Al-AlusiYunus · 10:22–23

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:22–23

10:22Page 211

هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِفٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٢٢

It is He who enables you to travel on land and sea until, when you are in ships and they sail with them1 by a good wind and they rejoice therein, there comes a storm wind and the waves come upon them from every place and they expect to be engulfed, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion, "If You should save us from this, we will surely be among the thankful."

﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ وهو عَلى ما قِيلَ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ جِنايَةٍ أُخْرى لَهم مَبْنِيَّةٍ عَلى ما مَرَّ آنِفًا مِنِ اخْتِلافِ حالِهِمْ بِحَسْبِ اخْتِلافِ ما يَعْتَرِيهِمْ مِنَ الضَّرّاءِ وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِبَعْضِ ما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ﴾ إلَخْ وهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِ الإمامِ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإذا أذَقْنا﴾ الآيَةَ وهو كَلامٌ كُلِّيٌّ ضُرِبَ لَهم مَثَلًا بِهَذا لِيَتَّضِحَ ويَظْهَرَ ما هم عَلَيْهِ

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِما تَقَدَّمَ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلَهُكُمُ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ إلَخْ وأوَّلُ التَّسْيِيرِ بِالحَمْلِ عَلى السَّيْرِ والتَّمْكِينِ مِنهُ والدّاعِي لِذَلِكَ قِيلَ: عَدَمُ صِحَّةِ جَعْلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ غايَةٌ لِلتَّسْيِيرِ في البَحْرِ مَعَ أنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ وغايَةُ الشَّيْءِ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ مُتَأخِّرَةً عَنْهُ وبَعْدَ التَّأْوِيلِ لا إشْكالَ في جَعْلِ ما ذُكِرَ غايَةً لِما قَبْلَهُ

وقِيلَ: هو دَفْعُ لُزُومِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ وذَلِكَ لِأنَّ المُسَيِّرَ في البَحْرِ هو اللَّهُ تَعالى إذْ هو سُبْحانَهُ المُحْدِثُ لِتِلْكَ الحَرَكاتِ في الفُلْكِ بِالرِّيحِ ولا دَخْلَ لِلْعَبْدِ فِيهِ بَلْ في مُقَدِّماتِهِ وأما سَيْرُ البِرِّ فَمِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ الصّادِرَةِ مِنَ المُخاطَبِينَ أنْفُسِهِمْ إنْ كانُوا مُشاةً أوْ مِن دَوابِّهِمْ إنْ كانُوا رُكْبانًا وتَسْيِيرُ اللَّهِ تَعالى فِيهِ إعْطاءُ الآلاتِ والأدَواتِ ولُزُومُ الجَمْعِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ ووَجْهُ الدَّفْعِ أنَّ المُرادَ مِنَ التَّسْيِيرِ ما ذُكِرَ وهو مَعْنًى مَجازِيٌّ شامِلٌ لِلْحَقِيقَةِ والمَجازِ

وادَّعى بَعْضُهُمُ اتِّحادَ التَّسْيِيرِ في البَرِّ والبَحْرِ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ تَكَلُّفٌ والزَّمَخْشَرِيُّ لَمْ يُؤَوِّلِ التَّسْيِيرَ بِما ذَكَرْنا وجَعَلَ الغايَةَ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ الواقِعَةِ بَعْدَ حَتّى بِما في حَيِّزِها كَأنَّهُ قِيلَ: يُسَيِّرُكم حَتّى إذا وقَعَتْ هَذِهِ الحادِثَةُ وكانَ كَيْتَ وكَيْتَ مِن مَجِيءِ الرِّيحِ العاصِفِ وتَراكُمِ الأمْواجِ والظَّنِّ لِلْهَلاكِ والدُّعاءِ بِالإنْجاءِ دُونَ الكَوْنِ في البَحْرِ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ القُطْبُ بِأنَّهُ لَوْ جُعِلَ الكَوْنُ في الفُلْكِ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها﴾ كَفى ولَمْ يَحْتَجْ إلى اعْتِبارِ مَجْمُوعِ الشَّرْطِ والجَزاءِ ثُمَّ قالَ: والتَّحْقِيقُ أنَّ الغايَةَ إنْ فُسِّرَتْ بِما يَنْتَهِي إلَيْهِ الشَّيْءُ بِالذّاتِ فَهي لَيْسَ إلّا ما وقَعَ شَرْطًا في مِثْلِ ذَلِكَ وإنْ فُسِّرَتْ بِما يَنْتَهِي إلَيْهِ الشَّيْءُ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ فَهي مَجْمُوعُ الشَّرْطِ والجَزاءِ واسْتَوْضِحْ ذَلِكَ مِن قَوْلِكَ: مَشَيْتُ حَتّى إذا بَلَغْتُ البَلَدَ اتَّجَرْتُ فَإنَّ ما انْتَهى إلَيْهِ الشَّيْءُ بِالذّاتِ الوُصُولُ إلى البَلَدِ وأمّا الِاتِّجارُ

صفحة 96

فَأمْرٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى ذَلِكَ فَيَكُونُ مِمّا انْتَهى إلَيْهِ المَشْيُ بِالواسِطَةِ والتَّضْعِيفُ في (يُسَيِّرُ) لِلتَّعْدِيَةِ تَقُولُ: سارَ الرَّجُلُ وسَيَّرْتُهُ وقالَ الفارِسِيُّ: إنَّ سارَ مُتَعَدٍّ كَسَيَّرَ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: سِرْتُ الرَّجُلَ وسَيَّرْتُهُ بِمَعْنًى ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:

فَلا تَجْزَعِي مِن سَنَةٍ أنْتِ سُرَّتُها فَأوَّلُ راضٍ سَنَةٌ مِن يَسِيرِها

وقالَ في الصِّحاحِ: سارَتِ الدّابَّةُ وسارَها صاحِبُها يَتَعَدّى ولا يَتَعَدّى وأنْشَدَ لَهُ هَذا البَيْتَ وأوَّلَهُ النَّحْوِيُّونَ حَيْثُ لَمْ يَرْتَضُوا ذَلِكَ و﴿الفُلْكِ﴾ السُّفُنِ ومُفْرَدُهُ وجَمْعُهُ واحِدٌ وتَغايُرُ الحَرَكاتِ بَيْنَهُما اعْتِبارِيٌّ وفي الصِّحاحِ أنَّهُ واحِدٌ وجَمْعٌ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ وكَأنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ المَرْكَبِ والسَّفِينَةِ وكانَ سِيبَوَيْهِ يَقُولُ: الفُلْكُ الَّتِي هي جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِلْفُلْكِ الَّذِي هو واحِدٌ ولَيْسَتْ مِثْلَ الجُنُبِ الَّذِي هو واحِدٌ وجَمْعٌ والطِّفْلِ وما أشْبَهَهُما مِنَ الأسْماءِ لِأنَّ فَعَلًا وفُعْلًا يَشْتَرِكانِ في الشَّيْءِ الواحِدِ مِثْلَ العَرَبِ والعُرْبِ والعَجَمِ والعُجْمِ والرَّهَبِ والرُّهْبِ فَحَيْثُ جازَ أنْ يُجْمَعَ فَعَلٌ عَلى فُعْلٍ مِثْلَ أسَدٍ وأُسْدٍ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يُجْمَعَ فَعَلٌ عَلى فَعْلٍ وضَمِيرُ (جَرَيْنَ) لِلْفُلْكِ وضَمِيرُ ﴿بِهِمْ﴾ لِمَن فِيها وهو التِفاتٌ لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِهِمْ كَأنَّهُ أعْرَضَ عَنْ خِطابِهِ وحُكِيَ لِغَيْرِهِمْ سُوءُ صَنِيعِهِمْ وقِيلَ: لا التِفاتَ بَلْ مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ حَتّى إذا كانَ بَعْضُكم فِيها إذِ الخِطابُ لِلْكُلِّ ومِنهُمُ المُسَيَّرُونَ في البَرِّ فالضَّمِيرُ الغائِبُ عائِدٌ إلى ذَلِكَ المُضافِ المُقَدَّرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ﴾ فَإنَّهُ في تَقْدِيرِ أوْ كَذِي ظُلُماتٍ يَغْشاهُ مَوْجٌ والباءُ الأوْلى لِلتَّعْدِيَةِ والثّانِيَةُ وكَذا الثّالِثَةُ لِلسَّبَبِيَّةِ فَلِذا تَعَلَّقَ الحَرْفانِ بِمُتَعَلِّقٍ واحِدٍ وإلّا فَقَدَ مَنَعُوا تَعَلُّقَ حَرْفَيْنِ بِمَعْنًى بِمُتَعَلِّقٍ واحِدٍ واعْتِبارُ تَعَلُّقِ الثّانِي بَعْدَ تَعَلُّقِ الأوَّلِ بِهِ ومُلاحَظَتِهِ مَعَهُ يُزِيلُ اتِّحادَ المُتَعَلِّقِ

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ لِلْحالِ أيْ جَرَيْنَ بِهِمْ مُلْتَبِسَةً بِرِيحٍ فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ كَما في البَحْرِ، وقَدْ تَجْعَلُ الأُولى لِلْمُلابَسَةِ أيْضًا ﴿وفَرِحُوا﴾ عَطْفٌ عَلى (جَرَيْنَ) وهو عَطْفٌ عَلى ﴿كُنْتُمْ﴾ وقَدْ تُجْعَلُ حالًا بِتَقْدِيرِ قَدْ وضَمِيرُ ﴿بِها﴾ لِلرِّيحِ ونَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ بِرُجُوعِهِ لِلْفُلْكِ ولا يَكادُ يَجْرِي بِهِ القَلَمُ والمُرادُ بِطَيِّبَةٍ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ لَيِّنَةَ الهُبُوبِ مُوافِقَةَ المَقْصِدِ

وظاهِرُ الآيَةِ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الإمامِ يَقْتَضِي أنَّ راكِبَ السَّفِينَةِ مُتَحَرِّكٌ بِحَرَكَتِها خِلافًا لِمَن قالَ: إنَّهُ ساكِنٌ ولا وجْهَ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِهَذا الخِلافِ فَإنَّهُ ساكِنٌ بِالذّاتِ سائِرٌ بِالواسِطَةِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (يَنْشُرُكُمْ) بِالنُّونِ والشِّينِ المُعْجَمَةِ والرّاءِ المُهْمَلَةِ مِنَ النَّشْرِ ضِدَّ الطَّيِّ أيْ يُفَرِّقُكم ويَبُثُّكم وقَرَأ الحَسَنُ (يُنْشِرُكُمْ) مِن أنْشَرَ بِمَعْنى أحْيا وقَرَأ بَعْضُ الشّامِيِّينَ (يُنَشِّرُكُمْ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ مِنَ النَّشْرِ أيْضًا وعَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ أنَّها قَرَأتْ (فِي الفُلْكِي) بِزِيادَةِ ياءَيِ النَّسَبِ ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّهُما زائِدَتانِ كَما في الخارِجِيِّ والأحْمَرِيِّ ولا اخْتِصاصَ لِذَلِكَ في الصِّفاتِ لِمَجِيءِ دُودُوي وأنا الصَّلَتانِيِّ في قَوْلِ الصَّلَتانِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ اللَّجُّ والماءُ الغَمْرُ الَّذِي لا تَجْرِي الفُلْكُ إلّا فِيهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿جاءَتْها﴾ جَوابُ إذا والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلْفُلْكِ أوْ لِلرِّيحِ الطَّيِّبَةِ عَلى مَعْنى تَلَقَّتْها واسْتَوْلَتْ عَلَيْها مِن طَرَفٍ مُخالِفٍ لَها فَإنَّ الهُبُوبَ عَلى وفْقِها لا يُسَمّى عَلى ما قِيلَ مَجِيئًا لِرِيحٍ أُخْرى عادَةً بَلْ هو اشْتِدادٌ لِلرِّيحِ الأوْلى ورُجِّحَ الثّانِي بِأنَّهُ الأظْهَرُ لِاسْتِلْزامِهِ لِلْأوَّلِ مِن غَيْرِ عَكْسٍ لِأنَّ الهُبُوبَ عَلى طَرِيقَةِ الرِّيحِ اللَّيِّنَةِ يُعَدُّ مَجِيئًا بِالنِّسْبَةِ إلى الفُلْكِ دُونَ الرِّيحِ اللَّيِّنَةِ مَعَ أنَّهُ لا يَسْتَتْبِعُ تَلاطُمًا لِأمْواجِ المُوجِبِ لِمَجِيئِها مِن كُلِّ مَكانٍ ولِأنَّ التَّهْوِيلَ في بَيانِ اسْتِيلائِها عَلى ما فَرِحُوا بِهِ وعَلَّقُوا بِهِ حِبالَ

صفحة 97

رَجائِهِمْ أكْثَرَ وفِيهِ تَأمَّلْ ﴿رِيحٌ عاصِفٌ﴾ أيْ ذاتُ عَصْفٍ فَهو مِن بابِ النَّسَبِ كَلابِنٍ وتامِرٍ ويَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ كَما صَرَّحُوا بِهِ فَلِذا لَمْ يَقُلْ: عاصِفَةٌ مَعَ أنَّ الرِّيحَ مُؤَنَّثَةٌ لا تُذَكَّرُ بِدُونِ تَأْوِيلٍ

وقِيلَ: لَمْ يَقُلْ عاصِفَةٌ لِأنَّ العُصُوفَ مُخْتَصٌّ بِالرِّيحِ فَهو كَحائِضٍ فَلا حاجَةَ إلى الفارِقِ أوْ أنَّهُ اعْتُبِرَ التَّذْكِيرُ في الرِّيحِ كَما اعْتُبِرَ فِيها التَّأْنِيثُ والأوْلى ما قَدَّمْناهُ وأصْلُ العَصْفِ الكَسْرُ والنَّباتُ المُتَكَسِّرُ والمُرادُ شَدِيدَةُ الهُبُوبِ ﴿وجاءَهُمُ المَوْجُ﴾ وهو ما عَلا وارْتَفَعَ مِنِ اضْطِرابِ الماءِ وقِيلَ: هو اضْطِرابُ البَحْرِ والأوَّلُ هو المَشْهُورُ ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ أيْ مِن أمْكِنَةِ مَجِيءِ المَوْجِ عادَةً وقَدْ يَتَّفِقُ مَجِيئُهُ مِن جِهاتٍ حَسَبَ أسْبابٍ تَتَّفِقُ لِذَلِكَ ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أيْ أُهْلِكُوا كَما رَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ وقِيلَ: إنَّ الإحاطَةَ اسْتِعارَةٌ لِسَدِّ مَسالِكِ الخَلاصِ تَشْبِيهًا لَهُ بِإحاطَةِ العَدُوِّ بِإنْسانٍ ثُمَّ كُنِّيَ بِتِلْكَ الِاسْتِعارَةِ عَنِ الهَلاكِ لِكَوْنِها مِن رَوادِفِها ولَوازِمِها

وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ مَثَلٌ في الهَلاكِ والظَّنُّ عَلى ما يَتَبادَرُ مِنهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى اليَقِينِ بِناءً عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ في اعْتِقادِهِمْ أوْ كَوْنِ الكِنايَةِ عَنِ القُرْبِ مِنَ الهَلاكِ ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ جَعْلُهُ غَيْرَ واحِدٍ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ظَنُّوا لِأنَّ دُعاءَهم مِن لَوازِمِ ظَنِّهِمُ الهَلاكَ فَبَيْنَهُما مُلابَسَةٌ تُصَحِّحُ البَدَلِيَّةَ وقِيلَ: هو جَوابُ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ المَعْنى مِن مَعْنى الشَّرْطِ أيْ لَمّا ظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ إلَخْ

وجَعَلَهُ أبُو حَيّانَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ حالُهم إذْ ذاكَ؟ فَقِيلَ: دَعَوْا إلخ، ورُجِّحَ القَوْلُ بِالبَدَلِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ أُدْخِلَ في اتِّصالِ الكَلامِ والدَّلالَةِ عَنْ كَوْنِهِ المَقْصُودَ مَعَ إفادَتِهِ ما يُسْتَفادُ مِنَ الِاسْتِئْنافِ مَعَ الِاسْتِغْناءِ عَنْ تَقْدِيرِ السُّؤالِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَقْدِيرَ السُّؤالِ لَيْسَ تَقْدِيرًا حَقِيقِيًّا بَلْ أمْرٌ اعْتِبارِيٌّ وفِيهِ مِنَ الإيجازِ ما فِيهِ ولَيْسَ بِأبْعَدَ مِمّا تُكَلِّفَ لِلْبَدَلِيَّةِ ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضِهِمْ جَوازَ كَوْنِهِ جَوابَ الشَّرْطِ و﴿جاءَتْها﴾ في مَوْضِعِ الحالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ﴾ الآيَةَ وتُعُقِّبَ بِأنَّ الِاحْتِياجَ إلى الجَوابِ يَقْتَضِي صَرْفَ ما يَصْلُحُ لَهُ إلَيْهِ لا إلى الحالِ الفَضْلَةِ المُفْتَقِرَةِ إلى تَقْدِيرِ قَدْ مَعَ أنَّ عَطْفَ ﴿وظَنُّوا﴾ عَلى ﴿جاءَتْها﴾ يَأْبى الحالِيَّةَ والفَرَحَ بِالرِّيحِ الطَّيِّبَةِ لا يَكُونُ حالَ مَجِيءِ العاصِفَةِ والمَعْنى عَلى تَحَقُّقِ المَجِيءِ لا عَلى تَقْدِيرِهِ لِيَجْعَلَ حالًا مُقَدَّرَةً ولا يَخْلُوَ عَنْ حُسْنٍ والظّاهِرُ أنَّ ما عَدَّهُ مانِعًا مِنَ الحالِيَّةِ غَيْرَ مُشْتَرِكٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ كَوْنِهِ جَوابَ (إذا) لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّهُما في زَمانٍ واحِدٍ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى مَعْرِفَةٍ بِأسالِيبِ الكَلامِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (دَعَوْا) ولَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُخْلِصِينَ و(الدِّينَ) مَفْعُولُهُ أيْ دَعَوْهُ تَعالى مِن غَيْرِ إشْراكٍ لِرُجُوعِهِمْ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ إلى الفِطْرَةِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْها كُلُّ أحَدٍ مِنَ التَّوْحِيدِ وأنَّهُ لا مُتَصَرِّفَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ المَرْكُوزُ في طَبائِعِ العالَمِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومِن حَدِيثٍ أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ الفَتْحِ فَرَّ عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ فَرَكِبَ البَحْرَ فَأصابَتْهم عاصِفٌ فَقالَ أصْحابُ السَّفِينَةِ لِأهْلِ السَّفِينَةِ: أخْلِصُوا فَإنَّ آلِهَتَكم لا تُغْنِي عَنْكم شَيْئًا فَقالَ عِكْرِمَةُ: لَئِنْ لَمْ يُنْجِنِي في البَحْرِ إلّا الإخْلاصُ ما يُنْجِينِي في البَرِّ غَيْرُهُ اللَّهُمَّ إنَّ لَكَ عَهْدًا إنْ أنْتَ عافَيْتَنِي مِمّا أنا فِيهِ أنْ آتِيَ مُحَمَّدًا حَتّى أضَعَ يَدِي

صفحة 98

فِي يَدِهِ فَلْأجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا قالَ فَجاءَ فَأسْلَمَ. وفي رِوايَةِ ابْنِ سَعْدٍ عَنْ أبِي مُلَيْكَةَ وأنَّ عِكْرِمَةَ لَمّا رَكِبَ السَّفِينَةَ وأخَذَتْهُمُ الرِّيحُ فَجَعَلُوا يَدْعُونَ اللَّهَ تَعالى ويُوَحِّدُونَهُ قالَ: ما هَذا؟ فَقالُوا: هَذا مَكانٌ لا يَنْفَعُ فِيهِ إلّا اللَّهُ تَعالى قالَ: فَهَذا لَهُ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّذِي يَدْعُونا إلَيْهِ فارْجِعُوا بِنا فَرَجَعَ وأسْلَمَ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ تَخْصِيصَ الدُّعاءِ فَقَطْ بِهِ سُبْحانَهُ بَلْ تَخْصِيصُ العِبادَةِ بِهِ تَعالى أيْضًا لِأنَّهم بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ لا يَكُونُونَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ

وأيًّا ما كانَ فالآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُشْرِكِينَ لا يَدْعُونَ غَيْرَهُ تَعالى في تِلْكَ الحالِ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ النّاسَ اليَوْمَ إذا اعْتَراهم أمْرٌ خَطِيرٌ وخَطْبٌ جَسِيمٌ في بَرٍّ أوْ بَحْرٍ دَعَوْا مَن لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَرى ولا يَسْمَعُ فَمِنهم مَن يَدْعُو الخَضِرَ وإلْياسَ ومِنهم مَن يُنادِي أبا الخَمِيسِ والعَبّاسَ ومِنهم مَن يَسْتَغِيثُ بِأحَدِ الأئِمَّةِ ومِنهم مَن يَضْرَعُ إلى شَيْخٍ مِن مَشايِخِ الأُمَّةِ ولا تَرى فِيهِمْ أحَدًا يَخُصُّ مَوْلاهُ بِتَضَرُّعِهِ ودُعاهُ ولا يَكادُ يَمُرُّ لَهُ بِبالِهِ أنَّهُ لَوْ دَعا اللَّهَ تَعالى وحْدَهُ يَنْجُو مِن هاتِيكَ الأهْوالِ فَبِاللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ قُلْ لِي أيُّ الفَرِيقَيْنِ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ أهْدى سَبِيلًا وأيُّ الدّاعِيَيْنِ أقْوَمُ قِيلًا؟ وإلى اللَّهِ تَعالى المُشْتَكى مِن زَمانٍ عَصَفَتْ فِيهِ رِيحُ الجَهالَةِ وتَلاطَمَتْ أمْواجُ الصَّلّالَةِ وخُرِقَتْ سَفِينَةُ الشَّرِيعَةِ واتُّخِذَتِ الِاسْتِغاثَةُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى لِلنَّجاةِ ذَرِيعَةً وتَعَذَّرَ عَلى العارِفِينَ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ وحالَتْ دُونَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ صُنُوفُ الحُتُوفِ هَذا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِن الشّاكِرِينَ 22﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ السّابِقِ ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ إجْراءُ الدُّعاءِ مَجْرى القَوْلِ لِأنَّهُ مِن أنْواعِهِ وجَعْلُ الجُمْلَةِ مَحْكِيَّةً بِهِ والأوَّلُ هو الأوْلى هُنا واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ و﴿لَنَكُونَنَّ﴾ جَوابُهُ

والمُشارُ إلَيْهِ بِهَذِهِ الحالِ الَّتِي هم فِيها أيْ واللَّهِ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِمّا نَحْنُ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ لَنَكُونَنَّ البَتَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ أبَدًا شاكِرِينَ لِنِعَمِكَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ النِّعْمَةِ المَسْؤُولَةِ، والعُدُولُ عَنْ لَنَشْكُرَنَّ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلْمُبالَغَةِ في الدَّلالَةِ عَلى الثُّبُوتِ في الشُّكْرِ والمُثابَرَةِ عَلَيْهِ

10:23Page 211

فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا هُمۡ يَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡيُكُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۖ مَّتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٣

But when He saves them, at once they commit injustice1 upon the earth without right. O mankind, your injustice is only against yourselves, [being merely] the enjoyment of worldly life. Then to Us is your return, and We will inform you of what you used to do.

﴿فَلَمّا أنْجاهُمْ﴾ مِمّا نَزَلَ بِهِمْ مِنَ الشَّدَّةِ والكُرْبَةِ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى سُرْعَةِ الإجابَةِ ﴿إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ فاجَأوُا الفَسادَ فِيها وسارَعُوا إلَيْهِ مُتَرامِينَ في ذَلِكَ مُمْعِنِينَ فِيهِ مِن قَوْلِهِمْ: بَغى الجُرْحُ إذا تَرامى في الفَسادِ وزِيادَةُ ﴿فِي الأرْضِ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى شُمُولِ بَغْيِهِمْ لِأقْطارِها وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ تَأْكِيدٌ لِما يُفِيدُهُ البَغْيُ إذْ مَعْناهُ أنَّهُ بِغَيْرِ الحَقِّ عِنْدَهم أيْضًا بِأنْ يَكُونَ ظُلْمًا ظاهِرًا لا يَخْفى قُبْحُهُ عَلى كُلِّ أحَدٍ كَما قِيلَ نَحْوُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ وقَدْ فُسِّرَ البَغْيُ بِإفْسادِ صُورَةِ الشَّيْءِ وإتْلافِ مَنفَعَتِهِ وجُعِلَ ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ لِلِاحْتِرازِ مِمّا يَكُونُ مِن ذَلِكَ بِحَقٍّ كَتَخْرِيبِ الغُزاةِ دِيارَ الكَفَرَةِ وقَطْعِ أشْجارِهِمْ وحَرْقِ زُرُوعِهِمْ كَما فَعَلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِبَنِي قُرَيْظَةَ

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مِمّا لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ لِأنَّ البَغْيَ بِالمَعْنى الأوَّلِ هو اللّائِقُ بِحالِ المُفْسِدِينَ فِيَنْبَغِي بِناءُ الكَلامِ عَلَيْهِ والزَّمَخْشَرِيُّ اخْتارَ كَوْنَ ذَلِكَ لِلِاحْتِرازِ عَمّا ذُكِرَ وذُكِرَ في الكَشْفِ أنَّهُ أشارَ بِذَلِكَ إلى أنَّ الفَسادَ اللُّغَوِيَّ خُرُوجُ الشَّيْءِ مِنَ الِانْتِفاعِ فَلا كُلُّ بَغْيٍ أيْ فَسادٍ في الأرْضِ واسْتِطالَةٌ فِيها كَذَلِكَ كَما عَلِمْتَ وإنْ كانَ مَوْضُوعُهُ العُرْفِيُّ لِلِاسْتِطالَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ لَكِنَّ النَّظَرَ إلى مَوْضُوعِهِ الأصْلِيِّ وقِيلَ: إنَّ البَغْيَ الَّذِي يَتَعَدّى بِفي بِمَعْنى الإتْلافِ والإفْسادِ وهو يَكُونُ حَقًّا وغَيْرُهُ والَّذِي يَتَعَدّى بِعَلى بِمَعْنى الظُّلْمِ وتَقْيِيدُ الأوَّلِ بِغَيْرِ

صفحة 99

الحَقِّ لِلِاحْتِرازِ وتَقْيِيدُ الثّانِي بِهِ لِلتَّأْكِيدِ ولَعَلَّ مَن يَجْعَلُ البَغْيَ هُنا بِمَعْنى الظُّلْمِ يَقُولُ: إنَّ المَعْنى يَبْغُونَ عَلى المُسْلِمِينَ مَثَلًا فافْهَمْ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلى أُولَئِكَ الباغِينَ لِلتَّشْدِيدِ في التَّهْدِيدِ والمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ ﴿إنَّما بَغْيُكُمْ﴾ الَّذِي تَتَعاطَوْنَهُ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ عَلَيْكم في الحَقِيقَةِ لا عَلى الَّذِينَ تَبْغُونَ عَلَيْهِمْ وإنَّ ظُنَّ كَذَلِكَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ أيْ تَتَمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا والمُرادُ مِن ذَلِكَ بَيانُ كَوْنِ ما في البَغْيِ مِنَ المَنفَعَةِ العاجِلَةِ شَيْئًا غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ سَرِيعِ الزَّوالِ دائِمِ الوَبالِ وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ أيْ مُتَمَتِّعِينَ والعامِلُ هو الِاسْتِقْرارُ الَّذِي في الخَبَرِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْسَ البَغْيِ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِالخَبَرِ وأيْضًا لا يُخْبَرُ عَنِ المَصْدَرِ إلّا بَعْدَ تَمامِ صِلاتِهِ ومَعْمُولاتِهِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ في تَقْيِيدِ كَوْنِ بَغْيِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِحالِ تَمَتُّعِهِمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مَعْنًى يُعْتَدُّ بِهِ

وقِيلَ: عَلى أنَّهُ ظَرْفُ زَمانٍ كَمَقْدَمِ الحاجِّ أيْ زَمانِ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ أيْضًا وفِيهِ ما في سابِقِهِ وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ أيْ تَبْغُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ البَغْيُ بِمَعْنى الطَّلَبِ لِأنَّهُ الَّذِي يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ والمَصْدَرُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ وجُعِلَ المَصْدَرُ أيْضًا بِمَعْناهُ مِمّا يُخِلُّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِأنَّ الِاسْتِئْنافَ لِبَيانِ سُوءِ عاقِبَةِ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ البَغْيِ المُفَسَّرِ عَلى المُخْتارِ بِالفَسادِ المُفْرِطِ اللّائِقِ بِحالِهِمْ وحِينَئِذٍ تَنْتَفِي المُناسَبَةُ ويَفُوتُ الِانْتِظامُ وجُعِلَ الأوَّلُ أيْضًا بِمَعْناهُ مِمّا يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْهُ

وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ لِأجْلِ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ وتُعُقِّبَ بِأنَّ المُعَلَّلَ بِما ذُكِرَ نَفْسُ البَغْيِ لا كَوْنُهُ عَلى أنْفُسِهِمْ وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِالمَصْدَرِ أيْ تَبْغُونَ لِأجْلِ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ صَرِيحٌ لِلْمَصْدَرِ وعَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِهِ لا خَبَرٌ لِما مَرَّ والمُرادُ بِالأنْفُسِ الجِنْسُ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِطُولِ الكَلامِ والتَّقْدِيرُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أبْناءِ جِنْسِكم مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا مَذْمُومٌ أوْ مَنهِيٌّ عَنْهُ أوْ ضَلالٌ أوْ ظاهِرُ الفَسادِ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ وفِيهِ الِابْتِناءُ عَلى أنَّ البَغْيَ بِمَعْنى الطَّلَبِ وقَدْ عَلِمْتَ ما فِيهِ. نَعَمْ لَوْ جُعِلَ نَصْبُهُ عَلى العِلَّةِ أيْ إنَّما بَغْيُكم عَلى أبْناءِ جِنْسِكم لِأجْلِ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا مَذْمُومٌ كَما اخْتارَهُ بَعْضُهم لَكانَ لَهُ وجْهٌ في الجُمْلَةِ لَكِنَّ الحَقَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النُّظُمِ هو الأوَّلُ وقَرَأ الجُمْهُورُ (مَتاعُ) بِالرَّفْعِ

قالَ صاحِبُ المُرْشِدِ: وفِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما كَوْنُهُ الخَبَرَ والظَّرْفُ صِلَةُ المَصْدَرِ والثّانِي كَوْنُهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو أوْ ذَلِكَ مَتاعٌ وزِيدَ وجْهٌ آخَرُ وهو كَوْنُهُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ لِبَغْيِكم والمُخْتارُ بَلِ المُتَعَيَّنُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ كَوْنُ المُرادِ بِأنْفُسِكم أبْناءَ جِنْسِكم أوْ أمْثالَكم عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ لِلتَّشْفِيقِ والحَثِّ عَلى تَرْكِ إيثارِ التَّمَتُّعِ المَذْكُورِ عَلى ما يَنْبَغِي مِنَ الحُقُوقِ ولا مانِعَ عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ مِنَ الحَمْلِ عَلى الحَقِيقَةِ كَما بَيَّنَ ذَلِكَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ وقُرِئَ بِنَصْبِ المَتاعِ (والحَياةَ) وخَرَجَ نَصْبُ الأوَّلِ عَلى ما مَرَّ ونُصِبَ الثّانِي عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الأوَّلِ

وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لَهُ إذا لَمْ يَكُنِ انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّ المَصْدَرَ المُؤَكِّدَ لا يَعْمَلُ، وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّهُ قُرِئَ بِجَرِّهِما عَلى أنَّ الثّانِيَ مُضافٌ إلَيْهِ والأوَّلُ نَعْتٌ لِلْأنْفُسِ أيْ ذاتُ مَتاعٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ

صفحة 100

المَصْدَرُ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ أيْ مُتَمَتِّعاتٍ وضَعُفَ كَوْنُهُ بَدَلًا إذْ قَدْ أمْكَنَ كَوْنُهُ صِفَةً ﴿هَذا﴾ وفي الآيَةِ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ البَغْيِ ما لا يَخْفى. وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وأبُو نُعَيْمٍ والخَطِيبُ والدَّيْلَمِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ثَلاثٌ هُنَّ رَواجِعُ عَلى أهْلِها المَكْرُ والنَّكْثُ والبَغْيُ ثُمَّ تَلا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ ﴿ومَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾»

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي بَكْرَةٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما مِن ذَنْبٍ أجْدَرَ أنْ يُعَجَّلَ لِصاحِبِهِ العُقُوبَةُ مِنَ البَغْيِ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» . وأخْرَجَ أيْضًا مِن طَرِيقِ بِلالِ بْنِ أبِي بُرْدَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «لا يَبْغِي عَلى النّاسِ إلّا ولَدُ بَغِيٍّ أوْ فِيهِ عِرْقُ مِنهُ»

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «لَوْ بَغى جَبَلٌ عَلى جَبَلٍ لَدُكَّ الباغِي مِنهُما» . وكانَ المَأْمُونُ يَتَمَثَّلُ بِهَذَيْنِ البَيْتَيْنِ لِأخِيهِ

يا صاحِبَ البَغْيِ إنَّ البَغْيَ مَصْرَعَةٌ فارْبَعْ فَخَيْرُ فَعالِ المَرْءِ أعْدَلُهُ

فَلَوْ بَغى جَبَلٌ يَوْمًا عَلى جَبَلٍ لانْدَكَّ مِنهُ أعالِيهِ وأسْفَلُهُ وعَقَدَ ذَلِكَ الشِّهابُ فَقالَ:

إنْ يَعْدُ ذُو بَغْيٍ عَلَيْكَ فَخَلِّهِ ∗∗∗ وارْقُبْ زَمانًا لِانْتِقامِ باغِي واحْذَرْ

مِنَ البَغْيِ الوَخِيمِ فَلَوْ بَغى ∗∗∗ جَبَلٌ عَلى جَبَلٍ لَدُكَّ الباغِي

﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ما مَرَّ مِنَ الجُمْلَةِ المُسْتَأْنَفَةِ المُقَدَّرَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَتَمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ تَرْجِعُونَ إلَيْنا وإنَّما غُيِّرَ السَّبْكُ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ والقِصَرِ

﴿فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 23﴾ في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ مِنَ البَغْيِ فَهو وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ بِالجَزاءِ والعَذابِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِهِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском