Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:65–70
10:65Page 216
وَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦٥
And let not their speech grieve you. Indeed, honor [due to power] belongs to Allāh entirely. He is the Hearing, the Knowing.
ومَن جَعَلَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلى الجُمْلَةِ قَبْلُ أيْ أنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى فالِاعْتِراضُ عِنْدَهُ بَيْنَ مُتَّصِلَيْنِ لا في آخِرِ الكَلامِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ سِيقَ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمّا كانَ يَلْقاهُ مِن جِهَةِ الأعْداءِ مِنَ الأذِيَّةِ النّاشِئَةِ مِن مَقالاتِهِمُ الرَّدِيئَةِ الوَحْشِيَّةِ وتَبْشِيرًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنَّصْرِ والعِزِّ إثْرَ بَيانِ أنَّ لَهُ ولِأتْباعِهِ أمْنًا مِن كُلِّ مَحْذُورٍ وفَوْزًا بِكُلِّ مَطْلُوبٍ فَهو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ إلَخْ مَعْنى وقِيلَ: إنَّهُ
صفحة 153
مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمُ) الآيَةَ. واخْتارَهُ عَلى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ الطَّبَرْسِيُّ
وقَرَأ نافِعٌ ﴿ولا يَحْزُنْكَ﴾ مَن أحْزَنَ وهو في الحَقِيقَةِ نَهْيٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ الحُزْنِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَحْزَنْ بِقَوْلِهِمْ ولا تُبالِ بِكُلِّ ما يَتَفَوَّهُونَ بِهِ في شَأْنِكَ، مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ، وإنَّما عَدَلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلْمُبالِغَةِ في النَّهْيِ عَنِ الحُزْنِ لِما أنَّ النَّهْيَ عَنِ ألتَّأْثِيرِ نَهْيٌ عَنِ التَّأثُّرِ بِأصْلِهِ ونَفْيٌ لَهُ بِالمَرَّةِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ قَوْلُهُمْ، لا أرَيَنَّكَ هَهُنا ولا يَأْكُلْكَ السَّبْعُ ونَحْوَهُ، وقَدْ وُجِّهَ فِيهِ النَّهْيُ إلى اللّازِمِ والمُرادُ هو النَّهْيُ عَنْ المَلْزُومِ قِيلَ: وتَخْصِيصُ النَّهْيِ عَنِ الحُزْنِ بِالإيرادِ مَعَ شُمُولِ النَّفْيِ السّابِقِ لِلْخَوْفِ أيْضًا لِما أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شائِبَةُ خَوْفٍ حَتّى يَنْهى عَنْهُ ورُبَّما كانَ يَعْتَرِيهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في بَعْضِ الأوْقاتِ حُزْنٌ فَسَلّى عَنْهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ إذا قُلْنا: إنَّ الخَوْفَ والحُزْنَ مُتَقارِبانِ فَإذا اجْتَمَعا افْتَرَقا، وإذا افْتَرَقا اجْتَمَعا كَما عَلِمْتَ آنِفًا كانَ النَّهْيُ عَنِ الحُزْنِ نَهْيًا عَنِ الخَوْفِ أيْضًا إلّا أنَّ الأوْلى عَدَمُ اعْتَبارِ ما فِيهِ تَوَهُّمُ نِسْبَةِ الخَوْفِ إلى ساحَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ نَقْصٌ فَقَدْ جاءَ نَهْيُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنِ الخَوْفِ كَنَهْيِهِمْ عَنِ الحُزْنِ بَلْ قَدْ ثَبَتَ صَرِيحًا نِسْبَةُ ذَلِكَ إلَيْهِمْ وهو مِمّا لا يُخِلُّ بِمَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ إذْ لَيْسَ كُلُّ خَوْفٍ نَقْصًا لِيُنَزِّهُوا عَنْهُ كَيْفَ كانَ.
﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ وقِيلَ: جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ لا يُحْزِنُهُ؟ فَقِيلَ: لِأنَّ الغَلَبَةَ والقَهْرَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ لا يَمْلِكُ أحَدٌ شَيْئًا مِنها أصْلًا لا هم ولا غَيْرُهم فَلا يَقْهَرُ ولا يَغْلِبُ أوْلِياءَهُ بَلْ يَقْهَرُهم ويَغْلِبُهم ويَعْصِمُكَ مِنهم. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ (أنَّ) بِالفَتْحِ عَلى صَرِيحِ التَّعْلِيلِ أيْ لِأنَّ، وحَمَلَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ ذَلِكَ عَلى البَدَلِ ثُمَّ أنْكَرَ القِراءَةَ لِذَلِكَ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنْ يُقالَ: فَلا يَحْزُنْكَ أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وهو فاسِدٌ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلى البَدَلِ لَكانَ لَهُ وجْهٌ أيْضًا عَلى أُسْلُوبِ (ولا تَكُونُنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ فَيَكُونُ لِلتَّهْيِيحِ والإلْهابِ والتَّعْرِيضِ بِالغَيْرِ وفِيهِ بَعْدٌ ﴿هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ 65﴾ يَسْمَعُ أقْوالَهم في حَقِّكَ ويَعْلَمُ ما يُضْمِرُونَهُ عَلَيْكَ فَيُكافِؤُهم عَلى ذَلِكَ وما ذَكَرْناهُ في الآيَةِ هو الظّاهِرُ المُتَبادَرُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما جاءَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى وأقامُوا عَلى كُفْرِهِمْ كَبُرَ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَجاءَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ فِيما يُعاتِبُهُ ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ ويَعْلَمُهُ فَلَوْ شاءَ بِعِزَّتِهِ لانْتَصَرَ مِنهم ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا مَعَ ما فِيهِ مِن تَعْلِيقِ العَلَمِ بِما عُلِّقَ بِالسَّمْعِ، ولَعَلَّ رِوايَتَهُ عَنِ الحَبْرِ غَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْها.
10:66Page 216
أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ٦٦
Unquestionably, to Allāh belongs whoever is in the heavens and whoever is on the earth. And those who invoke other than Allāh do not [actually] follow [His] "partners." They follow not except assumption, and they are not but misjudging.
﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ –بِمَنِ- الشّائِعُ في العُقَلاءِ، والتَّغْلِيبُ غَيْرُ مُناسِبٍ هُنا، ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ الإيذانُ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِغَيْرِهِمْ فَإنَّهم مَعَ شَرَفِهِمْ وعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ إذا كانُوا عَبِيدًا للَّهِ مَمْلُوكِينَ لَهُ سُبْحانَهُ فَما عَداهم مِنَ المَوْجُوداتِ أوْلى بِذَلِكَ، والجُمْلَةُ مَعَ ما فِيها مِنَ التَّأْكِيدِ لِما سَبَقَ مِنِ اخْتِصاصِ العِزَّةِ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ المُوجِبُ لِسَلْوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَدَمِ مُبالاتِهِ بِمَقالاتِ المُشْرِكِينَ تَمْهِيدٌ لِما لَحِقَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ﴾ ودَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ ظُنُونِهِمْ وأعْمالِهِمُ المَبْنِيَّةِ عَلَيْها والِاقْتِصارِ عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ قُصُورٌ فَلا تَكُنْ مِنَ القاصِرِينَ، و(ما) نافِيَةٌ و(شُرَكاءَ) مَفْعُولُ (يَتَّبِعُ) ومَفْعُولُ (يَدْعُونَ) مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ، أيْ ما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ شُرَكاءَ في
صفحة 154
الحَقِيقَةِ وإنْ سَمَّوْها شُرَكاءَ لِجَهْلِهِمْ فالمُرادُ سَلْبُ الصِّفَةِ في الحَقِيقَةِ ونَفْسُ الأمْرِ فَما ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ مِن عَدَمِ جَوازِ هَذا الوَجْهِ مِنَ الإعْرابِ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ اتِّباعِهِمُ الشُّرَكاءَ مَعَ أنَّهُمُ اتَّبَعُوهم ناشِئٌ مِنَ الغَفْلَةِ عَمّا ذَكَرْنا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (شُرَكاءَ) المَذْكُورَ مَفْعُولُ (يَدْعُونَ) ويَكُونُ مَفْعُولُ (يَتَّبِعُ) مَحْذُوفًا لِانْفِهامِهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ يَقِينًا وإنَّما يَتَّبِعُونَ ظَنَّهُمُ الباطِلَ أوْ ظَنَّهم أنَّها شُرَكاءُ بِتَقْدِيرِ مَعْمُولِ الظَّنِّ أوْ تَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم مَفْعُولَ (يَتَّبِعُونَ) شُرَكاءَ مَيْلًا إلى إعْمالِ الثّانِي في التَّنازُعِ، وتُعُقِّبُ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن ذَلِكَ البابِ لِأنَّ مَفْعُولَ الفِعْلِ الأوَّلِ مُقَيَّدٌ دُونَ الثّانِي فَلا يَتَحَدُّ المَعْمُولُ والِاتِّحادُ شَرْطٌ في ذَلِكَ، وكَوْنُ التَّقْيِيدِ عارِضًا بَعْدَ الإعْمالِ بِقَرِينَةِ عامِلِهِ فَلا يُنافِي ما شُرِطَ في البابِ بِالبابِ كَما لا يَخْفى، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِيَتَّبِعُ و(شُرَكاءَ) مَفْعُولُ (يَدْعُونَ) أيْ أيَّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ المُشْرِكُونَ أيْ ما يَتَّبِعُونَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً مَعْطُوفَةً عَلى (مَن) أيْ ولَهُ تَعالى ما يَتَّبِعُهُ المُشْرِكُونَ خَلْقًا ومَلَكًا فَكَيْفَ يَكُونُ شَرِيكًا لَهُ سُبْحانَهُ، وتَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِ فِيما سَبَقَ عِبارَةٌ أوْ دِلالَةٌ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ بُطْلانٍ الاتْباعِ وفَسادِ ما بَنَوْهُ عَلَيْهِ مِنَ الظَّنِّ الَّذِي هو الفَسادُ بِمَكانٍ، وجُوِّزَ عَلى احْتِمالِ المَوْصُولِيَّةِ أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ باطِلٌ ونَحْوَهُ أوِ الخَبَرُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (أنْ يَتَّبِعُونَ) والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ في عِبادَتِهِ أوِ اتْباعِهِ.
وقَرَأ السِّلْمِيُّ (تَدْعُونَ) بِالتّاءِ الخَطابِيَّةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ وهي قِراءَةٌ مُتَّجِهَةٌ خِلافًا لِزاعِمِ خِلافِهِ فَإنَّ (ما) فِيها اسْتِفْهامِيَّةٌ لِلتَّبْكِيتِ والتَّوْبِيخِ والعائِدُ عَلى (الَّذِينَ) مَحْذُوفٌ و(شُرَكاءَ) حالٌ مِنهُ، والمُرادُ مِنَ (الَّذِينَ) المَلائِكَةُ والمَسِيحُ وعُزَيْرٌ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيَّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ الَّذِينَ تَدْعُونَهم حالَ كَوْنِهِمْ شُرَكاءَ في زَعْمِكم مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِمْ مُتَّبِعِينَ لِلَّهِ تَعالى مُطِيعِينَ لَهُ وتَوْبِيخًا لَهم عَلى عَدَمِ اقْتِدائِهِمْ بِهِمْ في ذَلِكَ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ وحاصِلُهُ أنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى ولا يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ فَما لكم لا تَقْتَدُونَ بِهِمْ ولا تَتْبَعُونَهم في ذَلِكَ ثُمَّ صَرَفَ الكَلامَ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ فَقِيلَ: إنْ يَتَّبِعْ هَؤُلاءِ إلّا الظَّنَّ ولا يَتَّبِعُونَ ما يَتْبَعُهُ المَلائِكَةُ والنَّبِيُّونَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ الحَقِّ ﴿وإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ 66﴾ أيْ يَحْزَرُونَ ويُقَدَّرُونَ أنَّهم شُرَكاءُ تَقْدِيرًا باطِلًا أوْ يَكْذِبُونَ فِيما يَنْسُبُونَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى أنَّ الخَرْصَ إمّا بِمَعْنى الحِرْزِ والتَّخْمِينِ كَما هو الأصْلُ الشّائِعُ فِيهِ، وإمّا بِمَعْنى الكَذِبِ فَإنَّهُ جاءَ اسْتِعْمالُهُ في ذَلِكَ لِغَلَبَتِهِ في مِثْلِهِ.
10:67Page 216
هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٦٧
It is He who made for you the night to rest therein and the day, giving sight.1 Indeed in that are signs for a people who listen.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ تَنْبِيهٌ عَلى تَفَرُّدِهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ الكامِلَةِ والنِّعْمَةِ الشّامِلَةِ لِيَدُلَّهم عَلى تَوَحُّدِهِ سُبْحانَهُ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ فَتَعْرِيفُ الطَّرَفَيْنِ لِلْقَصْرِ وهو قَصْرُ تَعْيِينٍ وفي ذَلِكَ أيْضًا تَقْرِيرٌ لِما سَلَفَ مِن كَوْنِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ تَحْتَ قُدْرَتِهِ ومِلْكَتِهِ المُفْصِحِ عَنِ اخْتِصاصِ العِزَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ.
والجُعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الإبْداعِ والخَلْقِ فَمُبْصِرًا حالٌ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَلَكُمُ المَفْعُولُ الثّانِي أوْ حالٌ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ فالمَفْعُولُ الثّانِي ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أوْ هو مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَفْعُولُ الثّانِي مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ كَما أنَّ العِلَّةَ الغائِيَّةَ مِنها مَحْذُوفَةٌ اعْتِمادًا عَلى ما في الأُولى، والتَّقْدِيرُ هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا لِتَتَحَرَّكُوا فِيهِ لِمَصالِحِكم فَحَذَفَ مِن كُلِّ ما ذَكَرَ في الآخَرِ اكْتِفاءً بِالمَذْكُورِ عَنِ المَتْرُوكِ، وفِيهِ عَلى هَذا صَنْعَةُ الِاحْتِباكِ والآيَةُ شائِعَةٌ في التَّمْثِيلِ بِها لِذَلِكَ وهو الظّاهِرُ فِيها وإنْ كانَ أمْرًا غَيْرَ ضَرُورِيٍّ، ومِن هُنا ذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّهُ لا احْتِباكَ فِيها، والعُدُولُ عَنْ لِتُبْصِرُوا فِيهِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما قَبْلُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ
صفحة 155
لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الظَّرْفِ المَجْرُورِ الَّذِي هو سَبَبٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ في الجُمْلَةِ وإسْنادُ الإبْصارِ إلى النَّهارِ مَجازِيٌّ كالَّذِي في قَوْلِ جَرِيرٍ:
لَقَدْ لُمْتِنا ياأُمَّ غَيْلانَ في السُّرى ونِمْتِ وما لَيْلُ المَطِيِّ بِنائِمِ
وقَوْلِهِمْ: نَهارُهُ صائِمٌ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ وجَماعَةٌ وقِيلَ: إنَّ مُبْصِرًا لِلنَّسَبِ كَلابِنٍ وتامِرٍ أيْ ذا إبْصارٍ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ في الجُعْلِ المَذْكُورِ أوْ في اللَّيْلِ والنَّهارِ وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ وعُلُوِّ رُتْبَتِهِ ﴿لآياتٍ﴾ أيْ حُجَجًا ودَلالاتٍ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى كَثِيرَةً أوْ آياتٍ أُخَرَ غَيْرَ ما ذَكَرَ ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ 67﴾ أيِ الحُجَجَ مُطْلَقًا سَماعَ تَدَبُّرٍ واعْتِبارٍ أوْ يَسْمَعُونَ هَذِهِ الآياتِ المَتْلُوَّةَ ونَظائِرَها المُنَبِّهَةَ عَلى تِلْكَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الآمِرَةِ بِالتَّأمُّلِ فِيها ذَلِكَ السَّماعَ فَيَعْمَلُونَ بِمُقْتَضاها وتَخْصِيصُ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ الآياتِ مَنصُوبَةٌ لِمَصْلَحَةِ الكُلِّ لِما أنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها
10:68Page 216
قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱلۡغَنِيُّۖ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ إِنۡ عِندَكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭ بِهَٰذَآۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦٨
They1 have said, "Allāh has taken a son." Exalted is He; He is the [one] Free of need. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth. You have no authority2 for this [claim]. Do you say about Allāh that which you do not know?
﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ شُرُوعٌ في ذِكْرِ ضَرْبٍ آخَرَ مِن أباطِيلِ المُشْرِكِينَ وبَيانُ بُطْلانِهِ والمُرادُ بِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ عَلى ما قِيلَ: كُفّارُ قُرَيْشٍ والعَرَبُ فَإنَّهم قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ تَعالى واليَهُودُ والنَّصارى القائِلُونَ: عُزَيْرٌ وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ ابْناهُ عَزَّ وجَلَّ والِاتِّخاذُ صَرِيحٌ في التَّبَنِّي وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ قَوْلُ كُلِّ المُشْرِكِينَ، وإذا ثَبَتَ أنَّ مِنهم مَن يَقُولُ بِالوِلادَةِ والتَّوْلِيدِ حَقِيقَةً كانَ ما هُنا قَوْلَ البَعْضِ ولْيُنْظَرُ هَلْ يَجْرِي فِيهِ احْتِمالُ إسْنادِ ما لِلْبَعْضِ لِلْكُلِّ لِتَحَقُّقِ شَرْطِهِ أمْ لا يَجْرِي لِفَقْدِ ذاكَ والوَلَدُ يُسْتَعْمَلُ مُفْرَدًا وجَمْعًا.
وفِي القامُوسِ الوَلَدُ مُحَرَّكَةً وبِالضَّمِّ والكَسْرِ والفَتْحِ واحِدٌ وجَمْعٌ وقَدْ يُجْمَعُ عَلى أوْلادٍ ووَلَدَةٍ وإلْدَةٍ بِالكَسْرِ فِيهِما ووُلْدٍ بِالضَّمِّ وهو يَشْمَلُ الذَّكَرَ والأُنْثى ﴿سُبْحانَهُ﴾ تَنْزِيهٌ وتَقْدِيسٌ لَهُ تَعالى عَمّا نَسَبُوا إلَيْهِ عَلى ما هو الأصْلُ في مَعْنى سُبْحانَ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلتَّعَجُّبِ مَجازًا ويَصِحُّ إرادَتُهُ هُنا والمُرادُ التَّعَجُّبُ مِن كَلِمَتِهِمُ الحَمْقى وجَمَعَ بَعْضُهم بَيْنَ التَّنْزِيهِ والتَّعَجُّبِ ولَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ التَّعَجُّبَ مَعْنًى كِنائِيٌّ وأنَّهُ يَصِحُّ إرادَةُ المَعْنى الحَقِيقِيِّ في الكِنايَةِ وهو أحَدُ القَوْلَيْنِ في المُسالَةِ وقِيلَ: إنَّهُ لا يَلْزَمُ اسْتِفادَةُ مَعْنى التَّعَجُّبِ مِنهُ بِاسْتِعْمالِ اللَّفْظِ فِيهِ بَلْ هو مِنَ المَعانِي الثَّوانِي وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿هُوَ الغَنِيُّ﴾ أيْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ في كُلِّ شَيْءٍ عِلَّةٌ لِتَنَزُّهِهِ تَعالى وتَقَدَّسَ عَنْ ذَلِكَ وإيذانٌ بِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ مُسَبِّبٌ عَنِ الحاجَةِ وهي التَّقْوى أوْ بَقاءُ النَّوْعِ مَثَلًا وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ تَقْرِيرٌ لِمَعْنى الغَنِيِّ لِأنَّ المالِكَ لِجَمِيعِ الكائِناتِ هو الغَنِيُّ وما عَداهُ فَقِيرٌ وقِيلَ: هو عِلَّةٌ أُخْرى لِلتَّنَزُّهِ عَنِ التَّبَنِّي لِأنَّهُ يُنافِي المالِكِيَّةَ وقَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ حُجَّةٍ ﴿بِهَذا﴾ أيْ بِما ذُكِرَ مِنَ القَوْلِ الباطِلِ تَوْضِيحٌ لِبُطْلانِهِ بِتَحْقِيقِ سَلامَةِ ما أُقِيمَ مِنَ البُرْهانِ السّاطِعِ عَنِ المُعارِضِ والمُنافِي فَإنْ نافِيَةٌ ومِن زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ ومَجْرُورُها مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ المُقَدَّمُ خَبَرُهُ أوْ مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ لِاعْتِمادِهِ عَلى النَّفْيِ وبِهَذا مُتَعَلِّقٌ إمّا بِسُلْطانٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى الحُجَّةِ كَما سَمِعْتَ وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ وقِيلَ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الظَّرْفِ الرّاجِعِ إلَيْهِ وإمّا بِما في ﴿عِنْدَكُمْ﴾ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ ويَتَعَيَّنُ عَلى هَذا كَوْنُ ﴿سُلْطانٍ﴾ فاعِلًا لِلظَّرْفِ لِئَلّا يَلْزَمَ الفَصْلُ بَيْنَ العامِلِ المَعْنَوِيِّ ومُتَعَلِّقِهِ بِأجْنَبِيٍّ وِالِالتِفاتُ إلى الخِطابِ لِمَزِيدِ المُبالَغَةِ في الإلْزامِ والإفْحامِ وتَأْكِيدُ ما في قَوْلِهِ تَعالى:
صفحة 156
أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما تَعْمَلُونَ 68 مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى جَهْلِهِمْ واخْتِلاقِهِمْ وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَهو جَهالَةٌ وأنَّ العَقائِدَ لا بُدَّ لَها مِن قاطِعٍ وأنَّ التَّقْلِيدَ بِمَعْزِلٍ مِنَ الِاهْتِداءِ ولا تَصْلُحُ مُتَمَسِّكًا لِنَفْيِ القِياسِ والعَمَلِ بِخَبَرِ الآحادِ لِأنَّ ذَلِكَ في الفُرُوعِ وهي مَخْصُوصَةٌ بِالأُصُولِ لِما قامَ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى تَخْصِيصِها وإنْ عَمَّ ظاهِرُها.
10:69Page 216
قُلۡ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ ٦٩
Say, "Indeed, those who invent falsehood about Allāh will not succeed."
﴿قُلْ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى سَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيُبَيِّنَ سُوءَ مَغَبَّتِهِمْ ووَخامَةَ عاقِبَتِهِمْ وفي ذَلِكَ إنْذارٌ لَهم عَنْ الِاسْتِمْرِارِ عَلى ما هم فَيِهِ ولِغَيْرِهِمْ عَنِ الوُقُوعِ في مِثْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ في كُلِّ أمْرٍ ويَدْخُلُ الِافْتِراءُ بِنِسْبَةِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ إلَيْهِ تَعالى دُخُولًا أوَّلِيًّا وهو أوْلى مِن الِاقْتِصارِ عَلى ما الكَلامُ فِيهِ وحِينَئِذٍ فالمُرادُ بِالمَوْصُولِ ما يَعُمُّ أُولَئِكَ المُخاطَبِينَ وغَيْرَهُمُ أيْ إنَّ مَن تَكُونُ هَذِهِ صِفَتَهم كائِنًا ما كانُوا ﴿لا يُفْلِحُونَ 69﴾ لا يَنْجُونَ مِن مَكْرُوهٍ ولا يَفُوزُونَ بِمَطْلُوبٍ أصْلًا ويَنْدَرِجُ في ذَلِكَ عَدَمُ النَّجاةِ مِنَ النّارِ وعَدَمُ الفَوْزِ بِالجَنَّةِ والِاقْتِصارُ عَلَيْهِ في مَقامِ المُبالِغَةِ في الزَّجْرِ عَنْ الِافْتِراءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ دُونَ التَّعْمِيمِ في المُناسَبَةِ.
10:70Page 216
مَتَٰعٞ فِي ٱلدُّنۡيَا ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلۡعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٧٠
[For them is brief] enjoyment in this world; then to Us is their return; then We will make them taste the severe punishment because they used to disbelieve.
﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو أوْ ذَلِكَ مَتاعٌ والتَّنْوِينُ لِلتَّحْقِيرِ والتَّقْلِيلِ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ نَعْتًا لَهُ والجُمْلَةُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ عَمّا يَتَراءى فِيهِمْ بِحَسَبِ الظّاهِرِ مِن نَيْلِ المُطالِبِ والفَوْزِ بِالحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلى الإطْلاقِ أوْ في ضِمْنِ افْتِرائِهِمْ وبَيانًا لِأنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ الفَلاحِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ لا يُفْلِحُونَ وهم في غِبْطَةٍ ونَعِيمٍ فَقِيلَ: هو أوْ ذَلِكَ مَتاعٌ حَقِيرٌ قَلِيلٌ في الدُّنْيا ولَيْسَ بِفَوْزٍ بِالمَطْلُوبِ ثُمَّ أُشِيرَ إلى انْتِفاءِ النَّجاةِ عَنِ المَكْرُوهِ أيْضًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ أيْ إلى حُكْمِنا رُجُوعُهم بِالمَوْتِ فَيَلْقَوْنَ الشَّقاءَ المُؤَبَّدَ ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ 70﴾ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمُ المُسْتَمِرِّ أوْ بِكُفْرِهِمْ في الدُّنْيا فَأيْنَ هم مِنَ الفَلاحِ وما ذَكَرْنا مِن كَوْنِ مَتاعٍ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُعَرِّبِينَ غَيْرَ أنَّ أبا البَقاءِ وآخَرِينَ مِنهم قَدَّرُوا المُبْتَدَأ حَياتُهم أوْ تَقَلُّبُهم أوِ افْتَراؤُهُمْ، واعْتُرِضَ عَلى تَقْدِيرِ الأخِيرِ بِأنَّ المَتاعَ إنَّما يُطْلَقُ عَلى ما يَكُونُ مَطْبُوعًا عِنْدَ النَّفْسِ مَرْغُوبًا فِيهِ في نَفْسِهِ يُتَمَتَّعُ بِهِ ويُنْتَفَعُ وإنَّما عَدَمُ الِاعْتِدادِ بِهِ لِسُرْعَةِ زَوالِهِ ونَفْسُ الِافْتِراءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ أقْبَحُ القَبائِحِ عِنْدَ النَّفْسِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ مَطْبُوعًا عِنْدَها وأُجِيبُ بِأنَّ إطْلاقَ المَتاعِ عَلى ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَطْبُوعٌ عِنْدَ نُفُوسِهِمُ الخَبِيثَةِ وفِيهِ انْتِفاعٌ لَهم بِهِ حَسْبَما يَرَوْنَهُ انْتِفاعًا وإنْ كانَ مِن أقْبَحِ القَبائِحِ وغَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ في نَفْسِ الأمْرِ ولا يَخْفى أنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ مَعَ هَذا أوْجَهُ وقِيلَ إنَّ المَذْكُورَ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أيْ لَهم مَتاعٌ إلَخْ ولَيْسَ بِبَعِيدٍ والآيَةُ إمّا مَسُوقَةٌ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ لِتَحْقِيقِ عَدَمِ إفْلاحِهِمْ غَيْرُ داخِلَةٍ في الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ﴾ وإمّا داخِلَةٌ فِيهِ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَأْمُورٌ بِنَقْلِهِ وحِكايَتِهِ عَنْهُ تَعالى شَأْنُهُ ولَهُ نَظائِرُ في الكِتابِ العَزِيزِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences