Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:15–17
12:15Page 237
فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِۦ وَأَجۡمَعُوٓاْ أَن يَجۡعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمۡرِهِمۡ هَٰذَا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ١٥
So when they took him [out] and agreed to put him into the bottom of the well...1 But We inspired to him, "You will surely inform them [someday] about this affair of theirs while they do not perceive [your identity]."
﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا﴾ أيْ عَزَمُوا عَزْمًا مُصَمِّمًا عَلى ﴿أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ﴾ قِيلَ: هو بِئْرٌ عَلى ثَلاثِ فَراسِخَ مِن مَقامِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَنْعانَ الَّتِي هي مِن نَواحِي الأُرْدُنِّ، وقِيلَ: هو بَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ، وقِيلَ: بِنَفْسِ أرْضِ الأُرْدُنِّ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها بِئْرُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَرُدُّهُ التَّعْلِيلُ بِالتِقاطِ بَعْضِ السَّيّارَةِ ومَجِيئِهِمْ عِشاءَ ذَلِكَ اليَوْمِ فَإنَّ بَيْنَ مَنزِلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْتِ المَقْدِسِ مَراحِلَ، وجَوابُ –لَمّا- مَحْذُوفٌ إيذانًا بِظُهُورِهِ وإشْعارًا بِأنَّ تَفْصِيلَهُ مِمّا لا يَحْوِيهِ فَلَكَ العِبارَةُ، ومُجْمَلُهُ فَعَلُوا ما فَعَلُوا، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم عَظُمَتْ فِتْنَتُهم وهو أوْلى مِن تَقْدِيرٍ وضَعُوهُ فِيها، وقِيلَ: لا حَذْفَ والجَوابُ أوْحَيْنا، والواوُ زائِدَةٌ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
قالَ وهْبٌ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ السِّيَرِ والأخْبارِ: إنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا: أما تَشْتاقُ أنْ تَخْرُجَ مَعَنا
صفحة 197
إلى مَواشِينا فَنَصِيدُ ونَسْتَبِقُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَلى، قالُوا: فَسَلْ أباكَ أنْ يُرْسِلَكَ مَعَنا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أفْعَلُ، فَدَخَلُوا بِجَماعَتِهِمْ عَلى يَعْقُوبَ فَقالُوا: يا أبانا إنَّ يُوسُفَ قَدْ أحَبَّ أنْ يَخْرُجَ مَعَنا إلى مَواشِينا، فَقالَ يَعْقُوبُ: ما تَقُولُ يا بُنَيَّ؟ قالَ: نَعَمْ يا أبَتِ إنِّي أرى مِن إخْوَتِي مِنَ اللِّينِ واللُّطْفِ فَأُحِبُّ أنْ تَأْذَنَ لِي، وكانَ يَعْقُوبُ يَكْرَهُ مُفارَقَتَهُ ويُحِبُّ مَرْضاتَهُ، فَأذِنَ لَهُ وأرْسَلَهُ مَعَهم فَلَمّا خَرَجُوا بِهِ جَعَلُوا يَحْمِلُونَهُ عَلى رِقابِهِمْ ويَعْقُوبُ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ فَلَمّا بَعِدُوا عَنْهُ وصارُوا بِهِ إلى الصَّحْراءِ ألْقَوْهُ إلى الأرْضِ وأظْهَرُوا لَهُ ما في أنْفُسِهِمْ مِنَ العَداوَةِ وبَسَطُوا لَهُ القَوْلَ وجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ، فَجَعَلَ كُلَّما جاءَ إلى واحِدٍ مِنهم واسْتَغاثَ بِهِ ضَرَبَهُ فَلَمّا فَطِنَ لِما عَزَمُوا عَلَيْهِ جَعَلَ يُنادِي يا أبَتا لَوْ رَأيْتَ يُوسُفَ وما نَزَلَ بِهِ مِن إخْوَتِهِ لَأحْزَنَكَ ذَلِكَ وأبْكاكَ، يا أبَتاهُ ما أسْرَعَ ما نَسُوا عَهْدَكَ وضَيَّعُوا وصِيَّتَكَ، وجَعَلَ يَبْكِي بُكاءً شَدِيدًا فَأخَذَهُ رُوبِيلُ فَجَلَدَ بِهِ الأرْضَ ثُمَّ جَثَمَ عَلى صَدْرِهِ وأرادَ قَتْلَهُ، فَقالَ لَهُ يُوسُفُ: مَهْلًا يا أخِي لا تَقْتُلْنِي، فَقالَ لَهُ: يا ابْنَ راحِيلَ أنْتَ صاحِبُ الأحْلامِ، قُلْ لِرُؤْياكَ تُخَلِّصُكَ مِن أيْدِينا ولَوى عُنُقَهُ فاسْتَغاثَ بِيَهُوذا وقالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ تَعالى فِيَّ وحُلْ بَيْنِي وبَيْنَ مَن يُرِيدُ قَتْلِي، فَأدْرَكَتْهُ رَحْمَةُ الأُخُوَّةِ ورَقَّ لَهُ، فَقالَ: يا إخْوَتاهُ ما عَلى هَذا عاهَدْتُمُونِي ألا أدُلُّكم عَلى ما هو أهْوَنُ لَكم وأرْفَقُ بِهِ؟ قالُوا: وما هُوَ؟ قالَ: تُلْقُونَهُ في هَذا الجُبِّ، فَإمّا أنْ يَمُوتَ أوْ يَلْتَقِطَهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ، فانْطَلَقُوا بِهِ إلى بِئْرٍ هُناكَ واسِعِ الأسْفَلِ ضَيِّقِ الرَّأْسِ فَجَعَلُوا يُدَلُّونَهُ فِيها فَتَعَلَّقَ بِشَفِيرِها فَرَبَطُوا يَدَيْهِ ونَزَعُوا قَمِيصَهُ، فَقالَ: يا إخْوَتاهُ رُدُّوا عَلَيَّ قَمِيصِي لِأسْتَتِرَ بِهِ في الجُبِّ فَلَمْ يَفْعَلُوا، ثُمَّ ألْقَوْهُ فِيها، فَقالَ لَهُمْ: يا إخْوَتاهُ أتَدَعُونِي وحِيدًا؟ قالُوا: ادْعُ الشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ تُؤْنِسُكَ.
وقِيلَ: جَعَلُوهُ في دَلْوٍ ثُمَّ أدْلَوْهُ فَلَمّا بَلَغَ نِصْفَها ألْقَوْهُ إرادَةَ أنْ يَمُوتَ وكانَ في البِئْرِ ماءٌ فَسَقَطَ فِيهِ ثُمَّ قامَ عَلى صَخْرَةٍ فِيها.
ورُوِيَ أنَّهم لَمّا ألْقَوْهُ في الجُبِّ جَعَلَ يَبْكِي فَنادَوْهُ فَظَنَّ أنَّها رَحْمَةٌ أدْرَكَتْهم فَأجابَهم فَأرادُوا رَضْخَهُ بِصَخْرَةٍ لِيَقْتُلُوهُ فَمَنَعَهم يَهُوذا، وكانَ عِنْدَ يَعْقُوبَ قَمِيصُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي كَساهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ مِنَ الجَنَّةِ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ وكانَ قَدْ جَعَلَهُ في قَصَبَةٍ مِن فِضَّةٍ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ لَمّا خَرَجَ مَعَ إخْوَتِهِ، فَلَمّا صارَ في البِئْرِ أخْرَجَهُ مَلَكٌ وألْبَسَهُ إيّاهُ فَأضاءَ لَهُ الجُبَّ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ لَمّا أُلْقِيَ فِيها عَذُبَ ماؤُها وكانَ يُغْنِيهِ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ ونَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُؤْنِسُهُ، فَلَمّا أمْسى نَهَضَ لِيَذْهَبَ فَقالَ لَهُ: إنِّي أسْتَوْحِشُ إذا ذَهَبْتَ، فَقالَ: إذا رُمْتَ شَيْئًا فَقُلْ: يا صَرِيخَ المُسْتَصْرِخِينَ، ويا غَوْثَ المُسْتَغِيثِينَ، ويا مُفَرِّجَ كَرْبِ المَكْرُوبِينَ قَدْ تَرى مَكانِي وتَعْلَمُ حالِي ولا يَخْفى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن أمْرِي، فَلَمّا قالَها يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَفَّتْهُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ واسْتَأْنَسَ بِهِمْ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطّائِفِيُّ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُلْقِيَ في الجُبِّ قالَ: يا شاهِدًا غَيْرَ غائِبٍ ويا قَرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ ويا غالِبًا غَيْرَ مَغْلُوبٍ اجْعَلْ لِي فَرَجًا مِمّا أنا فِيهِ، وقِيلَ: كانَ يَقُولُ: يا إلَهَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ارْحَمْ ضَعْفِي وقِلَّةَ حِيلَتِي وصِغَرَ سِنِّي، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”لَمّا أُلْقِيَ يُوسُفُ في الجُبِّ أتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا غُلامُ مَن ألْقاكَ في هَذا الجُبِّ؟ قالَ: إخْوَتِي، قالَ: ولِمَ؟ قالَ: لِمَوَدَّةِ أبِي إيّايَ حَسَدُونِي، قالَ: تُرِيدُ الخُرُوجَ مِن هَهُنا؟ قالَ: ذاكَ إلى إلَهِ يَعْقُوبَ، قالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِاسْمِكَ المَكْنُونِ المَخْزُونِ يا بَدِيعَ السَّماواتِ والأرْضِ يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ أنْ تَغْفِرَ لِي وتَرْحَمَنِي وأنْ تَجْعَلَ مِن أمْرِي فَرَجًا ومَخْرَجًا، وأنْ تَرْزُقَنِي مِن حَيْثُ أحْتَسِبُ ومِن حَيْثُ لا أحْتَسِبُ، فَقالَها فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِن أمْرِهِ فَرَجًا
صفحة 198
ومَخْرَجًا ورَزَقَهُ مُلْكَ مِصْرَ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“ألْظُوا بِهَؤُلاءِ الكَلِماتِ فَإنَّهُنَّ دُعاءُ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ"». ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ، والرِّواياتُ في كَيْفِيَّةِ إلْقائِهِ وما قالَ: وما قِيلَ لَهُ كَثِيرَةٌ، وقَدْ تَضَمَّنَتْ ما يَلِينُ لَهُ الصَّخْرُ لَكِنْ لَيْسَ فِيها ما لَهُ سَنَدٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ الضَّمِيرُ لِيُوسُفَ أيْ أعْلَمْناهُ عِنْدَ ذَلِكَ تَبْشِيرًا لَهُ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ وإزالَةً لِوَحْشَتِهِ وتَسْلِيَةً لَهُ، وكانَ ذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ بِالإلْهامِ، وقِيلَ: بِالإلْقاءِ في مُبَشِّراتِ المَنامِ، وقالَ الضَّحّاكُ وقَتادَةُ: بِإرْسالِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِ والمُوحِي إلَيْهِ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا﴾ وهو بِشارَةٌ لَهُ بِالخَلاصِ أيْضًا أيْ لَتُخَلَّصَنَّ مِمّا أنْتَ فِيهِ مِن سُوءِ الحالِ وضِيقِ المَجالِ ولَتُخْبِرَنَّ إخْوَتَكَ بِما فَعَلُوا بِكَ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِأنَّكَ يُوسُفُ لِتَبايُنِ حالَيْكَ: حالُكَ هَذا وحالُكَ يَوْمَئِذٍ بِعُلُوِّ شَأْنِكَ وكِبْرِياءِ سُلْطانِكَ وبُعْدِ حالِكَ مِن أوْهامِهِمْ، وقِيلَ: لِبُعْدِ العَهْدِ المُبْدَلِ لِلْهَيْئاتِ المُغَيِّرِ لِلْأشْكالِ والأوَّلُ أُدْخِلَ في التَّسْلِيَةِ، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا دَخَلَ إخْوَةُ يُوسُفَ عَلى يُوسُفَ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ جِيءَ بِالصُّواعِ فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ ثُمَّ نَقَرَهُ فَطِنٌ، فَقالَ: إنَّهُ لَيُخْبِرُنِي هَذا الجامُ أنَّهُ كانَ لَكم أخٌ مِن أبِيكم يُقالُ لَهُ يُوسُفُ يُدْنِيهِ دُونَكم وأنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِهِ فَألْقَيْتُمُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ فَأتَيْتُمْ أباكم فَقُلْتُمْ: إنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ وجِئْتُمْ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ هَذا الجامَ لَيُخْبِرُهُ بِخَبَرِكُمْ، ثُمَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَلا نَرى هَذِهِ الآيَةَ ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ﴾ إلَخْ نَزَلَتْ إلّا في ذَلِكَ، وجَوَّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِالإيحاءِ عَلى مَعْنى أنّا آنَسْناهُ بِالوَحْيِ وأزَلْنا عَنْ قَلْبِهِ الوَحْشَةَ الَّتِي أوْرَثُوهُ إيّاها وهم لا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ ويَحْسَبُونَ أنَّهُ مُسْتَوْحِشٌ لا أنِيسَ لَهُ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وكانَ هَذا الإيحاءُ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنَ سِتٍّ عِنْدَ الضَّحّاكِ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً عِنْدَ الحَسَنِ، وسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً عِنْدَ ابْنِ السّائِبِ -وهُوَ الَّذِي يَزْعُمُهُ اليَهُودُ- وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ومَن نَظَرَ في الآياتِ ظَهَرَ لَهُ أنَّ الرّاجِحَ كَوْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ إذْ ذاكَ، وعَلى جَمِيعِ الأقْوالِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ بالِغًا الأرْبَعِينَ عِنْدَ الإيحاءِ إلَيْهِ، نَعَمْ أكْثَرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ نُبِّئُوا في سِنِّ الأرْبَعِينَ وقَدْ أُوحِيَ إلى بَعْضِهِمْ كَيَحْيى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ قَبْلَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ.
وزَعَمَ بَعْضُهِمْ أنَّ ضَمِيرَ (إلَيْهِ) يَعُودُ عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وقَرَأ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَيُنَبِّئَنَّهم بِياءِ الغَيْبَةِ وكَذا في مَصاحِفِ البَصْرَةِ.
وقَرَأ سَلامٌ بِالنُّونِ عَلى أنَّهُ وعِيدٌ لَهُمْ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ –بِأوْحَيْنا- لا غَيْرَ عَلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ومَن تَبِعَهُ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ وأنْ يُرادَ بِإنْباءِ اللَّهِ تَعالى إيصالُ فِعْلِهِمْ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهم لا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ، ودُفِعَ بِأنَّهُ بِناءٌ عَلى الظّاهِرِ وأنَّهُ لا يَجْتَمِعُ إنْباءُ اللَّهِ تَعالى مَعَ عَدَمِ شُعُورِهِمْ بِما أنْبَأهم بِهِ إلّا بِتَأْوِيلٍ كَتَقْدِيرِ لَنُعْلِمَنَّهم بِعَظِيمِ ما ارْتَكَبُوهُ قَبْلُ وهم لا يَشْعُرُونَ بِما فِيهِ
12:16Page 237
وَجَآءُوٓ أَبَاهُمۡ عِشَآءٗ يَبۡكُونَ ١٦
And they came to their father at night, weeping.
﴿وجاءُوا أباهم عِشاءً﴾ أيْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وهو -كَما قالَ الرّاغِبُ- مِن صَلاةِ المَغْرِبِ إلى العَتَمَةِ، والعِشاآنِ: المَغْرِبُ والعَتَمَةُ.
وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ –عُشَيًّا- بِضَمِّ العَيْنِ وفَتْحِ الشِّينِ وتَشْدِيدِ الياءِ مُنَوَّنًا وهو تَصْغِيرُ عَشِيٍّ وهو مِن
صفحة 199
زَوالِ الشَّمْسِ إلى الصَّباحِ، وعَنْهُ أنَّهُ قَرَأ –عُشى- بِالضَّمِّ والقَصْرِ كَدُجى فَنَصْبُهُ عَلى الحالِ وهو جَمْعُ أعْشى عِنْدَ بَعْضٍ وعاشَ عِنْدَ آخَرِينَ، وأصْلُهُ عُشاةٌ كَماشٍ ومُشاةٍ فَحُذِفَتِ الهاءُ تَخْفِيفًا، وأوْرَدَ عَلَيْهِما بِأنَّهُ لا جَوازَ لِمِثْلِ هَذا الحَذْفِ وأنَّهُ لا يُجْمَعُ أفْعَلُ فَعْلاءَ عَلى فُعَلٍ بِضَمِّ الفاءِ وفَتْحِ العَيْنِ بَلْ فُعْلٍ بِسُكُونِ العَيْنِ، ولِذا قِيلَ: كانَ أصْلُهُ عَشْوا فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى ما قَبْلَها لِكَوْنِهِ حَرْفًا صَحِيحًا ساكِنًا ثُمَّ حُذِفَتْ بَعْدَ قَلْبِها ألِفًا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وإنْ قُدِّرَ ما بَكَوْا بِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا يَعْشُو مِنهُ الإنْسانُ، وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّ المَقْصُودَ المُبالَغَةُ في شِدَّةِ البُكاءِ والنَّحِيبِ لا حَقِيقَتُهُ أيْ كادَ يَضْعُفُ بَصَرُهم لِكَثْرَةِ البُكاءِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ عَشْوَةٍ مُثَلَّثُ العَيْنِ وهي رُكُوبُ أمْرٍ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ، يُقالُ: أوْطَأهُ عَشْوَةً أيْ أمْرًا مُلْتَبِسًا يُوقِعُهُ في حِيرَةٍ وبَلِيَّةً فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِكَذِبِهِمْ وهو تَمْيِيزٌ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ جَمْعُ عَشْوَةٍ بِالضَّمِّ بِمَعْنى شُعْلَةِ النّارِ عِبارَةً عَنْ سُرْعَتِهِمْ لِابْتِهاجِهِمْ بِما فَعَلُوا مِنَ العَظِيمَةِ وافْتَعَلُوا مِنَ العَضِيهَةِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ (عِشاءً) أيْ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ جَمْعَ عاشٍ مِثْلِ راعٍ ورِعاءٍ ويَكُونُ نَصْبُهُ عَلى الحالِ، والظّاهِرُ الأوَّلُ، وإنَّما -جاءُوا عِشاءً- إمّا لِأنَّها لَمْ يَصِلُوا مِن مَكانِهِمْ إلّا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإمّا لِيَكُونُوا أقْدَرَ عَلى الِاعْتِذارِ لِمَكانِ الظُّلْمَةِ الَّتِي يَرْتَفِعُ فِيها الحَياءُ، ولِذا قِيلَ: لا تَطْلُبِ الحاجَةَ بِاللَّيْلِ فَإنَّ الحَياءَ في العَيْنَيْنِ ولا تَعْتَذِرْ في النَّهارِ مِن ذَنْبٍ فَتَلَجْلَجَ في الِاعْتِذارِ وهَلْ جاءُوا في عِشاءِ اليَوْمِ الَّذِي ذَهَبُوا فِيهِ أوْ في عِشاءِ يَوْمٍ آخَرَ؟ ظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمُ الأوَّلُ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى الثّانِي بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكَثَ في الجُبِّ ثَلاثَةَ أيّامٍ وكانَ إخْوَتُهُ يَرْعَوْنَ حَوالَيْهِ وكانَ يَهُوذا يَأْتِيهِ بِالطَّعامِ.
وفِي الكَلامِ عَلى ما في البَحْرِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ ﴿وجاءُوا أباهُمْ﴾ دُونَ يُوسُفَ ﴿عِشاءً يَبْكُونَ﴾ أيْ مُتَباكِينَ أيْ مَظْهِرِينَ البُكاءَ بِتَكَلُّفٍ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ حُزْنٍ لَكِنَّهُ يُشْبِهُهُ، وكَثِيرًا ما يَفْعَلُ بَعْضُ الكَذّابِينَ كَذَلِكَ، أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: جاءَتِ امْرَأةٌ إلى شُرَيْحٍ تُخاصِمُ في شَيْءٍ فَجَعَلَتْ تَبْكِي، فَقالُوا: يا أبا أُمَيَّةَ أما تَراها تَبْكِي! فَقالَ: قَدْ جاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ أباهم عِشاءً يَبْكُونَ، وقالَ الأعْمَشُ: لا يُصَدَّقُ باكٍ بَعْدَ إخْوَةِ يُوسُفَ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعَ بُكاءَهم قالَ: ما بالُكم أجَرى في الغَنَمِ شَيْءٌ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَما أصابَكم وأيْنَ يُوسُفُ؟
12:17Page 237
قَالُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبۡنَا نَسۡتَبِقُ وَتَرَكۡنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤۡمِنٖ لَّنَا وَلَوۡ كُنَّا صَٰدِقِينَ ١٧
They said, "O our father, indeed we went racing each other and left Joseph with our possessions, and a wolf ate him. But you would not believe us, even if we were truthful."
﴿قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ﴾ أيْ مُتَسابِقِينَ في العَدْوِ عَلى الأقْدامِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، أوْ في الرَّمْيِ بِالسِّهامِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، أوْ في أعْمالٍ نَتَوَزَّعُها مِن سَقْيٍ ورَعْيٍ واحْتِطابٍ، أوْ في الصَّيْدِ وأخَذَهُ كَما قِيلَ، ورَجُحَ ما قالَهُ الزَّجّاجُ بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ -إنّا ذَهَبْنا نَنْتَضِلُ- وأوْرَدَ عَلى الأوَّلِ أنَّهُ كَيْفَ ساغَ لَهم الِاسْتِباقُ في العَدْوِ وهو مِن أفْعالِ الصِّبْيانِ الَّتِي لا ثَمَرَةَ فِيها، وأُجِيبَ بِالمَنعِ وثَمَرَتُهُ التَّدْرِيبُ في العَدْوِ لِمُحارَبَةِ العَدُوِّ ومُدافِعَةِ الذِّئْبِ مَثَلًا؛ وبِالجُمْلَةِ (نَسْتَبِقُ) بِمَعْنى نَتَسابَقُ وقَدْ يَشْتَرِكُ الِافْتِعالُ والتَّفاعُلُ فَيَكُونانِ بِمَعْنًى كالِانْتِضالِ والتَّناضُلِ ونَظائِرِهِما ﴿وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا﴾ أيْ ما يُتَمَتَّعُ بِهِ مِنَ الثِّيابِ والأزْوادِ وغَيْرِهِما ﴿فَأكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ عَقِيبَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ مُضِيِّ زَمانٍ يُعْتادُ فِيهِ التَّفَقُّدُ والتَّعَهُّدُ وحَيْثُ لا يَكادُ يَطْرَحُ المَتاعَ عادَةً إلّا في مَقامٍ يُؤْمَنُ فِيهِ مِنَ الغَوائِلِ لَمْ يُعَدَّ تَرْكُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَهُ مِن بابِ الغَفْلَةِ وتَرْكِ الحِفْظِ المُلْتَزَمِ لا سِيَّما إذْ لَمْ يَغِيبُوا عَنْهُ، فَكَأنَّهم قالُوا: إنّا لَمْ نُقَصِّرْ في مُحافَظَتِهِ ولَمْ نَغْفُلْ عَنْ مُراقَبَتِهِ بَلْ تَرَكْناهُ في مَأْمَنِنا ومَجْمَعِنا بِمَرْأًى مِنّا وما فارَقْناهُ إلّا ساعَةً يَسِيرَةً بَيْنَنا وبَيْنَهُ مَسافَةٌ قَصِيرَةٌ فَكانَ ما كانَ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، والظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يُرِيدُوا
صفحة 200
إلّا أنَّ الذِّئْبَ أكَلَ يُوسُفَ ولَمْ يَقْصِدُوا بِذَلِكَ تَعْرِيضًا فَما قِيلَ: إنَّهم عَرَضُوا وأرادُوا أكَلَ الذِّئْبُ المَتاعَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لِما فِيهِ مِنَ الخُرُوجِ عَنِ الجادَّةِ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ أيْ ما أنْتَ مُصَدِّقٌ لَنا في هَذِهِ المَقالَةِ ﴿ولَوْ كُنّا﴾ عِنْدَكَ وفي اعْتِقادِكَ ﴿صادِقِينَ﴾ أيْ مَوْصُوفِينَ بِالصِّدْقِ والثِّقَةِ لِفَرْطِ مَحَبَّتِكَ فَكَيْفَ وأنْتَ سَيِّئُ الظَّنِّ بِنا غَيْرُ واثِقٍ بِقَوْلِنا، قِيلَ: ولا بُدَّ مِن هَذا التَّأْوِيلِ إذْ لَوْ كانَ المَعْنى ﴿ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ في نَفْسِ الأمْرِ لَكانَ تَقْدِيرُهُ فَكَيْفَ إذا كُنّا كاذِبِينَ فِيهِ فَيَلْزَمُ اعْتِرافُهم بِكَذِبِهِمْ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ المُرادَ في مِثْلِ ذَلِكَ تَحْقِيقُ الحُكْمِ السّابِقِ عَلى كُلِّ حالٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ هُنا: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ فَتَذَكَّرْ وتَأمَّلْ.
﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أيْ ذِي كَذِبٍ أوْ وصْفٍ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً كَأنَّهُ نَفْسُ الكَذِبِ وعَيْنُهُ كَما يُقالُ لِلْكَذّابِ: هو الكَذِبُ بِعَيْنِهِ والزُّورُ بِذاتِهِ، ومِن ذَلِكَ ما في قَوْلِهِ:
أفِيضُوا عَلى عُزّابِكم مِن بَناتِكم فَما في كِتابِ اللَّهِ أنْ يُحْرَمَ الفَضْلَ
وفِيهِنَّ فَضْلٌ قَدْ عَرَفْنا مَكانَهُ ∗∗∗ فَهُنَّ بِهِ جُودٌ وأنْتُمْ بِهِ بُخْلُ
وبَعْضُهم يُؤَوِّلُ كَذِبٌ بِمَكْذُوبٍ فِيهِ، فَإنَّ المَصْدَرَ قَدْ يُؤَوَّلُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَذِبًا بِالنَّصْبِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلٍ (جاءُوا) بِتَأْوِيلِ كاذِبِينَ، وقِيلَ: مِن دَمٍ عَلى تَأْوِيلِ مَكْذُوبًا فِيهِ، وفِيهِ أنَّ الحالَ مِنَ النَّكِرَةِ عَلى خِلافِ القِياسِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ جاءُوا بِذَلِكَ لِأجْلِ الكَذِبِ، وقَرَأتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها والحَسَنُ –كَدِبٍ- بِالدّالِ المُهْمَلَةِ ولَيْسَ مِن قَلْبِ الذّالِ دالًا بَلْ هو لُغَةٌ أُخْرى بِمَعْنى كَدَرٍ أوْ طَرِيٍّ أوْ يابِسٍ فَهو مِنَ الأضْدادِ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: المَعْنى ذِي كَدِبٍ أيْ أثَرٍ لِأنَّ الكَدِبَ بَياضٌ يَخْرُجُ في أظافِيرِ الشُّبّانِ ويُؤَثِّرُ فِيها فَهو كالنَّقْشِ، ويُسَمّى ذَلِكَ الفُوفَ ولَمْ يَعْتَبِرْ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ تَقْدِيرَ المُضافِ وجَعَلَ ذَلِكَ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ أوْ الِاسْتِعارَةِ فَإنَّ الدَّمَ في القَمِيصِ يُشْبِهُ الكَدِبَ مِن جِهَةِ مُخالَفَةِ لَوْنِهِ لَوْنَ ما هو فِيهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عَلى قَمِيصِهِ﴾ -عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو البَقاءِ- حالٌ مِن دَمٍ، وفي جَوازِ تَقْدِيمِ الحالِ عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ بِالحَرْفِ غَيْرِ الزّائِدِ خِلافٌ، والحَقُّ كَما قالَ السَّفاقِسِّيُّ: الجَوازُ لِكَثْرَةِ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ، وفي اللُّبابِ ولا تَتَقَدَّمُ عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ عَلى الأصَحِّ نَحْوَ مَرَرْتُ جالِسَةً بِهِنْدٍ إلّا أنْ يَكُونَ الحالُ ظَرْفًا عَلى أنَّ الحَقَّ ما اخْتارَهُ ابْنُ مالِكٍ مِن جَوازِ التَّقْدِيمِ مُطْلَقًا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ومَن تَبِعَهُ: إنَّهُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ جاءُوا فَوْقَ قَمِيصِهِ كَما تَقُولُ: جاءَ عَلى جِمالِهِ بِأحْمالٍ، وأرادَ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ (عَلى) عَلى حَقِيقَةِ الِاسْتِعْلاءِ وهو ظَرْفٌ لَغْوٌ، ومَنَعَ في البَحْرِ كَوْنَ العامِلِ فِيهِ المَجِيءُ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الفَوْقِيَّةَ ظَرْفٌ لِلْجائِينَ، وأُجِيبَ بِأنَّ الظَّرْفِيَّةَ لَيْسَتْ بِاعْتِبارِ الفاعِلِ بَلْ بِاعْتِبارِ المَفْعُولِ.
وفِي بَعْضِ الحَواشِي أنَّ الأوْلى أنْ يُقالَ: جاءُوا مُسْتَوْلِينَ عَلى قَمِيصِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بِدَمٍ﴾ حالٌ مِنَ القَمِيصِ، وجَعَلَ المَعْنى اسْتَوْلَوْا عَلى القَمِيصِ مُلْتَبِسًا بِدَمٍ جائِينَ، وهو عَلى ما قِيلَ: أوْلى مِن جاءُوا مُسْتَوْلِينَ لِما تَقَرَّرَ في التَّضْمِينِ، والأمْرُ في ذَلِكَ سَهْلٌ فَإنَّ جُعِلَ المُضَمَّنُ أصْلًا والمَذْكُورُ حالًا وبِالعَكْسِ كُلٌّ مِنهُما جائِزٌ، وإذا اقْتَضى المَقامُ أحَدَهُما رَجُحَ، واسْتَظْهَرَ كَوْنُهُ ظَرْفًا لِلْمَجِيءِ المُتَعَدِّي، والمَعْنى أتَوْا بِدَمٍ كَذِبٍ فَوْقَ قَمِيصِهِ ولا يَخْفى اسْتِقامَتُهُ، هَذا ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الدَّمَ كانَ دَمَ سَخْلَةٍ ذَبَحُوها ولَطَّخُوا بِدَمِها القَمِيصَ -كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهم أخَذُوا ظَبْيًا فَذَبَحُوهُ فَلَطَّخُوا بِدَمِهِ القَمِيصَ، ولَمّا جاءُوا
صفحة 201
بِهِ جَعَلَ يُقَلِّبُهُ فَيَقُولُ: ما أرى بِهِ أثَرَ نابٍ ولا ظُفْرٍ إنَّ هَذا السَّبُعَ رَحِيمٌ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ أخَذَ القَمِيصَ وألْقاهُ عَلى وجْهِهِ وبَكى حَتّى خَضَّبَ وجْهَهُ بِدَمِ القَمِيصِ، وقالَ: تاللَّهِ ما رَأيْتُ كاليَوْمِ ذِئْبًا أحْلَمُ مِن هَذا أكَلَ ابْنِي ولَمْ يُمَزِّقْ عَلَيْهِ قَمِيصَهَ، وجاءَ أنَّهُ بَكى وصاحَ وخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَأفاضُوا عَلَيْهِ الماءَ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ ونادَوْهُ فَلَمْ يُجِبْ ووَضَعَ يَهُوذا يَدَهُ عَلى مَخارِجِ نَفَسِهِ فَلَمْ يَحِسَّ بِنَفَسٍ ولا تَحَرَّكَ لَهُ عِرْقٌ، فَقالَ: ويْلٌ لَنا مِن دَيّانِ يَوْمِ الدِّينِ ضَيَّعْنا أخانا وقَتَلْنا أبانا فَلَمْ يَفُقْ إلّا بِبَرْدِ السَّحَرِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences