَعالى ﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ لَمّا رَأوْهُ خارِجًا عَنْ قَدْرِهِمْ واحْتَجَبُوا بِالشَّيْطَنَةِ عَنِ الوُقُوفِ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ قالُوا ذَلِكَ ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ أيْ أوْقاتٍ مِقْدارُ كَلِّ يَوْمٍ مِنها دَوْرَةُ الفَلَكِ الأعْظَمِ مَرَّةً واحِدَةً كَما نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ الأكْبَرُ والسِّتَّةُ عَدَدٌ تامٌّ واخْتارَهُ اللَّهُ تَعالى لِما فِيهِ مِنَ الأسْرارِ ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ أيِ المُلْكِ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ فِيهِ عَلى وفْقِ حَكَمَتْهُ بِيَدِ قُدْرَتِهِ وقَدْ يُفَسَّرُ العَرْشُ بِقَلْبِ الكامِلِ فالكَلامُ إشارَةٌ إلى خَلْقِ الإنْسانِ الَّذِي انْطَوى فِيهِ العالَمُ بِأسْرِهِ ﴿ما مِن شَفِيعٍ﴾ يَشْفَعُ لِأحَدٍ بِدَفْعِ ما يَضُرُّهُ أوْ جَلْبِ ما يَنْفَعُهُ ﴿إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ بِمَوْهِبَةِ الِاسْتِعْدادِ بِتَوْفِيقِ الأسْبابِ ﴿ذَلِكُمُ﴾ المَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ الَّذِي يَرُبُّكم ويُدَبِّرُ أمْرَكم فاعْبُدُوهُ فَخُصُّوهُ بِالعِبادَةِ واعْرِفُوهُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ ولا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ ولا تَحْتَجِبُوا عَنْهُ تَعالى فَتَنْسُبُوا قَوْلَهُ وفِعْلَهُ إلى الشَّيْطانِ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ آياتِهِ الَّتِي خَطَّها بِيَدِ قُدْرَتِهِ في صَحائِفِ الآفاقِ والأنْفُسِ فَتَتَفَكَّرُوا فِيها وتَنْزَجِرُوا عَنِ الشِّرْكِ بِهِ سُبْحانَهُ ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ بِالعَوْدِ إلى عَيْنِ الجَمْعِ المُطْلَقِ في القِيامَةِ الصُّغْرى أوْ إلى عَيْنِ جَمْعِ الذّاتِ بِالفَناءِ فِيهِ تَعالى عِنْدَ القِيامَةِ الكُبْرى كَذا قِيلَ وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ مَرْجِعَ العاشِقِينَ جَمالُهُ ومَرْجِعَ العارِفِينَ جَلالُهُ ومَرْجِعَ المُوَحِّدِينَ كِبْرِياؤُهُ ومَرْجِعَ الخائِفِينَ عَظَمَتُهُ ومَرْجِعَ المُشْتاقِينَ وِصالُهُ ومَرْجِعَ المُحِبِّينَ دُنُوُّهُ ومَرْجِعَ أهْلِ العِنايَةِ ذاتُهُ وقالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ في الآيَةِ: إنَّهُ تَعالى مِنهُ الِابْتِداءُ وإلَيْهِ الِانْتِهاءُ وما بَيْنَ ذَلِكَ مَرابِعُ فَضْلِهِ وتَواتُرُ نِعَمِهِ ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ يَبْدَؤُهُ في النَّشْأةِ الأُولى ثُمَّ يُعِيدُهُ في النَّشْأةِ الثّانِيَةِ أوْ يَبْدَأُ الخَلْقَ بِاخْتِفائِهِ وإظْهارِهِمْ ثُمَّ يُعِيدُهُ بِإفْنائِهِمْ وظُهُورِهِ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أيْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيَجْزِيَ المُؤْمِنَ والكافِرَ عَلى حَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ عَمَلُ كُلٍّ، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ أيْ جَعَلَ شَمْسَ الرُّوحِ ضِياءَ الوُجُودِ ﴿والقَمَرَ﴾ أيْ قَمَرَ القَلْبِ ﴿نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ أيْ مَقاماتٍ ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ﴾ أيْ سِنِي مَراتِبِكم وأطْوارِكم في المَسِيرِ إلَيْهِ وفِيهِ تَعالى ﴿والحِسابَ﴾ أيْ حِسابَ دَرَجاتِكم ومَواقِعِ أقْدامِكم في كُلِّ مَقامٍ ومَرْتَبَةٍ ويُقالُ: جَعَلَ شَمْسَ الذّاتِ ضِياءً لِلْأرْواحِ العارِفَةِ وجَعَلَ قَمَرَ الصِّفاتِ نُورًا لِلْقُلُوبِ العاشِقَةِ فَفَنِيَتِ الأرْواحُ بِصَوْلَةِ الذّاتِ في عَيْنِ الذّاتِ وبَقِيَتِ القُلُوبُ بِمُشاهَدَةِ الصِّفاتِ في عَيْنِ الصِّفاتِ وهَذِهِ الشَّمْسُ المُشارُ إلَيْها لا تَغِيبُ أصْلًا عَنْ بَصائِرِ الأرْواحِ ومِن هُنا قالَ قائِلُهُمْ:

هِيَ الشَّمْسُ إلّا أنَّ لِلشَّمْسِ غَيْبَةً وهَذا الَّذِي نَعْنِيهِ لَيْسَ يَغِيبُ

﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ﴾ أيْ غَلَبَةِ ظُلْمَةِ النَّفْسِ عَلى القَلْبِ ﴿والنَّهارِ﴾ أيْ نَهارِ إشْراقِ ضَوْءِ الرَّوْحِ عَلَيْهِ ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ﴾ أيْ سَماواتِ الأرْواحِ ﴿والأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ الأجْسادِ ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ حَجْبَ صِفاتِ النَّفْسِ الأمّارَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ أيْ يُوصِلُهم إلى الجَنّاتِ الثَّلاثِ بِحَسَبِ نُورِ إيمانِهِمْ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ كالبَيانِ لِذَلِكَ ﴿دَعْواهُمْ﴾ الِاسْتِعْدادِيُّ ﴿فِيها﴾ أيْ في تِلْكَ الجَنّاتِ ﴿سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ﴾ إشارَةٌ إلى تَنْزِيهِهِ تَعالى والتَّنْزِيهُ في الأوْلى عَنِ الشِّرْكِ في الأفْعالِ بِالبَراءَةِ عَنْ حَوْلِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وفي الثّانِيَةِ عَنِ الشِّرْكِ في الصِّفاتِ بِالِانْسِلاخِ عَنْ صِفاتِهِمْ وفي الثّالِثَةِ

صفحة 92

عَنِ الشِّرْكِ في الوُجُودِ بِفَنائِهِمْ و(تَحِيَّتُهُمْ) أيْ تَحِيَّةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أوْ تَحِيَّةٌ لِلَّهِ تَعالى ﴿فِيها سَلامٌ﴾ أيْ إفاضَةُ أنْوارِ التَّزْكِيَةِ وإمْدادُ التَّصْفِيَةِ أوْ إشْراقُ أنْوارِ التَّجَلِّياتِ وإمْدادُ التَّجْرِيدِ وإزالَةُ الآفاتِ ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ آخِرُ ما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهم قِيامُهم بِاللَّهِ تَعالى في ظُهُورِ كَمالاتِهِ وصِفاتِ جَلالِهِ وجَمالِهِ عَلَيْهِمْ وهو الحَمْدُ الحَقِيقِيُّ مِنهُ ولَهُ سُبْحانَهُ ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ أيِ اسْتَغْرَقَ أوْقاتَهُ في الدُّعاءِ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ هَذا وصْفُ الَّذِينَ لَمْ يُدْرِكُوا حَقائِقَ العُبُودِيَّةِ في مَشاهِدِ الرُّبُوبِيَّةِ فَإنَّهم إذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ لَيْلُ البَلاءِ قامُوا إلى إيقادِ مِصْباحِ التَّضَرُّعِ فَإذا انْجَلَتْ عَنْهُمُ الغَياهِبُ بِسُطُوعِ أنْوارِ فَجْرِ الفَرَجِ نَسُوا ما كانُوا فِيهِ ومَرُّوا كَأنْ لَمْ يَدْعُوا مَوْلاهم إلى كَشْفِ ما عَناهُمْ

كَأنَّ الفَتى لَمْ يُعِرْ يَوْمًا إذا اكْتَسى ولَمْ يَكْ صُعْلُوكًا إذا ما تَمَوَّلا ولَوْ كانُوا عارِفِينَ لَمْ يَبْرَحُوا دارَةَ التَّضَرُّعِ وإظْهارَ العُبُودِيَّةِ بَيْنَ يَدَيْهِ تَعالى في كُلِّ حِينٍ ﴿وما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً﴾ عَلى الفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النّاسَ عَلَيْها مُتَوَجِّهِينَ إلى التَّوْحِيدِ مُتَنَوِّرِينَ بِنُورِ الهِدايَةِ الأصْلِيَّةِ ﴿فاخْتَلَفُوا﴾ بِمُقْتَضَياتِ النَّشْأةِ واخْتِلافِ الأمْزِجَةِ والأهْوِيَةِ والعاداتِ والمُخالَطاتِ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ وهو قَضاؤُهُ سُبْحانَهُ الأزَلِيُّ بِتَقْدِيرِ الآجالِ والأرْزاقِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بِإهْلاكِ المُبْطِلِ وإبْقاءِ المُحِقِّ والمُرادُ أنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعالى اقْتَضَتْ أنْ يَبْلُغَ كُلٌّ مِنهم وُجْهَتَهُ الَّتِي ولّى وجْهَهُ إلَيْها بِأعْمالِهِ الَّتِي يُزاوِلُها هو وإظْهارُ ما خَفِيَ في نَفْسِهِ وسُبْحانَ اللَّهِ الحَكِيمِ العَلِيمِ

10:20Page 210

وَيَقُولُونَ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۖ فَقُلۡ إِنَّمَا ٱلۡغَيۡبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ ٢٠

And they say, "Why is a sign not sent down to him from his Lord?" So say, "The unseen is only for Allāh [to administer], so wait; indeed, I am with you among those who wait."

﴿ويَقُولُونَ﴾ حِكايَةً لِجِنايَةٍ أُخْرى لَهم وفي الكَشّافِ تَفْسِيرُ المُضارِعِ بِالماضِي أيْ وقالُوا وجَعَلَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ العَطْفَ لَيْسَ عَلى ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا﴾ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ وإنَّما هو عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وأوْثَرَ المُضارِعَ عَلى الماضِي لِيُؤْذَنَ بِاسْتِمْرارِ هَذِهِ المَقالَةِ وأنَّها مِن دَأْبِهِمْ وعادَتِهِمْ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنِ اسْتِحْضارِ صُورَتِها الشَّنِيعَةِ

وجُوِّزَ العَطْفُ عَلى (يَعْبُدُونَ) وهو الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وأبْقى بَعْضُهُمُ الفِعْلَ عَلى ظاهِرِهِ ولَهُ وجْهٌ والقائِلُ كَفّارُ مَكَّةَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أرادُوا آيَةً مِنَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها كَآيَةِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ ومَعْنى إنْزالِها عَلَيْهِ إظْهارُ اللَّهِ تَعالى لَها عَلى يَدِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وطَلَبُوا ذَلِكَ تَعَنُّتًا وعِنادًا وإلّا فَقَدْ أتى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِآياتٍ ظاهِرَةٍ ومُعْجِزاتٍ باهِرَةٍ تَعْلُو عَلى جَمِيعِ الآياتِ وتَفُوقُ سائِرَ المُعْجِزاتِ لا سِيَّما القُرْآنَ العَظِيمَ الباقِيَ إعْجازُهُ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولَعَمْرِي لَوْ أنْصَفُوا لاسْتَغْنَوْا عَنْ كُلِّ آيَةٍ غَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ الآيَةُ الكُبْرى ومَن رَآهُ وسَبَرَ أحْوالَهُ لَمْ يَكَدْ يَشُكُّ في أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿فَقُلْ﴾ لَهم في الجَوابِ ﴿إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ 20﴾ وهو جَوابٌ عَلى ما قَرَّرَهُ الطِّيبِيُّ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ فَإنَّهم حِينَ طَلَبُوا ما طَلَبُوا مَعَ وُجُودِ الآياتِ المُتَكاثِرَةِ دَلَّ عَلى أنَّ سُؤالَهم لِلتَّعَنُّتِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا فَأجِيبُوا بِما أُجِيبُوا لِيُؤْذَنَ بِأنَّ سُؤالَهم سُؤالُ المُقْتَرِحِينَ يَسْتَحِقُّونَ بِهِ نِقْمَةَ اللَّهِ تَعالى وحُلُولَ عِقابِهِ ويَعْنِي أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَسْتَأْصِلَ شَأْفَتَكم لَكِنْ لا أعْلَمُ مَتى يَكُونُ وأنْتُمْ كَذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الغَيْبِ وهو مُخْتَصٌّ بِهِ تَعالى لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ غَيْرُهُ جَلَّ شَأْنُهُ وإذا كانَ كَذَلِكَ فانْتَظِرُوا ما يُوجِبُهُ اقْتِراحُكم إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ إيّاهُ وقِيلَ: إنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ والصّارِفُ عَنْ إنْزالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ أمْرٌ مَغِيبٌ فَلا يَعْلَمُهُ إلّا هو واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ مُعَيَّنٌ وهو عِنادُهم قالَ تَعالى: ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .

صفحة 93

وأُجِيبُ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ عِنادَهم هو الصّارِفُ وقَدْ يُجابُ المُعانِدُ والآيَةُ وإنْ دَلَّتْ عَلى بَقائِهِمْ عَلى العِنادِ وإنْ جاءَتْ لَمْ تَدُلَّ عَلى أنَّ العِنادَ هو الصّارِفُ

واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ ما اقْتَرَحْتُمُوهُ وزَعَمْتُمْ أنَّهُ مِن لَوازِمِ النُّبُوَّةِ وعَلَّقْتُمْ إيمانَكم بِنُزُولِهِ مِنَ الغُيُوبِ المُخْتَصَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ لا وُقُوفَ لِي عَلَيْهِ فانْتَظِرُوا نُزُولَهُ إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ لِما يَفْعَلُ اللَّهُ تَعالى بِكم لِاجْتِرائِكم عَلى مَثَلِ هَذِهِ العَظِيمَةِ مِن جُحُودِ الآياتِ واقْتِراحِ غَيْرِها واعْتُرِضَ عَلى ما قِيلَ بِأنَّهُ يَأْباهُ تَرْتِيبُ الأمْرِ بِالِانْتِظارِ عَلى اخْتِصاصِ الغَيْبِ بِهِ تَعالى والَّذِي يَخْطِرُ بِالبالِ أنَّ سُؤالَ القَوْمِ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى مُتَضَمِّنٌ لِدَعْوى أنَّ الصَّلاحَ في إنْزالِ آيَةٍ مِمّا اقْتَرَحُوا حَيْثُ لَمْ يَعْتَبِرُوا ما نَزَلَ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ فَكَأنَّهم قالُوا: لا صَلاحَ في نُزُولِ ما نَزَلْ وإنَّما الصَّلاحُ في إنْزالِ آيَةٍ مِمّا نَقْتَرِحُ فَلَوْلا نَزَلَتْ وفي ذَلِكَ دَعْوى الغَيْبِ بِلا رَيْبٍ فَأجِيبُوا بِأنَّ الغَيْبَ مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ فَهو الَّذِي يَعْلَمُ ما بِهِ الصَّلاحُ لا أنْتُمْ ولا غَيْرُكم ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فانْتَظِرُوا﴾ إلَخْ عَلى مَعْنى وإذا كانَ عِلْمُ الغَيْبِ مُخْتَصًّا بِاللَّهِ تَعالى وقَدِ ادَّعَيْتُمْ مِن ذَلِكَ ما ادَّعَيْتُمْ وطَعَنْتُمْ فِيما طَعَنْتُمْ فانْتَظِرُوا نُزُولَ العَذابِ بِكم إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظَرِينَ إيّاهُ ولا يُرَدُّ عَلى هَذا ما أوْرَدَ عَلى غَيْرِهِ ولا ما عَسى أنْ يُورِدَ أيْضًا فَتَأمَّلْ

10:21Page 211

وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ مِّنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُمۡ إِذَا لَهُم مَّكۡرٞ فِيٓ ءَايَاتِنَاۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسۡرَعُ مَكۡرًاۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ ٢١

And when We give the people a taste of mercy after adversity has touched them, at once they conspire against Our verses. Say, "Allāh is swifter in strategy." Indeed, Our messengers [i.e., angels] record that which you conspire.

﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ كالصِّحَّةِ والسَّعَةِ ﴿مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾ أيْ خالَطَتْهم حَتّى أحَسُّوا بِسُوءِ أثَرِها فِيهِمْ وإسْنادُ المِساسِ إلى الضَّرّاءِ بَعْدَ إسْنادِ الإذاقَةِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ مِنَ الآدابِ القُرْآنِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ ونَظائِرِهِ ويَنْبَغِي التَّأدُّبُ في ذَلِكَ فَفي الخَبَرِ: اللَّهُمَّ إنَّ الخَيْرَ بِيَدَيْكَ والشَّرَّ لَيْسَ إلَيْكَ. والمُرادُ بِالنّاسِ كُفّارُ مَكَّةَ عَلى ما قِيلَ لِما رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّطَ عَلَيْهِمُ القَحْطَ سَبْعَ سِنِينَ حَتّى كادُوا يَهْلِكُونَ فَطَلَبُوا مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَدْعُوَ لَهم بِالخِصْبِ ووَعَدُوهُ بِالإيمانِ فَلَمّا دَعا لَهم ورَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالحَياءِ طَفِقُوا يَطْعَنُونَ في آياتِهِ تَعالى ويُعانِدُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَكِيدُونَهُ وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ أيْ بِالطَّعْنِ فِيها وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِها والِاحْتِيالِ في دَفْعِها والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالآياتِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ وقِيلَ: المُرادُ بِها الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ كَإنْزالِ الحَياءِ ومَكْرُهم فِيها إضافَتُها إلى الأصْنامِ والكَواكِبِ وقِيلَ: إنَّ ﴿النّاسَ﴾ عامٌّ لِجَمِيعِ الكُفّارِ ولا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى ما يَشْمَلُ العُصاةَ كَما لا يَخْفى وكانَتِ العَرَبُ تُضِيفُ الأمْطارَ وكَذا الرِّياحُ والحَرُّ والبَرْدُ إلى الأنْواءِ وهو جَمِيعُ نَوْءٍ مَصْدَرُ ناءَ يَنُوءُ إذا نَهَضَ بِجَهْدٍ ومَشَقَّةٍ ويُقالُ ذَلِكَ أيْضًا إذا سَقَطَ فَهو مِنَ الأضْدادِ ويُطْلَقُ عَلى النَّجْمِ الَّذِي هو أحَدُ المَنازِلِ الثَّمانِيَةِ والعِشْرِينَ الَّتِي ذَكَّرْناها فِيما سَبَقَ وهو المُرادُ في كَلامِهِمْ إلّا أنَّ الإضافَةَ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ سُقُوطِهِ مَعَ الفَجْرِ وغُرُوبِهِ كَما هو المَشْهُورُ أوْ بِاعْتِبارِ طُلُوعِهِ ذَلِكَ الوَقْتَ كَما قالَ الأصْمَعِيُّ

وقَدْ عُدَّ القائِلُ بِتَأْثِيرِ الأنْواءِ كافِرًا فَقَدْ رَوى الشَّيْخانِ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «قالَ اللَّهُ تَعالى: أصْبَحَ مِن عِبادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافِرٌ بِالكَوْكَبِ وكافِرٌ بِي ومُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ فَأمّا مَن قالَ: مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وكافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وأمّا مَن قالَ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا فَذَلِكَ كافِرٌ بِي ومُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ». ولَعَلَّ كَوْنَ ذَلِكَ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى مَبْنِيٌّ عَلى زَعْمِ أنَّ لِلْكَواكِبِ تَأْثِيرًا اخْتِيارِيًّا ذاتِيًّا في ذَلِكَ وإلّا فاعْتِقادُ أنَّ التَّأْثِيرَ عِنْدَها لا بِها كَما هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ الأشاعِرَةِ في سائِرِ الأسْبابِ لَيْسَ بِكُفْرٍ كَما نَصَّ عَلَيْهِ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ وكَذا اعْتِقادُ أنَّ التَّأْثِيرَ بِها عَلى مَعْنى

صفحة 94

أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْدَعَ فِيها قُوَّةً مُؤَثِّرَةً بِإذْنِهِ فَمَتى شاءَ سُبْحانَهُ أثَّرَتْ ومَتى لَمْ يَشَأْ لَمْ تُؤَثِّرْ كَما هو مَذْهَبُ السَّلَفِ في الأسْبابِ عَلى ما قَرَّرَهُ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ في مَسْلَكِ السَّدادِ ولَوْ كانَ نِسْبَةُ التَّأْثِيرِ مُطْلَقًا إلى الأنْواءِ ونَحْوِها مِنَ العَلَوِيّاتِ كُفْرًا لاتَسْعَ الخَرْقُ ولَزِمَ إكْفارُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ حَتّى أفاضِلِهِمْ لِقَوْلِهِمْ بِنِسْبَةِ الكَثِيرِ مِن عالِمِ الكَوْنِ والفَسادِ إلى العُلْوِيّاتِ ويُسَمُّونَها بِالآباءِ العُلْوِيَّةِ وقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ بِأنَّ لِلْكَواكِبِ السَّيّاراتِ وغَيْرِها تَأْثِيرًا في هَذا العالِمِ إلّا أنَّ الوُقُوفَ عَلى تَعْيِينِ جُزْئِيّاتِهِ مِمّا لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا أرْبابُ الكَشْفِ والأرْصادِ القَلْبِيَّةِ ولَيْسَ مُرادُهُ قُدِّسَ سِرُّهُ وكَذا مُرادُ مَن أطْلَقَ التَّأْثِيرَ إلّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ أحَدُ الفَرِيقَيْنِ في الأسْبابِ وحاشا ثُمَّ حاشا أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الأفاضِلُ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ أنَّ في الوُجُودِ مُؤَثِّرًا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى بَلْ مَن وقَفَ عَلى حَقِيقَةِ كَلامِ الحُكَماءِ الَّذِينَ هم بِمَعْزِلٍ عَنِ الشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ وجَدَهم مُتَّفِقِينَ عَلى أنَّ الوُجُودَ مَعْلُولٌ لَهُ تَعالى عَلى الإطْلاقِ وقالَ بِهْمِنيارُ في التَّحْصِيلِ فَإنْ سُئِلَتِ الحَقَّ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ عِلَّةُ الوُجُودِ إلّا ما هو بَرِيءٌ مِن كُلِّ وجْهٍ مِن مَعْنى ما بِالقُوَّةِ وهَذا هو المَبْدَأُ الأوَّلُ لا غَيْرُ وما نُقِلَ عَنْ أفْلاطُونَ مِن قَوْلِهِ: إنَّ العالَمَ كُرَةٌ والأرْضَ مَرْكَزٌ والإنْسانَ هَدَفٌ والأفْلاكَ قِسِيٌّ والحَوادِثَ سِهامٌ واللَّهُ تَعالى هو الرّامِي فَأيْنَ المَفَرُّ يُشْعِرُ بِذَلِكَ أيْضً (نَعَمْ) إنَّهم قالُوا بِالشَّرائِطِ العَقْلِيَّةِ وهي المُرادُ بِالوَسائِطِ في كَلامِ بَعْضِهِمْ وهو خِلافُ المَذْهَبِ الحَقِّ وبِالجُمْلَةِ لا يَكْفُرُ مَن قالَ: إنَّ الكَواكِبَ مُؤَثِّرَةٌ عَلى مَعْنى أنَّ التَّأْثِيرَ عِنْدَها أوْ بِها بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ مَن قالَ: إنَّ النّارَ مُحْرِقَةٌ والماءَ مُرْوٍ مَثَلًا ولا فَرْقَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ إلّا بِما عَسى أنْ يُقالَ: إنَّ التَّأْثِيرَ في نَحْوِ النّارِ والماءِ أمْرٌ مَحْسُوسٌ مُشاهَدٌ والتَّأْثِيرَ في الكَواكِبِ لَيْسَ كَذَلِكَ والقَوْلُ بِهِ رَجْمٌ بِالغَيْبِ لَكِنَّ ذَلِكَ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ لا يُوجِبُ كَوْنَ أحَدِ القَوْلَيْنِ كُفْرًا دُونَ الآخَرِ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ ومَعَ هَذا الأحْوَطُ عَدَمُ إطْلاقِ نِسْبَةِ التَّأْثِيرِ إلى الكَواكِبِ والتَّجَنُّبُ عَنِ التَّلَفُّظِ بِنَحْوِ ما أكْفَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ المُتَلَفِّظَ بِهِ هَذا (وإذا) الأُولى شَرْطِيَّةٌ والثّانِيَةُ فُجائِيَّةٌ رابِطَةٌ لِلْجَوابِ وتَنْكِيرُ ﴿مَكْرٌ﴾ لِلتَّفْخِيمِ و(فِي) مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ اللّامُ

﴿قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا﴾ أيْ مِنكم فَأسْرَعُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ وهو مَأْخُوذٌ إما مِن سَرَعَ الثُّلاثِيِّ كَما حَكاهُ الفارِسِيُّ أوْ مِن أسْرَعَ المَزِيدِ إلّا أنَّ في أخْذِ أفْعَلَ مِنَ المَزِيدِ خِلافًا فَمِنهم مَن مَنَعَهُ مُطْلَقًا ومِنهم مَن جَوَّزَهُ مُطْلَقًا ومِنهم مَن قالَ: إنْ كانَتِ الهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ امْتَنَعَ وإلّا جازَ ومِثْلُهُ في ذَلِكَ بِناءُ التَّعَجُّبِ ووَصْفُ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ بِالسُّرْعَةِ دَلَّ عَلَيْهِ المُفاجَأةُ عَلى أنَّ صِحَّةَ اسْتِعْمالِ أسْرَعَ في ذَلِكَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى دَلالَةِ الكَلامِ عَلى ما ذُكِرَ خِلافًا لِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ وأصْلُ المَكْرِ إخْفاءُ الكَيْدِ والمَضَرَّةِ والمُرادُ بِهِ الجَزاءُ والعُقُوبَةُ عَلى المَكْرِ مَجازًا مُرْسَلًا أوْ مُشاكَلَةً وهي لا تُنافِيهِ كَما في شَرْحِ المِفْتاحِ وقَدْ شاعَ أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ تَعالى إلّا عَلى سَبِيلِ المُشاكَلَةِ ولَيْسَ بِذاكَ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ ﴿إنَّ رُسُلَنا﴾ الحَفَظَةَ مِن قِبَلِنا عَلى أعْمالِكم ﴿يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ 21﴾ أيْ مَكْرَكم أوْ ما تَمْكُرُونَهُ وكَيْفِيَّةَ كِتابَةِ ذَلِكَ مِمّا لا يَلْزَمُ العِلْمُ بِهِ ولا حاجَةَ إلى جَعْلِ ذَلِكَ مَجازًا عَنِ العِلْمِ وهَذا تَحْقِيقٌ لِلِانْتِقامِ مِنهم وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما دَبَّرُوا في إخْفائِهِ غَيْرُ خافٍ عَلى الكَتَبَةِ فَضْلًا عَنْ مُنْزِلِ الكِتابِ الَّذِي لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ وفي ذَلِكَ تَجْهِيلٌ لَهم كَما لا يَخْفى والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ داخِلَةً في الكَلامِ المُلَقَّنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ وهي تَعْلِيلٌ لِأسْرَعِيَّةِ مَكْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ داخِلَةً في ذَلِكَ وفي

صفحة 95

﴿إنَّ رُسُلَنا﴾ التِفاتًا إذْ لَوْ أُجْرِيَ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ لَقِيلَ: إنَّ رُسُلَهُ فَلا إشْكالَ فِيهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا وجْهَ لِأمْرِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يَقُولَ لَهُمْ: إنَّ رُسُلَنا إذِ الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى لا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ رُسُلِ رَبِّنا أوْ بِالإضافَةِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ كَما قِيلَ

وقالَ بَعْضُهم في الجَوابِ: إنَّهُ حِكايَةُ ما قالَ اللَّهُ تَعالى عَلى كَوْنِ المُرادِ أداءَ هَذا المَعْنى لا بِهَذِهِ العِبارَةِ

وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ (يَمْكُرُونَ) عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ نافِعٍ ويَعْقُوبَ وفِيهِ الجَرْيُ عَلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (مَسَّتْهُمْ) و(لَهُمْ) والمُناسِبُ الخِطابِ كَما قَرَأ الباقُونَ إذا كانَتِ الجُمْلَةُ داخِلَةً في حَيِّزِ القَوْلِ إذِ المَعْنى قُلْ لَهم ومُناسَبَةُ الخِطابِ حِينَئِذٍ ظاهِرَةٌ وفِيهِ أيْضًا مُبالَغَةٌ في الإعْلامِ بِمَكْرِهِمْ وجَعَلَها بَعْضُ المُحَقِّقِينَ عَلى تِلْكَ القِراءَةِ وعَدَمِ دُخُولِها في حَيِّزِ القَوْلِ تَعْلِيلًا لِلْأسْرَعِيَّةِ أوْ لِلْأمْرِ المَذْكُورِ وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ في الفِعْلَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ والتَّجَدُّدِ وكَذا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском