Al-AlusiHud · 11:18–25

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Hud 11:18–25

11:18Page 223

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُعۡرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ وَيَقُولُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٨

And who is more unjust than he who invents a lie about Allāh? Those will be presented before their Lord, and the witnesses will say, "These are the ones who lied against their Lord." Unquestionably, the curse of Allāh is upon the wrongdoers

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِأنْ نَسَبَ إلَيْهِ ما لا يَلِيقُ بِهِ كَقَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وقَوْلُهم لِآلِهَتِهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ والمُرادُ مِنَ الآيَةِ ذَمُّ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ بِأنَّهم مَعَ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى مُفْتَرُونَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ القُرْآنَ لَيْسَ بِمُفْتَرًى، فَإنَّ مَن يَعْلَمُ حالَ مَن يَفْتَرِي عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ كَيْفَ يَرْتَكِبُهُ، وأنْ تَكُونَ مِنَ الكَلامِ المُنْصِفِ أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِنِّي أنْ أقُولَ لِما لَيْسَ بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى إنَّهُ كَلامُهُ كَما زَعَمْتُمْ، أوْ مِنكم إنْ كُنْتُمْ نَفَيْتُمْ أنْ يَكُونَ كَلامُهُ سُبْحانَهُ مَعَ تَحَقُّقِ أنَّهُ كَلامُهُ جَلَّ وعَلا، وفِيهِ مِنَ الوَعِيدِ والتَّهْوِيلِ ما لا يَخْفى، ويَجُوزُ عِنْدِي إذا كانَ ما قَبْلُ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ أنْ يَكُونَ هَذا في بَيانِ حالِ كَفَرَتِهِمُ الَّذِينَ أسْنَدُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ ما لَمْ يُنَزِّلْهُ مِنَ المُحَرَّفِ الَّذِي صَنَعُوهُ ونَفَوْا عَنْهُ سُبْحانَهُ ما أنْزَلَهُ مِنَ القُرْآنِ أوْ مِن نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ أظْلَمَ مِن ذَلِكَ أوْ مُساوِيًا في الظُّلْمِ عَلى ما تَقَدَّمَ ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِالظُّلْمِ البالِغِ وهو الِافْتِراءُ ﴿يُعْرَضُونَ﴾ مِن حَيْثُ إنَّهم مَوْصُوفُونَ بِذَلِكَ ﴿عَلى رَبِّهِمْ﴾ أيْ مالِكِهِمُ الحَقِّ والمُتَصَرِّفِ فِيهِمْ حَسْبَما يُرِيدُ، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: إيماءٌ إلى بُطْلانِ رَأْيِهِمْ في اتِّخاذِهِمْ أرْبابًا مِن دُونِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ أيْ تُعْرَضُ أعْمالُهُمْ، أوْ عَلى ارْتِكابِ المَجازِ ولا يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ لِأنَّ عَرْضَهم مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ وبِذَلِكَ العُنْوانِ عَرْضٌ لِأعْمالِهِمْ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ فَإنَّ عَرْضَ العامِلِ بِعَمَلِهِ أفْظَعُ مِن عَرْضِ عَمَلِهِ مَعَ غَيْبَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا حَذْفَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( عَلى رَبِّهِمْ ) ويُفَوِّضُ مَن يَقِفُ عَلى اللَّهِ.

وقِيلَ: هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ عَلى مَلائِكَةِ رَبِّهِمْ وأنْبِياءِ رَبِّهِمْ، وهُمُ المُرادُ بِالأشْهادِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُ الأشْهادُ﴾ وتَفْسِيرُهم بِالمَلائِكَةِ مُطْلَقًا هو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ تَفْسِيرُهم بِالحَفَظَةِ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ المَلائِكَةُ، والأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: جَوارِحُهُمْ، وعَنْ مُقاتِلٍ، وقَتادَةُ هم جَمِيعُ أهْلِ المَوْقِفِ، وهو جَمْعٌ شاهِدٌ بِمَعْنى حاضِرٍ –كَصاحِبٍ وأصْحابٍ- بِناءً عَلى جَوازِ جَمْعِ فاعِلٍ عَلى أفْعالٍ، أوْ جَمْعِ شَهِيدٍ بِمَعْناهُ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ أيْ ويَقُولُ الحاضِرُونَ عِنْدَ العَرْضِ أوْ في مَوْقِفِ القِيامَةِ ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ شَهادَةً عَلى تَعْيِينِ مَن صَدَرَ مِنهُ الكَذِبُ كَأنَّ وُقُوعَهُ

صفحة 31

أمْرٌ واضِحٌ غَنِيٌّ عَنِ الشَّهادَةِ، وإنَّما المُحْتاجُ إلَيْها ذَلِكَ ولِذا لَمْ يَقُولُوا: هَؤُلاءِ كَذَّبُوا بِدُونِ المَوْصُولِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَمًّا لَهم بِتِلْكَ الفِعْلَةِ الشَّنِيعَةِ لا شَهادَةَ عَلَيْهِمْ كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ( ويَقُولُ ) دُونَ ويَشْهَدُ، وتَوْطِئَةٌ لِما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ . أيْ بِالِافْتِراءِ المَذْكُورِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن كَلامِ الأشْهادِ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ. وخَلْقٌ كَثِيرٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يُدْنِي المُؤْمِنَ حَتّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ ويَسْتُرَهُ مِنَ النّاسِ ويُقَرِّرَهُ بِذُنُوبِهِ ويَقُولَ لَهُ: أتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذا؟ أتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذا؟ فَيَقُولَ: رَبِّ أعْرِفُ حَتّى إذا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ ورَأى في نَفْسِهِ أنَّهُ قَدْ هَلَكَ قالَ: فَإنِّي قَدْ سَتَرْتُها عَلَيْكَ في الدُّنْيا وأنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ ثُمَّ يُعْطى كِتابَ حَسَناتِهِ، وأمّا الكُفّارُ والمُنافِقُونَ فَيَقُولُ: الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ».

وجَوَّزَ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالظّالِمِينَ ما يَعُمُّ الظّالِمِينَ بِالِافْتِراءِ، والظّالِمِينَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، ويَدْخُلُ فِيهِ الأوَّلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَيْمُونَ بْنِ مَهْرانَ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي ويَلْعَنُ نَفْسَهُ في قِراءَتِهِ فَيَقُولُ: ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ وهو ظالِمٌ.

ورُبَّما يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي أيْضًا، وأيًّا ما كانَ -فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ- مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ (هَؤُلاءِ) مُبْتَدَأً، و( الَّذِينَ) تابِعٌ لَهُ، وجُمْلَةُ ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ خَبَرُهُ، وقَدْ أُقِيمَ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ أيْ عَلَيْهِمْ لِذَمِّهِمْ بِمَبْدَأِ الِاشْتِقاقِ مَعَ الإشارَةِ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ كَما تَرى، وجُمْلَةُ يَقُولُ الأشْهادُ قِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى أنَّها جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّ سائِلًا سَألَ إذْ سَمِعَ أنَّهم يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ماذا يَكُونُ إذْ ذاكَ؟ فَأُجِيبَ بِما ذُكِرَ، وقِيلَ -وهُوَ الظّاهِرُ- إنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ( يُعْرَضُونَ ) عَلى مَعْنى أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ ويَقُولُ الأشْهادُ في حَقِّهِمْ، أوْ ويَقُولُ أشْهادُهم والحاضِرُونَ عِنْدَ عَرْضِهِمْ (هَؤُلاءِ) إلَخْ، وكَأنَّ هَذا البَيانَ أنَّها مُرْتَبِطَةٌ في التَّقْدِيرِ بِالمُبْتَدَأِ كارْتِباطِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ هي عَلَيْها بِهِ، وقِيلَ: كَفى اسْمُ الإشارَةِ القائِمِ مَقامَ الضَّمِيرِ لِلتَّحْقِيرِ رابِطًا فَتَدَبَّرْ.

11:19Page 223

ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ١٩

Who averted [people] from the way of Allāh and sought to make it [seem] deviant while they, concerning the Hereafter, were disbelievers.

﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾ أيْ كُلْ مَن يَقْدِرُونَ عَلى صَدِّهِ أوْ يَفْعَلُونَ الصَّدَّ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ دِينِهِ القَوِيمِ، وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ كالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ مَجازٌ ﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أيْ يَطْلُبُونَ لَها انْحِرافًا، والمُرادُ أنَّهم يَصِفُونَها بِذَلِكَ وهي أبْعَدُ شَيْءٍ عَنْهُ، وإطْلاقُ الطَّلَبِ عَلى الوَصْفِ مَجازٌ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ يَبْغُونَ أهْلَها أنْ يَنْحَرِفُوا عَنْها ويَرْتَدُوا، وقِيلَ: المَعْنى يَطْلُبُونَها عَلى عِوَجٍ ونُصِبَ ( عِوَجًا ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ حالٌ ويُؤَوَّلُ بِمُعْوَجِّينَ ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِتَأْكِيدِ كُفْرِهِمْ واخْتِصاصِهِمْ بِهِ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الفَصْلِ فَيُفِيدُ الِاخْتِصاصَ وضَرْبًا مِنَ التَّأْكِيدِ، والِاخْتِصاصُ ادِّعائِيٌّ مُبالَغَةً في كُفْرِهِمْ بِالآخِرَةِ كَأنَّ كُفْرَ غَيْرِهِمْ بِها لَيْسَ بِكُفْرٍ في جَنْبِهِ، وقِيلَ: إنَّ التَّكْرِيرَ لِلتَّأْكِيدِ وتَقْدِيمَ ( بِالآخِرَةِ ) لِلتَّخْصِيصِ، والأوْلى كَوْنُ تَقْدِيمِهِ لِرُءُوسِ الآيِ.

11:20Page 224

أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يَكُونُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَۘ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ مَا كَانُواْ يَسۡتَطِيعُونَ ٱلسَّمۡعَ وَمَا كَانُواْ يُبۡصِرُونَ ٢٠

Those were not causing failure [to Allāh] on earth, nor did they have besides Allāh any protectors. For them the punishment will be multiplied. They were not able to hear, nor did they see.1

﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما يُوجِبُ التَّدْمِيرَ ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾ لِلَّهِ تَعالى مُفْلِتِينَ أنْفُسَهم مِن أخْذِهِ لَوْ أرادَ ذَلِكَ

صفحة 32

﴿فِي الأرْضِ﴾ مَعَ سِعَتِها وإنْ هَرَبُوا مِنها كُلَّ مَهْرَبٍ وجَعَلَها بَعْضُهم كِنايَةً عَنِ الدُّنْيا ﴿وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ يَنْصُرُونَهم مِن بَأْسِهِ، ولَكِنْ أخَّرَ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِيهِ، و(مِن) زائِدَةٌ لِاسْتِغْراقِ النَّفْيِ، وجَمَعَ ( أوْلِياءُ ) إمّا بِاعْتِبارِ أفْرادِ الكَفَرَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما كانَ لِأحَدٍ مِنهم مِن ولِيٍّ، أوْ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ ما كانُوا يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ ذَلِكَ بَيانًا لِحالِ آلِهَتِهِمْ مِن سُقُوطِها عَنْ رُتْبَةِ الوِلايَةِ ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ بَيَّنَ فِيها ما يَكُونُ لَهم ويَحِلُّ بِهِمْ، وادَّعى أنَّها تَتَضَمَّنُ حِكْمَةَ تَأْخِيرِ المُؤاخَذَةِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها مِن كَلامِ الأشْهادِ، وهي دُعائِيَّةٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ –يُضَعَّفُ- بِالتَّشْدِيدِ ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ أيْ أنَّهم كانُوا يَسْتَثْقِلُونَ سَماعَ الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ ويَسْتَكْرِهُونَهُ إلى أقْصى الغاياتِ حَتّى كَأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَهُ، وهو نَظِيرُ قَوْلِ القائِلِ: العاشِقُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْمَعَ كَلامَ العاذِلِ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ، ولا مانِعَ مِنِ اعْتِبارِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بَدَلَها، وإنْ قِيلَ بِهِ، وبِالجُمْلَةِ لا تَرُدُّ الآيَةُ عَلى المُعْتَزِلَةِ وكَذا عَلى أهْلِ السُّنَّةِ لِأنَّهم لا يَنْفُونَ الِاسْتِطاعَةَ رَأْسًا وإنْ مَنَعُوا إيجادَ العَبْدِ لِشَيْءٍ ما، وكَأنَّهُ لَمّا كانَ قُبْحُ حالِهِمْ في عَدَمِ إذْعانِهِمْ لِلْقُرْآنِ الَّذِي طَرِيقُ تَلَقِّيهِ السَّمْعُ أشَدُّ مِنهُ في عَدَمِ قَبُولِهِمْ سائِرَ الآياتِ المَنُوطَةِ بِالإبْصارِ. بالَغَ سُبْحانَهُ في نَفْيِ الأوَّلِ عَنْهم حَسْبَما عَلِمْتُ واكْتَفى في الثّانِي بِنَفْيِ الإبْصارِ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ أيْ أنَّهم كانُوا يَتَعامَوْنَ عَنْ آياتِ اللَّهِ تَعالى المَبْسُوطَةِ في الأنْفُسِ والآفاقِ، وكَأنَّ الجُمْلَةَ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ عَنْ عِلَّةِ مُضاعَفَةِ العَذابِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُمُ اسْتَوْجَبُوا تِلْكَ المُضاعَفَةَ؟ فَقِيلَ: لِأنَّهم كَرِهُوا الحَقَّ أشَدَّ الكَراهَةِ واسْتَثْقَلُوا سَماعَهُ أعْظَمَ الِاسْتِثْقالِ وتَعامَوْا عَنْ آياتِ المَلِكِ المُتَعالِ، ولا يُشْكِلُ عَلى هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِمِثْلِ السَّيِّئَةِ ما تَقْتَضِيهِ مِنَ العِقابِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَلَعَلَّ ما فَعَلُوهُ مِنَ السَّيِّئاتِ يَقْتَضِي تِلْكَ المُضاعَفَةَ فَتَكُونُ هي المَثَلَ كَما أنَّ مَثَلَ سَيِّئَةِ الكُفْرِ هو الخُلُودُ في النّارِ، وقِيلَ: إنَّ المُضاعَفَةَ لِافْتِرائِهِمْ وكَذِبِهِمْ عَلى رَبِّهِمْ وصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وبَغْيِهِمْ إيّاها العِوَجَ وكُفْرِهِمْ بِالآخِرَةِ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ نِسْبَةُ مُضاعَفَةِ العَذابِ إلى هَؤُلاءِ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، وبِهِ جَمَعَ بَيْنَ ما هُنا وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ الآيَةَ، ولَعَلَّ التَّعْلِيلَ بِما تُفِيدُهُ الجُمْلَةُ عَلى هَذا لِأنَّهُ الأصْلُ الأصِيلُ لِسائِرِ قَبائِحِهِمْ ومَعاصِيهِمْ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُضاعَفَةَ لِحِفْظِ الأصْلِ إذْ لَوْلا ذَلِكَ لارْتَفَعَ ولَمْ يُبْقِ عَذابًا لِلْإلْفِ بِطُولِ الأمَدِ وفِيهِ ما فِيهِ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ بَيانٌ لِما نَفى مِن وِلايَةِ الآلِهَةِ، فَإنَّ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الوِلايَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( يُضاعَفُ ) إلَخِ.. اعْتِراضٌ وسَطٌ بَيْنَهُما نَعْيًا عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِسُوءِ العاقِبَةِ، وفِيهِ أنَّهُ مُخالِفٌ لِلسِّياقِ ومُسْتَلْزِمٌ تَفْكِيكَ الضَّمائِرِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً ظَرْفِيَّةً أيْ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابَ مُدَّةَ اسْتِطاعَتِهِمُ السَّمْعَ وإبْصارِهِمْ، والمَعْنى أنَّ العَذابَ وتَضْعِيفَهُ دائِمٌ لَهم مُتَمادٍ، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِنها كَما يُحْذَفُ مِن أنْ وأنْ، وفِيهِ بُعْدُ -لَفْظًا ومَعْنًى- .

11:21Page 224

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢١

Those are the ones who will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.

﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ القَبائِحِ.

﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِاشْتِراءِ عِبادَةِ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، وقِيلَ: خَسِرُوا بِسَبَبِ تَبْدِيلِهِمُ الهِدايَةَ بِالضَّلالَةِ والآخِرَةَ بِالدُّنْيا، وضاعَ عَنْهم ما حَصَّلُوهُ بِذَلِكَ التَّبْدِيلِ مِن مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا والرِّياسَةِ.

وفِي البَحْرِ أنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: خَسِرُوا سَعادَةَ أنْفُسِهِمْ وراحَتَها، فَإنَّ أنْفُسَهم باقِيَةٌ مُعَذَّبَةٌ

صفحة 33

وتَعَقَّبَ بِأنَّ إبْقاءَهُ عَلى ظاهِرِهِ أوْلى لِأنَّ البَقاءَ في العَذابِ كَلا بَقاءَ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ الآلِهَةِ وشَفاعَتِها

11:22Page 224

لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡأَخۡسَرُونَ ٢٢

Assuredly, it is they in the Hereafter who will be the greatest losers.

﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ أيْ لا أحَدَ أبْيَنُ أوْ أكْثَرُ خُسْرانًا مِنهُمْ، فَأفْعَلُ لِلزِّيادَةِ إمّا في الكُمِّ أوِ الكَيْفِ، وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ بِلامِ الجِنْسِ لِإفادَةِ الحَصْرِ، وإنْ جُعِلَ (هُمْ) ضَمِيرَ فَصْلٍ أفادَ تَأْكِيدَ الِاخْتِصاصِ، وإنْ جُعِلَ مُبْتَدَأً وما بَعْدُهُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ أنَّ أفادَ تَأْكِيدَ الحُكْمِ، وفي ( لا جَرَمَ ) أقْوالٌ: فَفي البَحْرِ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ –لا- نافِيَةٌ ومَنفِيُّها مَحْذُوفٌ، أيْ: لا يَنْفَعُهم فِعْلُهم مَثَلًا، و–جَرَمَ- فِعْلٌ ماضٍ بِمَعْنى كَسَبَ، يُقالُ: جَرَمَتِ الذَّنْبَ إذا كَسَبَتْهُ؛ وقالَ الشّاعِرُ:

نَصَبْنا رَأْسَهُ في جِذْعِ نَخْلٍ بِما (جَرَمَتْ) يَداهُ وما اعْتَدَيْنا

وما بَعْدَهُ مَفْعُولُهُ وفاعِلُهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ كَسَبَ ذَلِكَ أظَهْرِيَّةَ أوْ أكْثَرِيَّةَ خُسْرانِهِمْ، وحُكِيَ هَذا عَنِ الأزْهَرِيِّ، ونُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ –لا- نافِيَةٌ حَسْبَما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ، و–جَرَمَ- فِعْلٌ ماضٍ بِمَعْنى حَقَّ وما بَعْدُ فاعِلُهُ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ الفِعْلُ حَقَّ ( أنَّهم في الآخِرَةِ ) إلَخْ.

وذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ، وكَذا الخَلِيلُ أيْضًا كَوْنُ مَجْمُوعِ ( لا جَرَمَ ) بِمَعْنى حَقَّ، وأنَّ ما بَعْدَهُ رُفِعَ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وقِيلَ: (لا) صِلَةٌ و(جَرَمَ) فِعْلٌ بِمَعْنى كَسَبَ أوْ حَقَّ، وعَنِ الكِسائِيِّ أنَّ (لا) نافِيَةٌ و(جَرَمَ) اسْمُها مَبْنِيٌّ مَعَها عَلى الفَتْحِ نَحْوَ لا رَجُلَ، والمَعْنى لا ضِدَّ ولا مَنعَ، والظّاهِرُ أنَّ الخَبَرَ عَلى هَذا مَحْذُوفٌ وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِن أنْ ويُقَدَّرُ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَعْنى، وقِيلَ: إنَّ جَرَمَ اسْمُ (لا) ومَعْناهُ القَطْعُ مِن جَرَمْتُ الشَّيْءَ أيْ قَطَعْتُهُ، والمَعْنى لا قَطْعَ لِثُبُوتِ أكْثَرِيَّةِ خُسْرانِهِمْ أيْ إنَّ ذَلِكَ لا يَنْقَطِعُ في وقْتٍ فَيَكُونُ خِلافَهُ.

ونَقَلَ السَّيْرافِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ ( لا جَرَمَ ) في الأصْلِ بِمَعْنى لا يُدْخِلَنَّكم في الجَرْمِ أيِ الإثْمِ كَإثْمِهِ أيْ أدْخَلَهُ في الإثْمِ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى صارَ بِمَعْنى لا بُدَّ، ونُقِلَ هَذا المَعْنى عَنِ الفَرّاءِ، وفي البَحْرِ أنَّ (جَرَمَ) عَلَيْهِ اسْمُ (لا)، وقِيلَ: إنَّ (جَرَمَ) بِمَعْنى باطِلٍ إمّا عَلى أنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ، وإمّا أنَّهُ بِمَعْنى كَسَبَ، والباطِلُ مُحْتاجٌ لَهُ، ومِن هُنا يُفَسَّرُ ( لا جَرَمَ ) بِمَعْنى حَقًّا؛ لِأنَّ الحَقَّ نَقِيضُ الباطِلِ، وصارَ لا باطِلَ يَمِينًا كَلا كَذِبَ في قَوْلِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”أنا النَّبِيُّ لا كَذِبَ“،» وفي القامُوسِ أنَّهُ يُقالُ: (لا جَرَمَ)، ولا (ذا جَرَمَ)، ولا أنْ ذا جَرَمَ، ولا عَنْ ذا جَرَمَ، ولا جَرُمَ كَكَرُمَ، و(لا جُرْمَ) بِالضَّمِّ أيْ لا بُدَّ، أوْ حَقًّا، أوْ لا مَحالَةَ، وهَذا أصْلُهُ ثُمَّ كَثُرَ حَتّى تَحَوَّلَ إلى مَعْنى القَسَمِ، فَلِذَلِكَ يُجابُ عَنْهُ بِاللّامِ، فَيُقالُ: لا جَرَمَ لَآتِيَنَّكَ، انْتَهى، وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِما نَقَلَهُ السِّيرافِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ، وما ذَكَرَهُ مِن (لا جَرُمَ) كَكَرُمَ رَواهُ بَعْضُهم عَنْ أبِي عَمْرٍو في الآيَةِ، ومَن لا ذا جُرْمٍ حَكاهُ الفَرّاءُ عَنْ بَنِي عامِرٍ، وحَكى أيْضًا (لا جُرْمَ) بِالضَّمِّ عَنْ أُناسٍ مِنَ العَرَبِ، ولَكِنْ قالَ الشِّهابُ: إنَّ في ثُبُوتِ هَذِهِ اللُّغَةِ في فَصِيحِ كَلامِهِمْ تَرَدُّدًا وجَرْمَ فِيها يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمًا وأنْ يَكُونَ فِعْلًا مَجْهُولًا سَكَنَ لِلتَّخْفِيفِ، وحَكى بَعْضُهم لا ذُو جَرَمَ، ولا عَنْ جَرَمَ ولا جَرَ بِحَذْفِ المِيمِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ كَما حُذِفَتِ الفاءُ مِن سَوْفَ لِذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: سَوْ تَرى.

والظّاهِرُ أنَّ المُقْحَماتِ بَيْنَ (لا) و(جَرَمَ) زائِدَةٌ وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ بَعْضِهِمْ، وحُكِيَ بِغَيْرِ لا جَرَمَ أنَّكَ أنْتَ فَعَلْتَ ذاكَ، ولَعَلَّ المُرادَ أنَّ كَوْنَكَ الفاعِلَ لا يَحْتاجُ إلى أنْ يُقالَ فِيهِ لا حَرَمَ فَلْيُراجَعْ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ طَرِيقَ الكُفّارِ وأعْمالَهم وبَيَّنَ مَصِيرَهم وما لَهم شَرَعَ في شَرْحِ حالِ أضْدادِهِمْ وهُمُ المُؤْمِنُونَ وبَيانَ ما لَهم مِنَ العَواقِبِ الحَمِيدَةِ تَكْمِلَةً لِما سَلَفَ مِن مَحاسِنِ المُؤْمِنِينَ المَذْكُورَةِ عِنْدَ جَمْعٍ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

صفحة 34

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ الآيَةَ لِيَتَبَيَّنَ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ البَيِّنِ حالًا ومَآلًا فَقالَ عَزَّ مَن قائِلٍ:

11:23Page 224

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَخۡبَتُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٣

Indeed, they who have believed and done righteous deeds and humbled themselves to their Lord - those are the companions of Paradise; they will abide eternally therein.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ صَدَّقُوا بِكُلِّ ما يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِهِ مِنَ القُرْآنِ وغَيْرِهِ ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِاسْتِماعِ الحَقِّ ومُشاهَدَةِ الآياتِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ والتَّدَبُّرِ فِيها، أوِ المَعْنى فَعَلُوا الإيمانَ واتَّصَفُوا بِهِ كَما في فُلانٍ يُعْطِي ويَمْنَعُ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيِ الأعْمالَ الصّالِحاتِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِها ما يَشْمَلُ التَّرْغِيبَ في سُلُوكِ سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ونَحْوِهِ مِمّا عَلى ضِدِّهِ فَرِيقُ الكُفّارِ ﴿وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ أيِ اطْمَأنُّوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ وخَشَعُوا لَهُ، وأصْلُ الإخْباتِ نُزُولُ الخَبْتِ وهو المُنْخَفِضُ مِنَ الأرْضِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى اطْمِئْنانِ النَّفْسِ والخُشُوعِ تَشْبِيهًا لِلْمَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً فِيهِ، ومِنهُ الخَبِيتُ بِالتّاءِ المُثَنّاةِ لِلدَّنِيءِ، وقِيلَ: إنَّ التّاءَ بَدَلٌ مِنَ الثّاءِ المُثَلَّثَةِ ﴿أُولَئِكَ﴾ المَنعُوتُونَ بِتِلْكَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنَ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ دائِمُونَ أبَدًا، ولَيْسَ المُرادُ حَصْرَ الخُلُودِ فِيهِمْ لِأنَّ العُصاةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ ويَخْلُدُونَ فِيها، ولَعَلَّ مَن يَدَّعِي ذَلِكَ يُرِيدُ بِنَفْيِ الخُلُودِ عَنِ العُصاةِ نَقْصَهُ مِن أوَّلِهِ كَما قِيلَ بِهِ فِيما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى

11:24Page 224

۞ مَثَلُ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ كَٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡأَصَمِّ وَٱلۡبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِۚ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٤

The example of the two parties is like the blind and deaf, and the seeing and hearing. Are they equal in comparison? Then, will you not remember?

﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ﴾ المَذْكُورَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ، أيِ: حالُهُما العَجِيبُ، وأصْلُ المَثَلِ كالمِثْلِ النَّظِيرِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِقَوْلٍ شُبِّهَ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ، ولا يَكُونُ إلّا لِما فِيهِ غَرابَةٌ وصارَ في ذَلِكَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، ومِن هُنا يُسْتَعارُ لِلْقِصَّةِ والحالِ والصِّفَةِ العَجِيبَةِ.

﴿كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ﴾ أيْ كَحالِ مَن جَمَعَ بَيْنَ العَمى والصَّمَمِ، ومَن جَمَعَ بَيْنَ البَصَرِ والسَّمْعِ فَهُناكَ تَشْبِيهانِ: الأوَّلُ تَشْبِيهُ حالِ الكَفَرَةِ المَوْصُوفِينَ بِالتَّعامِي والتَّصامِّ عَنْ آياتِ اللَّهِ تَعالى بِحالِ مَن خُلِقَ أعْمى أصَمَّ لا تَنْفَعُهُ عِبارَةٌ ولا إشارَةٌ، والثّانِي تَشْبِيهُ حالِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فانْتَفَعُوا بِأسْماعِهِمْ وأبْصارِهِمُ اهْتِداءً إلى الجَنَّةِ وانْكِفاءً عَمّا كانُوا خابِطِينَ فِيهِ مِن ضَلالِ الكُفْرِ والدُّجْنَةِ بِحالِ مَن هو بَصِيرٌ سَمِيعٌ يَسْتَضِيءُ بِالأنْوارِ في الظَّلامِ ويَسْتَفِيءُ بِمَغانِمِ الإنْذارِ والإبْشارِ فَوْزًا بِالمَرامِ، والعَطْفُ لِتَنْزِيلِ تَغايُرِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذَّواتِ كَما في قَوْلِهِ:

يا لَهَفَ زِيابَةَ لِلْحَرْثِ الصَّ ابِحِ فالغانِمُ فالآيِبِ

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُناكَ تَشْبِيهاتٌ بِأنْ يُعْتَبَرَ تَشْبِيهُ حالِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الفَرِيقِ الكافِرِ والفَرِيقِ المُؤْمِنِ بِحالِ اثْنَيْنِ، أيْ مَثَّلَ الفَرِيقَ الكافِرَ كالأعْمى ومَثَّلَهُ أيْضًا كالأصَمِّ، ومَثَّلَ الفَرِيقَ المُؤْمِنَ كالبَصِيرِ ومَثَّلَهُ أيْضًا كالسَّمِيعِ، وقَدْ يُعْتَبَرُ تَنْوِيعُ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ إلى نَوْعَيْنِ فَيُشَبَّهُ نَوْعٌ مِنَ الكُفّارِ بِالأعْمى ونَوْعٌ مِنهم بِالأصَمِّ، ويُشَبَّهُ نَوْعٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالبَصِيرِ ونَوْعٌ مِنهم بِالسَّمِيعِ، واسْتُبْعِدَ ذَلِكَ إذْ تَقْسِيمُ الكُفّارِ إلى مُشَبَّهٍ بِالأوَّلِ ومُشَبَّهٍ بِالثّانِي وكَذَلِكَ المُؤْمِنُونَ غَيْرُ مَقْصُودٍ البَتَّةَ بِدَلِيلِ نَظائِرِهِ في الآياتِ الأُخَرِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ في الكُفّارِ الخُلَّصِ، وقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ في المُنافِقِينَ، ولِلْآيَةِ عَلى احْتِمالاتِها شَبَهٌ في الجُمْلَةِ بِقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا ويابِسًا ∗∗∗ لَدى وكْرِها العَنّابِ والحَشَفِ البالِي

فَتَدَبَّرْهُ، وقَدْ يُعْتَبَرُ التَّشْبِيهُ تَمْثِيلِيًّا بِأنْ يَنْتَزِعَ مِن حالِ الفَرِيقِ الأوَّلِ في تَصامِّهِمْ وتَعامِيهِمُ المَذْكُورَيْنِ ووُقُوعِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ في العَذابِ المُضاعَفِ والخُسْرانِ الَّذِي لا خُسْرانَ فَوْقَهُ هَيْئَةً مُنْتَزَعَةً مِمَّنْ فَقَدَ مَشْعَرَيِ البَصَرِ والسَّمْعِ

صفحة 35

فَتَخَبَّطَ في مَسْلَكِهِ فَوَقَعَ في مَهاوِي الرَّدى ولَمْ يَجِدْ إلى مَقْصِدِهِ سَبِيلًا، ويَنْتَزِعُ مِن حالِ الفَرِيقِ الثّانِي في اِسْتِعْمالِ مَشاعِرِهِمْ في آياتِ اللَّهِ تَعالى حَسْبَما يَنْبَغِي وفَوْزِهِمْ بِدارِ الخُلُودِ هَيْئَةً تُشَبَّهُ بِهَيْئَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِمَّنْ لَهُ بَصَرٌ وسَمْعٌ يَسْتَعْمِلُهُما في مُهِمّاتِهِ فَيَهْتَدِي إلى سَبِيلِهِ ويَنالُ مَرامَهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، ولَعَلَّ أظْهَرَ الِاحْتِمالاتِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا والكَلامُ مِن بابِ اللَّفِّ والنَّشْرِ، واللَّفُّ إمّا تَقْدِيرِيٌّ إنِ اعْتُبِرَ في الفَرِيقَيْنِ لِأنَّهُ في قُوَّةِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، أوْ تَحْقِيقِيٌّ إنِ اعْتُبِرَ فِيما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى﴾ إلَخْ.. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ، وأمْرُ النَّشْرِ ظاهِرٌ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ الطِّباقِ بَيْنَ الأعْمى والبَصِيرِ وبَيْنَ الأصَمِّ والسَّمِيعِ، وقَدَّمَ ما لِلْكافِرِينَ قِيلَ: مُراعاةً لِما تَقَدَّمَ ولِأنَّ السِّياقَ لِبَيانِ حالِهِمْ، وقُدِّمَ الأعْمى عَلى الأصَمِّ لِكَوْنِهِ أظْهَرَ وأشْهَرَ في سُوءِ الحالِ مِنهُ.

وفِي البَحْرِ إنَّما لَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ كالأعْمى والبَصِيرِ، والأصَمِّ والسَّمِيعِ لِيَكُونَ كُلٌّ مِنَ المُتَقابِلِينَ عَلى إثْرِ مُقابِلِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ انْسِدادَ العَيْنِ أتْبَعَهُ بِانْسِدادِ السَّمْعِ، ولَمّا ذَكَرَ انْفِتاحَ البَصَرِ أتْبَعَهُ بِانْفِتاحِ السَّمْعِ وذَلِكَ هو الأُسْلُوبُ في المُقابَلَةِ والأتَمُّ في الإعْجازِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نَظِيرْ ذَلِكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ ثُمَّ الظّاهِرُ مِمّا تَقَدَّمَ أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ وهو مَجْرُورٌ بِالكافِ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا عَنْ مَثَلٍ.

وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الكافُ نَفْسُها خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ ويَكُونُ مَعْناها مَعْنى المَثَلِ ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ مَثَلُ الأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ، ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾ يَعْنِي الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ مُذَكَّرٌ عَلى ما قِيلَ: لِما سَبَقَ مِن إنْكارِ المُماثَلَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ إلَخْ. (مَثَلًا) أيْ حالًا وصِفَةً ونَصَبَهُ عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ، والأصْلُ هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما.

وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ حالًا وفِيهِ بُعْدٌ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ أتَشُكُّونَ في عَدَمِ الِاسْتِواءِ وما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ أوْ تَغْفُلُونَ عَنْهُ فَلا تَتَذَكَّرُونَهُ بِالتَّأمُّلِ فِيما ذُكِرَ لَكم مِنَ المَثَلِ، فالهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وهو وارِدٌ عَلى المَعْطُوفَيْنِ مَعًا، أوْ أتَسْمَعُونَ هَذا فَلا تَتَذَكَّرُونَ فَيَكُونُ الإنْكارُ وارِدًا عَلى عَدَمِ التَّذَكُّرِ بَعْدَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ وُجُودَهُ، وهو المَثَلُ المَضْرُوبُ، أيْ أفَلا تَفْعَلُونَ التَّذَكُّرَ أوْ أفَلا تَعْقِلُونَ ومَعْنى إنْكارِ عَدَمِ التَّذَكُّرِ اسْتِبْعادُهُ مِنَ المُخاطَبِينَ، وأنَّهُ مِمّا لا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ ولَيْسَ مِن قَبِيلِ الإنْكارِ في ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ)،﴾ و﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لِنَفْيِ المُماثَلَةِ ونَفْيِ الِاسْتِواءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى شَرَعَ في ذِكْرِ قِصَصِ الأنْبِياءِ الدّاعِينَ إلى اللَّهِ تَعالى وبَيانِ حالِهِمْ مَعَ أُمَمِهِمْ لِيَزْدادَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَشْمِيرًا في الدَّعْوَةِ وتَحَمُّلًا لِما يُقاسِيهِ مِنَ المُعانِدِينَ، فَقالَ عَزَّ مَن قائِلٍ:

11:25Page 224

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٢٥

And We had certainly sent Noah to his people, [saying], "Indeed, I am to you a clear warner

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ الواوُ ابْتِدائِيَّةٌ واللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ ويُقَدَّرُ حَرْفُهُ ياءً لا واوًا وإنْ كانَ هو الشّائِعَ لِئَلّا يَجْتَمِعَ واوانِ، وبَعْضُهم يُقَدِّرُها ولا يُبالِي بِذَلِكَ.

ونُوحٌ في المَشْهُورِ ابْنُ لَمْكَ بْنِ مَتُوشَلْخَ بْنِ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّهُ أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ بَعْدَهُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: بُعِثَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ مِن عُمُرِهِ ولَبِثَ يَدْعُو قَوْمَهُ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا؛ وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ سِتِّينَ سَنَةً وكانَ عُمُرُهُ ألْفًا وخَمْسِينَ سَنَةً، وقالَ مُقاتِلٌ: بُعِثَ وهو ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ، وقِيلَ: ابْنُ خَمْسِينَ، وقِيلَ: ابْنُ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ، ومَكَثَ يَدْعُو قَوْمَهُ ما قَصَّ سُبْحانَهُ وعاشَ بَعْدَ

صفحة 36

الطُّوفانِ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ سَنَةً فَكانَ عُمُرُهُ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً ( إنِّي لَكم نَذِير ) بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: فَقالَ أوْ قائِلًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِالفَتْحِ عَلى إضْمارِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ مُلْتَبِسًا بِذَلِكَ الكَلامِ، وهو ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ﴾ فَلَمّا اتَّصَلَ الجارُّ فُتِحَ كَما فُتِحَ في كانَ، والمَعْنى عَلى الكَسْرِ وهو قَوْلُكَ: إنَّ زَيْدًا كالأسَدِ بِناءً عَلى أنَّ كانَ مُرَكَّبَةٌ ولَيْسَتْ حَرْفًا بِرَأْسِهِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ خُرُوجٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ خِلافًا لِأبِي عَلِيٍّ، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى ذِكْرِ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ نَذِيرًا لِأنَّهم لَمْ يَغْتَنِمُوا مَغانِمَ إبْشارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿مُبِينٌ).﴾ أيْ مُوَضِّحٌ لَكم مُوجِباتِ العَذابِ ووَجْهَ الخَلاصِ مِنهُ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском