Al-AlusiYusuf · 12:39–42

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:39–42

12:39Page 240

يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٣٩

O [my] two companions of prison, are separate lords better or Allāh, the One,1 the Prevailing?2

﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ أيْ يا صاحِبَيَّ فِيهِ إلّا أنَّهُ أُضِيفَ إلى الظَّرْفِ تَوَسُّعًا كَما في قَوْلِهِمْ: يا سارِقَ اللَّيْلَةِ أهْلَ الدّارِ، ولَعَلَّهُ إنَّما ناداهُما بِعُنْوانِ الصُّحْبَةِ في مَدارِ الأشْجانِ ودارِ الأحْزانِ الَّتِي تَصْفُو فِيها المَوَدَّةُ وتَتَمَحَّضُ النَّصِيحَةُ لِيُقْبِلا عَلَيْهِ ويَقْبَلا مَقالَتَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالصُّحْبَةِ السُّكْنى كَما يُقالُ: (أصْحابُ النّارِ) (وأصْحابُ الجَنَّةِ) لِمُلازَمَتِهِمْ لَهُما، والإضافَةُ مِن بابِ إضافَةِ الشَّيْءِ إلى شِبْهِ المَفْعُولِ عِنْدَ أبِي حَيّانَ وإلى المَفْعُولِ عِنْدَ غَيْرِهِ ولا اتِّساعَ في ذَلِكَ، وقِيلَ: بَلْ هُناكَ اتِّساعٌ أيْضًا، وأنَّهُ أضافَهُما إلى السَّجْنِ دُونَهُ لِكَوْنِهِما كافِرَيْنِ وفِيهِ نَظَرٌ، ولَعَلَّ في نِدائِهِما بِذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ حَثًّا لَهُما عَلى الإقْرارِ بِالحَقِّ كَأنَّهُ قالَ لَهُما: يا ساكِنِي هَذا المَكانِ الشّاقِّ والمَحَلِّ الضَّنْكِ إنِّي ذاكِرٌ لَكم أمْرًا فَقُولُوا الحَقَّ فِيهِ ولا تَزِيغُوا عَنْ ذَلِكَ فَأنْتُمْ تَحْتَ شِدَّةٍ ولا يَنْبَغِي لِمَن كانَ كَذَلِكَ أنْ يَزِيغَ عَنِ الحَقِّ، وإنَّما حَمَلَ الصّاحِبَ عَلى ما سَمِعْتَ لِأنَّ صاحِبَ السِّجْنِ في الِاسْتِعْمالِ المَشْهُورِ السَّجّانُ أوِ المَلِكُ، والنِّداءُ –بِيا- بِناءً عَلى الشّائِعِ مِن أنَّها لِلْبَعِيدِ لِلْإشارَةِ

صفحة 244

إلى غَفْلَتِهِما وهَيَمانِهِما في أوْدِيَةِ الضَّلالِ، وقَدْ تَلَطَّفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِما في رَدِّهِما إلى الحَقِّ وإرْشادِهِما إلى الهُدى حَيْثُ أبْرَزَ لَهُما ما يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ ما هُما عَلَيْهِ بِصُورَةِ الِاسْتِفْهامِ حَتّى لا تَنْفِرَ طِباعُهُما مِنَ المُفاجَأةِ بِإبْطالِ ما ألِفاهُ دَهْرًا طَوِيلًا ومَضَتْ عَلَيْهِ أسْلافُهُما جِيلًا فَجِيلًا، فَقالَ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ مُتَعَدِّدُونَ مُتَكَثِّرُونَ يَسْتَعْبِدُكُما مِنهم هَذا وهَذا، والكَلامُ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ أبُو حَيّانَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ أعِبادَةُ أرْبابٍ مُتَفَرِّقِينَ ﴿خَيْرٌ﴾ لَكُما ﴿أمِ اللَّهُ﴾ أيْ أمْ عِبادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿الواحِدُ﴾ المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ ﴿القَهّارُ﴾ الغالِبُ الَّذِي لا يُغالِبُهُ أحَدٌ جَلَّ وعَلا، وهو أوْلى مِمّا قالَهُ الخَطّابِيُّ مِن أنَّهُ الَّذِي قَهَرَ الجَبابِرَةَ بِالعُقُوبَةِ والخَلْقَ بِالمَوْتِ.

وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ هَذا مَثَلٌ ضُرِبَ لِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ ولِعِبادَةِ الأصْنامِ، واعْتَرَضَهُ القُطْبُ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَصِحُّ لَوْ نُسِبا تارَةً إلى أرْبابٍ شَتّى وأُخْرى إلى رَبٍّ واحِدٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ﴾ الآيَةَ، لَكِنَّهُما نُسِبا إلى أرْبابٍ وإلى اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ يَكُونُ مَثَلًا ! وأجابَ بِأنَّهُ يُفَسِّرُ اللَّهَ تَعالى بِرَبٍّ واحِدٍ لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ أرْبابٍ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ رَبٍّ واحِدٍ بِاللَّهِ تَعالى لِانْحِصارِهِ فِيهِ جَلَّ جَلالُهُ.

وقالَ الطِّيبِيُّ أيْضًا: إنَّ في ذَلِكَ إشْكالًا لِأنَّ الظّاهِرَ مِنَ الآيَةِ نَفْيُ اسْتِواءِ الأصْنامِ وعِبادَتِها بِاللَّهِ تَعالى وعِبادَتِهِ فَأيْنَ المَثَلُ؟ ثُمَّ قالَ: لَكِنَّ التَّقْدِيرَ أساداتٌ شَتّى تَسْتَعْبِدُ مَمْلُوكًا واحِدًا خَيْرٌ مِن سَيِّدٍ واحِدٍ قَهّارٍ فَوُضِعَ مَوْضِعَ الرَّبِّ، والسَّيِّدُ اللَّهُ لِكَوْنِهِ مُقابِلًا لِقَوْلِهِ: ﴿أأرْبابٌ﴾ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ﴾ الآيَةَ.

وقَرَّرَ في الكَشْفِ ما ادَّعى مَعَهُ ظُهُورَ كَوْنِهِ مَثَلًا طَهُورًا لا إشْكالَ فِيهِ، والحَقُّ أنَّهُ ظاهِرٌ في نَفْيِ الِاسْتِواءِ وإنَّ جَعْلَهُ مَثَلًا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ حَسْبَما سَمِعْتُ عَنِ الطِّيبِيِّ إلّا أنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ لُطْفٍ، ولَعَلَّهُ الأوْلى وإنِ أُحْوِجَ إلى ما أُحْوِجَ، وحَمْلُ التَّفَرُّقِ عَلى التَّفَرُّقِ في العَدَدِ والتَّكاثُرِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى الِاخْتِلافِ في الكِبَرِ والصِّغَرِ والشَّكْلِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَحْصُلُ لَها بِواسِطَةِ تَأْثِيرِ الغَيْرِ فِيها، وجَعَلَهُ إشارَةً إلى كَوْنِها مَقْهُورَةً عاجِزَةً.

وأمّا التَّعَدُّدُ فَيُشِيرُ إلَيْهِ جَمْعُ أرْبابٍ بِاعْتِبارِ أنَّهُ جَمْعٌ فَيَكُونُ ذِكْرُ (الواحِدِ) عَلى هَذا في مُقابَلَةِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ التَّعَدُّدِ، (والقَهّارُ) في مُقابَلَةِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ المَقْهُورِيَّةِ والعَجْزِ، والمَعْنى أمُتَعَدِّدُونَ سَمَّيْتُمُوهم أرْبابًا عَجَزَ مَقْهُورُونَ مُتَأثِّرُونَ مِن غَيْرِهِمْ خَيْرٌ (أمِ اللَّهِ) أيْ صاحِبِ هَذا الِاسْمِ الجَلِيلِ (الواحِدُ) الَّذِي يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ التَّكْثِيرُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ (القَهّارُ) الَّذِي لا مَوْجُودَ إلّا وهو مُسَخَّرٌ تَحْتَ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ عاجِزٌ في قَبْضَتِهِ.

وقِيلَ: المُرادُ مِن (مُتَفَرِّقُونَ) مُخْتَلِفُو الأجْناسِ والطَّبائِعِ كالمَلَكِ والجِنِّ والجَمادِ مَثَلًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنهُ مَن لا ارْتِباطَ بَيْنَهم ولا اتِّفاقَ، وكَثِيرًا ما يُكَنّى بِذَلِكَ عَنِ العَجْزِ واخْتِلالِ الحالِ، وقَدِ اسْتَنْبَطَ الإمامُ مِنَ الآيَةِ غَيْرَ ما حُجَّةٍ عَلى بُطْلانِ عِبادَةِ الأصْنامِ، وظاهِرُ كَلامِهِ أنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْها مَثَلًا فَلْيُتَأمَّلْ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ زادَ في الإرْشادِ بِبَيانِ سُقُوطِ آلِهَتِهِما عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ رَأْسًا فَضْلًا عَنِ الأُلُوهِيَّةِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ فَقالَ مُعَمِّمًا لِلْخِطابِ لَهُما ولِمَن عَلى دِينِهِما مِن أهْلِ مِصْرَ كَما هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: مُطْلَقًا، وقِيلَ: مَن مَعَهُما مِن أهْلِ السِّجْنِ:

12:40Page 240

مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٠

You worship not besides Him except [mere] names you have named them,1 you and your fathers, for which Allāh has sent down no evidence. Legislation is not but for Allāh. He has commanded that you worship not except Him. That is the correct religion, but most of the people do not know.

﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ﴾ أيْ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا ﴿إلا أسْماءً﴾ أيْ ألْفاظًا فارِغَةً لا مُطابِقَ لَها في الخارِجِ لِأنَّ ما لَيْسَ فِيهِ مِصْداقُ إطْلاقِ الِاسْمِ عَلَيْهِ لا وُجُودَ لَهُ أصْلًا فَكانَتْ عِبادَتُهم لِتِلْكَ الألْفاظِ فَقَطْ ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ جَعَلُوها أسْماءً ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ بِمَحْضِ الجَهْلِ والضَّلالَةِ ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها﴾ أيْ بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ

صفحة 245

المُسْتَتْبَعَةِ لِلْعِبادَةِ ﴿مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى صِحَّتِها، وقِيلَ: كانُوا يُطْلِقُونَ عَلى مَعْبُوداتِهِمُ الباطِلَةِ اسْمَ الآلِهَةِ ويَزْعُمُونَ الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ فَرُدُّوا بِأنَّكم سَمَّيْتُمْ ما لَمْ يَدُلَّ عَلى اسْتِحْقاقِهِ هَذا الِاسْمَ عَقْلٌ ولا نَقْلٌ ثُمَّ أخَذْتُمْ تَعْبُدُونَ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ ما تُطْلِقُونَهُ عَلَيْهِ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرِ المُسَمَّياتِ تَرْبِيَةً لِما يَقْتَضِيهِ المَقامُ مِن إسْقاطِها عَنْ مَرْتَبَةِ الوُجُودِ وإيذانًا بِأنَّ تَسْمِيَتَهم في البُطْلانِ حَيْثُ كانَتْ بِلا مُسَمًّى كَعِبادَتِهِمْ حَيْثُ كانَتْ بِلا مَعْبُودٍ، ويَلْحَقُ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى وهم يَتَخَيَّلُونَهُ سُبْحانَهُ جِسْمًا عَظِيمًا جالِسًا فَوْقَ العَرْشِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يُنَزِّهُهُ العَقْلُ والنَّقْلُ عَنْهُ تَعالى تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا لِأنَّ ما وُضِعَ لَهُ الِاسْمُ الجَلِيلُ في نَفْسِ الأمْرِ لَيْسَ هو الَّذِي تَخَيَّلُوهُ بَلْ هو أمْرٌ وراءَ ذَلِكَ وهو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ وما وضَعُوهُ هم لَهُ لَيْسَ بِإلَهٍ في نَفْسِ الأمْرِ ولا مُسْتَحِقٍّ لِلْعِبادَةِ وهو الَّذِي عَبَدُوهُ فَما عَبَدُوا في الحَقِيقَةِ إلّا اسْمًا لا مُطابِقَ لَهُ في الخارِجِ لِأنَّ ما في الخارِجِ أمْرٌ وما وضَعُوا الِاسْمَ لَهُ أمْرٌ آخَرُ ﴿إنِ الحُكْمُ﴾ أيْ ما الحُكْمُ في شَأْنِ العِبادَةِ المُتَفَرِّعَةِ عَلى تِلْكَ التَّسْمِيَةِ وفي صِحَّتِها ﴿إلا لِلَّهِ﴾ عَنْ سُلْطانِهِ لِأنَّهُ المُسْتَحِقُّ لَها بِالذّاتِ -إذْ هو الواجِبُ بِالذّاتِ المُوجِدُ لِلْكُلِّ والمالِكُ لِأمْرِهِ- ﴿أمَرَ ألا تَعْبُدُوا﴾ أيْ بِأنْ لا تَعْبُدُوا أحَدًا ﴿إلا إيّاهُ﴾ حَسْبَما يَقْتَضِي بِهِ قَضِيَّةَ العَقْلِ أيْضًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ ناشِئٍ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا حَكَمَ اللَّهُ في هَذا الشَّأْنِ؟ فَقِيلَ: (أمَرَ) إلَخْ، وقِيلَ: في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: حَيْثُ لَمْ يَكُنِ الحُكْمُ في أمْرِ العِبادَةِ إلّا لَهُ فَلا تَكُونُ العِبادَةُ إلّا لَهُ سُبْحانَهُ، أوْ لِمَن يَأْمُرُ بِعِبادَتِهِ وهو لا يَأْمُرُ بِذَلِكَ ولا يَجْعَلُهُ لِغَيْرِهِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ ﴿أمَرَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ وهو خِلافُ الظّاهِرِ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ سَرْدُ هَذِهِ الجُمَلِ عَلى هَذا الطَّرْزِ لِسَدِّ الطُّرُقِ في تَوْجِيهِ صِحَّةِ عِبادَةِ الأصْنامِ عَلَيْهِمْ أحْكَمَ سَدٍّ، فَإنَّهم إنْ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أنْزَلَ حُجَّةً في ذَلِكَ رُدُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ وإنْ قالُوا: حَكَمَ لَنا بِذَلِكَ كُبَراؤُنا رُدُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ﴾ وإنْ قالُوا: حَيْثُ لَمْ يَنْزِلْ حُجَّةٌ في ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ حُكْمٌ لِغَيْرِهِ بَقِيَ الأمْرُ مَوْقُوفًا إذْ عَدَمُ إنْزالِ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى الصِّحَّةِ لا يَسْتَلْزِمُ إنْزالَ حُجَّةٍ عَلى البُطْلانِ رُدُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿أمَرَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ ( ذَلِكَ﴾ أيْ تَخْصِيصِهِ تَعالى بِالعِبادَةِ ﴿الدِّينُ القَيِّمُ﴾ الثّابِتِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ البَراهِينُ العَقْلِيَّةُ والنَّقْلِيَّةُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ هو الدِّينُ القَيِّمُ لِجَهْلِهِمْ تِلْكَ البَراهِينَ أوْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا أصْلًا فَيَعْبُدُونَ أسْماءً سَمَّوْها مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مُعْرِضِينَ عَمّا يَقْتَضِيهِ العَقْلُ ويَسُوقُ إلَيْهِ سائِقُ النَّقْلِ، ومَنشَأُ هَذا الإعْراضِ الوُقُوفُ عِنْدَ المَأْلُوفاتِ والتَّقَيُّدُ بِالحِسِّيّاتِ وهو مَرْكُوزٌ في أكْثَرِ الطِّباعِ ومِن ذَلِكَ جاءَ التَّشْبِيهُ والتَّجْسِيمُ ونِسْبَةُ الحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ إلى الشَّمْسِ والقَمَرِ وسائِرِ الكَواكِبِ ونَحْوِ ذَلِكَ،

12:41Page 240

يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسۡقِي رَبَّهُۥ خَمۡرٗاۖ وَأَمَّا ٱلۡأٓخَرُ فَيُصۡلَبُ فَتَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِن رَّأۡسِهِۦۚ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسۡتَفۡتِيَانِ ٤١

O two companions of prison, as for one of you, he will give drink to his master of wine; but as for the other, he will be crucified, and the birds will eat from his head. The matter has been decreed about which you both inquire."

ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ تَحْقِيقِ الحَقِّ وبَيانِهِ لَهُما مِقْدارَ عِلْمِهِ الواسِعِ شَرَعَ في إنْبائِهِما عَمّا اسْتَنْبَآهُ عَنْهُ، ولِكَوْنِهِ بَحْثًا مُغايِرًا لِما سَبَقَ فَصْلُهُ عَنْهُ بِتَكْرِيرِ الخِطابِ فَقالَ: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما﴾ أرادَ بِهِ الشَّرابِيَّ، وإنَّما لَمْ يُعَيِّنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثِقَةً بِدَلالَةِ التَّعْبِيرِ مَعَ ما فِيهِ مِن رِعايَةِ حُسْنِ الصُّحْبَةِ ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ أيْ سَيِّدَهُ ﴿خَمْرًا﴾ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ: ما رَأيْتَ مِنَ الكَرْمَةِ وحُسْنِها هو المَلِكُ وحُسْنُ حالِكَ عِنْدَهُ، وأمّا القُضْبانُ الثَّلاثَةُ فَإنَّها ثَلاثَةُ أيّامٍ تَمْضِي في السِّجْنِ ثُمَّ تَخْرُجُ وتَعُودُ إلى ما كُنْتَ عَلَيْهِ، وقُرِئَ (فَيُسْقِي) بِضَمِّ الياءِ والبِناءِ لِلْفاعِلِ مِن أسْقى، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يُقالُ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى، وقُرِئَ في السَّبْعَةِ (نَسْقِيكُمْ) و(نُسْقِيكُمْ) بِالفَتْحِ والضَّمِّ، والمَعْرُوفُ

صفحة 246

أنَّ سَقاهُ ناوَلَهُ لِيَشْرَبَ وأسْقاهُ جَعَلَ لَهُ سَقْيًا، ونُسِبَ ضَمُّ الياءِ لِعِكْرِمَةَ، والجَحْدَرِيِّ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ عِكْرِمَةَ قَرَأ (فَيُسْقى) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، و–رَيِّهِ- بِالياءِ المُثَنّاةِ والرّاءِ المَكْسُورَةِ، والمُرادُ بِهِ ما يُرْوى بِهِ وهو مَفْعُولٌ ثانٍ –لِيَسْقِي- والمَفْعُولُ الأوَّلُ الضَّمِيرُ النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ العائِدِ عَلى أحَدٍ، ونُصِبَ (خَمْرًا) حِينَئِذٍ عَلى التَّمْيِيزِ﴿وأمّا الآخَرُ﴾ وهو الخَبّازُ ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ: ما رَأيْتَ مِنَ السِّلالِ الثَّلاثِ ثَلاثَةَ أيّامٍ تَمُرُّ ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُصْلَبُ (قُضِيَ) أتَمَّ وأُحْكِمَ ﴿الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ وهو ما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُكُما وتَدُلُّ عَلَيْهِ رُؤْياكُما مِن نَجاةِ أحَدِكُما وهَلاكِ الآخَرِ، ومَعْنى اسْتِفْتائِهِما فِيهِ سُؤالُهُما عَنْهُ، أخْرَجَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ما رَأى صاحِبا يُوسُفَ شَيْئًا إنَّما تَحالَما لِيُجَرِّبا عِلْمَهُ فَلَمّا أوَّلَ رُؤْياهُما قالا: إنَّما كُنّا نَلْعَبُ ولَمْ نَرَ شَيْئًا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ( قُضِيَ الأمْرُ ) إلَخْ يَقُولُ: وقَعَتِ العِبارَةُ اهـ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأمْرِ ما اتُّهِما بِهِ، والكَلامُ حِينَئِذٍ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ عاقِبَةُ ذَلِكَ.

وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّ المُرادَ بِهِ ما رَأياهُ مِنَ الرُّؤْيَتَيْنِ، ونَفى أنْ يَكُونَ المُرادُ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُما، قالَ: لِأنَّ الِاسْتِفْتاءَ إنَّما يَكُونُ في الحادِثَةِ لا في حُكْمِها يُقالُ: اسْتَفْتى الفَقِيهُ في الحادِثَةِ أيْ طَلَبَ مِنهُ بَيانَ حُكْمِها ولا يُقالُ: اسْتَفْتاهُ في حُكْمِها وكَذا الإفْتاءُ، يُقالُ: أفْتى في الواقِعَةِ الفُلانِيَّةِ بِكَذا ولا يُقالُ: أفْتى في حُكْمِها بِكَذا؛ ومِمّا هو عِلْمٌ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ﴾ ومَعْنى اسْتِفْتائِهِما فِيهِ طَلَبَهُما لِتَأْوِيلِهِ بِقَوْلِهِما ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالأمْرِ وعَنْ طَلَبِ تَأْوِيلِهِ بِالِاسْتِفْتاءِ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ إذْ الِاسْتِفْتاءُ إنَّما يَكُونُ في النَّوازِلِ المُشَكِّلَةِ الحُكْمِ المُبْهَمَةِ الجَوابِ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِما أنَّهُما بِصَدَدِ الِاسْتِفْتاءِ إلى أنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَوابِ وطَرَهُ، وإسْنادُ القَضاءِ إلَيْهِ مَعَ أنَّهُ مِن أحْوالِ مَآلِهِ لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ عَيْنُ ذَلِكَ المَآلِ، وقَدْ ظَهَرَ في عالَمِ المِثالِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ، وأمّا تَوْحِيدُهُ مَعَ تَعَدُّدِ رُؤْياهُما فَوارِدٌ عَلى حَسَبِ ما وحَّداهُ في قَوْلِهِما: ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ لا لِأنَّ الأمْرَ ما اتُّهِما بِهِ وسُجِنا لِأجْلِهِ مِن سَمِّ المَلِكِ فَإنَّهُما لَمْ يَسْتَفْتِيا فِيهِ ولا فِيما هو صُورَتُهُ بَلْ فِيما هو صُورَةٌ لِمَآلِهِ وعاقِبَتِهِ فَتَأمَّلْ، اهـ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ بِالأمْرِ المَآلُ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ إسْنادِ القَضاءِ إلَيْهِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الكَثِيرُ، وتُجْعَلُ –فِي- لِلسَّبَبِيَّةِ مِثْلَها في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ امْرَأةً دَخَلَتِ النّارَ في هِرَّةٍ» ويَكُونُ مَعْنى الِاسْتِفْتاءِ فِيهِ الِاسْتِفْتاءَ بِسَبَبِهِ أيْ طَلَبَ بَيانَ حُكْمِ الرُّؤْيَتَيْنِ لِأجْلِهِ، وهُما إنَّما طَلَبا ذَلِكَ لِتُعْرَفَ حالُهُما ومَآلُ أمْرِهِما.

وإنْ أبَيْتَ ذَلِكَ فَأيُّ مانِعٍ مِن أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْتاءُ في الأمْرِ مَعَ أنَّ الِاسْتِفْتاءَ إنَّما يَكُونُ في الحادِثَةِ، وهي هُنا الرُّؤْيَتانِ لِما أنَّ بَيْنَ الأمْرِ وتِلْكَ الحادِثَةِ اتِّحادًا كَما ادَّعاهُ هُوَ، ووَجَّهَ بِهِ إسْنادَ القَضاءِ إلى الأمْرِ بِالمَعْنى الَّذِي حَمَلَهُ عَلَيْهِ مَعَ أنَّهُ مِن أحْوالِ مَآلِهِ، ولَيْسَ لَهُ أنْ يَقُولَ بِصِحَّةِ اعْتِبارِ العَيْنِيَّةِ في إسْنادِ القَضاءِ وعَدَمِ صِحَّةِ اعْتِبارِها في تَعَلُّقِ الِاسْتِفْتاءِ إذْ بَعْدَ اعْتِبارِ العَيْنِيَّةِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يَكُونُ صِحَّةُ نِسْبَةِ ما هو مِن أحْوالِ أحَدِهِما إلى الآخَرِ دُونَ صِحَّةِ نِسْبَةِ ما هو مِن أحْوالِ ذَلِكَ الآخَرِ إلَيْهِ تَرْجِيحًا بِلا مُرَجِّحٍ، ومَنَعَ ذَلِكَ مُكابَرَةً، ويُرَجَّحُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الكَثِيرُ أنَّ فِيهِ سَلامَةَ مَن نَزَعَ الخُفَّ قَبْلَ الوُصُولِ إلى الماءِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن تَيَمَّمَ كَعْبَةَ الإنْصافِ، وبِأنَّ ما ذَكَرَهُ في تَعْلِيلِ عَدَمِ صِحَّةِ تَفْسِيرِ الأمْرِ بِما اتُّهِما بِهِ وسُجِنا لِأجْلِهِ لا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ تَعْرِيضًا بِصاحِبِ الكَشّافِ

صفحة 247

وهُوَ عَلى ما قالَ الطِّيبِيُّ: ما عَنى بِالأمْرِ إلّا العاقِبَةَ، نَعَمْ صَدْرُ كَلامِهِ ظاهِرٌ فِيما ذَكَرَ والأمْرُ فِيهِ سَهْلٌ، ولَعَلَّ وجْهَ الأمْرِ بِالتَّأمُّلِ في كَلامِ هَذا المُحَقِّقِ مَجْمُوعُ ما ذَكَرْناهُ فَتَأمَّلْ، ثُمَّ إنَّ هَذا الإخْبارَ كَما يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِلرَّدِّ عَلَيْهِما حَسْبَما ورَدَ في الأثَرِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَحْقِيقًا لِتَعْبِيرِهِ وتَأْكِيدًا لَهُ، ولا يَشْكُلُ عَلى الأوَّلِ أنَّهُ لا داعِيَ لِجُحُودِ الشَّرابِيِّ لِأنّا نَقُولُ عَلى تَقْدِيرِ كَذِبِهِما في ذَلِكَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِمُراعاةِ جانِبِ صاحِبِهِ الخَبّازِ.

وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ ”إنَّ الَّذِي جَحَدَ هو الخَبّازُ“ فَحِينَئِذٍ الأمْرُ واضِحٌ، واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى ما هو المَشْهُورُ مِن أنَّ الرُّؤْيا تَقَعُ كَما تُعَبَّرُ، ولِذا قِيلَ: المَنامُ عَلى جَناحِ طائِرٍ إذا قُصَّ وقَعَ.

12:42Page 240

وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٖ مِّنۡهُمَا ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجۡنِ بِضۡعَ سِنِينَ ٤٢

And he said to the one whom he knew would go free, "Mention me before your master." But Satan made him forget the mention [to] his master, and he [i.e., Joseph] remained in prison several years.

﴿وقالَ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ﴾ أُوثِرَ عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ مُبالَغَةً في الدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ النَّجاةِ حَسْبَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾ إلَخْ، وهو السِّرُّ في إيثارِ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنْ يُقالَ: لِلَّذِي ظَنَّهُ ناجِيًا ﴿مِنهُما﴾ أيْ مِن صاحِبَيْهِ، وإنَّما ذَكَرَ بِوَصْفِ النَّجاةِ تَمْهِيدًا لِمَناطِ التَّوْصِيَةِ بِالذِّكْرِ بِما يَدُورُ عَلَيْهِ الِامْتِيازُ بَيْنَهُ وبَيْنَ صاحِبِهِ المَذْكُورِ بِوَصْفِ الهَلاكِ، والظّانُّ هو يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا صاحِبُهُ، وإنْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ السَّلَفِ لِأنَّ التَّوْصِيَةَ لا تَدُورُ عَلى ظَنِّ النّاجِي بَلْ عَلى ظَنِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو بِمَعْنى اليَقِينِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ ونَظائِرِهِ.

ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِهِ مِن بابِ إرْخاءِ العِنانِ والتَّأدُّبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى فالتَّعْبِيرُ عَلى هَذا بِالوَحْيِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ( قُضِيَ الأمْرُ ) إلَخْ، وقِيلَ: هو بِمَعْناهُ، والتَّعْبِيرُ بِالِاجْتِهادِ والحُكْمُ بِقَضاءِ الأمْرِ أيْضًا اجْتِهادِيٌّ، واسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ: إنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيا ظَنِّيٌّ لا قَطْعِيٌّ، والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ –لِناجٍ- أوِ الحالِ مِنَ المَوْصُولِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا –بِناجٍ- لِأنَّهُ لَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ ﴿اذْكُرْنِي﴾ بِما أنا عَلَيْهِ مِنَ الحالِ والصِّفَةِ.

﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ سَيِّدِكَ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا انْتَهى بِالنّاجِي في اليَوْمِ الثّالِثِ إلى بابِ السِّجْنِ قالَ لَهُ: أوْصِنِي بِحاجَتِكَ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: حاجَتِي أنْ تَذْكُرَنِي عِنْدَ رَبِّكَ وتَصِفَنِي بِصِفَتِيِ الَّتِي شاهَدْتَها ﴿فَأنْساهُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ أنْسى ذَلِكَ النّاجِيَ بِوَسْوَسَتِهِ وإلْقائِهِ في قَلْبِهِ أشْغالًا حَتّى يُذْهَلَ عَنِ الذِّكْرِ، وإلّا فالإنْساءُ حَقِيقَةً لِلَّهِ تَعالى، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ فَإنَّ تَوْصِيَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ المُتَضَمِّنَةَ لِلِاسْتِعانَةِ بِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كانَتْ باعِثَةً لِما ذَكَرَ مِن إنْسائِهِ ﴿ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ أيْ ذِكْرَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ المَلِكِ، والإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذِكْرِ إخْبارِ رَبِّهِ (فَلَبِثَ) أيْ فَمَكَثَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَوْلِ أوِ الإنْساءِ ﴿فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ مِنَ الثَّلاثِ إلى السَّبْعِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ الواحِدِ إلى العَشَرَةِ، ولا يُذْكَرُ عَلى ما قالَ الفَرّاءُ: إلّا مَعَ العَشَراتِ دُونَ المِائَةِ والألْفِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ البِضْعِ بِمَعْنى القَطْعِ؛ والمُرادُ بِهِ هُنا في أكْثَرِ الأقاوِيلِ سَبْعُ سِنِينَ وهي مُدَّةُ لُبْثِهِ كُلُّها فِيما صَحَّحَهُ البَعْضُ، وسَنَتانِ مِنها كانَتْ مُدَّةَ لُبْثِهِ بَعْدَ ذَلِكَ القَوْلِ، ولا يَأْبى ذَلِكَ فاءُ السَّبَبِيَّةِ لِأنَّ لُبْثَ هَذا المَجْمُوعِ مُسَبَّبٌ عَمّا ذُكِرَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ السَّبْعَ مُدَّةُ لُبْثِهِ بَعْدَ ذَلِكَ القَوْلِ، وقَدْ لَبِثَ قَبْلَها خَمْسًا فَجَمِيعُ المُدَّةِ اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً، ويَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ «”رَحِمَ اللَّهُ تَعالى أخِي يُوسُفَ لَوْ لَمْ يَقُلِ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ لَما لَبِثَ في السِّجْنِ سَبْعًا بَعْدَ

صفحة 248

خَمْسٍ“،» وتُعُقِّبَ بِأنَّ الخَبَرَ لَمْ يَثْبُتْ بِهَذا اللَّفْظِ وإنَّما الثّابِتُ في عِدَّةِ رِواياتٍ ما لَبِثَ في السِّجْنِ طُولَ ما لَبِثَ وهو لا يَدُلُّ عَلى المُدَّعى، ورَوى ابْنُ حاتِمٍ عَنْ طاوُسٍ والضَّحّاكِ تَفْسِيرَ البِضْعِ هَهُنا بِأرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وهو خِلافُ المَعْرُوفِ في تَفْسِيرِهِ، والأوْلى أنْ لا يُجْزَمَ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ كَما قَدَّمْنا، وكَوْنُ هَذا اللُّبْثِ مُسَبَّبًا عَنِ القَوْلِ هو الَّذِي تَظافَرَتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ كالخَبَرِ السّابِقِ، والخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ أنَسٍ قالَ: ”أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ القَتْلِ حِينَ هَمَّ إخْوَتُكَ أنْ يَقْتُلُوكَ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَمَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ الجُبِّ إذْ ألْقَوْكَ فِيهِ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَمَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ المَرْأةِ إذْ هَمَّتْ بِكَ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَما بالُكَ نَسِيتَنِي وذَكَرْتَ آدَمِيًّا؟ قالَ: يا رَبِّ كَلِمَةٌ تَكَلَّمَ بِها لِسانِي، قالَ: وعِزَّتِي لَأُدْخِلَنَّكَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ“، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، ولا يُشْكَلُ عَلى هَذا أنَّ الِاسْتِعانَةَ بِالعِبادِ في كَشْفِ الشَّدائِدِ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى﴾ فَكَيْفَ عُوتِبَ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأشْخاصِ، واللّائِقُ بِمَناصِبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَرْكُ ذَلِكَ والأخْذُ بِالعَزائِمِ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما قالَ لِلشَّرابِيِّ ما قالَ لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلى هِدايَةِ المَلِكِ وإيمانِهِ بِاللَّهِ تَعالى كَما تَوَصَّلَ إلى إيضاحِ الحَقِّ لِصاحِبَيْهِ، وإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن بابِ الِاسْتِعانَةِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى في تَفْرِيجِ كَرْبِهِ وخَلاصِهِ مِنَ السَّجْنِ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ، ومُوجِبٌ لِلطَّعْنِ في غَيْرِ ما خَبَرٍ، نَعَمْ إنَّهُ اللّائِقُ بِمَنصِبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ضَمِيرِ –أنْساهُ- و(رَبِّهِ) عائِدَيْنِ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنْساءُ الشَّيْطانِ لَيْسَ مِنَ الإغْواءِ في شَيْءٍ بَلْ هو تَرْكُ الأوْلى بِالنِّسْبَةِ لِمَقامِ الخَواصِّ الرّافِعِينَ لِلْأسْبابِ مِنَ البَيْنِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأوَّلَ هو المُناسِبُ لِمَكانِ الفاءِ، ولِقَوْلِهِ تَعالى الآتِي: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском