Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Hud 11:95–99
11:95Page 232
كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّمَدۡيَنَ كَمَا بَعِدَتۡ ثَمُودُ ٩٥
As if they had never prospered therein. Then, away with Madyan as Thamūd was taken away.
﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ أيْ لَمْ يُقِيمُوا ﴿فِيها﴾ مُتَصَرِّفِينَ في أطْرافِها مُتَقَلِّبِينَ في أكْنافِها، والجُمْلَةُ إمّا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ حالٌ بَعْدَ حالٍ.
﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ العُدُولُ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ لِلْمُبالَغَةِ في تَفْظِيعِ حالِهِمْ ولِيَكُونَ أنْسَبَ بِمَن شَبَّهَ هَلاكَهم بِهَلاكِهِمْ، وإنَّما شَبَّهَ هَلاكَهم بِهَلاكِهِمْ لِأنَّ عَذابَ كُلٍّ كانَ بِالصَّيْحَةِ غَيْرَ أنَّهُ رَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ صَيْحَةَ ثَمُودَ كانْتْ مِن تَحْتِهِمْ، وصَيْحَةُ مَدْيَنَ كانَتْ مِن فَوْقِهِمْ.
وقَرَأ السِّلْمِيُّ وأبُو حَيْوَةَ (بَعُدَتْ) بِضَمِّ العَيْنِ، والجُمْهُورُ بِكَسْرِها عَلى أنَّهُ مِن بَعِدَ يَبْعَدُ بِكَسْرِ العَيْنِ في الماضِي وفَتْحِها في المُضارِعِ بِمَعْنى هَلَكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ:
يَقُولُونَ: (لا تَبْعُدُ) وهم يَدْفِونني وأيْنَ مَكانُ البُعْدِ إلّا مَكانِيا
وأمّا بَعُدَ يَبْعُدُ بِالضَّمِّ فَهو البُعْدُ ضِدُّ القُرْبِ قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، قِيلَ: أرادَتِ العَرَبُ بِهَذا التَّغْيِيرِ الفَرْقَ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مِنَ العَرَبِ مَن يُسَوِّي بَيْنَ الهَلاكِ والبُعْدِ الَّذِي هو ضِدُّ القُرْبِ، وفي القامُوسِ البُعْدُ المَعْرُوفُ والمَوْتُ، وفِعْلُهُما كَكَرُمَ وفَرِحَ بُعْدًا وبَعَدًا بِفَتْحَتَيْنِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: إنَّ بَعُدَ بِالضَّمِّ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وبَعِدَ بِالكَسْرِ في الشَّرِّ خاصَّةً، وكَيْفَما كانَ الأمْرُ فالمُرادُ بِبَعِدَتْ عَلى تِلْكَ القِراءَةِ أيْضًا هَلَكَتْ غايَةُ الأمْرِ أنَّهُ في ذَلِكَ إمّا حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ، ومَن هَلَكَ فَقَدْ بَعُدَ ونَأى كَما قالَ الشّاعِرُ:
ومَن كانَ بَيْنَكَ في التُّرابِ وبَيْنَهُ ∗∗∗ شَهْرانِ فَهو في غايَةِ (البُعْدِ)
صفحة 130
وفِي الآيَةِ ما يُسَمّى الِاسْتِطْرادَ، قِيلَ: ولَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ مِن هَذا النَّوْعِ إلّا ما في هَذا المَوْضِعِ، وقَدِ اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ في أشْعارِها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ حَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:
إنْ كُنْتِ كاذِبَةً الَّذِي حَدَّثْتِنِي ∗∗∗ فَنَجَوْتُ مَنجى الحَرْثِ بْنِ هِشامِ
تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِلَ دُونَهم ∗∗∗ ونَجا بِرَأْسِ طِمَّرَةٍ ولِجامِ
* * *
هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ) قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في قِصَّةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ ذِي نَفْسٍ تَحْتَ قَهْرِهِ سُبْحانَهُ وسُلْطانُهُ أسِيرٌ في يَدِ تَصَرُّفِهِ ومَلَكَتِهِ عاجِزٌ عَنِ الفِعْلِ إلّا بِإذْنِهِ وأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يُسَلِّطُ أحَدًا عَلى أحَدٍ إلّا عَنِ اسْتِحْقاقِ ذَنْبٍ أوْ رَفْعِ دَرَجَةٍ وإعْلاءِ مَنزِلَةٍ؛ لِأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلى طَرِيقِ العَدْلِ الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ سِرَّهُ في فُصُوصِهِ: إنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ فَهو دابَّةٌ فَإنَّهُ ذُو رُوحٍ وما ثَمَّ مَن يَدُبُّ بِنَفْسِهِ وإنَّما يَدِبُّ بِغَيْرِهِ بِحُكْمِ التَّبَعِيَّةِ لِلَّذِي هو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَكُلُّ ماشٍ فَهو عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ وحِينَئِذٍ فَلا مَغْضُوبَ عَلَيْهِ ولا ضالَّ مِن هَذا الوَجْهِ، نَعَمْ إنَّ النّاسَ عَلى قِسْمَيْنِ: أهْلِ الكَشْفِ وأهْلِ الحِجابِ، فالأوَّلُونَ يَمْشُونَ عَلى طَرِيقٍ يَعْرِفُونَها ويَعْرِفُونَ غايَتَها، فَهي في حَقِّهِمْ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ كَما أنَّها في نَفْسِ الأمْرِ كَذَلِكَ، والآخَرُونَ يَمْشُونَ عَلى طَرِيقٍ يَجْهَلُونَها ولا يَعْرِفُونَ غايَتَها وأنَّها تَنْتَهِي إلى الحَقِّ، فَهي في حَقِّهِمْ لَيْسَتْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا وإنْ كانَتْ عِنْدَ العارِفِ ونَفْسِ الأمْرِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا، واسْتَنْبَطَ قَدَّسَ سِرَّهُ مِنَ الآيَةِ أنَّ مَآلَ الخَلْقِ كُلِّهِمْ إلى الرَّحْمَةِ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وهي الرَّحْمَةُ السّابِقَةُ عَلى الغَضَبِ، وادَّعى أنَّ فِيها بِشارَةً لِلْخَلْقِ أيَّ بِشارَةٍ.
وقالَ القَيْصَرِيُّ في تَفْسِيرِها: أيْ ما مِن شَيْءٍ مَوْجُودٍ إلّا هو سُبْحانَهُ آخِذٌ بِناصِيَتِهِ وإنَّما جُعِلَ دابَّةً لِأنَّ الكُلَّ عِنْدَ صاحِبِ الشُّهُودِ وأهِلِ الوُجُودِ حَيٌّ، فالمَعْنى ما مِن حَيٍّ إلّا والحَقُّ آخِذٌ بِناصِيَتِهِ ومُتَصَرِّفٌ فِيهِ بِحَسَبِ أسْمائِهِ يَسْلُكُ بِهِ أيَّ طَرِيقٍ شاءَ مِن طُرُقِهِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؛ وأشارَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (آخِذٌ) إلى هُوِيَّةِ الحَقِّ الَّذِي مَعَ كُلٍّ مِنَ الأسْماءِ ومَظاهِرِها، وإنَّما قالَ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بِإضافَةِ الرَّبِّ إلى نَفْسِهِ وتَنْكِيرِ الصِّراطِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ رَبٍّ عَلى صِراطِهِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي عُيِّنَ لَهُ مِنَ الحَضْرَةِ الآلِهِيَّةِ، والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ الجامِعُ لِلطُّرُقِ هو المَخْصُوصُ بِالِاسْمِ الآلِهِيِّ ومُظْهِرُهُ، لِذَلِكَ قالَ في الفاتِحَةِ المُخْتَصَّةِ بِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ بِلامِ العَهْدِ، أوِ الماهِيَّةِ الَّتِي مِنها تَتَفَرَّعُ جُزْئِيّاتُها، فَلا يُقالُ: إذا كانَ كُلُّ أحَدٍ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ فَما فائِدَةُ الدَّعْوَةِ؟ لِأنّا نَقُولُ: الدَّعْوَةُ إلى الهادِي مِنَ المُضِلِّ، وإلى العَدْلِ مِنَ الجائِرِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ انْتَهى بِحُرُوفِهِ، وأعْظَمُ مِن هَذا إشْكالًا التَّكْلِيفُ مَعَ القَوْلِ بِالوَحْدَةِ وكَذا التَّنْعِيمُ والتَّعْذِيبُ، فَإنَّ الظّاهِرَ مِنَ التَّقْدِيرِ لِكَلامِ المُحَقِّقِينَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ أنَّ المُكَلَّفَ عِبارَةٌ عَنْ مَوْجُودٍ هو حِصَّةٌ مِنَ الوُجُودِ المُطْلَقِ المُفاضِ عَلى حَقائِقِ المُمْكِناتِ المُتَعَيِّنِ بِتَعَيُّناتٍ مُخْتَلِفَةٍ اقْتَضَتْها الِاسْتِعْداداتُ الذّاتِيَّةُ لِلْحَقائِقِ الَّتِي هي المَعْدُوماتُ المُتَمَيِّزَةُ في نَفْسِ الأمْرِ المُسْتَعِدَّةُ بِاسْتِعْداداتٍ ذاتِيَّةٍ غَيْرِ مَجْعُولَةٍ، فالمُكَلَّفُ مُقَيَّدٌ مِن مُقَيِّداتِ الوُجُودِ المُطْلَقِ المُفاضِ، والمُقَيَّدُ لا يُوجَدُ بِدُونِ المُطْلَقِ لِأنَّهُ قَيُّومُهُ، والمُطْلَقُ مِن حَيْثُ الإطْلاقُ عَيْنُ الحَقِّ، ولا شَكَّ أنَّ قاعِدَةَ التَّكْلِيفِ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما مُغايَرَةٌ ومُبايَنَةٌ حَقِيقِيَّةٌ ذاتِيَّةٌ حَتّى يَصِحَّ التَّكْلِيفُ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ التَّعْذِيبِ والتَّنْعِيمِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ حَقِيقَةَ المُمْكِنِ أمْرٌ مَعْدُومٌ مُتَمَيِّزٌ في نَفْسِهِ بِتَمَيُّزٍ ذاتِيٍّ غَيْرِ مَجْعُولٍ ووُجُودُهُ خاصٌّ مُقَيَّدٌ بِخُصُوصِيَّةٍ ما
صفحة 131
اقْتَضاها اسْتِعْدادُهُ الذّاتِيُّ لِماهِيَّتِهِ العَدَمِيَّةِ فَهو مُرَكَّبٌ مِنَ الوُجُودِ والعَدَمِ، وحَقِيقَتُهُ مُغايِرَةٌ لِوُجُودِهِ تَعَقُّلًا لِتَمايِزِهِما ذِهْنًا، ولا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلُ الأشْعَرِيِّ: وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ عَيْنُ حَقِيقَتِهِ لِما بَيَّنَ في مَحَلِّهِ، وحَقِيقَةُ الحَقِّ تَعالى لا تُغايِرُ وُجُودَهُ ووُجُودُهُ سُبْحانَهُ هو الوُجُودُ المُطْلَقُ بِالإطْلاقِ الحَقِيقِيِّ حَسْبَما حَقَّقَهُ مُحَقِّقُو الصُّوفِيَّةِ، فالمُغايَرَةُ الذّاتِيَّةُ بَيْنَ المُكَلَّفِ والمُكَلِّفِ في غايَةِ الظُّهُورِ لِأنَّ المُكَلَّفَ هو المَعْدُومُ اللّابِسُ لِحِصَّةٍ مِنَ الوُجُودِ المُتَعَيِّنِ بِمُقْتَضى حَقِيقَتِهِ، والمُكَلِّفُ سُبْحانَهُ هو الحَقُّ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو عَيْنُ الوُجُودِ المُطْلِقِ غَيْرُ المُقْتَرِنِ بِماهِيَّةٍ عَدَمِيَّةٍ، وبِعِبارَةٍ أُخْرى: إنَّ حَقِيقَةَ المُمْكِنِ أمْرٌ مَعْدُومٌ، وحَقِيقَةُ الواجِبِ سُبْحانَهُ الوُجُودُ المُطْلَقُ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ وقَدْ وقَعَ في البَيْنِ تَجَلِّي الهُوِيَّةِ في العَبْدِ وذَلِكَ التَّجَلِّي هو الجامِعُ لِلْقُدْرَةِ وغَيْرِها مِنَ الكَمالاتِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْها التَّكْلِيفُ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ ومُحَقِّقٌ لِلْمُغايَرَةِ.
وحاصِلُ ذَلِكَ أنَّ حَقِيقَةَ المَزْجِ بَيْنَ تَجَلِّي الهُوِيَّةِ والصُّورَةِ الخِلْقِيَّةِ المُتَعَيَّنَةِ بِمُقْتَضى الحَقِيقَةِ العَدَمِيَّةِ هي الَّتِي أحْدَثَتْ ما بِهِ يَصِحُّ التَّكْلِيفُ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وكَوْنُ الحَقِّ سُبْحانَهُ قَيُّومًا لِلْوُجُودِ المُقَيَّدِ غَيْرُ قادِحٍ في ذَلِكَ بَلِ القَيُّومِيَّةُ هي المُصَحِّحَةُ لَهُ لِما تَبَيَّنَ مِنَ النُّصُوصِ أنَّهُ لا تَكْلِيفَ إلّا بِالوُسْعِ ولا وُسْعَ لِلْمُمْكِنِ إلّا بِقَيُّومِيَّتِهِ تَعالى بِنَصِّ ﴿ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ﴾ وما هو بِاللَّهِ فَهو لِلَّهِ تَعالى، والبَحْثُ في ذَلِكَ طَوِيلٌ، وبَعْضُ كَلِماتِهِمْ يَتَراءى مِنها عَدَمُ المُغايَرَةِ بَيْنَ المُكَلَّفِ والمُكَلِّفِ مِن ذَلِكَ ما قِيلَ:
لَقَدْ كُنْتَ دَهْرًا قَبْلَ أنْ يُكْشَفَ الغَطا إخالُكَ أنِّي ذاكِرٌ لَكَ شاكِرُ
فَلَمّا أضاءَ اللَّيْلُ أصْبَحْتُ شاهِدًا ∗∗∗ بِأنَّكَ مَذْكُورٌ وذِكْرٌ وذاكِرُ
لَكِنْ يَنْبَغِي أنْ لا يُبادِرَ سامِعُها بِالإنْكارِ، ويَرْجِعُ في المُرادِ مِنها إلى العارِفِينَ بِدَقائِقِ الأسْرارِ، هَذا وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ناقَةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيما قَصَّ اللَّهُ تَعالى هَهُنا عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إشارَةٌ إلى بَعْضِ آدابِ الفُتُوَّةِ، فَقَدْ قالُوا: إنَّ مِن آدابِها إذا نَزَلَ الضَّيْفُ أنْ يَبْدَأ بِالكَرامَةِ في الإنْزالِ، ثُمَّ يُثْنِي بِالكَرامَةِ بِالطَّعامِ، وإنَّما أوْجَسَ عَلَيْهِ السَّلامُ في نَفْسِهِ خِيفَةً لِأنَّهُ ظَنَّ الغَضَبَ، والخَلِيلُ يَخْشى غَضَبَ خَلِيلِهِ ومُناهُ رِضاهُ، ولِلَّهِ دَرُّ مَن قالَ:
لَعَلَّكَ غَضْبانُ ولَسْتَ بِعالِمِ سَلامٍ ∗∗∗ عَلى الدّارَيْنِ إنْ كُنْتَ راضِيًا
وفِي هَذِهِ القِصَّةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَدْ يَنْسَدُّ بابُ الفِراسَةِ عَلى الكامِلِينَ لِحِكَمٍ يُرِيدُها اللَّهُ تَعالى، ومِن ذَلِكَ لَمْ يَعْرِفْ إبْراهِيمُ وكَذا لُوطٌ عَلَيْهِما السَّلامُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في أوَّلِ الأمْرِ، وكانَتْ مُجادَلَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن آثارِ مَقامِ الإدْلالِ عَلى ما قِيلَ، وقَوْلُهُ تَعالى عَنْ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ قِيلَ: يُشِيرُ بِالقُوَّةِ إلى الهِمَّةِ وهي عِنْدَهُمُ القُوَّةُ المُؤَثِّرَةُ في النُّفُوسِ لِأنَّ القُوَّةَ مِنها جِسْمانِيَّةٌ، ومِنها رُوحانِيَّةٌ، وهَذِهِ المُسَمّاةُ بِالهِمَّةِ وهي أقْوى تَأْثِيرًا لِأنَّها قَدْ تُؤَثِّرُ في أكْثَرِ العالَمِ أوْ كُلِّهِ بِخِلافِ الجِسْمانِيَّةِ، وقَصَدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ القَبِيلَةَ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى لا تَظْهَرُ في الخارِجِ إلّا عَلى أيْدِي المَظاهِرِ فَتَوَجَّهَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وطَلَبَ مِنهُ أنْ يَجْعَلَ لَهُ أنْصارًا يَنْصُرُونَهُ عَلى أعْداءِ اللَّهِ تَعالى، ورَدَّدَ الأمْرَ بَيْنَ ذَلِكَ وأنْ يَجْعَلَ لَهُ هِمَّةً مُؤَثِّرَةً مِن نَفْسِهِ لِيُقاوِمَ بِها الأعْداءَ، وقَدْ عَلِمْتُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن قَوْلِهِ: «يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى أخِي لُوطًا» الخَبَرَ.
وذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ سِرَّهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَبَّهَ بِذَلِكَ الخَبَرِ أنَّ لُوطًا كانَ مَعَ اللَّهِ تَعالى مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ
صفحة 132
﴿رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ والإشارَةُ في قِصَّةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِمَن كانَ في حَيِّزٍ أنْ لا يَعْصِيَ اللَّهَ تَعالى ولِلْواعِظِ أنْ لا يُخالِفَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ:
لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأْتِي مِثْلَهُ ∗∗∗ عارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ
وأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ شَيْءٌ عِنْدَ العَبْدِ أعَزَّ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِ ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَبِيلِ الرَّشادِ
11:96Page 232
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٩٦
And We did certainly send Moses with Our signs and a clear authority1
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ وهي الآياتُ التِّسْعُ؛ العَصا واليَدُ البَيْضاءُ، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، والنَّقْصُ مِنَ الثَّمَراتِ والأنْفُسِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِ ( أرْسَلْنا ) أوْ نَعْتًا لِمَصْدَرِهِ المُؤَكَّدِ أيْ أرْسَلْناهُ حالَ كَوْنِهِ مُلْتَبِسًا بِآياتِنا. أوْ أرْسَلْناهُ إرْسالًا مُلْتَبِسًا بِها.
﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ هو المُعْجِزاتُ الباهِرَةُ مِنها -وهُوَ العَصا- والإفْرادُ بِالذِّكْرِ لِإظْهارِ شَرَفِها لِكَوْنِها أبْهَرَها، والمُرادُ بِالآياتِ ما عَداها، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِما واحِدٌ، والعَطْفُ بِاعْتِبارِ التَّغايُرِ الوَصْفِيِّ أيْ أرْسَلْناهُ بِالجامِعِ بَيْنَ كَوْنِهِ آياتِنا وكَوْنِهِ سُلْطانًا لَهُ عَلى نُبُوَّتِهِ واضِحًا في نَفْسِهِ أوْ مُوَضِّحًا إيّاها مِن أبانَ لازِمًا بِمَعْنى تَبَيَّنَ ومُتَعَدِّيًا بِمَعْنى بَيَّنَ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الآياتِ والسُّلْطانَ شَيْئًا واحِدًا في نَفْسِ الأمْرِ إلّا أنَّ في ذَلِكَ تَجْرِيدًا نَحْوَ مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ الكَرِيمِ، والنَّسَمَةُ المُبارَكَةُ كَأنَّهُ جَرَّدَ مِنَ الآياتِ الحُجَّةَ وجَعَلَها غَيْرَها وعُطِفَتْ عَلَيْها لِذَلِكَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالآياتِ ما سَمِعْتَ وبِالسُّلْطانِ ما بَيَّنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في تَضاعِيفِ دَعْوَتِهِ حِينَ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: ﴿فَمَن رَبُّكُما)،﴾ ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ مِنَ الحَقائِقِ الرّائِقَةِ، والدَّقائِقِ اللّائِقَةِ، أوْ هو الغَلَبَةُ والِاسْتِيَلاءُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا﴾ وجَعَلَهُ عِبارَةً عَنِ التَّوْراةِ، أوْ إدْراجُها في جُمْلَةِ الآياتِ يَرُدُّهُ كَما قالَ أبُو حَيّانَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:
11:97Page 232
إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ فِرۡعَوۡنَۖ وَمَآ أَمۡرُ فِرۡعَوۡنَ بِرَشِيدٖ ٩٧
To Pharaoh and his establishment, but they followed the command of Pharaoh, and the command of Pharaoh was not [at all] discerning.
﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ فَإنَّ نُزُولَها إنَّما كانَ بَعْدَ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ قاطِبَةً لِيَعْمَلَ بِها بَنُو إسْرائِيلَ فِيما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ، وأمّا فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ فَإنَّما كانُوا مَأْمُورِينَ بِعِبادَةِ رَبِّ العالَمِينَ وتَرْكِ العَظِيمَةِ الشَّنْعاءِ الَّتِي كانَ يَدَّعِيها الطّاغِيَةُ وتَقْبَلُها مِنهُ فِئَةُ الباغِيَةِ وبِإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأسْرِ والقَسْرِ، ومِن هَذا يُعْلَمُ ما في عَدِّ النَّقْصِ مِنَ الثَّمَراتِ والنَّقْصِ مِنَ الأنْفُسِ آيَةً واحِدَةً مِنَ الآياتِ التِّسْعِ، وعَدِّ إظْلالِ الجَبَلِ مِنها لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِقَبُولِ التَّوْراةِ حِينَ أباهُ بَنُو إسْرائِيلَ فَهو مُتَأخِّرٌ أيْضًا ضَرُورَةً، ومِثْلُ ذَلِكَ عُدَّ فَلْقُ البَحْرِ وإظْلالُ الغَمامِ بَدَلَهُما لِأنَّ هَذا الإظْلالَ أيْضًا مُتَأخِّرٌ عَنْ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.
وأجابَ بَعْضُ الأفاضِلِ عَنْ الِاعْتِراضِ عَلى جَعْلِ التَّوْراةِ مِنَ الآياتِ بِأنَّ التَّصْحِيحَ مُمْكِنٌ، أمّا أوَّلًا فَبِما صَرَّحُوا بِهِ مِن جَوازِ إرْجاعِ الضَّمِيرِ وتَعَلُّقِ الجارِّ ونَحْوِهِ بِالمُطْلَقِ الَّذِي في ضِمْنِ المُقَيَّدِ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( إلى فِرْعَوْنَ) يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالإرْسالِ المُطْلَقِ لا المُقَيَّدِ بِكَوْنِهِ بِالتَّوْراةِ، وأمّا ثانِيًا فَبِأنْ يُقالَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما أرْسَلَ إلى الفَراعِنَةِ أرْسَلَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ أيْضًا فَيَجِبُ أنْ يُحْمَلَ مَلَأُ فِرْعَوْنَ عَلى ما يَشْمَلُهم فَيَجِيءُ الكَلامُ عَلى التَّوْزِيعِ عَلى مَعْنى أرْسَلْناهُ إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ وإلى مَلائِهِ بِالتَّوْراةِ فَيَكُونُ لَفًّا ونَشْرًا غَيْرَ مُرَتَّبٍ، ويُقالُ نَحْوُ هَذا عَلى تَقْدِيرِ عَدِّ إظْلالِ الجَبَلِ أوِ الغَمامِ مِنَ الآياتِ، وفي مَجْمُوعَةِ سَرِيِّ الدِّينِ المِصْرِيِّ أنَّ هَذا السُّؤالَ مِمّا أوْرَدَ الحافِظُ الطّاشَكَنْدِيُّ عَلى مَخْدُومِ المَلِكِ فَأجابَ بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( بِآياتِنا ) حالٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ مُقَدِّرِينَ تَلَبُّسَهُ أوْ نُصْرَتَهُ بِالآياتِ والسُّلْطانِ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَلا يَقْدَحُ فِيهِ ظُهُورُ بَعْضِها بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ كالتَّوْراةِ، وانْفِجارِ الماءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وبِأنَّهُ قِيلَ: إنَّ إعْطاءَ التَّوْراةِ مَجْمُوعًا مُرَتَّبًا مَكْتُوبًا في الألْواحِ بَعْدَ غَرَقِ فِرْعَوْنَ،
صفحة 133
وأوْحى بِها إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في حَياةِ فِرْعَوْنَ وكانَ يَأْمُرُ بِها قَوْمَهُ ويُبَلِّغُها إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، ويُؤَيِّدُهُ ما قِيلَ: إنَّ بَعْضَ الألْواحِ كانَ مُنَزَّلًا قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ بِتَمامِها وكانَتْ تِلْكَ الألْواحُ مِن خَشَبٍ والألْواحُ الَّتِي كانَتْ فِيها التَّوْراةُ بِتَمامِها كانَتْ مِن زُمُرَّدٍ أوْ مِن ياقُوتٍ أحْمَرَ أوْ مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ، انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ الذَّهابَ إلى كَوْنِ الحالِ مُقَدَّرَةً مِمّا لا يَكادُ يَقْبَلُهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، وما حَكى مِن أنَّ إعْطاءَ التَّوْراةِ مَجْمُوعًا كانَ بَعْدُ، والإيحاءُ بِها كانَ قَبْلُ إلَخْ.. مِمّا لا مُسْتَنَدَ لَهُ مِنَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ، وما ذُكِرَ أوَّلًا مِن حَدِيثِ التَّعَلُّقِ بِالمُطْلَقِ وثانِيًا مِن حَمْلِ (المَلَأِ) عَلى ما يَشْمَلُ بَنِي إسْرائِيلَ إلَخْ.. مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُنَزِّهَ ساحَةَ التَّنْزِيلِ عَنْهُ، وكَيْفَ يَحْمِلُ –المَلَأ- عَلى ما يَشْمَلُ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ الإضافَةِ إلَيْهِ وجَعَلَهم مِن أهْلِ النّارِ، ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِنَ القَوْلِ بِعَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ، وقِيلَ: لَوْ جَعَلَ ( إلى فِرْعَوْنَ ) مُتَعَلِّقًا ( بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) لَفْظًا أوْ مَعْنًى عَلى تَقْدِيرِ وسُلْطانٍ مُرْسَلٍ بِهِ إلى فِرْعَوْنَ لَمْ يَبْعُدْ مَعَ المُناسَبَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ السُّلْطانِ، وفِيهِ ما لا يَخْفى فَتَأمَّلْ.
وتَخْصِيصُ –المَلَأِ- بِالذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ رِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْقَوْمِ كافَّةً لِأصالَتِهِمْ في الرَّأْيِ وتَدْبِيرِ الأُمُورِ واتِّباعِ الغَيْرِ لَهم في الوُرُودِ والصُّدُورِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِكُفْرِ فِرْعَوْنَ بِالآياتِ وانْهِماكِهِ فِيما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ والإضْلالِ بَلِ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ شَأْنِ مَلَئِهِ فَقِيلَ: ﴿فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ أمْرَهُ بِالكُفْرِ بِما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الحَقِّ لِلْإيذانِ بِوُضُوحِ حالِهِ فَكَأنَّ كُفْرَهُ وأمْرُ مَلَئِهِ بِذَلِكَ مُتَحَقِّقُ الوُجُودِ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى الذِّكْرِ صَرِيحًا، وإنَّما المُحْتاجُ إلى ذَلِكَ شَأْنُ مَلَئِهِ المُتَرَدِّدِينَ بَيْنَ هادٍ إلى الحَقِّ -وهُوَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ- وداعٍ إلى الضَّلالِ -وهُوَ فِرْعَوْنُ- فَنَعى عَلَيْهِمْ سُوءَ اخْتِيارِهُمْ، وإيرادُ الفاءِ لِلْإشْعارِ بِمُفاجَأتِهِمْ في الاتِّباعِ ومُسارَعَةِ فِرْعَوْنَ إلى الكُفْرِ والأمْرِ بِهِ، فَكَأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَتَراخَ عَنِ الإرْسالِ والتَّبْلِيغِ.
وجَوَّزَ أنْ يُرادَ مِنَ الأمْرِ الطَّرِيقَةُ والشَّأْنُ، قِيلَ: ومَعْنى ( فاتَّبَعُوا ) فاسْتَمَرُّوا عَلى الاتِّباعِ، والفاءُ مِثْلُ ما في قَوْلِكَ: وعَظْتُهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ وزَجَرْتُهُ فَلَمْ يَنْزَجِرْ، فَإنَّ الإتْيانَ بِالشَّيْءِ بَعْدَ وُرُودِ ما يُوجِبُ الإقْلاعَ عَنْهُ وإنْ كانَ اسْتِمْرارًا عَلَيْهِ لَكِنَّهُ بِحَسَبِ العُنْوانِ فِعْلٌ جَدِيدٌ وصُنْعٌ حادِثٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فاتَّصَفُوا بِما اتَّصَفَ بِهِ فِرْعَوْنُ مِنَ الكُفْرِ بِما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والتَّكْذِيبُ لَهُ ووافَقُوهُ في ذَلِكَ، وإيرادُ الفاءِ لِلْإشْعارِ بِمُفاجَأتِهِمْ في المُوافَقَةِ لِفِرْعَوْنَ في الكُفْرِ ومُسارَعَتِهِ إلَيْهِ فَكَأنَّهُ حِينَ حَصَلَ الإرْسالُ والتَّبْلِيغُ حَصَلَ كُفْرُ فِرْعَوْنَ بِما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ووَقَعَ عَلى أثَرِهِ المُوافَقَةُ مِنهُمْ، ولا تَتَوَهَّمْنَ أنَّ هَذِهِ المُوافَقَةَ كانَتْ حاصِلَةً لَهم قَبْلُ لِأنَّها تَتَوَقَّفُ عَلى اتِّصافِ فِرْعَوْنَ بِالكُفْرِ بِما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ إنَّما تَجَدَّدَ لَهُ بَعْدَ الإرْسالِ والتَّبْلِيغِ فَلا ضَرُورَةَ إلى الحَمْلِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وجَعْلُ الفاءِ كَما في قَوْلِكَ: زَجَرْتُهُ فانْزَجَرَ فَتَأمَّلْ.
وعَدَلَ عَنْ أمْرِهِ إلى أمْرِ فِرْعَوْنَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أوَّلِ الأمْرِ ولِزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِ المُتَّبِعِينَ فَإنَّ فِرْعَوْنَ عَلَمٌ في الفَسادِ والإفْسادِ والضَّلالِ والإضْلالِ، فاتِّباعُهُ لِفَرْطِ الجَهالَةِ وعَدَمِ الِاسْتِبْصارِ، وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أيْ بِراشِدٍ أوْ بِذِي رُشْدٍ، والرُّشْدُ ضِدُّ الغَيِّ وإسْنادُهُ إلى الأمْرِ مَجازِيٌّ وكَأنَّ في العُدُولِ عَنْ وأمْرُ فِرْعَوْنَ غَيٌّ وضَلالٌ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ زِيادَةً في تَقْبِيحِ فِعْلِهِمْ وتَحْسِيرًا لَهم عَلى فَواتِ ما فِيهِ صَلاحُ الدّارَيْنِ أعْنِي الرُّشْدَ.
ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الرُّشْدُ كِنايَةً عَنِ المَحْمُودِيَّةِ والإسْنادُ حَقِيقِيٌّ أيْ -وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِصالِحٍ حَمِيدِ العاقِبَةِ-
صفحة 134
11:98Page 233
يَقۡدُمُ قَوۡمَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَأَوۡرَدَهُمُ ٱلنَّارَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡوِرۡدُ ٱلۡمَوۡرُودُ ٩٨
He will precede his people on the Day of Resurrection and lead them into the Fire; and wretched is the place to which they are led.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ عَلى الأوَّلِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا لِمَن سَألَ عَنْ حالِ المَتْبُوعِ والتّابِعِ مَآلًا، وعَلى الثّانِي تَفْسِيرٌ وإيضاحٌ لِعَدَمِ صَلاحِ عاقِبَتِهِ أيْ كَيْفَ يُرْشِدُ أمْرَ مَن هَذِهِ عاقِبَتُهُ، وجُمْلَةُ ( وما أمْرُ ) إلَخْ جَوَّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ –اتَّبَعُوا- وأنْ تَكُونَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ قِيلَ: وهو مُخْتارُ الزَّمَخْشَرِيِّ، والمُرادُ بِالقَوْمِ ما يَشْمَلُ المَلَأ وغَيْرَهُمْ، و﴿يَقْدُمُ﴾ كَيَنْصُرُ مِن قَدَمَ كَنَصَرَ بِمَعْنى تَقَدَّمَ، ومِنهُ قادِمَةُ الرَّحْلِ، وهَذا كَما يُقالُ: قَدَّمَهُ بِمَعْنى تَقَدَّمَهُ ومِنهُ مُقَدِّمَةُ الجَيْشِ، وأقْدَمَ بِمَعْنى تَقَدَّمَ ومِنهُ مُقَدِّمُ العَيْنِ فَإنَّهُ بِالكَسْرِ لا غَيْرَ كَما قالَهُ المَرْزُوقِيُّ، ومِثْلُهُ مُؤَخِّرُ العَيْنِ كَما في المُزْهِرِ، والمُرادُ مِن أوْرَدَهم يُورِدُهُمْ، والتَّعْبِيرُ بِهِ دُونَهُ لِلْإيذانِ بِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لا مَحالَةَ، والقَوْلُ: بِأنَّهُ باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ -والمُرادُ فَأوْرَدَهم في الدُّنْيا النّارَ أيْ مُوجِبُها وهو الكُفْرُ- لَيْسَ بِشَيْءٍ، ونَصْبُ النّارِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ –لِأوْرَدَهُمْ- وهي اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ لِلضِّدِّ وهو الماءُ، وفي قَرِينَتِها احْتِمالاتٌ كَما شاعَ في ( يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ) وعَلى احْتِمالِ المَجازِ يَكُونُ الإيرادُ مُسْتَعارًا اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً لِسَوْقِهِمْ إلى النّارِ.
وجَوَّزَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ شَبَّهَ فِرْعَوْنَ بِالفارِطِ وهو الَّذِي يَتَقَدَّمُ القَوْمَ لِلْماءِ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ، وجَعَلَ اتِّباعَهُ وارِدَةً، وإثْباتُ الوُرُودِ لَهم تَخْيِيلٌ، وجَوَّزَ أيْضًا جَعْلَ المَجْمُوعِ تَمْثِيلًا.
وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ﴿يَقْدُمُ﴾ وأوْرَدَ مُتَنازِعِينَ في النّارِ إلّا أنَّهُ أعْمَلَ الثّانِي وحَذَفَ مَفْعُولَ الأوَّلِ ولَيْسَ بِذَلِكَ.
﴿وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ أيْ بِئْسَ الوِرْدُ الَّذِي يَرِدُونَهُ النّارُ لِأنَّ الوِرْدَ إنَّما يُورَدُ لِتَسْكِينِ العَطَشِ وتَبْرِيدِ الأكْبادِ وفي النّارِ تَقْطُّعُ الأكْبادِ واشْتِعالُها كَذا قِيلَ، فالوِرْدُ عَلى هَذا بِمَعْنى النَّصِيبِ مِنَ الماءِ و(المَوْرُودُ) صِفَتُهُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ وهو النّارُ، وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن تَصادُقِ فاعِلِ (بِئْسَ) ومَخْصُوصِها ولا تَصادُقَ عَلى هَذا، وأيْضًا في جَوازِ وصْفِ فاعِلِ -نِعْمَ وبِئْسَ- خِلافٌ، وابْنُ السِّراجِ والفارِسِيُّ عَلى عَدَمِ الجَوازِ.
وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَ المَوْرُودِ صِفَةً والمَخْصُوصِ النّارَ إلّا أنَّهُ جَعَلَ الكَلامَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، فالتَّصادُقُ حاصِلٌ في الحَقِيقَةِ أيْ -بِئْسَ مَكانُ الوُرُودِ والمَوْرُودِ النّارُ- ومِنهم مَن يَجْعَلُ ﴿المَوْرُودُ﴾ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، والمُرادُ بِهِ النّارُ، ويُقَدَّرُ المُضافُ لِيَحْصُلَ التَّصادُقُ أيْضًا أيْ -بِئْسَ مَكانُ الوِرْدِ النّارُ- ومَن يَجْعَلُ الوِرْدَ فاعِلَ (بِئْسَ) ويُفَسِّرُهُ بِالجَمْعِ الوارِدِ، و﴿المَوْرُودُ﴾ صِفَةٌ لَهم والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ ضَمِيرُهُمُ المَحْذُوفُ أيْ -بِئْسَ القَوْمُ المَوْرُودُ بِهِمْ هُمْ- فَيَكُونُ ذَمًّا لِلْوارِدِينَ لا لِمَوْضِعِ الوُرُودِ
11:99Page 233
وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِۦ لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ بِئۡسَ ٱلرِّفۡدُ ٱلۡمَرۡفُودُ ٩٩
And they were followed in this [world] with a curse and on the Day of Resurrection. And wretched is the gift1 which is given.
﴿وأُتْبِعُوا﴾ أيِ المَلَأُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: القَوْمُ مُطْلَقًا ﴿فِي هَذِهِ﴾ أيْ في الدُّنْيا ﴿لَعْنَةً﴾ عَظِيمَةً حَيْثُ يَلْعَنُهم مَن بَعْدَهم مِنَ الأُمَمِ ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْضًا حَيْثُ يَلْعَنُهم أهْلُ المَوْقِفِ قاطِبَةً فَهي تابِعَةٌ لَهم حَيْثُما سارُوا ودائِرَةٌ أيْنَما دارُوا فَكَما اتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ اتَّبَعَتْهُمُ اللَّعْنَةُ في الدّارَيْنِ جَزاءً وِفاقًا.
وقالَ الكَلْبِيُّ: اللَّعْنَةُ في الدُّنْيا مِنَ المُؤْمِنِينَ أوْ بِالغَرَقِ، ويَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ بِالنّارِ.
﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ أيْ بِئْسَ العَوْنُ المُعانُ كَما نُقِلَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ رِفْدُهُمْ، ويَكُونُ الرِّفْدُ بِمَعْنى العَطِيَّةِ كَما يَكُونُ بِمَعْنى العَوْنِ.
قالَ أبُو حَيّانَ: يُقالُ: رَفَدَ الرَّجُلُ يَرْفِدُهُ رَفْدًا ورِفْدًا إذا أعْطاهُ وأعانَهُ مِن رَفَدَ الحائِطَ دَعَمَهُ، وعَنِ الأصْمَعِيِّ الرَّفْدُ بِالفَتْحِ القَدَحُ، والرِّفْدُ بِالكَسْرِ ما فِيهِ مِنَ الشَّرابِ، وقالَ اللَّيْثُ: أصْلُ الرَّفْدِ العَطاءُ والمَعُونَةُ، ومِنهُ
صفحة 135
رِفادَةُ قُرَيْشٍ وهي مُعاوَنَتُهم لِلْحاجِّ بِشَيْءٍ يُخْرِجُونَهُ لِلْفُقَراءِ، ويُقالُ رَفَدَهُ رِفْدًا ورَفْدًا بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها، ويُقالُ بِالكَسْرِ الِاسْمُ، وبِالفَتْحِ المَصْدَرُ، وفَسَّرَهُ هُنا بِالعَطاءِ غَيْرُ واحِدٍ.
وزَعَمَ أنَّ المَقامَ لا يُلائِمُهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، نَعَمْ تَفْسِيرُهُ بِالعَوْنِ جاءَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، والمُرادُ بِهِ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ اللَّعْنَةُ وتَسْمِيَتُها عَوْنًا عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ، وأمّا كَوْنُها مُعانًا فَلِأنَّها أُرْفِدَتْ في الآخِرَةِ بِلَعْنَةٍ أُخْرى لِتَكُونا هادِيَتَيْنِ إلى صِراطِ الجَحِيمِ، وكانَ القِياسُ أنْ يُسْنَدَ المَرْفُودُ إلَيْهِمْ لِأنَّ اللَّعْنَةَ في الدُّنْيا تَتْبَعُهم وكَذا في الآخِرَةِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( وأُتْبِعُوا ) إلَخْ، ولَكِنْ أُسْنِدَ إلى الرَّفْدِ الَّذِي هو اللَّعْنَةُ عَلى الإسْنادِ المُجازِيِّ نَحْوَ جَدَّ جَدُّهُ، وجُنُونُكَ مَجْنُونٌ، وكَذا يُعْتَبَرُ الِاسْتِعارَةُ والمَجازُ المَذْكُورانِ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي كَذا قِيلَ.
وقالَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ: إنَّ في قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ في بَيانِ الآيَةِ عَلى المَعْنى الأوَّلِ المَنقُولِ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ وذَلِكَ أنَّ اللَّعْنَةَ في الدُّنْيا رِفْدٌ لِلْعَذابِ ومَدَدٌ لَهُ، وقَدْ رُفِدَتْ بِاللَّعْنَةِ في الآخِرَةِ ما يُشْعِرُ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمِيَّةَ في شَيْءٍ إذْ لَوْ كانَ رَفْدًا لِلْمُعَذَّبِينَ لَكانَ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ، ثُمَّ قالَ: وجَعْلُهُ مِن بابِ جَدَّ جَدُّهُ أبْعَدُ وأبْعَدُ لِأنَّهُ ذَكَرَ أنَّهُ رَفَدَ أعْيَنُ بِرَفْدٍ أمّا لَوْ فُسِّرَ بِالتَّفْسِيرِ الثّانِي فَفِيهِ الأوَّلُ لا الثّانِي لِأنَّهُ لَيْسَ مَصْدَرًا وإنَّما العَطاءُ بِمَعْنى ما يُعْطى فَكَثِيرًا ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ انْتَهى، وفِيهِ نَظَرٌ لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ القَوْلَ بِأنَّ هُناكَ لَعْنَتَيْنِ رُفِدَتْ إحْداهُما بِالأُخْرى هو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وغَيْرِهِ، فَيَوْمٌ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ في الدُّنْيا.
وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ التَّقْسِيمَ هو أنَّ لَهم في الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ ما يَرْفِدُونَ بِهِ فَهي لَعْنَةٌ واحِدَةٌ أوَّلًا وقُبْحُ إرْفادٍ آخِرًا انْتَهى، وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ هَذا لا يَصِحُّ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ (يَوْمَ) مَعْمُولُ (بِئْسَ) وهي لا تَتَصَرَّفُ فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُها عَلَيْها، ولَوْ كانَ (يَوْمَ) مُتَأخِّرًا صَحَّ ذَلِكَ كَما قالَ الشّاعِرُ:
ولَنِعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ أنْتَ إذا دُعِيتَ نِزالٌ ولَجَ في الذُّعْرِ
وهُوَ كَلامٌ وجِيهٌ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في سُوءِ حالِ فِرْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ لِأنَّهُ إذا كانَ حالُ الأتْباعِ ما قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَما ظَنُّكَ بِحالِ مَن أغْواهم وألْقاهم في هَذا الضَّلالِ البَعِيدِ؟ وهَذا يُعَكِّرُ عَلى مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ قُبِضَ طاهِرًا مُطَهَّرًا بَلْ قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّها نَصٌّ في رَدِّ ذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى سَلَبَ عَنْهُ فِيها الرَّشادَ بَعْدَ مَوْتِهِ والمُؤْمِنُ الطّاهِرُ المُطَهَّرُ لا يُسْلَبُ عَنْهُ الرَّشادُ بَعْدَ المَوْتِ، ولَعَلَّ مَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ يَقُولُ: بابُ التَّأْوِيلِ واسِعٌ وبابُ الرَّحْمَةِ أوْسَعُ مِنهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences