Al-AlusiHud · 11:67–70

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Hud 11:67–70

11:67Page 229

وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٦٧

And the shriek1 seized those who had wronged, and they became within their homes [corpses] fallen prone

﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قَوْمُ صالِحٍ، وعَدَلَ عَنِ الضَّمِيرِ إلى الظّاهِرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ وإشْعارًا بِعِلْيَتِهِ لِنُزُولِ العَذابِ بِهِمْ ﴿الصَّيْحَةُ﴾ أيْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ أوْ صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ فِيها كُلُّ صاعِقَةٍ وصَوْتٍ مُفْزِعٍ، وهي عَلى ما في البَحْرِ فَعْلَةٌ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ مِنَ الصِّياحِ، يُقالُ: صاحَ يَصِيحُ إذا صَوَّتَ بِقُوَّةٍ، وأصْلُ ذَلِكَ -كَما قالَ الرّاغِبُ- تَشْقِيقُ الصَّوْتِ مِن قَوْلِهِمْ: إنْصاحَ الخَشَبُ أوِ الثَّوْبُ إذا انْشَقَّ فَسُمِعَ مِنهُ صَوْتٌ، وصَيْحُ الثَّوْبِ كَذَلِكَ، وقَدْ يُعَبَّرُ بِالصَّيْحَةِ عَنِ الفَزَعِ، وفي الأعْرافِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قِيلَ: ولَعَلَّها وقَعَتْ عَقِيبَ الصَّيْحَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِتَمَوُّجِ الهَواءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مِنّا في ذَلِكَ ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ﴾ أيْ مَنازِلِهِمْ ومَساكِنِهِمْ، وقِيلَ: بِلادِهِمْ ﴿جاثِمِينَ﴾ هامِدِينَ مَوْتى لا يَتَحَرَّكُونَ، وقَدْ مَرَّ تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ مَعْنًى وإعْرابًا

11:68Page 229

كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّثَمُودَ ٦٨

As if they had never prospered therein. Unquestionably, Thamūd denied their Lord; then, away with Thamūd.

﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ أيْ كَأنَّهم لَمْ يُقِيمُوا ﴿فِيها﴾ أيْ في دِيارِهِمْ، والجُمْلَةُ قِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ أيْ أصْبَحُوا ( جاثِمِينَ ) مُماثِلِينَ لِمَن لَمْ يُوجَدْ ولَمْ يَقُمْ في مَقامٍ قَطُّ ﴿ألا إنَّ ثَمُودا﴾ وُضِعَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ البَيانِ، ومَنَعَهُ مِنَ الصَّرْفِ حَفْصٌ وحَمْزَةُ نَظَرًا إلى القَبِيلَةِ، وصَرَفَهُ أكْثَرُ السَّبْعَةِ نَظَرًا إلى الحَيِّ كَما قَدَّمْنا آنِفًا، وقِيلَ: نَظَرًا إلى الأبِ الأكْبَرِ يَعْنِي يَكُونُ المُرادُ بِهِ الأبَ الأوَّلَ وهو مَصْرُوفٌ

صفحة 93

وحِينَئِذٍ يُقَدَّرُ مُضافٌ كَنَسْلٍ وأوْلادٍ ونَحْوِهِ، وقِيلَ: المُرادُ إنَّهُ صُرِفَ نَظَرًا لِأوَّلِ وضْعِهِ وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ هُنا القَبِيلَةَ ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ صَرَّحَ بِكُفْرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا مِمّا سَبَقَ مِن أحْوالِهِمْ تَقْبِيحًا لِحالِهِمْ وتَعْلِيلًا لِاسْتِحْقاقِهِمُ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ بِالبُعْدِ والهَلاكِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ وقَرَأ الكِسائِيُّ لا غَيْرَ بِالتَّنْوِينِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في شَرْحِ قِصَّتِهِمْ عَلى أتَمِّ وجْهٍ

11:69Page 229

وَلَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجۡلٍ حَنِيذٖ ٦٩

And certainly did Our messengers [i.e., angels] come to Abraham with good tidings; they said, "Peace." He said, "Peace," and did not delay in bringing [them] a roasted calf.

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ﴾ وهُمُ المَلائِكَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا.

وقالَ السُّدِّيُّ: أحَدَ عَشَرَ عَلى صُورَةِ الغِلْمانِ في غايَةِ الحُسْنِ والبَهْجَةِ، وحَكى صاحِبُ الفَيْنانِ أنَّهم عَشَرَةٌ مِنهم جِبْرِيلُ، وقالَ الضَّحّاكُ: تِسْعَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ثَمانِيَةٌ، وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّهم أرْبَعَةٌ ولَمْ يُسَمِّهِمْ.

وجاءَ في رِوايَةٍ عَنْ عُثْمانَ بْنِ مُحَيْصِنٍ أنَّهم جِبْرِيلُ، وإسْرافِيلُ. ومِيكائِيلُ، ورَفائِيلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهم ثَلاثَةٌ الأوَّلُونَ فَقَطْ، وقالَ مُقاتِلٌ: جِبْرائِيلُ. ومِيكائِيلُ. ومَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، واخْتارَ بَعْضُهم الِاقْتِصارَ عَلى القَوْلِ بِأنَّهم ثَلاثَةٌ لِأنَّ ذَلِكَ أقَلُّ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الجَمْعُ ولَيْسَ هُناكَ ما يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في الزّائِدِ، وإنَّما أُسْنِدَ إلَيْهِمُ المَجِيءُ دُونَ الإرْسالِ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُرْسَلِينَ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ إلى قَوْمِ لُوطٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ وإنَّما جاءُوهُ لِداعِيَةِ البُشْرى، قِيلَ: ولَمّا كانَ المَقْصُودُ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ذِكْرَ صَنِيعِ الأُمَمِ السّالِفَةِ مَعَ الرُّسُلِ المُرْسَلَةِ إلَيْهِمْ ولُحُوقَ العَذابِ بِهِمْ ولَمْ يَكُنْ جَمِيعُ قَوْمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَن لَحِقَ بِهِمُ العَذابُ، بَلْ إنَّما لَحِقَ بِقَوْمِ لُوطٍ مِنهم خاصَّةً غَيْرَ الأُسْلُوبِ المُطَّرِدِ فِيما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( وإلى عادٍ أخُاهم هُودًا )، ( وإلى ثَمُودَ أخُاهم صالِحًا ) ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ حَيْثُ قِيلَ: ( وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا ) والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: (بِالبُشْرى) لِلْمُلابَسَةِ أيْ مُلْتَبِسِينَ بِالبُشْرى، والمُرادُ بِها قِيلَ: مُطْلَقُ البِشارَةِ المُنْتَظِمَةِ بِالبِشارَةِ بِالوَلَدِ مِن سارَّةَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولِلْبِشارَةِ بِعَدَمِ لُحُوقِ الضَّرَرِ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى﴾ لِظُهُورِ تَفَرُّعِ المُجادَلَةِ عَلى مَجِيئِها، وكانَتِ البِشارَةُ الأُولى عَلى ما قِيلَ: مِن مِيكائِيلَ. والثّانِيَةُ مِن إسْرافِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وقِيلَ: المُرادُ بِها البِشارَةُ بِهَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ هَلاكَ الظَّلَمَةِ مِن أجَلِّ ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَأْباهُ مُجادَلَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في شَأْنِهِمْ، واسْتَظْهَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّها البِشارَةُ بِالوَلَدِ، وهي المُرادَةُ بِالبُشْرى فِيما سَيَأْتِي، وسِرُّ تَفَرُّعِ المُجادَلَةِ عَلَيْها سَيُذْكَرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وعَلَّلَ في الكَشْفِ اسْتِظْهارَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لِأنَّهُ الأنْسَبُ بِالإطْلاقِ، ولِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ في الذّارِياتِ: ﴿وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ﴾ إلَخْ، وإنْ كانَ يُحْتَمَلُ أنَّ ثَمَّةَ بِشارَتَيْنِ فَيُحْمَلُ في كُلِّ مَوْضِعٍ عَلى واحِدَةٍ لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ انْتَهى، ولَمّا كانَ الإخْبارُ بِمَجِيءِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَظِنَّةً لِسُؤالِ السّامِعِ بِأنَّهم ما قالُوا: أُجِيبَ بِأنَّهم ﴿قالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا أوْ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ سَلامًا فَهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مَقُولُ القَوْلِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ (قالُوا) عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ لِمَعْنى ما قالُوا لا حِكايَةً لِلَفْظِهِمْ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ. والسُّدِّيِّ، ولِذَلِكَ عَمِلَ فِيهِ القَوْلُ، وهَذا كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ: قُلْتَ حَقًّا وإخْلاصًا.

وقِيلَ: إنَّ النَّصْبَ -بِقالُوا- لِما فِيهِ مِن مَعْنى الذِّكْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: ذَكَرُوا سَلامًا ﴿قالَ سَلامٌ﴾ أيْ عَلَيْكم سَلامٌ

صفحة 94

أوْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ، والِابْتِداءُ بِنَكِرَةٍ مِثْلُهُ سائِغٌ كَما قَرَّرَ في النَّحْوِ، وقَدْ حَيّاهم عَلَيْهِ السَّلامُ بِأحْسَنَ مِن تَحِيَّتِهِمْ لِأنَّها بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ دالَّةٍ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ فَهي أبْلَغُ، وأصْلُ مَعْنى السَّلامِ السَّلامَةُ مِمّا يَضُرُّ.

وقَرَأ حَمْزَةُ. والكِسائِيُّ سِلْمٌ في الثّانِي بِدُونِ ألِفٍ مَعَ كَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ وهو عَلى ما قِيلَ: لُغَةٌ في (سَلامٍ) كَحِرْمٍ وحَرامٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ:

مَرَرْنا فَقُلْنا: أيُّهُ (سِلْمٌ) فَسَلَّمْتُ كَما اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الغَمامُ اللَّوائِحُ

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالسِّلْمِ ضِدَّ الحَرْبِ، وُوجِّهَ بِأنَّهم لَمّا امْتَنَعُوا مِن تَناوُلِ طَعامِهِ وخافَ مِنهم قالَهُ أيْ أنا مُسالِمٌ لا مُحارِبٌ لِأنَّهم كانُوا لا يَأْكُلُونَ طَعامَ مَن بَيْنَهم وبَيْنَهُ حَرْبٌ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ هَذا بَعْدَ تَقْدِيمِ الطَّعامِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَما لَبِثَ﴾ إلَخْ صَرِيحٌ في خِلافِهِ، وذَكَرَ في الكَشّافِ أنَّ حَمْزَةَ. والكِسائِيَّ قَرَآ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ في المَوْضِعَيْنِ وهو مُخالِفٌ لِلْمَنقُولِ في كُتُبِ القِراءاتِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ -قالَ سَلامًا- بِالنَّصْبِ كالأوَّلِ، وعَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِالرَّفْعِ فِيهِما ﴿فَما لَبِثَ﴾ أيْ فَما أبْطَأ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أيْ في مَجِيئِهِ بِهِ أوْ عَنْ مَجِيئِهِ بِهِ (فَما) نافِيَةٌ وضَمِيرُ (لَبِثَ) لِإبْراهِيمَ، و( أنْ جاءَ ) بِتَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ مُتَعَلِّقٍ بِالفِعْلِ وحَذْفِ الجارِّ قَبْلَ أنْ وأنْ مُطَّرِدٌ، وحَكى ابْنُ العَرَبِيِّ أنَّ (أنْ) بِمَعْنى حَتّى، وقِيلَ: (أنْ) وما بَعْدَها فاعِلُ (لَبِثَ) أيْ فَما تَأخَّرَ مَجِيئُهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الفَرّاءِ، واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ.

وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ والمَصْدَرُ مُبْتَدَأٌ أوْ هي اسْمٌ مَوْصُولٌ بِمَعْنى الَّذِي كَذَلِكَ، و( أنْ جاءَ ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ قَدْرَ وهو الخَبَرُ أيْ فَلَبِثَهُ أوِ الَّذِي لَبِثَهُ قَدَرَ مَجِيئِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والعِجْلُ ولَدُ البَقَرَةِ، ويُسَمّى الحَسِيلَ والخَبْشَ بِلُغَةِ أهْلِ السَّراةِ، والباءُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ أوِ المُلابَسَةِ، والحَنِيذُ السَّمِينُ الَّذِي يَقْطُرُ ودَكُهُ مِن حَنَذْتُ الفَرَسَ إذا عَرَّقْتَهُ بِالجَلالِ كَأنَّ ودَكَهُ كالجَلالِ عَلَيْهِ، أوْ كَأنَّ ما يَسِيلُ مِنهُ عَرَقُ الدّابَّةِ المُجَلَّلَةِ لِلْعَرَقِ، واقْتَصَرَ السُّدِّيُّ عَلى السَّمِينِ في تَفْسِيرِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِعِجْلٍ سَمِينٍ)،﴾ وقِيلَ: هو المَشْوِيُّ بِالرَّضْفِ في أُخْدُودٍ، وجاءَ ذَلِكَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وفي رِوايَةٍ عَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرُهُ بِالمَطْبُوخِ، وإنَّما جاءَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعِجْلِ لِأنَّ مالَهُ كانَ البَقْرَ وهو أطْيَبُ ما فِيها، وكانَ مِن دَأْبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إكْرامُ الضَّيْفِ، ولِذا عَجَّلَ القِرى، وذَلِكَ مِن أدَبِ الضِّيافَةِ لِما فِيهِ مِن الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الضَّيْفِ، وفي مَجِيئِهِ بِالعِجْلِ كُلِّهِ مَعَ أنَّهم بِحَسَبِ الظّاهِرِ يَكْفِيهِمْ بَعْضُهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مِنَ الأدَبِ أنْ يُحْضِرَ لِلضَّيْفِ أكْثَرَ مِمّا يَأْكُلُ، واخْتُلِفَ في هَذا العِجْلِ هَلْ كانَ مُهَيَّئًا قَبْلَ مَجِيئِهِمْ أوْ أنَّهُ هُيِّئَ بَعْدَ أنْ جاءُوا؟ قَوْلانِ اخْتارَ أبُو حَيّانَ أوَّلَهُما لِدَلالَةِ السُّرْعَةِ بِالإتْيانِ بِهِ عَلى ذَلِكَ، ويَخْتارُ الفَقِيرُ ثانِيَهُما لِأنَّهُ أزْيَدُ في العِنايَةِ وأبْلَغُ في الإكْرامِ، ولَيْسَتِ السُّرْعَةُ نَصًّا في الأوَّلِ كَما لا يَخْفى.

11:70Page 229

فَلَمَّا رَءَآ أَيۡدِيَهُمۡ لَا تَصِلُ إِلَيۡهِ نَكِرَهُمۡ وَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۚ قَالُواْ لَا تَخَفۡ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمِ لُوطٖ ٧٠

But when he saw their hands not reaching for it, he distrusted them and felt from them apprehension.1 They said, "Fear not. We have been sent to the people of Lot."

﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ أنَّهم لا يَمُدُّونَ إلَيْهِ أيْدِيَهم ويَلْزَمُهُ أنَّهم لا يَأْكُلُونَ، وقِيلَ: (لا) كِنايَةٌ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَنْكُتُونَ اللَّحْمَ بِقِداحٍ في أيْدِيهِمْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ هَذِهِ الرِّوايَةِ شَيْءٌ إذْ هَذا النَّكْتُ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالعَبَثِ، والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَجِلُّونَ عَنْ مِثْلِهِ، و(رَأى) قِيلَ: عِلْمِيَّةٌ فَجُمْلَةُ ﴿لا تَصِلُ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ، والظّاهِرُ أنَّها بَصَرِيَّةٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مِن أدَبِ الضِّيافَةِ النَّظَرَ إلى الضَّيْفِ هَلْ يَأْكُلُ أوْ لا، لَكِنْ ذَكَرُوا أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِتَلَفُّتٍ ومُسارَقَةٍ لا بِتَحْدِيدِ النَّظَرِ

صفحة 95

لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَجْعَلُ الضَّيْفَ مُقَصِّرًا في الأكْلِ أيْ لِما شاهَدَ مِنهم ذَلِكَ ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أيْ نَفَرَهم ﴿وأوْجَسَ﴾ أيِ اسْتَشْعَرَ وأدْرَكَ، وقِيلَ: أضْمَرَ (مِنهُمْ) أيْ مِن جِهَتِهِمْ (خِيفَةً) أيْ خَوْفًا، وأصْلُها الحالَةُ الَّتِي عَلَيْها الإنْسانُ مِنَ الخَوْفِ، ولَعَلَّ اخْتِيارَها بِالذِّكْرِ لِلْمُبالَغَةِ حَيْثُ تَفَرَّسَ لِذَلِكَ مَعَ جَهالَتِهِ لَهم مِن قَبْلُ وعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ مِن أيِّ النّاسِ يَكُونُونَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما في الذّارِياتِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ حِكايَةً عَنْهُ: ﴿قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أنَّهم مَلائِكَةٌ، وظَنَّ أنَّهم أُرْسِلُوا لِعَذابِ قَوْمِهِ لِأمْرٍ أنْكَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ (قالُوا) حِينَ رَأوْا أثَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ أعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، أوْ بَعْدَ أنْ قالَ لَهم ما في الحِجْرِ ﴿إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ مِنهُ أنَّ هُناكَ قَوْلًا بِالفِعْلِ لا بِالقُوَّةِ كَما هو احْتِمالٌ فِيهِ عَلى ما سَتَراهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ عِلْمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم مَلائِكَةٌ يُوجِبُ الخَوْفَ لِأنَّهم لا يَنْزِلُونَ إلّا بِعَذابٍ، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لِلْمَلائِكَةِ مُطْلَقًا ما لَمْ يَجْعَلْ لِغَيْرِهِمْ مِن الِاطِّلاعِ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ وفي الصَّحِيحِ: «قالَتِ المَلائِكَةُ: رَبِّ عَبْدُكَ هَذا يُرِيدُ أنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً» الحَدِيثَ، وهو قَوْلٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ يَعْلَمُونَ الأُمُورَ القَلْبِيَّةَ.

وفِي الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ ما هو صَرِيحٌ بِخِلافِهِ، والآيَةُ والخَبَرُ المَذْكُورانِ لا يَصْلُحانِ دَلِيلًا لِهَذا المَطْلَبِ، وإسْنادُ القَوْلِ إلَيْهِمْ ظاهِرٌ في أنَّ الجَمِيعَ قالُوا ( لا تَخَفْ ) ويَحْتَمِلُ أنَّ القائِلَ بَعْضُهُمْ، وكَثِيرًا ما يُسْنَدُ فِعْلُ البَعْضِ إلى الكُلِّ في أمْثالِ ذَلِكَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا﴾ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ المَذْكُورِ كَما أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَذَلِكَ فَإنَّ إرْسالَهم إلى قَوْمٍ آخَرِينَ يُوجِبُ أمْنَهُ مِنَ الخَوْفِ أيْ (أرْسَلْنا) بِالعَذابِ ﴿إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ خاصَّةً، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أحَسَّ بِأنَّهم مَلائِكَةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا﴾ فَإنَّهُ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ إنَّما يُقالُ لِمَن عَرَفَهم ولَمْ يَعْرِفْ فِيمَ أُرْسِلُوا فَخافَ، وأنَّ الإنْكارَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِنَكْرِهِمْ غَيْرَ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما في الذّارِياتِ فَلا إشْكالَ في كَوْنِ الإنْكارِ هُناكَ قَبْلَ إحْضارِ الطَّعامِ وهُنا بَعْدَهُ، وأصْلُ الإنْكارِ ضِدَّ العِرْفانِ، ونَكَرْتُ وأنْكَرْتُ واسْتَنْكَرْتُ بِمَعْنًى، وقِيلَ: إنْ أنْكَرَ فِيما لا يُرى مِنَ المَعانِي ونَكَرَ فِيما يُرى بِالبَصَرِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:

وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكَرَتْ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبَ والصَّلَعا

فَإنَّهُ أرادَ في الأوَّلِ عَلى ما قِيلَ: أنْكَرَتْ مَوَدَّتِي، وقالَ الرّاغِبُ: إنَّ أصْلَ ذَلِكَ أنْ يَرِدَ عَلى القَلْبِ ما لا يَتَصَوَّرُهُ وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ الجَهْلِ وبِهِ فُسِّرَ ما في الآيَةِ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ ما هُنا وبَيْنَ ما وقَعَ في الذّارِياتِ بِأنَّ الأوَّلَ راجِحٌ إلى حالِهِمْ حِينَ قَدَّمَ إلَيْهِمُ العِجْلَ. والثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِأنْفُسِهِمْ ولا تَعَلُّقَ لَهُ بِرُؤْيَةِ عَدَمِ أكْلِهِمْ، بَلْ وقَعَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم لِعَدَمِ كَوْنِهِمْ مِن جِنْسِ ما يَعْهَدُهُ مِنَ النّاسِ، ويَحْتاجُ هَذا إلى اعْتِبارِ حَذْفِ المُضافِ أوْ مُلاحَظَةِ الحَيْثِيَّةِ، واعْتُرِضَ ما قَدَّمْناهُ بِأنَّ فِيهِ ارْتِكابَ مَجازٍ، ولَعَلَّ الأمْرَ فِيهِ سَهْلٌ.

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَعْرِفْ أنَّهم مَلائِكَةٌ حَتّى قالُوا لَهُ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا﴾ وكَأنَّ سَبَبَ خَوْفِهِ مِنهم أنَّهم لَمْ يَتَحَرَّمُوا بِطَعامِهِ فَظَنَّ أنَّهم يُرِيدُونَ بِهِ سُوءًا إذْ كانَتِ العادَةُ إذْ ذاكَ كَذَلِكَ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ نازِلًا في طَرَفٍ مِنَ الأرْضِ مُنْفَرِدًا عَنْ قَوْمِهِ، وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أخْرَجَها إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ

صفحة 96

وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنْهُ، وقِيلَ: كانَ سَبَبُ خَوْفِهِ أنَّهم دَخَلُوا بِغَيْرِ إذْنٍ وبِغَيْرِ وقْتٍ.

وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: الحَقُّ أنَّ الخَوْفَ إنَّما صَدَرَ عَنْ مَجْمُوعِ كَوْنِهِمْ مُنْكِرِينَ وكَوْنِهِمْ مُمْتَنِعِينَ مِنَ الطَّعامِ كَما يُعْلَمُ مِنَ الآياتِ الوارِدَةِ في هَذِهِ القِصَّةِ، ولِأنَّهُ لَوْ عَرَفَهم بِأنَّهم مَلائِكَةٌ لَمْ يُحْضِرْ بَيْنَ أيْدِيهِمُ الطَّعامَ ولَمْ يُحَرِّضْهم عَلى الأوَّلِ، وإنَّما عَدَلُوا إلى قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ لِيَكُونَ جامِعًا لِلْمَعانِي بِحَيْثُ يُفْهَمُ مِنهُ المَقْصُودُ أيْضًا، انْتَهى.

وفِيهِ إشارَةٌ إلى الرَّدِّ عَلى الزَّمَخْشَرِيَّ، وقَدِ اخْتَلَفَ كَلامُهُ في تَعْلِيلِ الخَوْفِ فَعَلَّلَهُ تارَةً بِعِرْفانِهِ أنَّهم مَلائِكَةٌ وأُخْرى بِأنَّهم لِمَ يَتَحَرَّمُوا طَعامَهُ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِذَلِكَ العِرْفانِ العِرْفانَ بَعْدَ إحْضارِ الطَّعامِ، وما ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ مِن أنَّهُ لَوْ عَرَفَهم بِأنَّهم مَلائِكَةٌ لَمْ يَحْضُرْ إلَخْ غَيْرَ قادِحٍ إذْ يَجُوزُ أنْ يَخافَهم بَعْدَ الإحْضارِ أوَّلًا لِعَدَمِ التَّحَرُّمِ، ثُمَّ بَعْدَ تَفَرُّسِ أنَّهم مَلائِكَةٌ خافَهم لِأنَّهم مَلائِكَةٌ أُرْسِلُوا لِلْعَذابِ، والزَّمَخْشَرِيُّ حَكى أحَدَ الخَوْفَيْنِ في مَوْضِعٍ والآخَرَ في آخَرَ.

قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ والتَّعْلِيلُ بِأنَّهم مَلائِكَةٌ هو الوَجْهُ لِيَنْتَظِمَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ مَعَ ما قَبْلَهُ إذْ لَوْ كانَ الوَجَلُ لِكَوْنِهِمْ عَلى غَيْرِ زِيٍّ مِن عُرْفٍ ونَحْوِهِ لَمْ يَحْسُنِ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( إنّا نُبَشِّرُكَ ) فَإنَّهُ إنَّما هو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الوَجِلِ مِن أنَّهم مَلائِكَةٌ أُرْسِلُوا لِلْعَذابِ كَأنَّهم قالُوا: ﴿لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ)،﴾ و﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ فَجاءَ عَلى اخْتِصاراتِ القُرْآنِ بِذِكْرِ أحَدِ التَّعْلِيلَيْنِ في أحَدِ المَوْضِعَيْنِ والآخِرِ في الآخَرِ، ولا شَكَّ أنَّ في الحِجْرِ اخْتِصارًا لِطَيِّ حَدِيثِ الرُّواعِ، والتَّعْجِيلُ بِالعِجْلِ الحَنِيذِ وعَدَمُ تَحَرُّمِهِمْ بِطَعامِهِ لِما أنَّ المَقْصُودَ مِن سَوْقِ القِصَّةِ هُنالِكَ التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ لِلِاعْتِبارِ بِحالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما لَقِيَ مِنَ البُشْرى والكَرامَةِ، وحالِ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وما مُنُّوا بِهِ مِنَ السَّوْأى والمَلامَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ إلى قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ فاقْتَصَرَ عَلى ما يُفِيدُ ذَلِكَ الغَرَضَ، وأمّا في هَذِهِ السُّورَةِ فَجِيءَ بِها لِلْإرْشادِ الَّذِي بَنى عَلَيْهِ السُّورَةَ الكَرِيمَةَ مَعَ إدْماجِ التَّسْلِيَةِ ورَدَ ما رَمَوْهُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن الِافْتِراءِ، وفي كُلٍّ مِن أجْزاءِ القِصَّةِ ما يَسُدُّ مِن هَذِهِ الأغْراضِ فَسُرِدَ عَلى وجْهِها، وفي سُورَةِ الذّارِياتِ لِلْأخِيرَيْنِ فَقَطْ فَجِيءَ بِما يُفِيدُ ذَلِكَ فَلا عَلَيْكَ إنْ رَأيْتَ اخْتِصارًا أنْ تَنْقُلَ إلَيْهِ مِنَ المَبْسُوطِ ما يَتِمُّ بِهِ الكَلامُ بَعْدَ أنْ تَعْرِفَ نُكْتَةَ الِاخْتِصارِ، وهَذا مِن خَواصِّ كِتابِ اللَّهِ تَعالى الكَرِيمِ، انْتَهى ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وفِيهِ ذَهابٌ إلى كَوْنِ جُمْلَةِ ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ اسْتِئْنافًا في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ كَما هو الظّاهِرُ.

وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: الظّاهِرُ ما ذُكِرَ إلّا أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهم قالُوهُ جَوابًا عَنْ سُؤالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ أوْجَزَ الكَلامَ اكْتِفاءً بِذَلِكَ، انْتَهى.

وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ قَدْ يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ لا يَقْدَحُ في الحَمْلِ عَلى الظّاهِرِ لِجَوازِ أنْ يَكُونُوا قالُوا ذَلِكَ عَلى مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ، ولَكِنَّهُ وإنْ أُرِيدَ مِنهُ الإرْسالُ بِالعَذابِ لِقَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مُجْمَلٌ لَمْ يُؤْتَ بِهِ عَلى وجْهٍ يَظْهَرُ مِنهُ ما نَوْعُ هَذا العَذابِ هَلْ هو اسْتِئْصالٌ أمْ لا؟ فَسَألَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ فَكَأنَّهُ قالَ: أيُّها المُرْسَلُونَ إلى قَوْمِ لُوطٍ ما هَذا الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي أُرْسِلْتُمْ بِهِ؟ فَأجابُوهُ بِما يَتَضَمَّنُ بَيانَ ذَلِكَ مَعَ الإشارَةِ إلى عِلَّةِ نُزُولِ ذَلِكَ الأمْرِ بِهِمْ وهو قَوْلُهُمْ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿إلا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ الآيَةَ، فَإنَّ انْفِهامَ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ لِقَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ذَلِكَ ظاهِرٌ، وكَذا الإشارَةُ إلى العِلَّةِ.

صفحة 97

والحاصِلُ أنَّ السُّؤالَ في تِلْكَ الآيَةِ عَنِ الخَطْبِ وهو في الأصْلِ الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي يَكْثُرُ فِيهِ التَّخاطُبُ، ويُرادُ مِنَ السُّؤالِ عَنْهُ تَحْقِيقُ أمْرٍ لَمْ يَعْلَمْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن كَلامِهِمْ قَبْلُ؛ إمّا لِأنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ مِنهُ، أوْ لِأنَّهُ كانَ مَشْغُولًا عَنْ كَمالِ التَّوَجُّهِ لِيَعْلَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ ذَلِكَ، وفي خِطابِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ ما يُؤَيِّدُ تَقَدُّمَ قَوْلِهِمْ: ( إنّا أُرْسِلْنا ) عَلى هَذا السُّؤالِ لَكِنَّهُ أُسْقِطَ هُناكَ تَعْوِيلًا عَلى ما هُنا، ولا بِدَعَ في الإسْقاطِ مِنَ المُتَأخِّرِ تَعْوِيلًا عَلى المُتَقَدِّمِ، وتَأخُّرُ الحِجْرِ والذّارِياتِ عَنْ هُودٍ تِلاوَةً مِمّا لا كَلامَ فِيهِ، وتَأخُّرُهُما نُزُولًا مِمّا رَواهُ ابْنُ ضُرَيْسٍ في فَضائِلِ القُرْآنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي جَعْفَرٍ الرّازِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ هارُونَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَكَرَ أنَّها كُلَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأنَّ بَيْنَ هُودٍ والحِجْرِ سُورَةً واحِدَةً، وبَيْنَ الحِجْرِ والذّارِياتِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سُورَةً فَلْيُتَأمَّلْ في هَذا المَقامِ، ويَفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَتَحَقَّقْ كَوْنَهم مَلائِكَةً إلّا بَعْدَ أنْ مَسَحَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ العِجْلَ بِجَناحِهِ فَقامَ يَدْرُجُ حَتّى لَحِقَ بِأُمِّهِ فَحِينَئِذٍ عَرَفَهم وأمِنَ مِنهُمْ، ولَمْ يَتَحَقَّقْ صِحَّةُ الخَبَرِ عِنْدِي، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَرَفَهم قَبْلَ ذَلِكَ، وأنَّ خَوْفَهُ مِنهم لِكَوْنِهِمْ مَلائِكَةً لَمْ يَدْرِ لِأيِّ شَيْءٍ نَزَلُوا، ويَبْعُدْ عِنْدَ مَن عَرَفَ حالَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ القَوْلُ بِأنَّهُ خافَ بُشْرًا وبَلَغَ مِنهُ الخَوْفُ حَتّى ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ لا سِيَّما إذا قُلْنا: إنَّ مَن خافَهم كانُوا ثَلاثَةً وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ في طَرَفٍ مِنَ الأرْضِ بَلْ كانَ بَيْنَ أصْحابِهِ، أوْ كانَ هُناكَ لَكِنْ بَيْنَ خَدَمِهِ وغِلْمانِهِ ﴿وامْرَأتُهُ﴾ سارَّةُ بِنْتُ هارانَ بْنِ ناحُورٍ وهي بِنْتُ عَمِّهِ ﴿قائِمَةٌ﴾ في الخِدْمَةِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ وكانَتْ نِساؤُهم لا تَحْتَجِبُ لا سِيَّما العَجائِزُ مِنهُمْ، وكانَتْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَجُوزًا، وقالَ وهْبٌ: كانَتْ قائِمَةً وراءَ السِّتْرِ تَسْمَعُ مُحاوَرَتَهُمْ، وأخَذَ مِنهُ بَعْضُهم أنَّ تَسَتُّرَ النِّساءِ كانَ لازِمًا، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لِتَأخُّرِ آيَةِ الحِجابِ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ القِيامَ وراءَ السِّتْرِ كانَ اتِّفاقِيًّا، وعَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّها كانَتْ قائِمَةً تُصَلِّي، وقالَ المُبَرَّدُ: كانَتْ قائِمَةً عَنِ الوَلَدِ وهو خِلافُ المَشْهُورِ في الِاسْتِعْمالِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ المُغِيرَةِ قالَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ وهو جالِسٌ، وفي الكَشّافِ بَدَلُ وهو جالِسٌ وهو قاعِدٌ، وعَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ بَدَلُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском