Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:28–31
10:28Page 212
وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ مَكَانَكُمۡ أَنتُمۡ وَشُرَكَآؤُكُمۡۚ فَزَيَّلۡنَا بَيۡنَهُمۡۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمۡ إِيَّانَا تَعۡبُدُونَ ٢٨
And [mention, O Muḥammad], the Day We will gather them all together - then We will say to those who associated others with Allāh, "[Remain in] your place, you and your 'partners.'"1 Then We will separate them,2 and their "partners" will say, "You did not used to worship us,3
﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِن أحْوالِهِمُ الفَظِيعَةِ وتَأْخِيرُهُ في الذَّكَرِ مَعَ تَقَدُّمِهِ في الوُجُودِ عَلى بَعْضِ أحْوالِهِمُ المَحْكِيَّةِ سابِقًا كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ السّابِقِ واللّاحِقِ لِلِاعْتِبارِ ولَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ الخارِجِيُّ لَعُدَّ الكُلُّ شَيْئًا واحِدًا ولِذَلِكَ فُصِلَ عَمّا قَبْلَهُ وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ الجَزاءِ بَيَّنَ بِهَذا وقْتَ ذَلِكَ وعَلَيْهِ فالآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِما ذُكِرَ آنِفًا لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ البَيانِ وأوْلى مِنهُ أنْ يُقالَ: وجْهُ اتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ أنَّ فِيهِ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِنَ عاصِمٍ﴾ مِن حَيْثُ دَلالَتُهُ عَلى عَدَمِ نَفْعِ الشُّرَكاءِ لَهم. ويَوْمَ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ كَذَكِّرْهم وخَوِّفْهم وضَمِيرُ ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ لِكِلا الفَرِيقَيْنِ مِنَ الَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ لِأنَّهُ المُتَبادَرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَمِيعًا﴾ ومِن أفْرادِ الفَرِيقِ الثّانِي بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ أيْ لِلْمُشْرِكِينَ مِن بَيْنِهِمْ ولِأنَّ تَوْبِيخَهم وتَهْدِيدَهم عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ أفْظَعُ والإخْبارُ بِحَشْرِ الكُلِّ في تَهْوِيلِ اليَوْمِ أدْخَلُ وإلى هَذا ذَهَبَ القاضِي البَيْضاوِيُّ وغَيْرُهُ وكَوْنُ مُرادِهِ بِالفَرِيقَيْنِ فَرِيقَيِ الكَفّارِ والمُشْرِكِينَ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا
وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْفَرِيقِ الثّانِي خاصَّةً فَيَكُونُ الَّذِينَ أشْرَكُوا مِن وضْعِ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ والنُّكْتَةُ في تَخْصِيصِ وصْفِ إشْراكِهِمْ في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِن بَيْنِ سائِرِ ما اكْتَسَبُوهُ مِنَ السَّيِّئاتِ ابْتِناءُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلَيْهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِكَوْنِهِ مُعْظَمَ جِناياتِهِمْ وعُمْدَةَ سَيِّئاتِهِمْ وهو السِّرُّ في الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ ﴿مَكانَكُمْ﴾ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ حُذِفَ فَسَدَّ هو مَسَدَّهُ وهو مُضافٌ إلى الكافِ والمِيمُ عَلامَةُ الجَمْعِ أيِ الزَمُوا مَكانَكم والمُرادُ انْتَظِرُوا حَتّى تَنْظُرُوا ما يُفْعَلُ بِكم وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّ مَكانَ اسْمُ فِعْلٍ وحَرَكَتَهُ حَرَكَةُ بِناءٍ وهَلْ هو اسْمُ فِعْلٍ لِالزَمْ أوْ لِاثْبَتْ ظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمُ الأوَّلِ والمَنقُولُ عَنْ شَرْحِ التَّسْهِيلِ الثّانِي لِأنَّهُ عَلى الأوَّلِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا كالزَمْ مَعَ أنَّهُ لازِمٌ وأُجِيبُ بِمَنعِ اللُّزُومِ وقالَ السَّفاقِسِيُّ: في كَلامِ الجَوْهَرِيِّ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَمْ يَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا فَلَعَلَّ ما هو اسْمٌ لَهُ اللّازِمُ: وذَكَرَ الكُوفِيُّونَ
صفحة 107
أنَّهُ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا وسَمِعُوا مِنَ العَرَبِ: مَكانَكَ زَيْدًا أيِ انْتَظِرْهُ واخْتارَ الدَّمامِينِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ عَدَمَ كَوْنِهِ اسْمَ فِعْلٍ فَقالَ: لا أدْرِي ما الدّاعِي إلى جَعْلِ هَذا الظَّرْفِ اسْمَ فِعْلٍ إمّا لازِمًا وإما مُتَعَدِّيًا وهَلّا جَعَلُوهُ ظَرْفًا عَلى بابِهِ ولَمْ يُخْرِجُوهُ عَنْ أصْلِهِ أيِ اثْبَتْ مَكانَكَ أوِ انْتَظِرْ مَكانَكَ وإنَّما يَحْسُنُ دَعْوى اسْمِ الفِعْلِ حَيْثُ لا يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ ذَلِكَ الِاسْمِ وذَلِكَ الفِعْلِ نَحْوَ صَهٍ وعَلَيْكَ وإلَيْكَ وأمّا إذا أمْكَنَ فَلا كَوَراءَكَ وأمامَكَ وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْتُمْ﴾ تَوْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُنْتَقِلِ إلى الظَّرْفِ مِن عامِلِهِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ ولِلضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في اسْمِ الفِعْلِ عَلى القَوْلِ الثّانِي وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وشُرَكاؤُكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ وقِيلَ: إنَّ (أنْتُمْ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ مُهانُونَ أوْ مَجْزِيُّونَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ مَعَ ما فِيهِ مِن تَفْكِيكِ النَّظْمِ وقِيلَ: ولِأنَّهُ يَأْباهُ قِراءَةُ (وشُرَكاءَكُمْ) بِالنَّصْبِ إذْ يَصِيرُ حِينَئِذٍ مِثْلَ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ ومِثْلُهُ لا يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ لِعَدَمِ ما يَكُونُ عامِلًا فِيهِ والعامِلُ عَلى التَّوْجِيهِ الأوَّلِ ظاهِرٌ لِمَكانِ ﴿مَكانَكُمْ﴾ ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ أيْ فَفَرَّقْنا وهو مِن زِلْتُ الشَّيْءَ عَنْ مَكانِهِ أُزِيلُهُ أيْ أزَلْتُهُ والتَّضْعِيفُ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ وهو يائِيٌّ ووَزْنُهُ فَعَلَ بِدَلِيلِ زايَلَ وقَدْ قُرِئَ بِهِ وهو بِمَعْناهُ نَحْوَ كَلَّمْتُهُ وكالَمْتُهُ وصَعَّرَ خَدَّهُ وصاعَرَ خَدَّهُ
وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّهُ واوِيٌّ لِأنَّهُ مِن زالَ يَزُولُ وإنَّما قُلِبَتِ الواوُ ياءً لِأنَّهُ فَيْعَلٌ والأوَّلُ أصَحُّ لِما عَلِمْتَ ولِأنَّ مَصْدَرَهُ التَّزْيِيلُ لا الزُّيُولَةُ مَعَ أنَّ فِعْلَ أكْثَرُ مِن فَيْعَلٍ ونَصْبُ – بَيْنَ - عَلى الظَّرْفِيَّةِ لا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ كَما تُوُهِّمَ والمُرادُ بِالتَّفْرِيقِ قَطْعُ الإقْرانِ والوُصَلِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ الشُّرَكاءِ في الدُّنْيا وقِيلَ: التَّفْرِيقُ الجُسْمانِيُّ وظاهِرُ النَّظْمِ الجَلِيلِ لا يُساعِدُهُ والعَطْفُ عَلى ﴿نَقُولُ﴾ وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّحْسِيرِ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى وُقُوعِ التَّزْيِيلِ ومَبادِيهِ عَقِيبَ الخِطابِ مِن غَيْرِ مُهْمَلَةٍ إيذانًا بِكَمالِ رَخاوَةِ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ العَلاقَةِ والوُصْلَةِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقالَ شُرَكاؤُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِها عَلى الخِلافِ والإضافَةُ بِاعْتِبارِ أنَّ الكُفّارَ هُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى
وقِيلَ: لِأنَّهم جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ فَصَيَّرُوهم شُرَكاءَ لِأنْفُسِهِمْ في ذَلِكَ والمُرادُ بِهَؤُلاءِ الشُّرَكاءِ قِيلَ: الأصْنامُ فَإنَّ أهْلَ مَكَّةَ إنَّما كانُوا يَعْبُدُونَها وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِأكْثَرِ هَذِهِ الآياتِ ونِسْبَةُ القَوْلِ لَها غَيْرُ بَعِيدٍ مِن قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ فَيُنْطِقُها اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ في ذَلِكَ المَوْقِفِ فَتَقُولُ لَهم ﴿ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ 28﴾ والمُرادُ مِن ذَلِكَ تَبَرِّيهِمْ مِن عِبادَتِهِمْ وأنَّهم إنَّما عَبَدُوا في الحَقِيقَةِ أهْواءَهُمُ الدّاعِيَةَ لَهم وما أعْظَمَ هَذا مَكانَ الشَّفاعَةِ الَّتِي كانُوا يَتَوَقَّعُونَها مِنهم وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ المَلائِكَةُ والمَسِيحُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ الآيَةَ والمُرادُ مِن ذَلِكَ القَوْلِ ما أُرِيدَ مِنهُ أوَّلًا أيْضًا لِأنَّ نَفْيَ العِبادَةِ لا يَصِحُّ لِثُبُوتِها في الواقِعِ والكَذِبُ لا يَقَعُ في القِيامَةِ مِمَّنْ كانَ وقِيلَ: إنَّ قَوْلَ الشُّرَكاءِ مُجْرًى عَلى حَقِيقَتِهِ بِناءً عَلى أنَّ ذَلِكَ المَوْقِفَ مَوْقِفُ الدَّهْشَةِ والحَيْرَةِ فَذَلِكَ الكَذِبُ يَكُونُ جارِيًا مَجْرى كَذِبِ الصِّبْيانِ والمَجانِينِ المَدْهُوشِينَ ويُمْكِنُ أنْ
صفحة 108
يُقالُ أيْضًا: إنَّهم ما أقامُوا لِأعْمالِ الكُفّارِ وزْنًا وجَعَلُوها لِبُطْلانِها كالعَدَمِ فَلِذا نَفَوْا عِبادَتَهم إيّاهم أوْ يُقالُ: إنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا تَخَيَّلُوا فِيما عَبَدُوهُ أوْصافًا كَثِيرَةً غَيْرَ مَوْجُودَةٍ فِيهِ في نَفْسِ الأمْرِ كانُوا في الحَقِيقَةِ إنَّما عَبَدُوا ذَواتًا مَوْصُوفَةً بِتِلْكَ الصِّفاتِ ولَمّا كانَتْ ذَواتُ الشُّرَكاءِ خالِيَةً عَنْ تِلْكَ الصِّفاتِ صَدَقَ أنْ يُقالَ: إنَّ المُشْرِكِينَ ما عَبَدُوا الشُّرَكاءَ وهَذا أوْلى مِنَ الأوَّلِينَ بَلْ لا يَكادُ يُلْتَفَتُ إلَيْهِما وكَأنَّ حاصِلَ المَعْنى عَلَيْهِ أنَّكم عَبَدْتُمْ مَن زَعَمْتُمْ أنَّهُ يَقْدِرُ عَلى الشَّفاعَةِ لَكم وتَخْلِيصِكم مِنَ العَذابِ وأنَّهُ مَوْصُوفٌ بِكَيْتَ وكَيْتَ فاطْلُبُوهُ فَإنّا لَسْنا كَذَلِكَ والمُرادُ مِن ذَلِكَ قَطْعُ عُرى أطْماعِهِمْ وإيقاعُهم في اليَأْسِ الكُلِّيِّ مِن حُصُولِ ما كانُوا يَرْجُونَهُ ويَعْتَقِدُونَهُ فِيهِمْ ولَعَلَّ اليَأْسَ كانَ حاصِلًا لَهم مِن حِينِ المَوْتِ والِابْتِلاءِ بِالعَذابِ ولَكِنْ يَحْصُلُ بِما ذُكِرَ مَرْتَبَةٌ فَوْقَ تِلْكَ المَرْتَبَةِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ الشَّياطِينُ وقَطْعُ الوَصْلِ عَلَيْهِ مِنَ الجانِبَيْنِ لا مِن جانِبِ العَبَدَةِ فَقَطْ كَما يَقْتَضِيهِ ما قَبْلُ والمُرادُ مِن قَوْلِهِمْ ذَلِكَ عَلى طَرْزِ ما تَقَدَّمَ وأوْرَدَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ المَلائِكَةُ والمَسِيحُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾ حَيْثُ إنَّ المُرادَ مِنهُ الوَعِيدُ والتَّهْدِيدُ وظاهِرُ العَطْفِ انْصِرافُ ذَلِكَ إلى الشُّرَكاءِ أيْضًا وتَهْدِيدُ أُولَئِكَ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا لا يَكادُ يُقَدَّمُ عَلى القَوْلِ بِهِ
واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا مُشْتَرَكُ الإلْزامِ فَإنَّهُ يُرَدُّ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ أيْضًا إذْ لا مَعْنى لِلْوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ في حَقِّ الأصْنامِ مَعَ عَدَمِ صُدُورِ شَيْءٍ مِنها يُوجِبُ ذَلِكَ ولا مُخَلِّصٍ إلّا بِالتِزامِ أنَّ التَّهْدِيدَ والوَعِيدَ لِلْمُخاطَبِينَ فَقَطْ أوْ لِلْمَجْمُوعِ بِاعْتِبارِهِمْ
وأُجِيبُ بِجَوازِ كَوْنِ تَهْدِيدِ الأصْنامِ نَظِيرَ إدْخالِها النّارَ مَعَ عَبَدَتِها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ عَلى ما عَلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ ودَعْوى الفَرْقِ بَيْنَ التَّهْدِيدِ والإدْخالِ في النّارِ تَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ. نَعَمْ قالُوا: يَجِبُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنْ تُحْمَلَ الغَفْلَةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
10:29Page 212
فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ إِن كُنَّا عَنۡ عِبَادَتِكُمۡ لَغَٰفِلِينَ ٢٩
And sufficient is Allāh as a witness between us and you that we were of your worship unaware."
﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ 29﴾ عَلى عَدَمِ الِارْتِضاءِ لا عَلى عَدَمِ الشُّعُورِ لِأنَّ عَدَمَ شُعُورِ المَلائِكَةِ بِعِبادَتِهِمْ غَيْرُ ظاهِرٍ بَلْ لَوْ قِيلَ بِوُجُوبِ هَذا الحَمْلِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا لَمْ يَبْعُدْ لِأنَّ عَدَمَ شُعُورِهِ بِعِبادَتِهِمْ مَعَ أنَّهُ سَيَنْزِلُ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ كَذَلِكَ ولا يَكادُ يَصِحُّ الحَمْلُ عَلى الظّاهِرِ إلّا إذا كانَ المُرادُ الأصْنامَ فَإنَّ عَدَمَ شُعُورِهِمْ بِذَلِكَ ظاهِرٌ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى شُعُورِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِعِبادَتِهِمْ لِيَصْرِفَ لَهُ اللَّفْظَ عَنْ حَقِيقَتِهِ ولَيْسَ هَؤُلاءِ المَعْبُودُونَ هُمُ الحَفَظَةَ أوِ الكَتَبَةَ بَلْ مَلائِكَةٌ آخَرُونَ ولَعَلَّهم مُشْغَلُونَ بِأداءِ ما أُمِرُوا بِهِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى ما في هَذا العالَمِ ونَحْنُ لا نَدَّعِي في المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ما يَدَّعِيهِ الفَلاسِفَةُ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ قالُوا يَوْمَ اسْتُنْبِئُوا عَنِ الأسْماءِ: ﴿سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا﴾ وهَذا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أجَلِّهِمْ قَدْرًا كانَ كَثِيرًا ما يَسْألُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ أشْياءَ فَيَقُولُ: لا أعْلَمُ، وسَوْفَ أسْألُ رَبِّي. وكَذا لا دَلِيلَ عَلى شُعُورِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعِبادَةِ هَؤُلاءِ المُخاطَبِينَ عِنْدَ إيقاعِها وكَوْنُهُ سَيَنْزِلُ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ لا يَسْتَدْعِي الشُّعُورَ بِها كَذَلِكَ كَما لا يَخْفى وقَدْ يُسْتَأْنَسُ لِعَدَمِ شُعُورِهِ بِما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في الجَوابِ عَنْ سُؤالِهِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ واعْتُرِضَ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ مَعَ هَذا القَوْلِ
صفحة 109
مُطْلَقًا لِأنَّ الشَّياطِينَ هُمُ الَّذِينَ زَيَّنُوا لَهم هَذِهِ الشَّنِيعَةَ الشَّنْعاءَ وأغْرَوْهم عَلَيْها فَكَيْفَ يَتَأتّى القَوْلُ بِأنَّهم غافِلُونَ حَقِيقَةً عَنْها أوْ أنَّهم غَيْرُ مُرْتَضِينَ لَها ولَعَلَّ مَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ يَلْتَزِمُ الكَذِبَ ويَقُولُ بِجَوازِ وُقُوعِهِ يَوْمَ القِيامَةِ
وقِيلَ: إنَّ القَوْلَ الأوَّلَ لا يَصِحُّ مَعَ هَذا القَوْلِ أيْضًا مُطْلَقًا لِأنَّ الأوْثانَ لا تَتَّصِفُ بِالغَفْلَةِ حَقِيقَةً لِأنَّها كَما يُفْهَمُ مِنَ القامُوسِ اسْمٌ لِتَرْكِ الشَّيْءِ وذَهابِ القَلْبِ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ وهَذا شَأْنُ ذَوِي القُلُوبِ والأوْثانُ لَيْسَتْ مِن ذَلِكَ وكَذا لا تَتَّصِفُ بِها مَجازًا عَنْ عَدَمِ الِارْتِضاءِ إذِ الظّاهِرُ أنَّ مُرادَهم مِن عَدَمِ الِارْتِضاءِ السَّخَطُ والكَراهَةُ وظاهِرٌ أنَّ الأوْثانَ لا تَتَّصِفُ بِسَخَطٍ ولا ارْتِضاءٍ إذْ هُما تابِعانِ لِلْإدْراكِ ولا إدْراكَ لَها ومَن أثْبَتَهُ لِلْجَماداتِ حَسَبَ عالَمِها فالأمْرُ عِنْدَهُ سَهْلٌ ومَن لا يُثْبِتُهُ يَقُولُ: إنَّها مَجازٌ عَنْ عَدَمِ الشُّعُورِ وقَدْ يُقالُ: إنَّ المُرادَ بِغَفْلَتِهِمْ عَنْ عِبادَةِ المُشْرِكِينَ عَدَمُ طَلَبِهِمُ الِاسْتِعْدادِيُّ لَها ويَرْجِعُ ذَلِكَ بِالآخِرَةِ إلى نَفْيِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ عَنْ أنْفُسِهِمْ وإثْباتِ الظُّلْمِ لِعابِدِيهِمْ
وحِينَئِذٍ فالأظْهَرُ أنْ يُرادَ بِالشُّرَكاءِ جَمِيعُ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى مِن ذَوِي العُقُولِ وغَيْرِهِمْ والكُلُّ صادِقٌ في قَوْلِهِ ذَلِكَ وقَدْ يُرادُ مِن عَدَمِ الطَّلَبِ ما يَشْمَلُ عَدَمَ الطَّلَبِ الحالِيِّ والقالِيِّ إذا اعْتُبِرَ كَوْنُ القائِلِ مِمَّنْ يَصِحُّ نِسْبَةُ ذَلِكَ لَهُ كالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهَذا الوَجْهُ لا يَتَوَقَّفُ عَلى شُعُورِ الشُّرَكاءِ بِعِبادَتِهِمْ ولا عَلى عَدَمِهِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهم شُعُورٌ بِذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ لَهم شُعُورٌ والظّاهِرُ أنَّ تَفْسِيرَ الغَفْلَةِ بِعَدَمِ الِارْتِضاءُ المُرادُ مِنهم عَلى ما قِيلَ السَّخَطُ والكَراهَةُ يَسْتَدْعِي الشُّعُورَ إذْ كَراهَةُ الشَّيْءِ مَعَ عَدَمِ الشُّعُورِ بِهِ مِمّا لا يَكادُ يُعْقَلُ وإثْباتُهُ لِجَمِيعِ الشُّرَكاءِ ولَوْ إجْمالًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِالغَفْلَةِ أكْثَرُ تَهْجِينًا لِلْمُخاطَبِينَ ولِعِبادَتِهِمْ مِنَ التَّعْبِيرِ بِعَدَمِ الطَّلَبِ مَثَلًا فَتَأمَّلْ والباءُ في ﴿بِاللَّهِ﴾ صِلَةٌ و﴿شَهِيدًا﴾ تَمْيِيزٌ و﴿إنْ﴾ مُخَفَّفَةٌ مِن أنَّ واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِغافِلِينَ والتَّقْدِيمُ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ أيْ كَفى اللَّهُ شَهِيدًا فَإنَّهُ العَلِيمُ الخَبِيرُ المُطَّلِعُ عَلى كُنْهِ الحالِ إنّا كُنّا غافِلِينَ عَنْ عِبادَتِكم والظّاهِرُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّ ﴿فَكَفى﴾ إلَخْ اسْتِشْهادٌ عَلى النَّفْيِ السّابِقِ لا عَلى الإثْباتِ اللّاحِقِ
10:30Page 212
هُنَالِكَ تَبۡلُواْ كُلُّ نَفۡسٖ مَّآ أَسۡلَفَتۡۚ وَرُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٣٠
There, [on that Day], every soul will be put to trial for what it did previously, and they will be returned to Allāh, their master, the Truth, and lost from them is whatever they used to invent.
﴿هُنالِكَ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَقامِ الدَّحْضِ والمَكانِ الدَّهْشِ وهو مَقامُ الحَشْرِ فَهُنالِكَ باقٍ عَلى أصْلِهِ وهو الظَّرْفِيَّةُ المَكانِيَّةُ وقِيلَ: إنَّهُ اسْتُعْمِلَ ظَرْفَ زَمانٍ مَجازًا أيْ في ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿تَبْلُو﴾ أيْ تُخْتَبَرُ ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ مُؤْمِنَةً كانَتْ أوْ كافِرَةً ﴿ما أسْلَفَتْ﴾ مِنَ العَمَلِ فَتُعايِنُ نَفْعَهُ وضُرَّهُ أتَمَّ مُعايَنَةٍ
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تَتْلُو) مِنَ التِّلاوَةِ بِمَعْنى القِراءَةِ والمُرادُ قِراءَةُ صُحُفِ ما أسْلَفَتْ وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ ظُهُورِ الأعْمالِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ التِّلْوِ عَلى مَعْنى أنَّ العَمَلَ يَتَجَسَّمُ ويَظْهَرُ فَيَتَّبِعُهُ صاحِبُهُ حَتّى يَرِدَ بِهِ الجَنَّةَ أوِ النّارَ أوْ هو تَمْثِيلٌ وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ (نَبْلُو) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ والنُّونِ ونَصْبِ (كُلٍّ) عَلى أنَّ فاعِلَ نَبْلُو ضَمِيرُهُ تَعالى و(كُلّ) مَفْعُولُهُ و(ما) بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ والكَلامُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ أيْ هُنالِكَ نُعامِلُ كُلَّ نَفْسٍ مُعامَلَةَ مَن يَبْلُوها ويَتَعَرَّفُ أحْوالَها مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ بِاخْتِبارِ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ نُصِيبُ بِالبَلاءِ أيِ العَذابِ كُلَّ نَفْسٍ عاصِيَةٍ بِسَبَبِ ما أسْلَفَتْ مِنَ الشَّرِّ فَتَكُونُ ما مَنصُوبَةً بِنَزْعِ الخافِضِ وهو الباءُ السَّبَبِيَّةُ
﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى زَيَّلْنا والضَّمِيرُ لِلَّذِينِ أشْرَكُوا وما في البَيْنِ اعْتِراضٌ في أثْناءِ الحِكايَةِ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِها والمَعْنى رُدُّوا إلى جَزائِهِ وعِقابِهِ أوْ إلى مَوْضِعِ ذَلِكَ فالرَّدُّ إمّا مَعْنَوِيٌّ أوْ حِسِّيٌّ وقالَ الإمامُ: المَعْنى جُعِلُوا مُلْجَئِينَ إلى الإقْرارِ بِأُلُوهِيَّتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿مَوْلاهُمُ﴾ أيْ رَبِّهِمُ ﴿الحَقِّ﴾ أيِ المُتَحَقَّقِ الصّادِقِ في رُبُوبِيَّتِهِ لا ما اتَّخَذُوهُ
صفحة 110
رَبًّا باطِلًا وقُرِئَ (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ والمُرادُ بِهِ اللَّهُ تَعالى وهو مِن أسْمائِهِ سُبْحانَهُ أوْ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ والمُرادُ بِهِ ما يُقابِلُ الباطِلَ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ لِاخْتِلافِ مَعْنى المَوْلى فِيهِما. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ الأوْلى مَنسُوخَةٌ بِالثّانِيَةِ ولا يَخْفى ما فِيهِ ﴿وضَلَّ﴾ أيْ ضاعَ وذَهَبَ ﴿عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ 30﴾ مِن أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم أوْ ما كانُوا يَدَّعُونَ أنَّها شُرَكاءُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ و(ما) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (رُدُّوا) ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَها عَطْفًا عَلى - زَيَّلْنا - وجُمْلَةُ – رُدُّوا- مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ - تَبْلُو - إلَخْ داخِلَةٌ في الِاعْتِراضِ وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلنُّفُوسِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ، والعُدُولُ إلى الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ والتَّقَرُّرِ، وإيثارُ صِيغَةِ الجَمْعِ لِلْإيذانِ بِأنَّ رَدَّهم إلَيْهِ سُبْحانَهُ يَكُونُ عَلى طَرِيقِ الِاجْتِماعِ وما ذَكَرْناهُ أوْلى لَفْظًا ومَعْنًى، وتَعَقَّبَ شَيْخُ الإسْلامِ جَعْلَ الضَّمِيرِ لِلنُّفُوسِ وعَطَفَ (رُدُّوا) عَلى ﴿تَبْلُو﴾ إلَخْ بِأنَّهُ لا يُلائِمُهُ التَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الحَقِّيَّةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ فَإنَّهُ لِلتَّعْرِيضِ بِالمَرْدُودِينَ ثُمَّ قالَ: ولَئِنِ اكْتُفِيَ فِيهِ بِالتَّعْرِيضِ بِبَعْضِهِمْ أوْ حُمِلَ ﴿الحَقِّ﴾ عَلى مَعْنى العَدْلِ في الثَّوابِ والعِقابِ أيْ مَعَ تَفْسِيرِ المَوْلى بِمُتَوَلِّي الأُمُورِ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وضَلَّ﴾ إلَخْ مِمّا لا مَجالَ فِيهِ لِلتَّدارُكِ قَطْعًا فَإنَّ ما فِيهِ مِنَ الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ لِلْمُشْرِكِينَ فَيَلْزَمُ التَّفْكِيكُ حَتْمًا وتَخْصِيصُ كُلِّ نَفْسٍ بِالنُّفُوسِ المُشْرِكَةِ مَعَ عُمُومِ البَلْوى لِلْكُلِّ يَأْباهُ مَقامُ تَهْوِيلِ المَقامِ انْتَهى، والظّاهِرُ أنَّهُ اعْتَبَرَ عَطْفَ ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ إلَخْ عَلى (رُدُّوا) مَعَ رُجُوعِ ضَمِيرِهِ لِلنُّفُوسِ وهو غَيْرُ ما ذَكَرْناهُ فَلا تَغْفَلْ
10:31Page 212
قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أَمَّن يَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَمَن يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُۚ فَقُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣١
Say, "Who provides for you from the heaven and the earth? Or who controls hearing and sight and who brings the living out of the dead and brings the dead out of the living and who arranges [every] matter?" They will say, "Allāh," so say, "Then will you not fear Him?"
﴿قُلْ﴾ أيْ لِأُولَئِكَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَكَيْتُ أحْوالَهم وبَيْنَ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ أفْعالُهُمُ الَّتِي هي أفْعى لَهُمُ احْتِجاجًا عَلى حَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإشْراكِ
﴿مَن يَرْزُقُكم مَن السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ مِنهُما جَمِيعًا فَإنَّ الأرْزاقَ تَحْصُلُ بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ كالمَطَرِ وحَرارَةِ الشَّمْسِ المُنْضَجَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ ومَوادَّ أرْضِيَّةٍ والأُولى بِمَنزِلَةِ الفاعِلِ والثّانِيَةُ بِمَنزِلَةِ القابِلِ أوْ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالِاسْتِقْلالِ كالإمْطارِ والمَنِّ والأغْذِيَةِ الأرْضِيَّةِ تَوْسِعَةً عَلَيْكم – فَمِن - عَلى هَذا لِابْتِداءِ الغايَةِ وقِيلَ: هي لِبَيانِ (مِن) عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ وقِيلَ: تَبْعِيضِيَّةٌ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ أيْ مِن أهْلِ السَّماءِ والأرْضِ ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ (أمْ) مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلْ والِاضْطِرابُ انْتِقالِيٌّ لا إبْطالِيٌّ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى كِفايَةِ هَذا الِاسْتِفْهامِ فِيما هو المَقْصُودُ أيْ مَن يَسْتَطِيعُ خَلْقَهُما وتَسْوِيَتَهُما عَلى هَذِهِ الفِطْرَةِ العَجِيبَةِ ومَن وقَفَ عَلى تَشْرِيحِهِما وقَفَ عَلى ما يُبْهِرُ العُقُولَ أوْ مَن يَحْفَظُهُما مِنَ الآفاتِ مَعَ كَثْرَتِها وسُرْعَةِ انْفِعالِهِما عَنْ أدْنى شَيْءٍ يُصِيبُهُما أوْ مَن يَتَصَرَّفُ بِهِما إذْهابًا وإبْقاءً والمُلْكُ عَلى كُلٍّ مَجازٌ وقِيلَ: والمَعْنى الأوَّلُ أوْفَقُ لِنَظْمِ الخالِقِيَّةِ مَعَ الرّازِقِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِن السَّماءِ والأرْضِ﴾ ﴿ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيَّ﴾ أيْ ومَن يُنْشِئُ الحَيَوانَ مِنَ النُّطْفَةِ مَثَلًا والنُّطْفَةَ مِنَ الحَيَوانِ أوْ مَن يُحْيِي أوْ يُمِيتُ بِأنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإخْراجِ التَّحْصِيلَ مِن قَوْلِهِمُ: الخارِجُ كَذا أيِ الحاصِلُ أيْ مَن يُحَصِّلُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ بِأنْ يُفِيضَ عَلَيْهِ الحَياةَ ويُحَصِّلُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ بِأنْ يُفِيضَ عَلَيْهِ المَوْتَ ويَسْلُبَ عَنْهُ الحَياةَ والمَآلَ ما عَلِمْتَ ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الحَيَّ والمَيِّتَ هُنا بِالمُؤْمِنِ والكافِرِ والأوَّلُ أوْلى ﴿ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ ومَن يَلِي تَدْبِيرَ أمْرِ العالَمِ جَمِيعًا وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصِ ما انْدَرَجَ تَحْتَهُ مِنَ الأُمُورِ الظّاهِرَةِ بِالذِّكْرِ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الكُلَّ مِنهُ سُبْحانَهُ وإلَيْهِ وأنَّهُ لا يُمْكِنُكم عِلْمُ تَفاصِيلِهِ ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾
صفحة 111
بِلا تَلَعْثُمٍ ولا تَأْخِيرٍ ﴿اللَّهِ﴾ إذْ لا مَجالَ لِلْمُكابَرَةِ والعِنادِ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ لِغايَةِ وُضُوحِهِ، والِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيِ اللَّهُ يَفْعَلُ ما ذَكَرَ مِنَ الأفاعِيلِ لا غَيْرُهُ ﴿هَذا﴾ ورُبَّما يُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ لا تَكُونَ (مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ عَلى جَوازِ أنْ يُقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ مِن أهْلِ السَّماءِ والأرْضِ، وكَوْنُ المُرادِ هُناكَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى لا يُناسِبُ الجَوابَ ومَن لَمْ يَرَ الجَوازَ تَعْنِي ومَن رَآهُ بِناءً عَلى ظَواهِرِ الآياتِ المُفِيدَةِ لِكَوْنِهِ تَعالى في السَّماءِ «وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الجارِيَةِ الَّتِي أشارَتْ إلى السَّماءِ حِينَ قِيلَ لَها: أيْنَ اللَّهُ؟ أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ» . وإقْرارُهُ حُصَيْنًا حِينَ قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «كَمْ تَعْبُدُ يا حُصَيْنُ؟ فَقالَ: سَبْعَةَ سِتَّةٍ في الأرْضِ وواحِدٌ في السَّماءِ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: فَمَنِ الَّذِي أعْدَدْتَهُ لِرَغْبَتِكَ ورَهْبَتِكَ؟ فَقالَ حُصَيْنٌ: الإلَهُ الَّذِي في السَّماءِ» . أبْقى الآيَةَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُها وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَرِدْ صَرِيحًا كَوْنُهُ تَعالى مِن أهْلِ السَّماءِ والأرْضِ وإنْ ورَدَ كَوْنُهُ جَلَّ وعَلا في السَّماءِ عَلى المَعْنى اللّائِقِ بِجَلالِهِ جَلَّ جَلالُهُ فَلا أرى جَوازَ ذَلِكَ ولا داعِيَ لِإخْراجِ (مِن) عَنِ ابْتِداءِ الغايَةِ لِيُحْتاجَ إلى العِنايَةِ في رَدِّ الِاسْتِدْلالِ كَما لا يَخْفى وفي الِانْتِصافِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كافِحَةٌ لِوُجُوهِ القَدَرِيَّةِ الزّاعِمِينَ أنَّ الأرْزاقَ مُنْقَسِمَةٌ فَمِنها ما رَزَقَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْعَبْدِ وهو الحَلالُ ومِنها ما رَزَقَهُ العَبْدُ لِنَفْسِهِ وهو الحَرامُ فَهي ناعِيَةٌ عَلَيْهِمْ هَذا الشِّرْكَ الخَفِيَّ لَوْ سَمِعُوا ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ وكَذا فِيما قِيلَ تَكْفَحُ في وُجُوهِ أُناسٍ يَزْعُمُونَ أنَّ الَّذِي يُدَبِّرُ الأمْرَ في كُلِّ عَصْرٍ قُطْبُهُ وهو عِمادُ السَّماءِ عِنْدَهم ولَوْلاهُ لَوَقَعَتْ عَلى الأرْضِ فَكَأنِّي بِكَ إذا سَألْتَهم مَن يُدَبِّرُ الأمْرَ يَقُولُونَ القُطْبُ، وقَدْ يُعْتَذَرُ عَنْهم بِأنَّ مُرادَهم أنَّهُ المُدَبِّرُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى وجاءَ إطْلاقُ المُدَبِّرِ بِهَذا المَعْنى عَلى غَيْرِهِ تَعالى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾
ورُبَّما يُقالُ: إنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَهم بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ القُطْبِ إلّا بِالِاعْتِبارِ لِأنَّهُ الَّذِي فازَ بِقُرْبى النَّوافِلِ والفَرائِضِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ فارْتَفَعَتِ الغَيْرِيَّةُ فالقَوْلُ بِأنَّ القُطْبَ هو المُدَبِّرُ كالقَوْلِ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو المُدَبِّرُ بِلا فَرْقٍ
واعْتُرِضَ هَذا بِأنَّهُ ذَهابٌ إلى القَوْلِ بِوَحْدَةِ الوُجُودِ وأكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ وبَعْضُ الصُّوفِيَّةِ كالإمامِ الرَّبّانِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ والأوَّلُ بِأنَّهُ هَلّا قالَ المُشْرِكُونَ في جَوابِ ذَلِكَ: المَلائِكَةُ أوْ عِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَثَلًا عَلى مَعْنى أنَّهُمُ المُدَبِّرُونَ لِلْأمْرِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ المَذْكُورُونَ عِنْدَهم بِمَنزِلَةِ الأقْطابِ عِنْدَ أُولَئِكَ، وأُجِيبُ بِأنَّ السُّؤالَ إنَّما هو عَمَّنْ يَنْتَهِي إلَيْهِ الأمْرُ فَلا يَتَسَنّى لَهم إلّا الجَوابُ المَذْكُورُ ولَعَلَّ غَيْرَ أهْلِ الوَحْدَةِ لَوْ سُئِلُوا كَذَلِكَ ما عَدَلُوا في الجَوابِ عَنْهُ سُبْحانَهُ وأمّا أهْلُ الوَحْدَةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم فَلَهم كَلِماتٌ لا يَقُولُها المُشْرِكُونَ وهي لَعَمْرِي فَوْقَ طَوْرِ العَقْلِ ولِذا أنْكَرَها أهْلُ الظّاهِرِ عَلَيْهِمْ ﴿فَقُلْ﴾ لَهم ﴿أفَلا تَتَّقُونَ 31﴾ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ عَدَمِ الِاتِّقاءِ بِمَعْنى إنْكارِ الواقِعِ كَما في قَوْلِكَ: أتَضْرِبُ أباكَ لا بِمَعْنى إنْكارِ الوُقُوعِ كَما في قَوْلِكَ: أأضْرِبُ أبِي والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ أيْ أتَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَلا تَتَّقُونَ والخِلافُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ شَهِيرٌ وما ذَكَرْناهُ هو ما عَلَيْهِ البَعْضُ ومَفْعُولُ ﴿تَتَّقُونَ﴾ مَحْذُوفٌ وهو مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ أيْ أفَلا تَتَّقُونَ عَذابَهُ الَّذِي لَكم بِما تَتَعاطَوْنَهُ مِن إشْراكِكم بِهِ سُبْحانَهُ ما لا يُشارِكُهُ في شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ مِن خَواصِّ الأُلُوهِيَّةِ، وكَلامُ القاضِي يُوهِمُ أنَّهُ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ ولَيْسَ بِذاكَ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences