Al-AlusiHud · 11:59–66

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Hud 11:59–66

11:59Page 228

وَتِلۡكَ عَادٞۖ جَحَدُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَعَصَوۡاْ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ ٥٩

And that was ʿAad, who rejected the signs of their Lord and disobeyed His messengers and followed the order of every obstinate tyrant.

﴿وتِلْكَ عادٌ﴾ أنَّثَ اسْمَ الإشارَةِ بِاعْتِبارِ القَبِيلَةِ عَلى ما قِيلَ، فالإشارَةُ إلى ما في الذِّهْنِ وصِيغَةُ البَعِيدِ لِتَحْقِيرِهِمْ أوْ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ البَعِيدِ لِعَدَمِهِمْ، أوِ الإشارَةُ إلى قُبُورِهِمْ ومَصارِعِهِمْ، وحِينَئِذٍ الإشارَةُ لِلْبَعِيدِ المَحْسُوسِ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ أوْ هو مِن مَجازِ الحَذْفِ، أيْ تِلْكَ قُبُورُ عادٍ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ أصْحابِ تِلْكَ عادٌ، والجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وكانَ المَقْصُودُ الحَثَّ عَلى الِاعْتِبارِ بِهِمْ والِاتِّعاظِ بِأحْوالِهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ إلَخْ.. اسْتِئْنافٌ لِحِكايَةِ بَعْضِ قَبائِحِهِمْ، أيْ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمُ الَّتِي أيَّدَ بِها رَسُولَهُ الدّاعِيَ إلَيْهِ ودَلَّ بِها عَلى صِدْقِهِ وأنْكَرُوها فَقالُوا: ﴿يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ،﴾ أوْ أنْكَرُوا آياتِهِ سُبْحانَهُ في الآفاقِ والأنْفُسِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ تَعالى حَسْبَما قالَ لَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِها الآياتُ الَّتِي أتى بِها هُودٌ، وغَيْرُهُ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويُلائِمُهُ جَمْعُ الرُّسُلِ الآتِي عَلى قَوْلٍ، وعُدِّيَ –جَحَدَ- بِالباءِ حَمْلًا لَهُ عَلى كَفَرَ لِأنَّهُ المُرادُ، أوْ بِتَضْمِينِهِ مَعْناهُ كَما أنَّ كَفَرَ يَجْرِي مَجْرى جَحَدَ فَيُعَدّى بِنَفْسِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ وقِيلَ: كَفَرَ كَشَكَرَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالباءِ، وظاهِرُ كَلامِ القامُوسِ أنَّ جَحَدَ كَذَلِكَ ﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالرُّسُلِ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ والرُّسُلُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ مِن قَبْلِهِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وسائِرُ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ تَعالى لِلْأُمَمِ مِن قَبْلِهِ ومِن بَعْدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِناءً عَلى أنَّ عِصْيانَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذا عِصْيانُ كُلِّ رَسُولٍ بِمَنزِلَةِ عِصْيانِ الرُّسُلِ جَمِيعِهِمْ لِأنَّ الجَمِيعَ مُتَّفِقُونَ عَلى التَّوْحِيدِ فَعِصْيانُ واحِدٍ عِصْيانٌ لِلْجَمِيعِ فِيهِ، أوْ عَلى أنَّ القَوْمَ أمَرَهم كُلُّ رَسُولٍ مِن قَبْلْ بِطاعَةِ الرُّسُلِ والإيمانِ بِهِمْ إنْ أدْرَكُوهم فَلَمْ يَمْتَثِلُوا ذَلِكَ الأمْرَ ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ﴾ مُتَعالٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هو الَّذِي يَقْتُلُ عَلى الغَضَبِ ويُعاقِبُ عَلى المَعْصِيَةِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ، وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّهُ العَظِيمُ في نَفْسِهِ المُتَكَبِّرُ عَلى العِبادِ

صفحة 87

﴿عَنِيدٍ﴾ أيْ طاغٍ مِن –عَنَدَ- بِتَثْلِيثِ النُّونِ –عَنْدًا- بِالإسْكانِ –وعَنَدًا- بِالتَّحْرِيكِ –وعُنُودًا- بِضَمِّ العَيْنِ إذا طَغا وجاوَزَ الحَدَّ في العِصْيانِ، وفَسَّرَهُ الرّاغِبُ بِالمُعْجَبِ بِما عِنْدَهُ، والجَوْهَرِيُّ بِمَن خالَفَ الحَقَّ ورَدَّهُ وهو يَعْرِفُهُ، وكَذا عانَدَ، ويُطْلَقُ الأخِيرُ عَلى البَعِيرِ الَّذِي يَجُورُ عَنِ الطَّرِيقِ ويَعْدِلُ عَنِ القَصْدِ، وجَمْعُهُ عُنَّدٌ كَراكِعٍ ورُكَّعٍ وجَمْعُ العَنِيدِ –عُنُدٌ- كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ، والعُنُودُ قِيلَ: بِمَعْنى العَنِيدِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يُقالُ: بَعِيرٌ عُنُودٌ، ولا يُقالُ: عَنِيدٌ، ويُجْمَعُ الأوَّلُ عَلى عَنَدَةٍ، والثّانِي عَلى عُنُدٍ، وآخَرُ أنَّ العُنُودَ العادِلُ عَنِ الطَّرِيقِ المَحْسُوسِ، والعَنِيدُ العادِلُ عَنِ الطَّرِيقِ في الحُكْمِ؛ وكِلاهُما مِن –عَنَدَ- وأصْلُ مَعْناهُ عَلى ما قِيلَ: اعْتَزَلَ في جانِبٍ لِأنَّ –العَنَدَ- بِالتَّحْرِيكِ الجانِبُ، يُقالُ: يَمْشِي وسَطًا لا عَنَدًا، ومِنهُ -عِنْدَ- الظَّرْفِيَّةُ، ويُقالُ لِلنّاحِيَةِ أيْضًا: العِنْدُ مُثَلَّثَةٌ، وهَذا الحُكْمُ لَيْسَ كالحُكْمَيْنِ السّابِقَيْنِ مِن جُحُودِ الآياتِ وعِصْيانِ الرُّسُلِ في الشُّمُولِ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنهم فَإنَّ اتِّباعَ الأمْرِ مِن أحْكامِ الأسافِلِ دُونَ الرُّؤَساءِ.

وقِيلَ: هو مِثْلُ ذَلِكَ في الشُّمُولِ، والمُرادُ –بِالأمْرِ- الشَّأْنُ -وبِكُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ- مَن هَذِهِ صِفَتُهُ مِنَ النّاسِ لا أُناسَ مَخْصُوصُونَ مِن عادٍ مُتَّصِفُونَ بِذَلِكَ، والمُرادُ بِاتِّباعِ الأمْرِ مُلازَمَتُهُ أوِ الرِّضا بِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، ويُؤَوِّلُ ذَلِكَ إلى الِاتِّصافِ أيْ إنَّ كُلًّا مِنهُمُ اتَّصَفَ بِصِفَةِ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ الظّاهِرِ، وقَدْ يَدَّعِي العُمُومَ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى ارْتِكابِ مِثْلِهِ، والمُرادُ عَلى ما تَقَدَّمَ أنَّهم عَصَوْا مَن دَعاهم إلى سَبِيلِ الهُدى وأطاعُوا مَن حَداهم إلى مَهاوِي الرَّدى

11:60Page 228

وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَآ إِنَّ عَادٗا كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّعَادٖ قَوۡمِ هُودٖ ٦٠

And they were [therefore] followed in this world with a curse and [as well] on the Day of Resurrection. Unquestionably, ʿAad denied their Lord; then away with ʿAad, the people of Hūd.

﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ أيْ إبْعادًا عَنِ الرَّحْمَةِ وعَنْ كُلِّ خَيْرٍ أيْ جُعِلَتِ اللَّعْنَةُ لازِمَةً لَهُمْ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّبَعِيَّةِ لِلْمُبالَغَةِ فَكَأنَّها لا تُفارِقُهم وإنْ ذَهَبُوا كُلَّ مَذْهَبٍ بَلْ تَدُورُ مَعَهم حَسْبَما دارُوا، أوْ لِوُقُوعِهِ في صُحْبَةِ أتْباعِهِمْ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى التَّمْثِيلِ يَجْعَلُ اللَّعْنَةَ كَشَخْصٍ تَبِعَ آخَرَ لِيَدْفَعَهُ في هُوَّةٍ قُدّامَهُ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِعادٍ مُطْلَقًا كَما هو الظّاهِرُ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ لِلْمُتَّبِعِينَ لِلْجَبّارِينَ مِنهُمْ، وما حالُ قَوْمٍ قُدّامَهُمُ الجَبّارُونَ أهْلُ النّارِ وخَلْفَهُمُ اللَّعْنَةُ والبَوارُ، ويُعْلَمُ مِن لَعْنَةِ هَؤُلاءِ لَعْنَةُ غَيْرِهِمُ المَتْبُوعِينَ عَلى ما قِيلَ بِالطَّرِيقِ الأُولى ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ وأُتْبِعُوا يَوْمَ القِيامَةِ أيْضًا لَعْنَةً وهي عَذابُ النّارِ المُخَلَّدِ حُذِفَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ ولِلْإيذانِ بِأنَّ كُلًّا مِنَ اللَّعْنَيْنِ نَوْعٌ بِرَأْسِهِ لَمْ يَجْتَمِعا في قَرْنٍ واحِدٍ بِأنْ يُقالَ: وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا ويَوْمَ القِيامَةِ لَعْنَةً، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ﴾ وعَبَّرَ -بِيَوْمِ القِيامَةِ- بَدَلَ الآخِرَةِ هُنا لِلتَّهْوِيلِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ.

﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ أيْ بِرَبِّهِمْ، أوْ كَفَرُوا نِعْمَتَهُ ولَمْ يَشْكُرُوها بِالإيمانِ، أوْ جَحَدُوهُ ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ مَعَ أنَّهم هالِكُونَ أيَّ هَلاكٍ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِاسْتِحْقاقِ ذَلِكَ والِاسْتِئْهالِ لَهُ، ويُقالُ في الدُّعاءِ بِالبَقاءِ واسْتِحْقاقِهِ: لا يَبْعُدُ فُلانٌ، وهو في كَلامِ العَرَبِ كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ:

لا يُبْعِدْنِ قَوْمِي الَّذِينَ هم سُمُّ العَداةِ وآفَةُ الجُزُرِ

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ دُعاءً بِاللَّعْنِ كَما في القامُوسِ: البُعْدُ والبِعادُ اللَّعْنُ، واللّامُ لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِمْ: سُقِيًا لَكَ، وقِيلَ: لِلِاسْتِحْقاقِ ولَيْسَ بِذاكَ، وتَكْرِيرُ حَرْفِ التَّنْبِيهِ وإعادَةُ عادٍ لِلْمُبالَغَةِ في تَفْظِيعِ حالِهِمْ والحَثِّ عَلى الِاعْتِبارِ بِقِصَّتِهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ عَطْفُ بَيانٍ عَلى (عادٍ) وفائِدَتُهُ الإشارَةُ إلى أنَّ عادًا كانُوا فَرِيقَيْنِ: عادًا الأُولى وعادًا الثّانِيَةَ، وهي عادُ إرَمَ في قَوْلٍ، وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الفَجْرِ أنَّ عَقِبَ عادِ بْنِ عُوصَ

صفحة 88

ابْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ قِيلَ لَهُمْ: عادٌ كَما يُقالُ لِبَنِي هاشِمٍ: هاشِمٌ، ثُمَّ قِيلَ: لِلْأوَّلِينَ مِنهم عادٌ الأُولى وإرَمُ تَسْمِيَةٌ لَهم بِاسْمِ جَدِّهِمْ، ولِمَن بَعْدَهم عادٌ الأخِيرَةُ، وأنْشَدَ لِابْنِ الرَّقِيّاتِ:

مَجْدًا تَلِيدًا بَناهُ أوَّلُهُ ∗∗∗ أدْرَكَ عادًا وقَبْلَها إرْما

ولَعَلَّهُ الأوْفَقُ لِلنَّقْلِ مَعَ الإيماءِ إلى أنَّ اسْتِحْقاقَهم لِلْبُعْدِ بِسَبَبِ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وهم قَوْمُهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِدَفْعِ اللَّبْسِ إذْ لا لَبْسَ في أنَّ عادًا هَذِهِ لَيْسَتْ إلّا قَوْمَ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّصْرِيحِ بِاسْمِهِ وتَكْرِيرِهِ في القِصَّةِ، وقِيلَ: ذُكِرَ لِيُفِيدَ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِمْ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن تَناسُبِ فَواصِلِ الآيِ.

11:61Page 228

۞ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٞ ٦١

And to Thamūd [We sent] their brother Ṣāliḥ. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. He has produced you from the earth and settled you in it, so ask forgiveness of Him and then repent to Him. Indeed, my Lord is near and responsive."

﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في نَظِيرِهِ السّابِقِ آنِفًا، وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى مَنعِ صَرْفِ (ثَمُودَ) ذَهابًا إلى القَبِيلَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ بِالصَّرْفِ عَلى إرادَةِ الحَيِّ ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلَقَكم مِنها فَإنَّها المادَّةُ الأُولى وآدَمُ الَّذِي هو أصْلُ البَشَرِ خُلِقَ مِنها، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ أنْشَأ أباكُمْ، وقِيلَ: (مِن) بِمَعْنى فِي، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والمُرادُ الحَصْرُ كَما يُفْهِمُهُ كَلامُ بَعْضِ الأجِلَّةِ، كَأنَّ القَوْمَ لِعَدَمِ أدائِهِمْ حَقَّهُ سُبْحانَهُ قَدِ اعْتَقَدُوا أنَّ الفاعِلَ لِذَلِكَ غَيْرُهُ تَعالى، أوْ هو مَعَ غَيْرِهِ فَخُوطِبُوا عَلى وجْهِ قَصْرِ القَلْبِ أوْ قَصْرِ الإفْرادِ بِذَلِكَ، واحْتِمالِ أنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أحَدَ الأمْرَيْنِ حَقِيقَةً لا تَنْزِيلًا يَسْتَدْعِي القَوْلَ بِأنَّهم كانُوا طَبِيعِيَّةً أوْ ثَنَوِيَّةً وإلّا فالوَثَنِيَّةُ -وإنْ عَبَدُوا مَعَهُ سُبْحانَهُ غَيْرَهُ- لا يَعْتَقِدُونَ خالِقِيَّةَ غَيْرِهِ لَهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وأخْذُ الحَصْرِ عَلى ما قِيلَ: مِن تَقْدِيمِ الفاعِلِ المَعْنَوِيِّ، وقِيلَ: إنَّهُ مُسْتَفادٌ مِنَ السِّياقِ لِأنَّهُ لَمّا حَصَرَ الإلَهِيَّةَ فِيهِ تَعالى اقْتَضى حَصْرَ الخالِقِيَّةِ أيْضًا، فَبَيانُ ما خُلِقُوا مِنهُ بَعْدَ بَيانِ أنَّهُ الخالِقُ لا غَيْرُهُ يَقْتَضِي هَذا فَتَدَبَّرْ، والظّاهِرُ أنَّ مَن يَقُولُ بِالحَصْرِ هُنا يَقُولُ بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ لِمَكانِ العَطْفِ وكَوْنِهِ مَعْطُوفًا بَعْدَ اعْتِبارِ التَّقْدِيمِ فَلا يَنْسَحِبُ عَلى ما بَعْدَهُ مِمّا لا فائِدَةَ في التِزامِهِ، أيْ وهو الَّذِي جَعَلَكم عُمّارَها وسُكّانَها، فالِاسْتِفْعالُ بِمَعْنى الإفْعالِ، يُقالُ: أعْمَرْتُهُ الأرْضَ واسْتَعْمَرْتُهُ إذا جَعَلْتَهُ عامِرَها وفَوَّضْتَ إلَيْهِ عِمارَتَها، وإلى هَذا ذَهَبَ الرّاغِبُ، وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المَعْنى أمَرَكم بِعِمارَةِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن بِناءِ مَساكِنَ وحَفْرِ أنْهارٍ وغَرْسِ أشْجارٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فالسِّينُ لِلطَّلَبِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الكَيا، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ عِمارَةَ الأرْضِ واجِبَةٌ لِهَذا الطَّلَبِ، وقَسَّمَها في الكَشّافِ إلى واجِبٍ كَعِمارَةِ القَناطِرِ اللّازِمَةِ والمَسْجِدِ الجامِعِ، ومَندُوبٍ كَعِمارَةِ المَساجِدِ، ومُباحٍ كَعِمارَةِ المَنازِلِ، وحَرامٍ كَعِمارَةِ الخاناتِ، وما يُبْنى لِلْمُباهاةِ أوْ مِن مالٍ حَرامٍ كَأبْنِيَةِ كَثِيرٍ مِنَ الظَّلَمَةِ، واعْتُرِضَ عَلى ألْكَيا بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ طَلَبُ حَقِيقَةٍ ولَكِنْ نَزَلَ جَعْلُهم مُحْتاجِينَ لِذَلِكَ -وإقْدارُهم عَلَيْهِ وإلْهامُهم كَيْفَ يَعْمُرُونَ- مَنزِلَةَ الطَّلَبِ، وقالَ الضَّحّاكُ: المَعْنى عَمَرَكم فِيها واسْتَبْقاكم وكانَ أحَدُهم يُعَمَّرُ طَوِيلًا حَتّى أنَّ مِنهم مَن يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ، والمَشْهُورُ أنَّ الفِعْلَ مِنَ العُمْرِ وهو مُدَّةُ الحَياةِ بِالتَّشْدِيدِ ومِنَ العِمارَةِ نَقِيضِ الخَرابِ بِالتَّخْفِيفِ، فَفي أخْذِ ذَلِكَ مِنَ العُمْرِ تَجَوُّزٌ.

وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ اسْتَعْمَرَ مِنَ العُمْرى بِضَمٍّ فَسُكُونٍ مَقْصُورٌ، وهي -كَما قالَ الرّاغِبُ- في العَطِيَّةِ أنْ تَجْعَلَ لَهُ شَيْئًا مُدَّةَ عُمُرِكَ أوْ عُمُرِهِ، والمَعْنى أعْمَرَكم فِيها ورَبّاكم أيْ أعْطاكم ذَلِكَ ما دُمْتُمْ أحْياءً، ثُمَّ هو سُبْحانَهُ وارِثُها مِنكُمْ، أوِ المَعْنى جَعَلَكم مُعَمِّرِينَ دِيارَكم فِيها لِأنَّ الرَّجُلَ إذا ورِثَ دارَهُ مَن بَعْدَهُ فَكَأنَّما أعْمَرَهُ إيّاها لِأنَّهُ يَسْكُنُها عُمُرَهُ، ثُمَّ يَتْرُكُها لِغَيْرِهِ ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ فَإنَّ ما ذُكِرَ مِن صُنُوفِ إحْسانِهِ

صفحة 89

سُبْحانَهُ داعٍ إلى الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ أيْ قَرِيبُ الرَّحْمَةِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا ﴿مُجِيبٌ﴾ لِمَن دَعاهُ وسَألَهُ زِيادَةً في بَيانِ ما يُوجِبُ ذَلِكَ، والأوَّلُ عِلَّةٌ باعِثَةٌ، وهَذا عِلَّةٌ غائِيَّةٌ وما ألْطَفَ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ، وصَرَّحَ بَعْضُهم أنَّ ( قَرِيبٌ ) ناظِرٌ –لِتُوبُوا- و﴿مُجِيبٌ﴾ -لِاسْتَغْفِرُوا- كَأنَّهُ قِيلَ: ارْجِعُوا إلى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قَرِيبٌ﴾ مِنكم أقْرَبُ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ واسْألُوهُ المَغْفِرَةَ فَإنَّهُ جَلَّ وعَلا ﴿مُجِيبٌ﴾ السّائِلِينَ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ

11:62Page 228

قَالُواْ يَٰصَٰلِحُ قَدۡ كُنتَ فِينَا مَرۡجُوّٗا قَبۡلَ هَٰذَآۖ أَتَنۡهَىٰنَآ أَن نَّعۡبُدَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ ٦٢

They said, "O Ṣāliḥ, you were among us a man of promise before this. Do you forbid us to worship what our fathers worshipped? And indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."

﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا﴾ أيْ فِيما بَيْنَنا ﴿مَرْجُوًّا﴾ فاضِلًا خَيْرًا نُقَدِّمُكَ عَلى جَمِيعِنا عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ مَشُورًا نَأْمُلُ مِنكَ أنْ تَكُونَ سَيِّدًا سادًّا مَسَدَّ الأكابِرِ، وقالَ كَعْبٌ: كانُوا يَرْجُونَهُ لِلْمُلْكِ بَعْدَ مَلِكِهِمْ لِأنَّهُ كانَ ذا حَسَبٍ وثَرْوَةٍ.

وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ إذْ كانَ يُبْغِضُ أصْنامَهم ويَعْدِلُ عَنْ دِينِهِمْ ﴿قَبْلَ هَذا﴾ أيِ الَّذِي باشَرْتُهُ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ الآلِهَةِ، فَلَمّا سَمِعْنا مِنكَ ما سَمِعْناهُ انْقَطَعَ عَنْكَ رَجاؤُنا، وقِيلَ: كانُوا يَرْجُونَ دُخُولَهُ في دِينِهِمْ بَعْدَ دَعْواهُ إلى الحَقِّ ثُمَّ انْقَطَعَ رَجاؤُهم -فَقَبْلَ هَذا- قَبْلَ هَذا الوَقْتِ لا قَبْلَ الَّذِي باشَرَهُ مِنَ الدَّعْوَةِ، وحَكى النَّقّاشُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ (مَرْجُوًّا) بِمَعْنى حَقِيرًا وكَأنَّهُ فَسَّرَهُ أوَّلًا بِمُؤَخَّرًا غَيْرَ مُعْتَنًى بِهِ ولا مُهْتَمٍّ بِشَأْنِهِ، ثُمَّ أرادَ مِنهُ ذَلِكَ وإلّا –فَمَرْجُوًّا- بِمَعْنى حَقِيرٍ لَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ، وجاءَ قَوْلُهُمْ: ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ عَلى جِهَةِ التَّوَعُّدِ والِاسْتِبْشاعِ لِتِلْكَ المَقالَةِ مِنهُ، والتَّعْبِيرُ –بِيَعْبُدُ- لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ (مَرْجُؤًا) بِالمَدِّ والهَمْزِ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ مِنَ التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ الآلِهَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ ﴿مُرِيبٍ﴾ اسْمُ فاعِلٍ مِن أرابَهُ المُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ إذا أوْقَعَهُ في الرِّيبَةِ وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ بِاليَقِينِ، أوْ مِن أرابَ الرَّجُلُ اللّازِمِ إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، والإسْنادُ عَلى الوَجْهَيْنِ مَجازِيٌّ إلّا أنَّ بَيْنَهُما -كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ- فَرْقًا، وهو أنَّ الأوَّلَ مَنقُولٌ مِنَ الأعْيانِ إلى المَعْنى، والثّانِي مَنقُولٌ مِن صاحِبِ الشَّكِّ إلى الشَّكِّ كَما تَقُولُ: شِعْرُ شاعِرٍ، فَعَلى الأوَّلِ هو مِن بابِ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ لِأنَّ وُجُودَ الشَّكِّ سَبَبٌ لِتَشْكِيكِ المُشَكِّكِ ولَوْلاهُ لَما قَدَرَ عَلى التَّشْكِيكِ، والتَّنْوِينُ في (مُرِيبٍ) وفي (شَكٍّ) لِلتَّفْخِيمِ، (وإنَّنا) بِثَلاثِ نُوناتٍ، ويُقالُ: إنّا بِنُونَيْنِ وهُما لُغَتانِ لِقُرَيْشٍ.

قالَ الفَرّاءُ: مَن قالَ: إنَّنا أخْرَجَ الحَرْفَ عَلى أصْلِهِ لِأنَّ كِنايَةَ المُتَكَلِّمِينَ –نا- فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ نُوناتٍ، ومَن قالَ: إنّا اسْتَثْقَلَ اجْتِماعَها فَأسْقَطَ الثّالِثَةَ وأبْقى الأُولَيَيْنِ.

واخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّ المَحْذُوفَ النُّونُ الثّانِيَةُ لا الثّالِثَةُ لِأنَّ في حَذْفِها إجْحافًا بِالكَلِمَةِ إذْ لا يَبْقى مِنها إلّا حَرْفٌ واحِدٌ ساكِنٌ دُونَ حَذْفِ الثّانِيَةِ لِظُهُورِ بَقاءِ حَرْفَيْنِ بَعْدَهُ عَلى أنَّهُ قَدْ عَهِدَ حَذْفَ النُّونِ الثّانِيَةِ مِن إنَّ مَعَ غَيْرِ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِينَ، ولَمْ يُعْهَدْ حَذْفُ نُونِ -نا- ولا رَيْبَ في أنَّ ارْتِكابَ المَعْهُودِ أوْلى مِنِ ارْتِكابِ غَيْرِ المَعْهُودِ.

11:63Page 229

قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي مِنۡهُ رَحۡمَةٗ فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِنۡ عَصَيۡتُهُۥۖ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيۡرَ تَخۡسِيرٖ ٦٣

He said, "O my people, have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord and He has given me mercy from Himself, who would protect me from Allāh if I disobeyed Him? So you would not increase me except in loss.

﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ﴾ أخْبِرُونِي ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ وبَصِيرَةٍ ﴿مِن رَبِّي﴾ مالِكِي ومُتَوَلِّي أُمُورِي ﴿وآتانِي مِنهُ﴾ مِن قَبْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿رَحْمَةً﴾ نُبُوَّةً، وهَذا مِنَ الكَلامِ المُنْصِفِ، والِاسْتِدْراجُ

صفحة 90

إذْ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ شَكٌّ فِيما في حَيِّزِ إنَّ، وأصْلُ وضْعِها أنَّها لِشَكِّ المُتَكَلِّمِ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ فَمَن يَمْنَعُنِي مِن عَذابِهِ، فَفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ والنُّصْرَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في لازِمِ مَعْناها أوْ أنَّ الفِعْلَ مُضَمَّنٌ مَعْنى المَنعِ، ولِذا تَعَدّى -بِمَن -والعُدُولُ إلى الإظْهارِ لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ النَّصْرِ عَلى ما سَبَقَ مِن كَوْنِهِ عَلى بَيِّنَةٍ وإيتاءِ الرَّحْمَةِ عَلى تَقْدِيرِ العِصْيانِ حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ أيْ في المُساهَلَةِ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ والمَنعِ عَنِ الشِّرْكِ بِهِ تَعالى والمُجاراةِ مَعَكم فِيما تَشْتَهُونَ، فَإنَّ العِصْيانَ مِمَّنْ ذَلِكَ شَأْنُهُ أبْعَدُ والمُؤاخَذَةَ عَلَيْهِ ألْزَمُ وإنْكارَ نُصْرَتِهِ أدْخَلُ.

﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ إذَنْ بِاسْتِتْباعِكم إيّايَ أيْ لا تُفِيدُونَنِي إذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أصْلُ الخُسْرانِ حَتّى يَزِيدُوهُ ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أيْ غَيْرَ أنْ تَجْعَلُونِي خاسِرًا بِإبْطالِ أعْمالِي وتَعْرِيضِي لِسُخْطِ اللَّهِ تَعالى، أوْ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ بِما تَقُولُونَ غَيْرَ أنْ أنْسِبَكم إلى الخُسْرانِ، وأقُولُ لَكُمْ: إنَّكم لَخاسِرُونَ لا أنْ أتْبَعَكم.

ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ بْنِ الفَضْلِ، فالفاعِلُ عَلى الأوَّلِ هم والمَفْعُولُ صالِحٌ، وعَلى الثّانِي بِالعَكْسِ والتَّفْعِيلُ كَثِيرًا ما يَكُونُ لِلنِّسْبَةِ كَفَسَقَتِهِ وفَجَرَتِهِ، والزِّيادَةُ عَلى مَعْناها والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الزِّيادَةِ عَلى انْتِفاءِ النّاصِرِ المَفْهُومِ مِن إنْكارِهِ عَلى تَقْدِيرِ العِصْيانِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يَنْفِيهِ مِن كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وإيتائِهِ النُّبُوَّةَ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المَعْنى ﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ﴾ مُضارَّةٍ في خُسْرانِكُمْ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ ما تَزْدادُونَ أنْتُمْ بِاحْتِجاجِكم بِعِبادَةِ آبائِكم إلّا خَسارًا، وأضافَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِهِ لِأنَّهم أعْطَوْهُ ذَلِكَ وكانَ قَدْ سَألَهُمُ الإيمانَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى فَما تُعْطُونِي فِيما أقْتَضِيهِ مِنكم مِنَ الإيمانِ ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ لِأنْفُسِكُمْ، وأضافَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُقْتَضٍ لِأقْوالِهِمْ مُوكَلٌ بِأيْمانِهِمْ كَما تَقُولُ لِمَن تُوصِيهِ: أنا أُرِيدُ بِكَ خَيْرًا وأنْتَ تُرِيدُ بِي سُوءًا، وكانَ الوَجْهُ البَيِّنُ أنْ تَقُولَ: وأنْتَ تُرِيدُ شَرًّا لَكِنْ مِن حَيْثُ كَنْتَ مُرِيدَ خَيْرٍ ومُقْتَضى ذَلِكَ حَسَنٌ أنْ تُضِيفَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِكَ، وقِيلَ: المَعْنى فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرِي إيّاكم حَيْثُ إنَّكم كُلَّما ازْدَدْتُمْ تَكْذِيبًا إيّايَ ازْدادَتْ خَسارَتُكُمْ، وهي أقْوالٌ كَما تَرى

11:64Page 229

وَيَٰقَوۡمِ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمۡ ءَايَةٗۖ فَذَرُوهَا تَأۡكُلۡ فِيٓ أَرۡضِ ٱللَّهِۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابٞ قَرِيبٞ ٦٤

And O my people, this is the she-camel of Allāh - [she is] to you a sign. So let her feed upon Allāh's earth and do not touch her with harm, or you will be taken by an impending punishment."

﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ﴾ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّها مُفارِقَةٌ لِسائِرِ ما يُجانِسُها خُلُقًا وخَلْقًا ﴿لَكم آيَةً﴾ مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى صِدْقِي في دَعْوى النُّبُوَّةِ، وهي حالٌ مِن ﴿ناقَةُ اللَّهِ﴾ والعامِلُ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى الفِعْلِ.

وقِيلَ: مَعْنى التَّنْبِيهِ، والظّاهِرُ أنَّها حالٌ مُؤَسِّسَةٌ، وجَوَّزَ فِيها أنْ تَكُونَ مُؤَكِّدَةً كَهَذا أبُوكَ عَطُوفًا لِدَلالَةِ الإضافَةِ عَلى أنَّها آيَةٌ، و(لَكُمْ) كَما في البَحْرِ، وغَيْرِهِ، حالٌ مِنها فَقُدِّمَتْ عَلَيْها لِتَنْكِيرِها ولَوْ تَأخَّرَتْ لَكانَتْ صِفَةً لَها، واعْتُرِضَ بِأنَّ مَجِيءَ الحالِ مِنَ الحالِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ؛ لِأنَّ الحالَ تُبَيِّنُ هَيْئَةَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ ولَيْسَتِ الحالُ شَيْئًا مِنهُما، وأُجِيبَ بِأنَّها في مَعْنى المَفْعُولِ لِلْإشارَةِ لِأنَّها مُتَّحِدَةٌ مَعَ المُشارِ إلَيْهِ الَّذِي هو مَفْعُولٌ في المَعْنى ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، وقِيلَ: الأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الحالَ صِفَةٌ في المَعْنى لَكِنْ لَمْ يُعْرِبُوها صِفَةً لِأمْرٍ تَواضَعَ النَّحْوِيُّونَ عَلَيْهِ مِن مَنعِ تَقَدُّمِ ما يُسَمُّونَهُ تابِعًا عَلى المَتْبُوعِ، فَحَدِيثُ -إنَّ الحالَ تُبَيِّنُ الهَيْئَةَ- مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ هَذِهِ الحالِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا ونَحْوَهُ لا يَحْسِمُ مادَّةَ الِاعْتِراضِ لِأنَّ المُعْتَرِضَ نَفى قَوْلَ أحَدٍ مِنَ النُّحاةِ بِمَجِيءِ الحالِ مِنَ الحالِ، وبِما ذَكَرَ لا يُثْبِتُ القَوْلَ وهو ظاهِرٌ، نَعَمْ قَدْ يُقالُ: إنَّ اقْتِصارَ أبِي حَيّانَ، والزَّمَخْشَرِيِّ

صفحة 91

-وهُما مَن تَعَلَّمَ في العَرَبِيَّةِ- عَلى هَذا النَّحْوِ مِنَ الإعْرابِ كافٍ في الغَرَضِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وأرادَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالتَّعَلُّقِ في كَلامِهِ التَّعَلُّقَ المَعْنَوِيَّ لا النَّحْوِيَّ فَلا تَناقُضَ فِيهِ عَلى أنَّهُ بَحْثٌ لا يَضُرُّ.

وقِيلَ: (لَكُمْ) حالٌ مِن (ناقَةٌ) و(آيَةً) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ فَهي مُتَداخِلَةٌ، ومَعْنى كَوْنِ النّاقَةِ لِلْمُخاطَبِينَ أنَّها نافِعَةٌ لَهم ومُخْتَصَّةٌ بِهِمْ هي ومَنافِعُها فَلا يَرُدُّ أنَّهُ لا اخْتِصاصَ لِذاتِ النّاقَةِ بِهِمْ، وإنَّما المُخْتَصُّ كَوْنُها آيَةً لَهُمْ، وقِيلَ: (لَكُمْ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (آيَةً) لِأنَّها بِمَعْنى المُشْتَقِّ، والأظْهَرُ كَوْنُ (لَكُمْ) بَيانُ مَن هي (آيَةٌ) لَهُ، وجَوَّزَ كَوْنَ (ناقَةُ) بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، و(لَكُمْ) خَبَرُهُ، و(آيَةً) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ ﴿فَذَرُوها﴾ دَعُوها ﴿تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ فَلَيْسَ عَلَيْكم مُؤْنَتُها والفِعْلُ مَجْزُومٌ لِوُقُوعِهِ في جَوابِ الطَّلَبِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أوْ عَلى الحالِ -كَما في البَحْرِ-والمُتَبادَرُ مِنَ الأكْلِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ لَكِنْ قِيلَ: في الآيَةِ اكْتِفاءً أيْ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ، وجَوَّزُ أنْ يَكُونَ مَجازًا عَنِ التَّغَذِّي مُطْلَقًا، والمَقامُ قَرِينَةٌ لِذَلِكَ.

﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ أيْ بِشَيْءٍ مِنهُ فَضْلًا عَنِ العُقْرِ والقَتْلِ، والنَّهْيُ هُنا عَلى حَدِّ النَّهْيِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ إلَخْ..

﴿فَيَأْخُذَكُمْ﴾ لِذَلِكَ ﴿عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ عاجِلٌ لا يَسْتَأْخِرُ عَنْ مَسِّكم إيّاها بِسُوءٍ إلّا يَسِيرًا وذَلِكَ ثَلاثَةُ أيّامٍ ثُمَّ يَقَعُ عَلَيْكُمْ، وقِيلَ: أرادَ مِن وصْفِهِ بِالقُرْبِ كَوْنَهُ في الدُّنْيا، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ وكانَ الإخْبارُ عَنْ وحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى

11:65Page 229

فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمۡ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٖۖ ذَٰلِكَ وَعۡدٌ غَيۡرُ مَكۡذُوبٖ ٦٥

But they hamstrung her, so he said, "Enjoy yourselves in your homes for three days. That is a promise not to be denied [i.e., unfailing]."

﴿فَعَقَرُوها﴾ أيْ فَخالَفُوا ما أُمِرُوا بِهِ فَعَقَرُوها، والعُقْرُ قِيلَ: قَطْعُ عُضْوٍ يُؤَثِّرُ في النَّفْسِ.

وقالَ الرّاغِبُ: يُقالُ: عَقَرْتُ البَعِيرَ إذا نَحَرْتَهُ، ويَجِيءُ بِمَعْنى الجُرْحِ أيْضًا -كَما في القامُوسِ- وأسْنَدَ العُقْرَ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّ الفاعِلَ واحِدٌ مِنهم وهو قَدّارٌ –كَهَمّامٍ- في قَوْلٍ، ويُقالُ لَهُ: أحْمَرُ ثَمُودَ وبِهِ يُضْرَبُ المَثَلُ في الشُّؤْمِ لِرِضاهم بِفِعْلِهِ، وقَدْ جاءَ أنَّهُمُ اقْتَسَمُوا لَحْمَها جَمِيعًا (فَقالَ) لَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿تَمَتَّعُوا﴾ عِيشُوا.

﴿فِي دارِكُمْ﴾ أيْ بَلَدِكُمْ، وتُسَمّى البِلادُ الدِّيارَ لِأنَّها يُدارُ فِيها أيْ يَتَصَرَّفُ، يُقالُ: دِيارُ بَكْرٍ لِبِلادِهِمْ، وتَقُولُ العَرَبُ الَّذِينَ حَوالَيْ مَكَّةَ: نَحْنُ مِن عَرَبِ الدّارِ يُرِيدُونَ مِن عَرَبِ البَلَدِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو جَمْعُ دارَةَ كَساحَةٍ وساحٍ وسُوحٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ يَمْدَحُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُدْعانَ:

لَهُ داعٍ بِمَكَّةَ مُشْمَعِلُّ وآخَرُ فَوْقَ دارَتِهِ يُنادِي

ويُمْكِنُ أنْ يُسَمّى جَمِيعُ مَسْكَنِ الحَيِّ دارًا وتُطْلَقُ الدّارُ عَلى الدُّنْيا أيْضًا، وبِذَلِكَ فَسَّرَها بَعْضُهم هُنا، وفَسَّرَ الطَّبَرْسِيُّ التَّمَتُّعَ بِالتَّلَذُّذِ أيْ تَلَذَّذُوا بِما تُرِيدُونَ ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ ثُمَّ يَأْخُذُكُمُ العَذابُ، قِيلَ: إنَّهم لَمّا عَقَرُوا النّاقَةَ صَعِدَ فَصِيلُها الجَبَلَ ورَغا ثَلاثَ رَغَواتٍ فَقالَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: لِكُلِّ رَغْوَةٍ أجَلُ يَوْمٍ، وابْتِداءُ الأيّامِ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ الأرْبِعاءُ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُمْ: تُصْبِحُ وُجُوهُكم غَدًا مُصْفَرَّةً، وبَعْدَ غَدٍ مُحْمَرَّةً واليَوْمَ الثّالِثَ مُسْوَدَّةً يُصَبِّحُكُمُ العَذابُ فَكانَ كَما قالَ: (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالتَّمَتُّعِ ثَلاثَةَ أيّامٍ مِن نُزُولِ العَذابِ عَقِيبَها وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلتَّفْخِيمِ ﴿وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ، فَحُذِفَ الجارُّ وصارَ المَجْرُورُ مَفْعُولًا عَلى التَّوَسُّعِ لِأنَّ الضَّمِيرَ لا يَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والجارُّ لا يَعْمَلُ بَعْدَ حَذْفِهِ، ويُسَمُّونَ هَذا الحَذْفَ والإيصالَ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ ويَكُونُ في الِاسْمِ –كَمُشْتَرِكٍ- وفي الفِعْلِ كَقَوْلِهِ:

صفحة 92

ويَوْمٌ شَهِدْناهُ سَلِيمًا وعامِرًا قَلِيلٌ سِوى طَعْنِ النِّهالِ نَوافِلُهُ

أوْ ﴿غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ عَلى المَجازِ كَأنَّ الواعِدَ قالَ لَهُ: أفِي بِكَ فَإنْ وفى بِهِ صَدَّقَهُ وإلّا كَذَّبَهُ، فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، وقِيلَ: مَجازٌ مُرْسَلٌ بِجَعْلِ ﴿مَكْذُوبٍ﴾ بِمَعْنى باطِلٍ ومُخْتَلِفٍ، أوْ وعْدٌ غَيْرُ كَذِبٍ عَلى أنَّ ﴿مَكْذُوبٍ﴾ مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ مَفْعُولٍ كَمَجْلُودٍ ومَعْقُولٍ بِمَعْنى عَقْلٍ وجَلْدٍ فَإنَّهُ سُمِعَ مِنهم ذَلِكَ لَكِنَّهُ نادِرٌ، ولا يَخْفى ما في تَسْمِيَةِ ذَلِكَ وعْدًا مِنَ المُبالَغَةِ في التَّهَكُّمِ.

11:66Page 229

فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا صَٰلِحٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَمِنۡ خِزۡيِ يَوۡمِئِذٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ ٦٦

So when Our command came, We saved Ṣāliḥ and those who believed with him, by mercy from Us, and [saved them] from the disgrace of that day.1 Indeed, it is your Lord who is the Powerful, the Exalted in Might.

﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا أوْ أمَرْنا بِنُزُولِهِ، وفِيهِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّهْوِيلِ ﴿نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنَجَّيْنا أوْ بِآمَنُوا ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ أيْ بِسَبَبِها أوْ مُلْتَبِسِينَ بِها، وفي التَّنْوِينِ والوَصْفِ نَوْعانِ مِنَ التَّعْظِيمِ ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ أيْ نَجَّيْناهم مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ وهو الهَلاكُ بِالصَّيْحَةِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ عَلى مَعْنى إنّا نَجَّيْناهُمْ، وكانَتْ تِلْكَ التَّنْجِيَةُ مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ ونَجَّيْناهم مِن ذُلِّ وفَضِيحَةِ يَوْمِ القِيامَةِ أيْ مِن عَذابِهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ كَآيَةِ هُودٍ سَواءً بِسَواءٍ.

وتَعَقَّبَ أبُو حَيّانَ هَذا بِأنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ لَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ ذُكِرَ فِيها يَوْمُ القِيامَةِ لِيَكُونَ التَّنْوِينُ عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ، والمَذْكُورُ إنَّما هو جاءَ أمْرُنا فَلْيُقَدَّرْ يَوْمَ إذْ جاءَ أمْرُنا وهو جَيِّدٌ، والدَّفْعُ بِأنَّ القَرِينَةَ قَدْ تَكُونُ غَيْرَ لَفْظِيَّةٍ كَما هُنا فِيهِ نَظَرٌ، وقِيلَ: القَرِينَةُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ فِيما مَرَّ: ( عَذابُ غَلِيظٍ ) وفِيهِ ما فِيهِ، وقِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ فَيَتَعَلَّقُ (مِن) بِنَجَّيْنا المَذْكُورِ، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لِأنَّ الواوَ لا تُزادُ عِنْدَهم فَيُوجِبُونَ هُنا التَّعَلُّقَ بِمَحْذُوفٍ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، وقَرَأ طَلْحَةُ، وأبانَ (ومِن خِزْيٍ) بِالتَّنْوِينِ ونَصْبِ (يَوْمَئِذٍ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ مَعْمُولًا لِخِزْيٍ، وعَنْ نافِعٍ والكِسائِيِّ أنَّهُما قَرَآ بِالإضافَةِ وفَتَحِ –يَوْمَ- لِأنَّهُ مُضافٌ إلى إذْ وهو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ، وهَذا كَما فُتِحَ حِينَ في قَوْلِ النّابِغَةِ:

عَلى (حِينَ) عاتَبْتَ المَشِيبَ عَلى الصِّبا فَقُلْتَ: ألَمّا أصْحُ والشَّيْبُ وازِعُ

﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿هُوَ القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ أيِ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ والغالِبُ عَلَيْهِ في كُلِّ وقْتٍ ويَنْدَرِجُ في ذَلِكَ الإنْجاءُ والإهْلاكُ في ذَلِكَ اليَوْمِ،

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском