Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Hud 11:74–79
11:74Page 230
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنۡ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلرَّوۡعُ وَجَآءَتۡهُ ٱلۡبُشۡرَىٰ يُجَٰدِلُنَا فِي قَوۡمِ لُوطٍ ٧٤
And when the fright had left Abraham and the good tidings had reached him, he began to argue [i.e., plead] with Us1 concerning the people of Lot.
﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أيِ الخَوْفُ والفَزَعُ، قالَ الشّاعِرُ:
إذا أخَذَتْها هِزَّةُ (الرَّوْعِ) أمْسَكَتْ بِمَنكِبِ مِقْدامٍ عَلى الهَوْلِ أرْوَعا
والفِعْلُ راعَ، ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ:
(ما راعَنِي) إلّا حُمُولَةُ أهْلِها ∗∗∗ وسَطَ الدِّيارِ تَسُفُّ حَبَّ الخَمْخَمِ
والرُّوعُ بِضَمِّ الرّاءِ النَّفْسُ وهي مَحَلُّ الرَّوْعِ، والفاءُ لِرَبْطِ بَعْضِ أحْوالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَعْضِ غِبِّ انْفِصالِها بِما لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ مِن كُلِّ وجْهٍ بَلْ لَهُ مَدْخَلٌ في السِّياقِ والسِّباقِ، وتَأخَّرَ الفاعِلُ مِنَ الظَّرْفِ لِكَوْنِهِ مَصَبَّ الفائِدَةِ، والمَعْنى لَما زالَ عَنْهُ ما كانَ أوْجَسَهُ مِنهم مِنَ الخِيفَةِ واطْمَأنَّتْ نَفْسُهُ بِالوُقُوفِ عَلى جَلِيَّةِ أمْرِهِمْ، ﴿وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ أيْ يُجادِلُ رُسُلَنا في حالِهِمْ وشَأْنِهِمْ، فَفِيهِ مَجازٌ في الإسْنادِ، وكانَتْ مُجادَلَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم ما قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ:
صفحة 103
﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا﴾ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ مُجادَلَةٌ وعُدَّ ذَلِكَ مُجادَلَةً لِأنَّ مَآلَهُ عَلى ما قِيلَ: كَيْفَ تَهْلَكُ قَرْيَةٌ فِيها مَن هو مُؤْمِنٌ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلْعَذابِ؟ ولِذا أجابُوهُ بِقَوْلِهِمْ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ﴾ وهَذا القَدْرُ مِنَ القَوْلِ هو المُتَيَقِّنُ.
وعَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهم لَمّا قالُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما قالُوا، قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيها خَمْسُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ أتُهْلِكُونَها؟ قالُوا: لا، قالَ: فَثَلاثُونَ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَعِشْرُونَ، قالُوا: لا، قالَ: فَإنْ كانَ فِيهِمْ عَشْرَةٌ أوْ خَمْسَةٌ -شَكَّ الرّاوِي-؟ قالُوا: لا، قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيها رَجُلٌ واحِدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أتُهْلِكُونَها؟ قالُوا: لا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ فَأجابُوهُ بِما أجابُوهُ، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عِدَّةَ رِواياتٍ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِها، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ المُجادَلَةَ بِطَلَبِ الشَّفاعَةِ، وقِيلَ: هي سُؤالُهُ عَنِ العَذابِ هَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ أمْ عَلى سَبِيلِ الإخافَةِ لِيَرْجِعُوا إلى الطّاعَةِ؟ وأيًّا ما كانَ –فَيُجادِلُنا- جَوابُ –لَمّا- وكانَ الظّاهِرُ جادَلَنا إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ واسْتِحْضارِ صُورَتِها، وقِيلَ: إنَّ - لَمّا- كَلَوْ تَقْلِبُ المُضارِعَ ماضِيًا كَما أنَّ –أنْ- تَقْلِبُ الماضِيَ مُسْتَقْبَلًا، وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِهِ أيْ أخَذَ أوْ أقْبَلَ مُجادِلًا لَنا، وآثَرَ هَذا الوَجْهَ الزَّجّاجُ ولَكِنَّهُ جَعَلَهُ مَعَ حِكايَةِ الحالِ وجْهًا واحِدًا لِأنَّهُ قالَ: ولَمْ يَذْكُرْ في الكَلامِ أخَذَ لِأنَّ الكَلامَ إذا أُرِيدَ بِهِ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ قُدِّرَ فِيهِ أخَذَ وأقْبَلَ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: قامَ زَيْدٌ دَلَّ عَلى فِعْلٍ ماضٍ، وإذا قُلْتَ: أخَذَ زَيْدٌ يَقُومُ دَلَّ عَلى حالٍ مُمْتَدَّةٍ مِن أجْلِها ذُكِرَ أخَذَ وأقْبَلَ، وصَنِيعُ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُما وجْهانِ، وتَحْقِيقُهُ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّهُ إذا أُرِيدَ اسْتِمْرارُ الماضِي فَهو كَما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، وإنْ أُرِيدَ التَّصْوِيرُ المُجَرَّدُ فَلا، وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ.
والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا أوْ بَيانِيًّا وهي دَلِيلٌ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ اجْتَرَأ عَلى خِطابِنا أوْ فَطِنَ بِمُجادَلَتِنا وقالَ: كَيْتَ وكَيْتَ، واخْتارَهُ في الكَشّافِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ -وكَذا الجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَها- في مَوْضِعِ الحالِ مِن ( إبْراهِيمَ ) عَلى التَّرادُفِ أوِ التَّداخُلِ وجَوابُ لَمّا قُلْنا يُقَدَّرُ قَبْلَ ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا)،﴾ وأقْرَبُ الأقْوالِ أوَّلُها، والبُشْرى إنْ فُسِّرَتْ بِقَوْلِهِمْ: ( لا تَخَفْ ) فَسَبَبِيَّةُ ذَهابِ الخَوْفِ ومَجِيءِ السُّرُورِ لِلْمُجادَلَةِ ظاهِرَةٌ، وأمّا إنْ فُسِّرَتْ بِبِشارَةِ الوَلَدِ -كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ قَتادَةَ، واخْتارَهُ جَمْعٌ أوْ بِما يَعُمُّها- فَلَعَلَّ سَبَبِيَّتَها لَها مِن حَيْثُ إنَّها تُفِيدُ زِيادَةَ اطْمِئْنانِ قَلْبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِسَلامَتِهِ وسَلامَةِ أهْلِهِ كافَّةً، كَذا قالَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ، ثُمَّ قالَ: إنْ قِيلَ: إنَّ المُتَبادَرَ مِن هَذا الكَلامِ أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ عَلِمَ أنَّهم مُرْسَلُونَ لِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ قَبْلَ ذَهابِ الرَّوْعِ عَنْ نَفْسِهِ ولَكِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى مُجادَلَتِهِمْ في شَأْنِهِمْ لِاشْتِغالِهِ بِشَأْنِ نَفْسِهِ، (فَلَمّا ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ) فَرَغَ لَها مَعَ أنَّ ذَهابَ الرَّوْعِ إنَّما هو قَبْلَ العِلْمِ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ قُلْنا: كانَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمُهُ مُكَلَّفِينَ بِها فَلَمّا رَأى مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ما رَأى خافَ عَلى نَفْسِهِ وعَلى كافَّةِ أُمَّتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِهِمْ قَوْمُ لُوطٍ، ولا رَيْبَ في تَقَدُّمِ هَذا الخَوْفِ عَلى قَوْلِهِمْ: ( لا تَخَفْ ) وأمّا الَّذِي عَلِمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ النَّهْيِ فَهو اخْتِصاصُ قَوْمِ لُوطٍ بِالهَلاكِ لا دُخُولَ لَهم تَحْتَ العُمُومِ فَتَأمَّلْ، انْتَهى.
وفِيهِ أنَّ كَوْنَ الكُلِّ أُمَّتَهُ في حَيِّزِ المَنعِ، وما أشارَ إلَيْهِ مِنِ اتِّحادِ الشَّرِيعَتَيْنِ إنْ أرادَ بِهِ الِاتِّحادَ في الأُصُولِ كاتِّحادِ شَرِيعَةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَمُسَلَّمٌ لَكِنْ لا يَلْزَمُ مِنهُ ذَلِكَ، وإنْ أرادَ بِهِ الِاتِّحادَ في الأُصُولِ والفُرُوعِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ ولَوْ سَلِمَ فَفي لُزُومِ كَوْنِ الكُلِّ أُمَّتَهُ لَهُ تَرَدُّدٌ عَلى أنَّهُ لَوْ سَلَّمْنا كُلَّ ذَلِكَ
صفحة 104
فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: سَلَّمْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ما رَأى حَصَلَ لَهُ خَوْفٌ عَلى نَفْسِهِ وعَلى كافَّةِ أُمَّتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِهِمْ قَوْمُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا الخَوْفَ كانَ عَنْ عِلْمٍ بِأنَّ أُولَئِكَ المَلائِكَةَ كانُوا مُرْسَلِينَ لِإهْلاكِ الكُلِّ المُنْدَرِجِ فِيهِ قَوْمُ لُوطٍ بَلْ عَنْ تَرَدُّدٍ وتَحَيُّرٍ في أمْرِهِمْ، وحِينَئِذٍ لا يَنْحَلُّ السُّؤالُ بِهَذا الجَوابِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَبَصِّرِ، وكَأنَّهُ لِذَلِكَ أمَرَ بِالتَّأمُّلِ؛ وقَدْ يُقالُ: المَفْهُومُ مِنَ الكَلامِ تَحَقُّقُ المُجادَلَةِ بَعْدَ تَحَقُّقِ مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ ذَهابِ الرَّوْعِ ومَجِيءِ البِشارَةِ، وهو لا يَسْتَدْعِي إلّا سَبْقَ العِلْمِ بِأنَّهم مُرْسَلُونَ لِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٌ عَلى تَحَقُّقِ المَجْمُوعِ، ويَكْفِي في ذَلِكَ سَبْقُهُ عَلى تَحَقُّقِ البِشارَةِ، وهَذا العِلْمُ مُسْتَفادٌ مِن قَوْلِهِمْ لَهُ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ وكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما لَمْ يُجادِلْ بَعْدَ هَذا العِلْمِ، وأخَّرَ المُجادَلَةَ إلى مَجِيءِ البِشارَةِ لِيَرى ما يَنْتَهِي إلَيْهِ كَلامُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أوْ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ فاصِلُ سُكُوتٍ في البَيْنِ لِيُجادِلَ فِيهِ إلّا أنَّ هَذا لا يَتِمُّ إلّا أنْ يَكُونَ الإخْبارُ بِالإرْسالِ إلى قَوْمِ لُوطٍ سابِقًا عَلى البِشارَةِ بِالوَلَدِ، وفِيهِ تَرَدُّدٌ.
وفِي بَعْضِ الآياتِ ما هو ظاهِرٌ في سَبْقِ البِشارَةِ عَلى الإخْبارِ بِذَلِكَ، نَعَمْ يُمْكِنُ أنْ يَلْتَزِمَ سَبْقُ الإخْبارِ عَلى البِشارَةِ، ويُقالُ: إنَّهم أخْبَرُوهُ أوَّلًا ثُمَّ بَشَّرُوهُ ثانِيًا، ثُمَّ بَعْدَ أنْ تَحَقَّقَ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ قالَ: ﴿فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ويُقالُ: المُرادُ مِنهُ السُّؤالُ عَنْ حالِ العَذابِ هَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ أمْ هو عَلى سَبِيلِ الإخافَةِ لِيَرْجِعُوا إلى الإيمانِ؟ وتَفْسِيرُ المُجادَلَةِ بِهِ كَما مَرَّ عَنْ بَعْضٍ فَتَدَبَّرْ ذاكَ واللَّهُ سُبْحانَهُ يَتَوَلّى هُداكَ
11:75Page 230
إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٞ مُّنِيبٞ ٧٥
Indeed, Abraham was forbearing, grieving1 and [frequently] returning [to Allāh].
﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ غَيْرُ عَجُولٍ عَلى الِانْتِقامِ إلى المُسِيءِ إلَيْهِ ﴿أوّاهٌ﴾ كَثِيرُ التَّأوُّهِ مِنَ الذُّنُوبِ والتَّأسُّفِ عَلى النّاسِ ﴿مُنِيبٌ﴾ راجِعٌ إلى اللَّهِ تَعالى، والمَقْصُودُ مِن وصْفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ المُنْبِئَةِ عَنِ الشَّفَقَةِ ورِقَّةِ القَلْبِ بَيانُ ما حَمَلَهُ عَلى ما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ المُجادَلَةِ، وحَمْلُ الحِلْمِ عَلى عَدَمِ العَجَلَةِ والتَّأنِّي في الشَّيْءِ مُطْلَقًا، وجُعِلَ المَقْصُودُ مِنَ الوَصْفِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ بَيانَ ما حَمَلَهُ عَلى المُجادَلَةِ وإيقاعِها بَعْدَ أنْ تَحَقَّقَ ذَهابُ الرَّوْعِ ومَجِيءُ البُشْرى لا يَخْفى حالُهُ.
11:76Page 230
يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَآۖ إِنَّهُۥ قَدۡ جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَإِنَّهُمۡ ءَاتِيهِمۡ عَذَابٌ غَيۡرُ مَرۡدُودٖ ٧٦
[The angels said], "O Abraham, give up this [plea]. Indeed, the command of your Lord has come, and indeed, there will reach them a punishment that cannot be repelled."
﴿يا إبْراهِيمُ﴾ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ لِيَرْتَبِطَ بِما قَبِلَ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ أوْ قُلْنا ( يا إبْراهِيمُ).
﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الجِدالِ ﴿إنَّهُ﴾ أيِ الشَّأْنُ ﴿قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ أيْ قَدَرُهُ تَعالى المَقْضِيُّ بِعَذابِهِمْ، وقَدْ يُفَسَّرُ بِالعَذابِ، ويُرادُ بِالمَجِيءِ المُشارَفَةُ فَلا يَتَكَرَّرُ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ أيْ لا بِجِدالٍ ولا بِدُعاءٍ ولا بِغَيْرِهِما إذْ حاصِلُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ شارِفُهم ثُمَّ وقَعَ بِهِمْ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى اعْتِبارِ المُشارَفَةِ، والتَّكْرارُ مَدْفُوعٌ بِأنَّ ذاكَ تَوْطِئَةٌ لِذِكْرِ كَوْنِهِ غَيْرَ مَرْدُودٍ.
وقَرَأ عَمْرُو بْنُ هَرَمٍ –وإنَّهم أتاهُمْ- بِلَفْظِ الماضِي، و(عَذابٌ) فاعِلٌ بِهِ، وعَبَّرَ بِالماضِي لِتَحْقِيقِ الوُقُوعِ
11:77Page 230
وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗا وَقَالَ هَٰذَا يَوۡمٌ عَصِيبٞ ٧٧
And when Our messengers, [the angels], came to Lot, he was anguished for them and felt for them great discomfort1 and said, "This is a trying day."
﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: انْطَلِقُوا مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ القَرْيَتَيْنِ أرْبَعَةُ فَراسِخَ ودَخَلُوا عَلَيْهِ في صُورَةِ غِلْمانٍ مُرْدٍ حِسانِ الوُجُوهِ فَلِذَلِكَ ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أيْ أحْدَثَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَجِيئُهُمُ المَساءَةَ لِظَنِّهِ أنَّهم أُناسٌ فَخافَ أنْ يَقْصِدَهم قَوْمُهُ ويَعْجِزَ عَنْ مُدافَعَتِهِمْ، وقِيلَ: كانَ بَيْنَ القَرْيَتَيْنِ ثَمانِيَةُ أمْيالٍ فَأتَوْها عِشاءً، وقِيلَ نِصْفَ النَّهارِ ووَجَدُوا لُوطًا في حَرْثٍ لَهُ.
وقِيلَ: وجَدُوا بِنْتًا لَهُ تَسْتَقِي ماءً مَن نَهْرِ سَدُومَ وهي أكْبَرُ مَحَلٍّ لِلْقَوْمِ فَسَألُوها الدَّلالَةَ عَلى مَن يَضِيفُهم ورَأتْ هَيْأتَهم فَخافَتْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِ أبِيها فَقالَتْ لَهُمْ: مَكانَكم وذَهَبَتْ إلى أبِيها فَأخْبَرَتْهُ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقالُوا:
صفحة 105
إنّا نُرِيدُ أنْ تَضِيفَنا اللَّيْلَةَ، فَقالَ: أوَما سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلاءِ القَوْمِ؟ فَقالُوا: وما عَمَلُهُمْ؟ فَقالَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ تَعالى أنَّهم شَرُّ قَوْمٍ في الأرْضِ، وقَدْ كانَ اللَّهُ تَعالى قالَ لِلْمَلائِكَةِ لا تُعَذِّبُوهم حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ، فَلَمّا قالَ هَذِهِ قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَذِهِ واحِدَةٌ وتَكَرَّرَ القَوْلُ مِنهم حَتّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَّهادَةَ فَتَمَّتِ الأرْبَعُ، ثُمَّ دَخَلَ المَدِينَةَ فَدَخَلُوا مَعَهُ مَنزِلَهُ ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أيْ طاقَةً وجُهْدًا، وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ ذَرَعَ البَعِيرُ بِيَدَيْهِ يَذْرَعُ في مَسِيرِهِ إذا سارَ مادًّا خَطْوَهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الذِّراعِ وهي العُضْوُ المَعْرُوفُ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فَوُضِعَ مَوْضِعَ الطّاقَةِ والجُهْدِ، وذَلِكَ أنَّ اليَدَ كَما تُجْعَلُ مَجازًا عَنِ القُوَّةِ فالذِّراعُ المَعْرُوفَةُ كَذَلِكَ، وفي الصِّحاحِ يُقالُ: ضِقْتُ بِالأمْرِ ذَرْعًا إذا لَمَّ تُطِقْهُ ولَمْ تَقْوَ عَلَيْهِ، وأصْلُ الذَّرْعِ بَسْطُ اليَدِ فَكَأنَّكَ تُرِيدُ مَدَدْتُ يَدِي إلَيْهِ فَلَمْ تَنَلْهُ، ورُبَّما قالُوا: ضِقْتُ بِهِ ذِراعًا، قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ ذِئْبًا:
وإنْ باتَ وحْشًا لَيْلَةً لَمْ يَضِقْ بِها (ذِراعًا) ولَمْ يُصْبِحْ لَها وهو خاشِعٌ
وفِي الكَشّافِ جَعَلَتِ العَرَبُ ضِيقَ الذِّراعُ والذَّرْعُ عِبارَةٌ عَنْ فَقْدِ الطّاقَةِ كَما قالُوا: رَحُبَ الذِّراعُ بِكَذا إذا كانَ مُطِيقًا لَهُ، والأصْلُ فِيهِ أنَّ الرَّجُلَ إذا طالَتْ ذِراعُهُ نالَ ما لا يَنالُهُ القَصِيرُ الذِّراعِ فَضُرِبَ ذَلِكَ مَثَلًا في العَجْزِ والقُدْرَةِ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ أيْ ضاقَ بِأمْرِهِمْ وحالِهِمْ ذَرْعُهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الذَّرْعُ كِنايَةً عَنِ الصَّدْرِ والقَلْبِ، وضِيقُهُ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الِانْقِباضِ لِلْعَجْزِ عَنْ مُدافَعَةِ المَكْرُوهِ والِاحْتِيالِ فِيهِ، وهو عَلى ما قِيلَ: كِنايَةٌ مُتَفَرِّعَةٌ عَلى كِنايَةٍ أُخْرى مَشْهُورَةٍ؛ وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ لِأنَّ الحَقِيقَةَ غَيْرُ مُرادَةٍ هُنا، وأبْعَدَ بَعْضُهم في تَخْرِيجِ هَذا الكَلامِ فَخَرَّجَهُ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّ بَدَنَهُ ضاقَ قَدْرًا عَنِ احْتِمالِ ما وقَعَ ﴿وقالَ هَذا﴾ اليَوْمُ ﴿يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أيْ شَدِيدٌ، وأصْلُهُ مِنَ العَصَبِ بِمَعْنى الشَّدِّ كَأنَّهُ لِشِدَّةِ شَرِّهِ عُصِبَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَعْصِبُ النّاسَ بِالشَّرِّ، قالَ الرّاجِزُ:
يَوْمٌ عَصِيبٌ يَعْصِبُ الأبْطالا ∗∗∗ عَصْبَ القُوى السِّلْمَ الطِّوالا
وفِي مَعْناهُ العَصَبْصَبْ والعَصَوْصَبُ
11:78Page 230
وَجَآءَهُۥ قَوۡمُهُۥ يُهۡرَعُونَ إِلَيۡهِ وَمِن قَبۡلُ كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطۡهَرُ لَكُمۡۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ فِي ضَيۡفِيٓۖ أَلَيۡسَ مِنكُمۡ رَجُلٞ رَّشِيدٞ ٧٨
And his people came hastening to him, and before [this] they had been doing evil deeds.1 He said, "O my people, these are my daughters;2 they are purer for you. So fear Allāh and do not disgrace me concerning my guests. Is there not among you a man of reason?"
﴿وجاءَهُ﴾ أيْ لُوطًا وهي في بَيْتِهِ مَعَ أضْيافِهِ ﴿قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ يَسْتَحِثُّونَ إلَيْهِ كَأنَّهُ يَحُثُّ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ يَحُثُّهم كَبِيرُهم ويَسُوقُهُمْ، أوِ الطَّمَعُ في الفاحِشَةِ، والعامَّةُ عَلى قِراءَتِهِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ جَماعَةٌ (يَهْرَعُونَ) بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مِن هَرِعَ، وأصْلُهُ مِنَ الهَرَعِ وهو الدَّمُ الشَّدِيدُ السَّيَلانِ كَأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، وجاءَ أهْرَعَ القَوْمُ إذا أسْرَعُوا، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الإهْراعَ بِالمَشْيِ بَيْنَ الهَرْوَلَةِ والجَمْزِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَمّا في الآيَةِ، فَقالَ: المَعْنى يُقْبِلُونَ إلَيْهِ بِالغَضَبِ، ثُمَّ أنْشَدَ قَوْلَ مُهَلْهَلٍ:
فَجاءُوا يُهْرَعُونَ وهم أُسارى نَقُودُهم عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِيُسْرِعُونَ وهو بَيانٌ لِلْمُرادِ ويَسْتَقِيمُ عَلى القِراءَتَيْنِ، وجُمْلَةُ ( يُهْرَعُونَ ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن قَوْمِهِ أيْ جاءُوا مُهْرِعِينَ إلَيْهِ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا جاءَ لُوطٌ بِضَيْفِهِ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ أحَدٌ إلّا أهْلَ بَيْتِهِ فَخَرَجَتِ امْرَأتُهُ حَتّى أتَتْ مَجالِسَ قَوْمِها فَقالَتْ: إنَّ لُوطًا قَدْ أضافَ اللَّيْلَةَ فِئَةً ما رُؤِيَ مِثْلُهم جَمالًا فَحِينَئِذٍ جاءُوا يَهْرَعُونَ إلَيْهِ ﴿ومِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ وقْتِ مَجِيئِهِمْ، وقِيلَ: (مِن قَبْلُ) بَعْثِ لُوطٍ رَسُولًا إلَيْهِمْ ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ قِيلَ: المُرادُ سَيِّئَةُ إتْيانِ الذُّكُورِ إلّا أنَّها جُمِعَتْ بِاعْتِبارِ تَكَرُّرِها أوْ بِاعْتِبارِ فاعِلِيها.
وقِيلَ: المُرادُ ما يَعُمُّ ذَلِكَ، وإتْيانُ النِّساءِ في مَحاشِهِنَّ، والمُكاءُ والصَّفِيرُ، واللَّعِبُ بِالحَمامِ، والقُمارُ، والِاسْتِهْزاءُ
صفحة 106
بِالنّاسِ. وغَيْرُ ذَلِكَ، والمُرادُ مِن ذِكْرِ عَمَلِهِمُ السَّيِّئاتِ مِن قَبْلِ بَيانِ أنَّهُمُ اعْتادُوا المُنْكَرَ فَلَمْ يَسْتَحْيُوا فَلِذَلِكَ أسْرَعُوا لِطَلَبِ الفاحِشَةِ مِن ضُيُوفِهِ مُظْهِرِينَ غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ، فالجُمْلَةُ مُعْتَرَضَةٌ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَها.
وقِيلَ: إنَّها بَيانٌ لِوَجْهِ ضِيقِ صَدْرِهِ لِما عَرَفَ مِن عادَتِهِمْ، وجَعَلَها شَيْخُ الإسْلامِ في مَوْضِعِ الحالِ كالَّتِي قَبْلَها أيْ جاءُوا مُسْرِعِينَ، والحالُ أنَّهم كانُوا مُنْهَمِكِينَ في عَمَلِ السَّيِّئاتِ.
﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ فَتَزَوَّجُوهُنَّ وكانُوا يَطْلُبُونَهُنَّ مِن قَبْلُ ولا يُجِيبُهم لِخُبْثِهِمْ وعَدَمِ كَفاءَتِهِمْ لا لِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ تَزْوِيجِ المُؤْمِناتِ مِنَ الكُفّارِ فَإنَّهُ كانَ جائِزًا، وقَدْ زَوَّجَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ لِأبِي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وابْنَتَهُ رُقَيَّةَ لِعُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ قَبْلَ الوَحْيِ -وكانا كافِرَيْنِ- إلّا أنَّ عُتْبَةَ لَمْ يَدْخُلْ بِها وفارَقَها بِطَلَبِ أبِيهِ حِينَ نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ فَتَزَوَّجَها عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وأبُو العاصِ كانَ قَدْ دَخَلَ بِها لَكِنْ لَمّا أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ وفادى نَفْسَهُ أخَذَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ العَهْدَ عَلَيْهِ أنْ يَرُدَّها إذا عادَ فَأرْسَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ ورَجُلًا مِنَ الأنْصارِ في طَلَبِها فَجاءا بِها، ثُمَّ إنَّهُ أسْلَمَ وأتى المَدِينَةَ فَرَدَّها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِ بِنِكاحٍ جَدِيدٍ أوْ بِدُونِهِ عَلى الخِلافِ.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَرَضَ بَناتِهِ عَلَيْهِمْ بِشَرْطِ الإسْلامِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ تَزْوِيجَ المُسْلِماتِ مِنَ الكُفّارِ لَمْ يَكُنْ جائِزًا إذْ ذاكَ، وقِيلَ: كانَ لَهم سَيِّدانِ مُطاعانِ فَأرادَ أنْ يُزَوِّجَهُما ابْنَتَيْهِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سِواهُما، واسْمُ إحْداهُما -عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ- زَعُوراءُ والأُخْرى زِيتاءُ، وقِيلَ: كانَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثَ بَناتٍ، وأخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ويُؤَيِّدُهُ ظاهِرُ الجَمْعِ وإنْ جاءَ إطْلاقُهُ عَلى اثْنَيْنِ، وأيًّا ما كانَ فَقَدْ أرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ وِقايَةَ ضَيْفِهِ وهو غايَةُ الكَرَمِ فَلا يُقالُ: كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَعْرِضَ بَناتِهِ عَلى أعْدائِهِ لِيُزَوِّجَهُنَّ إيّاهُمْ؟! نَعَمِ اسْتُشْكِلَ عَرْضُ بَناتِهِ -بِناءً عَلى أنَّهُنَّ اثْنَتانِ كَما هو المَشْهُورُ، أوْ ثَلاثٌ كَما قِيلَ- عَلى أُولَئِكَ المُهْرِعِينَ لِيَتَزَوَّجُوهُنَّ مَعَ القَوْلِ بِأنَّهم أكْثَرُ مِنهُنَّ إذْ لا يَسُوغُ القَوْلُ بِحَلِّ تَزَوُّجِ الجَماعَةِ بِأقَلَّ مِنهم في زَمانٍ واحِدٍ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُ أجِلَّةِ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ذَلِكَ القَوْلَ لَمْ يَكُنْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُجْرِيًا عَلى الحَقِيقَةِ مِن إرادَةِ النِّكاحِ، بَلْ كانَ ذَلِكَ مُبالَغَةً في التَّواضُعِ لَهم وإظْهارًا لِشِدَّةِ امْتِعاضِهِ مِمّا أوْرَدُوا عَلَيْهِ طَمَعًا في أنْ يَسْتَحْيُوا مِنهُ ويَرِقُّوا لَهُ إذا سَمِعُوا ذَلِكَ فَيَتْرُكُوا ضُيُوفَهُ مَعَ ظُهُورِ الأمْرِ واسْتِقْرارِ العِلْمِ وعِنْدَهم أنْ لا مُناكَحَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم وهو الأنْسَبُ بِجَوابِهِمُ الآتِي، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ وابْنِ أبِي الدُّنْيا وابْنِ عَساكِرَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المُرادَ بِبَناتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ نِساءُ أُمَّتِهِ، والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ لِتَنْزِيلِهِنَّ مَنزِلَةَ الحاضِرِ عِنْدَهُ وإضافَتِهِنَّ إلَيْهِ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أبٌ لِأُمَّتِهِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم.
وقَرَأ أُبَيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ لَكِنَّهُ قَدَّمَ ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ عَلى -وهُوَ أبٌ لَهُمْ- وأرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ أنْظَفُ فِعْلًا، أوَأقَلُّ فُحْشًا كَقَوْلِكَ: المَيْتَةُ أطْيَبُ مِنَ المَغْصُوبِ وأحَلُّ مِنهُ، ويُرادُ مِنَ الطَّهارَةِ عَلى الأوَّلِ الطَّهارَةُ الحِسِّيَّةُ وهي الطَّهارَةُ عَمّا في اللُّواطَةِ مِنَ الأذى والخُبْثِ، وعَلى الثّانِي الطَّهارَةُ المَعْنَوِيَّةُ وهو التَّنَزُّهُ عَنِ الفُحْشِ والإثْمِ، وصِيغَةُ أفْعَلُ في ذَلِكَ مَجازٌ، والظّاهِرُ -إنَّ هَؤُلاءِ بَناتِي- مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وكَذَلِكَ ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ (بَناتِي) بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ (وهُنَّ) ضَمِيرُ فَصْلٍ، و(أطْهَرُ) هو الخَبَرُ، وكَوْنُ (هُنَّ) مُبْتَدَأً ثانِيًا، و(أطْهَرُ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ هَؤُلاءِ.
صفحة 107
وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ (أطْهَرَ) بِالنَّصْبِ، وقَدْ خَفِيَ وجْهُهُ حَتّى قالَ عَمْرُو بْنُ العَلاءِ: إنَّ مَن قَرَأ (أطْهَرَ) بِالنَّصْبِ فَقَدْ تَرَبَّعَ في لَحْنِهِ وذَلِكَ لِأنَّ انْتِصابَهُ عَلى أنْ يُجْعَلَ حالًا عَمِلَ فِيها ما في (هَؤُلاءِ) مِنَ الإشارَةِ أوِ التَّنْبِيهِ أوْ يَنْصَبُ (هَؤُلاءِ) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: خُذُوا هَؤُلاءِ و(بَناتِي) بَدَلٌ، ويَعْمَلُ هَذا المُضْمَرُ في الحالِ و(هُنَّ) في الصُّورَتَيْنِ فَصْلٌ، وهَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ الفَصْلَ إنَّما يَكُونُ بَيْنَ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ، ولا يَكُونُ بَيْنَ الحالِ وذِيها كَذا قِيلَ، وهَذا المَنعُ هو المَرْوِيُّ عَنْ سِيبَوَيْهِ وخالَفَ في ذَلِكَ الأخْفَشُ فَأجازَ تَوَسُّطَ الفَصْلِ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها فَيَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ هو ضاحِكًا، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وقِيلَ: بِوُقُوعِهِ شُذُوذًا كَما في قَوْلِهِمْ: أكْثَرُ أكْلِي التُّفّاحَةُ هي نَضِيجَةً، ومَن مَنَعَ ذَلِكَ خَرَجَ هَذا عَلى إضْمارِ كانَ، والآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلى أنَّ (هُنَّ) مُبْتَدَأٌ و(لَكُمُ) الخَبَرُ، و(أطْهَرُ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ الحالِ عَلى عامِلِها الظَّرْفِيِّ، والأكْثَرُونَ عَلى مَنعِهِ أوْ عَلى أنْ يَكُونَ (هَؤُلاءِ) مُبْتَدَأً و﴿بَناتِي هُنَّ﴾ جُمْلَةً في مَوْضِعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ كَقَوْلِكَ: هَذا أخِي هُوَ، ويَكُونُ (أطْهَرَ) حالًا، ورُوِيَ هَذا عَنِ المُبَرَّدِ، وابْنِ جِنِّيٍّ، أوْ عَلى أنْ يَكُونَ (هَؤُلاءِ) مُبْتَدَأً و(بَناتِي) بَدَلًا مِنهُ أوْ عَطْفَ بَيانٍ و(هُنَّ) خَبَرٌ و(أطْهَرَ) عَلى حالِهِ.
وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنًى طائِلٌ، ودُفِعَ بِأنَّ المَقْصُودَ بِالإفادَةِ الحالُ كَما في قَوْلِكَ: هَذا أبُوكَ عَطُوفًا، وادَّعى في الكَشْفِ أنَّ الأوْجَهَ أنْ يُقَدِّرُوا خُذُوا هَؤُلاءِ أطْهَرَ لَكُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿بَناتِي هُنَّ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ وكَوْنُهُنَّ أوْلى قُدِّمَتْ لِلِاهْتِمامِ كَأنَّهُ قِيلَ خُذُوا هَؤُلاءِ العَفائِفَ أطْهَرَ لَكم إنَّ بَناتِي هُنَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ طَهارَتِي وطَهارَةَ بَناتِي؛ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ (هُنَّ) تَأْكِيدٌ لِلْمُسَتِكِنِّ في (بَناتِي) لِأنَّهُ وصْفٌ مُشْتَقٌّ لا سِيَّما عَلى المَذْهَبِ الكُوفِيِّ فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بِتَرْكِ الفَواحِشِ أوْ بِإيثارِهِنَّ عَلَيْهِمْ ﴿ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي﴾ أيْ لا تَفْضَحُونِي في شَأْنِهِمْ فَإنَّ إخْزاءَ ضَيْفِ الرَّجُلِ إخْزاءٌ لَهُ، أوْ لا تُخْجِلُونِي فِيهِمْ، والمَصْدَرُ عَلى الأوَّلِ الخِزْيُ وعَلى الثّانِي الخِزايَةُ، وأصْلُ مَعْنى خِزْيٍ لَحِقَهُ انْكِسارٌ إمّا مِن نَفْسِهِ وهو الحَياءُ المُفْرِطُ، وإمّا مِن غَيْرِهِ وهو الِاسْتِخْفافُ والتَّفْضِيحُ، والضَّيْفُ مَصْدَرُ، ولِذا إذا وُصِفَ بِهِ المُثَنّى أوِ المَجْمُوعُ لَمْ يُطابِقْ عَلى المَشْهُورِ، وسُمِعَ فِيهِ ضُيُوفٌ وأضْيافٌ وضِيفانٌ، (ولا) ناهِيَةٌ، والفِعْلُ مَجْزُومٌ بِحَذْفِ النُّونِ، والمَوْجُودَةُ نُونُ الوِقايَةِ، والياءُ مَحْذُوفَةٌ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، وقُرِئَ بِإثْباتِها عَلى الأصْلِ ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ يَهْتَدِي إلى الحَقِّ الصَّرِيحِ ويَرْعَوِي عَنِ الباطِلِ القَبِيحِ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يَأْمُرُ بِمَعْرُوفٍ أوْ يَنْهى عَنْ مُنْكَرٍ، وهو إمّا بِمَعْنى ذُو رُشْدٍ أوْ بِمَعْنى مُرْشِدٍ كالحَكِيمِ بِمَعْنى المُحْكِمِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعَجُّبِ، وحَمْلُهُ عَلى الحَقِيقَةِ لا يُناسِبُ المَقامَ
11:79Page 230
قَالُواْ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنۡ حَقّٖ وَإِنَّكَ لَتَعۡلَمُ مَا نُرِيدُ ٧٩
They said, "You have already known that we have not concerning your daughters [i.e., women] any claim [i.e., desire], and indeed, you know what we want."
﴿قالُوا﴾ مُعْرِضِينَ عَمّا نَصَحَهم بِهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّقْوى والنَّهْيِ عَنِ الإخْزاءِ عَنْ أوَّلِ كَلامِهِ ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ أيْ حَقٍّ وهو واحِدُ الحُقُوقِ، وعَنَوْا بِهِ قَضاءَ الشَّهْوَةَ أيْ ما لَنا حاجَةٌ في بَناتِكِ، وقَدْ يُفَسَّرُ بِما يُخالِفُ الباطِلَ أيْ ما لَنا في بَناتِكَ نِكاحُ حَقٍّ لِأنَّكَ لا تَرى جَوازَ نِكاحِنا لِلْمُسْلِماتِ، وما هو إلّا عَرْضٌ سابِرِيٌّ كَذا قِيلَ، وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ كانَ مِن شَرِيعَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَدَمُ حِلِّ نِكاحِ الكافِرِ المُسْلِمَةَ.
وقِيلَ: إنَّما نَفَوْا أنْ يَكُونَ لَهم حَقٌّ في بَناتِهِ لِأنَّهم كانُوا قَدْ خَطَبُوهُنَّ فَرَدَّهم وكانَ مِن سُنَّتِهِمْ أنَّ مَن رُدَّ في خِطْبَةِ امْرَأةٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أبَدًا، وقِيلَ: إنَّهم لَمّا اتَّخَذُوا إتْيانَ الذُّكُورِ مَذْهَبًا كانَ عِنْدَهم هو الحَقُّ وأنَّ نِكاحَ الإناثِ مِنَ الباطِلِ فَقالُوا ما قالُوا، وقِيلَ: قالُوا ذَلِكَ لِأنَّ عادَتَهم كانَتْ أنْ لا يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ مِنهم إلّا واحِدَةً وكانُوا
صفحة 108
كُلُّهم مُتَزَوِّجِينَ ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ أيْ مِن إتْيانِ الذُّكُورِ، والظّاهِرُ أنَّ (ما) مَفْعُولٌ لِتَعْلَمَ، وهو بِمَعْنى تَعْرِفُ، وهي مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيِ الَّذِي نُرِيدُهُ، وقِيلَ: إنَّها مَصْدَرِيَّةٌ فَلا حَذْفَ أيْ إرادَتِنا.
وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وقَعَتْ مَفْعُولًا –لِنُرِيدُ- وهي حِينَئِذٍ مُعَلَّقَةٌ –لِتَعْلَمَ- ولِما يَئِسَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنِ ارْعِوائِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الغَيِّ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences