Al-AlusiYusuf · 12:43–46

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:43–46

12:43Page 240

وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ إِنِّيٓ أَرَىٰ سَبۡعَ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖۖ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ أَفۡتُونِي فِي رُءۡيَٰيَ إِن كُنتُمۡ لِلرُّءۡيَا تَعۡبُرُونَ ٤٣

And [subsequently] the king said, "Indeed, I have seen [in a dream] seven fat cows being eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry. O eminent ones, explain to me my vision, if you should interpret visions."

﴿وقالَ المَلِكُ﴾ وهو الرَّيّانُ وكانَ كافِرًا، فَفي إطْلاقِ ذَلِكَ عَلَيْهِ دَلالَةٌ عَلى ما قِيلَ: عَلى جَوازِ تَسْمِيَةِ الكافِرِ مَلِكًا، ومَنَعَهُ بَعْضُهم وكَذا مَنَعَ أنْ يُقالَ: لَهُ أمِيرٌ احْتِجاجًا بِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَتَبَ إلى هِرَقْلَ ”عَظِيمِ الرُّومِ“ ولَمْ يَكْتُبْ مِلْكَ الرُّومِ أوْ أمِيرَهم لِما فِيهِ مِن إيهامِ كَوْنِهِ عَلى الحَقِّ، وجَعَلَ هَذا حِكايَةَ اسْمٍ مَضى حُكْمُهُ وتَصَرَّمَ وقْتُهُ، ومِثْلُهُ لا يَضُرُّ أيْ قالَ لِمَن عِنْدَهُ: ﴿إنِّي أرى﴾ أيْ رَأيْتُ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ ﴿سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ﴾ مُمْتَلِئاتٍ لَحْمًا وشَحْمًا مِن سَمْنٍ كَسَمِعَ سَمانَةً بِالفَتْحِ، وسِمَنًا كَعِنَبٍ فَهو سامِنٌ وسَمِينٌ، وذُكِرَ أنَّ سَمِينًا وسَمِينَةٌ تُجْمَعُ عَلى سِمانٍ فَهو كَكِرامٍ جَمْعِ كَرِيمٍ وكَرِيمَةٍ، يُقالُ: رِجالٌ كِرامٌ ونِسْوَةٌ كِرامٌ ﴿يَأْكُلُهُنَّ﴾ أيْ أكَلَهُنَّ، والعُدُولُ إلى المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ تَعْجِيبًا، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ البَقَراتِ أوْ صِفَةً لَها ﴿سَبْعٌ عِجافٌ﴾ أيْ سَبْعُ بَقَراتٍ مَهْزُولَةٍ جِدًّا مِن قَوْلِهِمْ: نَصْلٌ أعْجَفُ أيْ دَقِيقٌ وهو جَمْعُ عَجْفاءَ عَلى خِلافِ القِياسِ، والقِياسُ عُجْفٌ كَحَمْراءَ وحُمْرٍ، فَإنَّ فَعْلاءَ وأفْعَلُ لا يُجْمَعُ عَلى فِعالٍ لَكِنَّهم بَنَوْهُ عَلى ( سِمانٍ ) وهم قَدْ يَبْنُونَ الشَّيْءَ عَلى ضِدِّهِ كَقَوْلِهِمْ: عَدُوَّةٌ بِالهاءِ لِمَكانِ صَدِيقَةٍ، وفَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ لا تَدْخُلُهُ الهاءُ، وأجْرى ( سِمانٍ ) عَلى المُمَيَّزِ فَجُرَّ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لَهُ، ولَمْ يُنْصَبْ عَلى أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْعَدَدِ المُمَيَّزِ لِأنَّ وصْفَ تَمْيِيزِهِ وصْفٌ لَهُ مَعْنًى، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّهُ إذا وُصِفَ التَّمْيِيزُ كانَ التَّمْيِيزُ بِالنَّوْعِ، وإذا وُصِفَ المُمَيَّزُ كانَ التَّمْيِيزُ بِالجِنْسِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ أوْلى وأبْلَغُ لِاشْتِمالِ النَّوْعِ عَلى الجِنْسِ فَهو أزْيَدُ في رَفْعِ الإبْهامِ المَقْصُودِ مِنَ التَّمْيِيزِ، فَلِهَذا رُجِّحَ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى غَيْرِهِ ولَمْ يَقُلْ:

صفحة 249

( سَبْعُ عِجافٍ) بِالإضافَةِ، وجَعَلَهُ صِفَةً لِلتَّمْيِيزِ المُقَدَّرِ عَلى قِياسِ ما قَبْلَهُ -لِأنَّ التَّمْيِيزَ لِبَيانِ الجِنْسِ والحَقِيقَةِ والوَصْفِ- لا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَلْ عَلى شَيْءٍ ما لَهُ حالٌ وصِفَةٌ، فَلِذا ذَكَرُوا أنَّ التَّمْيِيزَ يَكُونُ بِاسْمِ الجِنْسِ الجامِدِ ولا يَكُونُ بِالوَصْفِ المُشْتَقِّ في فَصِيحِ الكَلامِ، فَتَقُولُ: عِنْدِي ثَلاثُونَ قُرَشِيُّونَ ولا تَقُولُ قُرَشِيِّينَ بِالإضافَةِ، وأمّا قَوْلُكَ: ثَلاثَةُ فُرْسانٍ وخَمْسَةُ رُكْبانٍ فَلِجَرَيانِ الفارِسِ والرّاكِبِ مَجْرى الأسْماءِ لِاسْتِعْمالِها في الأغْلَبِ مِن غَيْرِ مَوْصُوفٍ.

واعْتَرَضَ صاحِبُ الفَرائِدِ بِأنَّ الأصْلَ في العَدَدِ التَّمْيِيزُ بِالإضافَةِ فَإذا وُصِفَ السَّبْعُ بِالعِجافِ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ المُضافِ إلَيْهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الوَصْفِ -وتَقْدِيرِ المُضافِ إلَيْهِ- خِلافُ الأصْلِ أمّا إذا أُضِيفَ كانَتِ الصِّفَةُ قائِمَةً مَقامَ المَوْصُوفِ فَقَوْلُنا: ( سَبْعٌ عِجافٌ ) في قُوَّةِ قَوْلِنا: سَبْعُ بَقَراتٍ عِجافٍ، فالتَّمْيِيزُ المَطْلُوبُ بِالإضافَةِ حاصِلٌ بِالإضافَةِ إلى الصِّفَةِ لِقِيامِها مَقامَ المَوْصُوفِ، فَكَما يَجُوزُ سَبْعُ بَقَراتٍ عِجافٍ يَجُوزُ سَبْعٌ عِجافٌ، وإنَّما لَمْ يُضَفْ لِأنَّهُ قائِمٌ مَقامَ البَقَراتِ وهي مَوْصُوفَةٌ بِعِجافٍ فَكانَتْ مِن قَبِيلِ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ وهي غَيْرُ جائِزَةٍ إلّا بِتَأْوِيلٍ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ القُطْبُ بِأنَّهُ هَبْ أنَّ الأصْلَ في العَدَدِ التَّمْيِيزُ بِالإضافَةِ لَكِنْ لَمّا سَبَقَ ذِكْرُ ( سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ ) تَبَيَّنَ أنَّ السَّبْعَ العِجافَ بَقَراتٌ فَهَذا السَّبْعُ مُمَيَّزٌ بِما تَقَدَّمَ فَقَدْ حَصَلَ التَّمْيِيزُ بِالإضافَةِ فَلَوْ أُضِيفَ إلى العِجافِ لَكانَ العِجافُ قائِمًا مَقامَ البَقَراتِ في التَّمْيِيزِ فَيَكُونُ التَّمْيِيزُ بِالوَصْفِ وهو خِلافُ الأصْلِ، وأمّا إنَّ السَّبْعَ قائِمٌ مَقامَ البَقَراتِ فَإنَّما يَكُونُ إذا وُصِفَ بِالعِجافِ أمّا إذا أُضِيفَ بِكَوْنِ العِجافِ قائِمَةً مَقامَ البَقَراتِ فَلا يَلْزَمُ إضافَةُ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ اهـ، وفِيهِ تَأمُّلٌ.

وذَكَرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ في هَذا المَقامِ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ المُمَيَّزَ إذا وُصِفَ ثُمَّ رُفِعَ بِهِ الإبْهامُ والإجْمالُ مِنَ العَدَدِ آذَنُ بِأنَّهُما مَقْصُودانِ في الذِّكْرِ بِخِلافِهِ إذا مُيِّزَ ثُمَّ وُصِفَ بَلِ الوَصْفُ أدْعى لِأنَّ المُمَيِّزَ إنَّما اسْتُجْلِبَ لِلْوَصْفِ، ومِن ثَمَّ تُرِكَ التَّمْيِيزُ في القَرائِنِ الثَّلاثِ والمَقامُ يَقْتَضِي ذَلِكَ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ الِابْتِلاءِ بِالشِّدَّةِ بَعْدَ الرَّخاءِ، وبَيانُ الكَمِّيَّةِ بِالعَدَدِ والكَيْفِيَّةِ بِالبَقَراتِ تابِعٌ فَلْيُفْهَمْ، ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ وجْهُ العُدُولِ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ عَنْ أنْ يُقالَ: إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ عِجافٍ يَأْكُلْنَ سَبْعًا سِمانًا الأخْصَرُ مِنهُ.

وقِيلَ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِذَلِكَ بِأنَّهُ أوَّلُ ما رَأى السِّمانَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ رَأى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ خَرَجْنَ مِن نَهْرٍ يابِسٍ ثُمَّ خَرَجَ عَقِيبَهُنَّ سَبْعُ بَقَراتٍ عِجافٍ فابْتَلَعَتِ السِّمانَ ولَمْ يَتَبَيَّنْ عَلَيْها مِنهُنَّ شَيْءٌ.

﴿وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ﴾ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّها ﴿وأُخَرَ﴾ أيْ وسَبْعًا أُخَرَ ﴿يابِساتٍ﴾ قَدْ أدْرَكَتْ والتَوَتْ عَلى الخُضْرِ حَتّى غَلَبَتْها ولَمْ يَبْقَ مِن خُضْرَتِها شَيْءٌ عَلى ما رُوِيَ، ولَعَلَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لِذِكْرِ العَدَدِ لِلِاكْتِفاءِ بِما ذُكِرَ مِن حالِ البَقَراتِ، ولا يَجُوزُ عَطْفُ أُخَرَ عَلى سُنْبُلاتٍ لِأنَّ العَطْفَ عَلى المُمَيَّزِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ بَيانًا لِلْمَعْدُودِ سَواءٌ قِيلَ: بِالِانْسِحابِ أوْ بِتَكْرِيرِ العامِلِ لِأنَّ المَعْنى عَلى القَوْلَيْنِ لا يَخْتَلِفُ؛ وإنَّما الِاخْتِلافُ في التَّقْدِيرِ اللَّفْظِيِّ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ التَّدافُعُ في الآيَةِ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ السُّنْبُلاتُ خَضِرُها ويابِسُها سَبْعًا، ولَفْظُ (أُخَرَ) يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ غَيْرَ السَّبْعِ وذَلِكَ لِأنَّ تَبايُنَها في الوَصْفِ أعْنِي الخُضْرَةَ واليُبْسَ مَنطُوقٌ، واشْتِراكُهُما في السُّنْبُلِيَّةِ فَيَكُونُ مُقْتَضى لَفْظِ (أُخَرَ) تَغايُرَهُما في العَدَدِ ولَزِمَ التَّدافُعُ، وعَلى هَذا يَصِحُّ أنْ تَقُولَ: عِنْدِي سَبْعَةُ رِجالٍ قِيامٍ وقُعُودٍ بِالجَرِّ لِأنَّكَ مَيَّزْتَ سَبْعَةَ رِجالٍ مَوْصُوفِينَ بِالقِيامِ والقُعُودِ عَلى أنَّ بَعْضَهم كَذا وبَعْضَهم كَذا، ولا يَصِحُّ سَبْعَةُ رِجالٍ قِيامٍ وآخَرِينَ قُعُودٍ لِما عَلِمْتَ، فالآيَةُ والمِثالُ في هَذا المَبْحَثِ عَلى وِزانٍ واحِدٍ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الكَشّافِ، ونَظَرَ في ذَلِكَ صاحِبُ الفَرائِدِ فَقالَ: إنَّ الصَّحِيحَ

صفحة 250

أنَّ العَطْفَ في حُكْمِ تَكْرِيرِ العامِلِ لا الِانْسِحابِ فَلَوْ عُطِفَ آخَرِينَ عَلى رِجالٍ قِيامٍ لَكانَ سَبْعَةٌ مُكَرَّرَةً في المَعْطُوفِ أيْ وسَبْعَةٌ آخَرِينَ أيْ رِجالٍ آخَرِينَ قُعُودٍ، ويُفْسِدُ المَعْنى لِأنَّ المَفْرُوضَ أنَّ الرِّجالَ سَبْعَةٌ، وأمّا الآيَةُ فَلَوْ كُرِّرَ فِيها وقِيلَ: وسَبْعٌ أُخَرُ أيْ وسَبْعُ سُنْبُلاتٍ أُخَرُ اسْتَقامَ لِأنَّ الخُضْرَ سَبْعٌ واليابِساتِ سَبْعٌ، نَعَمْ لَوْ خَرَجَ ذَلِكَ عَلى المَرْجُوحِ وهو الِانْسِحابُ أدّى إلى أنَّ السَّبْعَ المَذْكُورَةَ مُمَيَّزَةٌ بِسُنْبُلاتٍ خُضَرٍ وسُنْبُلاتٍ أُخَرَ يابِساتٍ، وفَسَدَ إذِ المُرادُ أنَّ كُلًّا مِنهُما سَبْعَةٌ لا أنَّها سَبْعَةٌ، فالمِثالُ والآيَةُ لَيْسا عَلى وزانٍ إذْ هو عَلى تَكْرِيرِ العامِلِ يَفْسُدُ، وعَلى الِانْسِحابِ يَصِحُّ، والآيَةُ بِالعَكْسِ، ثُمَّ بَنى عَلى ما زَعَمَهُ مِن أنَّ الصَّحِيحَ قَوْلُ التَّكْرِيرِ جَوازُ العَطْفِ.

وادَّعى أنَّ الأوْلى أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى (خُضْرٍ) لا عَلى ﴿يابِساتٍ﴾ لِيَدُلَّ عَلى مَوْصُوفٍ آخَرَ، وهو سُنْبُلاتٍ ولا يُقَدَّرَ مَوْصُوفُها بِقَرِينَةِ السِّياقِ، ولا يَخْفى أنَّ الكَلامَ إنَّما هو عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مُمَيِّزُ السَّبْعِ ما عَلِمْتَ، وعَلى ذَلِكَ يَلْزَمُ التَّدافُعُ، ولا يُبْنى عَلى فَرْضِ أنَّهم سَبْعَةٌ أوْ أرْبَعَةَ عَشَرَ فَيَصِحُّ في الآيَةِ ولا يَصِحُّ في المِثالِ فَإنَّهُ وهْمٌ.

ومِن ذَلِكَ يَظْهَرُ أنَّهُ لا مَدْخَلَ لِلتَّكْرِيرِ والِانْسِحابِ في هَذا الفَرْضِ، ثُمَّ إنَّ المُخْتارَ قَوْلُ الِانْسِحابِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ ابْنُ الحاجِبِ وحَقَّقَهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وأمّا الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى الِانْسِحابِ لا التَّقْدِيرِ وإلّا لَكانَ لَفْظُ (أُخَرَ) تَطْوِيلًا يُصانُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى المُعْجِزُ عَنْهُ فَغَيْرُ سَدِيدٍ عَلى ما في الكَشْفِ لِأنَّ القائِلَ بِالتَّقْدِيرِ يَدَّعِي الظُّهُورَ في الِاسْتِقْلالِ، وكَذَلِكَ القائِلُ بِالِانْسِحابِ يَدَّعِي الظُّهُورَ في المُقابِلِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ أئِمَّةُ العَرَبِيَّةِ فَلا يَكُونُ التَّأْكِيدُ –بِأُخَرَ- لِإرادَةِ النُّصُوصِ تَطْوِيلًا بَلْ إطْنابًا يَكُونُ واقِعًا في حَلْقِ مَوْقِعِهِ هَذا ﴿يا أيُّها المَلأُ﴾ خِطابٌ لِلْأشْرافِ مِمَّنْ يَظُنُّ بِهِ العِلْمَ، يُرْوى أنَّهُ جَمَعَ السَّحَرَةَ والكَهَنَةَ والمَعَبِّرِينَ فَقالَ لَهُمْ: ( يا أيُّها المَلَأُ).

﴿أفْتُونِي في رُؤْيايَ﴾ هَذِهِ أيْ عَبِّرُوها وبَيِّنُوا حُكْمَها وما تَؤُولُ إلَيْهِ مِنَ العاقِبَةِ.

وقِيلَ: هو خِطابٌ لِجُلَسائِهِ وأهْلِ مَشُورَتِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالإفْتاءِ لِتَشْرِيفِهِمْ وتَفْخِيمِ أمْرِ رُؤْياهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ أيْ تَعْلَمُونَ عِبارَةَ جِنْسِ الرُّؤْيا عِلْمًا مُسْتَمِرًّا وهي الِانْتِقالُ مِنَ الصُّورَةِ المُشاهَدَةِ في المَنامِ إلى ما هي صُورَةٌ ومِثالٌ لَها مِنَ الأُمُورِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ الواقِعَةِ في الخارِجِ مِنَ العُبُورِ وهو المُجاوَزَةُ، تَقُولُ: عَبَرْتُ النَّهْرَ إذا قَطَعْتَهُ وجاوَزْتَهُ، ونَحْوُهُ أوَّلْتُها أيْ ذَكَرَتْ ما تَؤُولُ إلَيْهِ وعَبَرْتُ الرُّؤْيا بِالتَّخْفِيفِ عِبارَةً أقْوى وأعْرَفُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ مِن عَبَّرْتُ بِالتَّشْدِيدِ تَعْبِيرًا حَتّى أنْ بَعْضَهم أنْكَرَ التَّشْدِيدَ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ ما أنْشَدُهُ المُبَرِّدِ في الكامِلِ لِبَعْضِ الأعْرابِ وهُوَ:

رَأيْتُ رُؤْيا ثُمَّ عَبَّرْتُها وكُنْتُ لِلْأحْلامِ عَبّارًا

والجَمْعُ بَيْنَ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، واللّامُ قِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ والمَقْصُودُ بِذاكَ البَيانِ كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: ﴿تَعْبُرُونَ﴾ قِيلَ: لِأيِّ شَيْءٍ؟ فَقِيلَ: لِلرُّؤْيا فَهي لِلْبَيانِ كَما في سُقْيًا لَهُ إلّا أنَّ تَقْدِيمَ البَيانِ عَلى المُبِينِ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، وقِيلَ -واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ- إنَّها لِتَقْوِيَةِ الفِعْلِ المَذْكُورِ لِأنَّهُ ضَعُفَ بِالتَّأْخِيرِ، ويُقالُ لَها: لامُ التَّقْوِيَةِ وتَدْخُلُ في الفَصِيحِ عَلى المَعْمُولِ إذا تَقَدَّمَ عَلى عامِلِهِ مُطْلَقًا، وعَلى مَعْمُولِ غَيْرِ الفِعْلِ إذا تَأخَّرَ كَزَيْدٍ ضارِبٌ لِعَمْرٍو، وفي كَوْنِها زائِدَةً أوَّلًا خِلافٌ، وقِيلَ: إنَّهُ جِيءَ بِها لِتَضْمِينِ الفِعْلِ المُتَعَدِّي مَعْنى فِعْلٍ قاصِرٍ يَتَعَدّى بِاللّامِ أيْ إنْ كُنْتُمْ تُنْتَدَبُونَ لِعِبارَتِها، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ لِلرُّؤْيا خَبَرُ كانَ كَما تَقُولُ: كانَ

صفحة 251

فُلانٌ لِهَذا الأمْرِ إذا كانَ مُسْتَقْبَلًا بِهِ مُتَمَكِّنًا مِنهُ، وجُمْلَةُ ﴿تَعْبُرُونَ﴾ خَبَرٌ آخَرُ أوْ حالٌ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ، وكَذا فِيما قَبْلَهُ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِالإدْغامِ في الرُّؤْيا وبابُهُ بَعْدَ قَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا ثُمَّ قَلْبُ الواوِ ياءً لِسَبْقِها إيّاها ساكِنَةً، ونَصُّوا عَلى شُذُوذِ ذَلِكَ لِأنَّ الواوَ بَدَلٌ غَيْرُ لازِمٍ

12:44Page 241

قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمٖۖ وَمَا نَحۡنُ بِتَأۡوِيلِ ٱلۡأَحۡلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ ٤٤

They said, "[It is but] a mixture of false dreams, and we are not learned in the interpretation of dreams."

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ المَلَأُ لِلْمَلِكِ إذْ قالَ لَهم ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: قالُوا: هي ﴿أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ أيْ هي ( أضْغاثُ) إلَخْ، وهي جَمْعُ ضِغْثٍ وهو أقَلُّ مِنَ الحُزْمَةِ وأكْثَرُ مِنَ القَبْضَةِ مِن أخْلاطَ النَّباتِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى ما كانَ مِن جِنْسٍ واحِدٍ كَما في قَوْلِهِ:

خُودٌ كَأنَّ فِراشَها وضَعَتْ بِهِ أضْغاثَ رَيْحانٍ غَداةَ شَمالٍ

وجَعَلَ مِن ذَلِكَ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ﴾ فَقَدْ رُوِيَ أنَّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ عِثْكالًا مِنَ النَّخْلِ فَضَرَبَ بِهِ، وفي الكَشّافِ أنَّ (أضْغاثُ الأحْلامٍ) تَخالِيطُها وأباطِيلُها وما يَكُونُ مِنها مِن حَدِيثِ نَفْسٍ أوْ وسْوَسَةِ شَيْطانٍ، وقَدِ اسْتُعِيرَتْ لِذَلِكَ، وأصْلُها ما جُمِعَ مِن أخْلاطِ النَّباتِ وحُزَمِهِ وإضافَتُها عَلى مَعْنى مِن أيِّ أضْغاثٍ مِن أحْلامٍ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ الأضْغاثَ إذا اسْتُعِيرَتْ لِلْأحْلامِ الباطِلَةِ، والأحْلامُ مَذْكُورَةٌ، ولَفْظُ هي المُقَدَّرُ عِبارَةٌ عَنْ رُؤْيا مَخْصُوصَةٍ فَقَدْ ذُكِرَ المُسْتَعارُ والمُسْتَعارُ لَهُ، وذَلِكَ مانِعٌ مِن الِاسْتِعارَةِ عَلى الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ، وقَدْ أجابَ الكَثِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِما لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في تَقْرِيرِ ذاكَ وجْهَيْنِ.

الأوَّلُ أنَّهُ يُرِيدُ أنَّ حَقِيقَةَ الأضْغاثِ أخْلاطُ النَّباتِ فَشَبَّهَ بِهِ التَّخالِيطَ والأباطِيلَ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَتْ أحْلامًا أمْ غَيْرَها، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الصِّحاحِ، والأساسُ: ضِغْثُ الحَدِيثِ خَلْطُهُ، ثُمَّ أُرِيدَ هُنا بِواسِطَةِ الإضافَةِ أباطِيلُ مَخْصُوصَةٌ فَطَرَفا الِاسْتِعارَةِ أخْلاطُ النَّباتِ والأباطِيلُ المُلْفَقاتُ، فالأحْلامُ ورُؤْيا المَلِكِ خارِجانِ عَنْهُما فَلا يَضُرُّ ذِكْرُهُما كَما إذا قُلْتَ: رَأيْتُ أسَدَ قُرَيْشٍ فَهو قَرِينَةٌ أوْ تَجْرِيدٌ، وقَوْلُهُ: تَخالِيطُها تَفْسِيرٌ لَهُ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، وقَوْلُهُ: وقَدِ اسْتُعِيرَتْ لِذَلِكَ إشارَةً إلى التَّخالِيطِ.

الثّانِي أنَّ الأضْغاثَ اسْتُعِيرَتْ لِلتَّخالِيطِ الواقِعَةِ في الرُّؤْيا الواحِدَةِ فَهي أجْزاؤُها لا عَيْنُها فالمُسْتَعارُ مِنهُ حُزَمُ النَّباتِ والمُسْتَعارُ لَهُ أجْزاءُ الرُّؤْيا، وهَذا كَما إذا اسْتَعَرْتَ الوَرْدَ لِلْخَدِّ، ثُمَّ قُلْتَ: شَمَمْتُ ورْدَ هِنْدٍ مَثَلًا فَإنَّهُ لا يُقالُ: إنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ الطَّرَفانِ اهـ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وارْتِكابِ غَيْرِ الظّاهِرِ.

واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم كَوْنَ ( أضْغاثُ أحْلامٍ ) مِن قَبِيلِ لُجَيْنِ الماءِ، ولا يَخْفى أنَّهُ سالِمٌ عَمّا أوْرَدَ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ إلّا أنَّ صاحِبَ الأساسِ قَدْ صَرَّحَ بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ المَجازِ، والمُتَبادِرُ مِنهُ المَجازُ المُتَعارَفُ الَّذِي لا يُطْلَقُ عَلى ما ذُكِرَ، ولَعَلَّ الأمْرَ في ذَلِكَ سَهْلٌ، والأحْلامُ جَمْعُ حُلُمٍ بِضَمَّةٍ وبِضَمَّتَيْنِ المَناماتُ الباطِلَةُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ جَمْعٌ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الرُّؤْيا والحُلْمُ عِبارَةٌ عَمّا يَراهُ النّائِمُ مُطْلَقًا لَكِنْ غَلَبَتِ الرُّؤْيا عَلى ما يَراهُ مِنَ الخَيْرِ والشَّيْءِ الحَسَنِ، وغَلَبَ الحُلْمُ عَلى خِلافِهِ، وفي الحَدِيثِ: «”الرُّؤْيا مِنَ اللَّهِ تَعالى والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطانِ“،» وقالَ التُّورَبَشْتِيُّ: الحُلْمُ عِنْدَ العَرَبِ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الرُّؤْيا، والتَّفْرِيقُ مِن الِاصْطِلاحاتِ الَّتِي سَنَّها الشّارِعُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ كَأنَّهُ كَرِهَ أنْ يُسَمِّيَ ما كانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى وما كانَ مِنَ الشَّيْطانِ بِاسْمٍ واحِدٍ فَجَعَلَ الرُّؤْيا عِبارَةً عَنِ القِسْمِ الصّالِحِ لِما فِيها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى مُشاهَدَةِ الشَّيْءِ بِالبَصَرِ والبَصِيرَةِ، وجَعَلَ الحُلْمَ عِبارَةً عَمّا كانَ مِنَ الشَّيْطانِ لِأنَّ أصْلَ

صفحة 252

الكَلِمَةِ لَمْ تُسْتَعْمَلْ إلّا فِيما يُخَيَّلُ لِلْحالِمِ في مَنامِهِ مِن قَضاءِ الشَّهْوَةِ بِما لا حَقِيقَةَ لَهُ اهـ، وهو كَلامٌ حَسَنٌ، ومِمّا يَشْهَدُ لَهُ في دَعْوى كَوْنِ الحُلُمِ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ العَرَبِ اسْتِعْمالَ الرُّؤْيا البَيْتُ السّابِقُ الَّذِي أنْشَدَهُ المُبَرِّدُ كَما لا يَخْفى، وإنَّما قالُوا ( أضْغاثُ أحْلامٍ ) بِالجَمْعِ مَعَ أنَّ الرُّؤْيا ما كانَتْ إلّا واحِدَةً لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِ ذَلِكَ بِالبُطْلانِ، وهَذا كَما يُقالُ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ ويَلْبَسُ عَمائِمَ الخَزِّ لِمَن لا يَرْكَبُ إلّا فَرَسًا واحِدًا وما لَهُ إلّا عِمامَةٌ فَرْدَةٌ.

وفِي الفَرائِدِ لِما كانَتْ ( أضْغاثُ أحْلامٍ ) مُسْتَعارَةً لِما ذُكِرَ وهي تَخالِيطُها وأباطِيلُها وهي مُتَحَقِّقَةٌ في رُؤْيا واحِدَةٍ بِحَسَبِ أنَّها مُتَرَكِّبَةٌ مِن أشْياءَ كُلٌّ مِنها حُلُمٌ فَكانَتْ أحْلامًا، قالَ الشِّهابُ: وهو واهٍ وإنِ اسْتَحْسَنَهُ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ، نَعَمْ لَيْسَ هَذا مِن إطْلاقِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ لِوُجُودِ ذَلِكَ في هَذا الجِنْسِ إذِ الإضافَةُ عَلى مَعْنى فِي، ثُمَّ نُقِلَ عَنِ الرَّضِيِّ أنَّهُ قالَ في شَرْحِ الشّافِيَةِ إنَّ جَمْعَ القِلَّةِ لَيْسَ بِأصْلٍ في الجَمْعِ لِأنَّهُ لا يُذْكَرُ إلّا حَيْثُ يُرادُ بَيانُ القِلَّةِ فَلا يُسْتَعْمَلُ لِمُجَرَّدِ الجَمْعِيَّةِ والجِنْسِيَّةِ كَما يُسْتَعْمَلُ لَهُ جَمْعُ الكَثْرَةِ، يُقالُ: فُلانٌ حَسَنُ الثِّيابِ في مَعْنى حَسَنِ الثَّوْبِ ولا يَحْسُنُ حَسَنُ الثَّوْبِ، وكَمْ عِنْدَكَ مِنَ الثَّوْبِ، أوْ مِنَ الثِّيابِ، ولا يَحْسُنُ مِنَ الأثْوابِ اهـ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ ذَكَرَهُالشَّرِيفُ في شَرْحِ المِفْتاحِ وهو مُخالِفٌ لِما ذَكَرُوهُ هُنا فَتَأمَّلْهُ، ولَعَلَّ ما ذُكِرَ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ إنَّما هو في جَمْعِ القِلَّةِ الَّذِي مَعَهُ جَمْعُ كَثْرَةٍ كَما ذَكَرَهُ في المِثالِ لا في ذَلِكَ وجَمْعُ القِلَّةِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ جَمْعُ كَثْرَةٍ كَما هُنا، فَإنّا لَمْ نَجِدْ في كُتُبِ اللُّغَةِ جَمْعًا لِمُفْرَدِ هَذا الجَمْعِ غَيْرَ هَذا الجَمْعِ، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ جَمْعَ القِلَّةِ إذا لَمْ يُوجَدْ مَعَهُ جَمْعُ كَثْرَةٍ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ جَمْعِ الكَثْرَةِ، ثُمَّ لا يَخْفى حُسْنُ مَوْقِعِ الأضْغاثِ مَعَ السَّنابِلِ، فَيا لِلَّهِ دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ ما أبْدَعَ رِياضِ بَلاغَتِهِ.

﴿وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ﴾ أيِ المَناماتِ الباطِلَةِ ﴿بِعالِمِينَ﴾ لِأنَّها لا تَأْوِيلَ لَها وإنَّما التَّأْوِيلُ لِلْمَناماتِ الصّادِقَةِ، وهَذا إمّا لِشُيُوعِ الأحْلامِ في أباطِيلِها، وإمّا لِكَوْنِ اللّامِ لِلْعَهْدِ والمَعْهُودُ الأضْغاثُ مِنها، والكَلامُ وارِدٌ عَلى أُسْلُوبِ: عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ. وهو إشارَةٌ إلى كُبْرى قِياسٌ ساقُوهُ لِلْعُذْرِ عَنْ جَهْلِهِمْ كَأنَّهم قالُوا هَذِهِ رُؤْيا باطِلَةٌ وكُلُّ رُؤْيا كَذَلِكَ لا نَعْلَمُ تَأْوِيلَها أيْ لا تَأْوِيلَ لَها حَتّى نَعْلَمَهُ يَنْتُجُ هَذِهِ رُؤْيا لا تَأْوِيلَ لَها.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأحْلامِ الرُّؤى مُطْلَقًا، وألْ فِيهِ لِلْجِنْسِ، والكَلامُ اعْتِرافٌ مِنهم بِقُصُورِ عِلْمِهِمْ وأنَّهم لَيْسُوا بِنَحارِيرَ في تَأْوِيلِ الرُّؤى مَعَ أنَّ لَها تَأْوِيلًا، واخْتارَهُ ابْنُ المُنِيرِ وادَّعى أنَّهُ الظّاهِرُ، وأنَّ قَوْلَ المَلِكِ لَهم أوَّلًا ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا في عِلْمِهِ عالِمِينَ بِها لِأنَّهُ أتى بِكَلِمَةِ الشَّكِّ فَجاءَ اعْتِرافُهم بِالقُصُورِ مُطابِقًا لِشَكِّ المَلِكِ الَّذِي أخْرَجَهُ مَخْرَجَ اسْتِفْهامِهِمْ عَنْ كَوْنِهِمْ عالِمِينَ، وأنَّ قَوْلَ الفَتى: ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ أيْضًا.

وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ يُشْعِرُ بِهِ عُدُولُهم عَمّا وقَعَ في كَلامِ المَلِكِ مِنَ العِبارَةِ المُعَبِّرَةِ عَنْ مُجَرَّدِ الِانْتِقالِ مِنَ الدّالِّ إلى المَدْلُولِ حَيْثُ لَمْ يَقُولُوا بِتَعْبِيرِ الأحْلامِ أوْ عِبارَتُها إلى التَّأْوِيلِ المُنْبِئِ عَنِ التَّصَرُّفِ، والتَّكَلُّفُ في ذَلِكَ لِما بَيْنَ الآيِلِ والمَآلِ مِنَ البُعْدِ، واعْتَرَضَ بِأنَّهُ عَلى هَذا يَبْقى قَوْلُهُمْ: ﴿أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ ضائِعًا إذْ لا دَخْلَ لَهُ في العُذْرِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ إزالَةَ خَوْفِ المَلِكِ مِن تِلْكَ الرُّؤْيا فَلا يَبْقى ضائِعًا.

وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّ وجْهَ ذَلِكَ أنْ يُجْعَلَ الأوَّلُ جَوابًا مُسْتَقِلًّا، والثّانِي كَذَلِكَ أيْ هَهُنا أمْرانِ: أحَدُهُما مِن جانِبِ الرّائِي، والثّانِي مِن جانِبِ المُعَبِّرِ، ووَجْهُ تَقْدِيرِ الظَّرْفِ عَلى عامِلِهِ إنّا أصْحابُ الآراءِ والتَّدابِيرِ

صفحة 253

وعِلْمُنا بِذَلِكَ رَصِينٌ لا بِتَأْوِيلِ الرُّؤى، ووَجْهُهُ عَلى الأوَّلِ ظاهِرٌ، وادَّعى أنَّ المَقامَ يُطابِقُهُ، ووُرُودُهُ عَلى ذَلِكَ الأُسْلُوبِ مَقُولُهُ لا مُوهِنَ خِلافًا لِما في الِانْتِصافِ، ويَقْوى عِنْدَ اخْتِيارِ الوَجْهِ الثّانِي إذا كانَ الخِطابُ لِجُلَسائِهِ وأهْلِ مَشُورَتِهِ مِن أهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ لِأنَّ الأغْلَبَ عَلى أمْثالِهِمُ الجَهْلُ بِمِثْلِ هَذا العِلْمِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ إلّا أفْرادٌ مِنَ النّاسِ

12:45Page 241

وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنۡهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعۡدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِيلِهِۦ فَأَرۡسِلُونِ ٤٥

But the one who was freed and remembered after a time said, "I will inform you of its interpretation, so send me forth."

﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما﴾ أيْ صاحِبَيْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو الشَّرابِيُّ ﴿وادَّكَرَ﴾ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وأصْلُهُ اذْتَكَرَ أُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا وأُدْغِمَتِ الدّالُ فِيها.

وقَرَأ الحَسَنُ –اذَّكَرَ- بِإبْدالِ التّاءِ ذالًا مُعْجَمَةً وإدْغامِ الذّالِ المُعْجَمَةِ فِيها، والقِراءَةُ الأُولى أفْصَحُ، والمَعْنى عَلى كِلَيْهِما تَذَكَّرَ ما سَبَقَ لَهُ مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أيْ طائِفَةٍ مِنَ الزَّمانِ ومُدَّةٍ طَوِيلَةٍ.

وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ (إمَّةٍ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ المِيمِ أيْ نِعْمَةٍ عَلَيْهِ بَعْدَ نِعْمَةٍ، والمُرادُ بِذَلِكَ خَلاصُهُ مِنَ القَتْلِ والسَّجْنِ وإنْعامُ مَلِكِهِ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا جاءَ قَوْلُهُ:

ألا لا أرى ذا (إمَّةٍ) أصْبَحَتْ بِهِ فَتَتْرُكُهُ الأيّامُ وهي كَما هِيَ

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المُرادُ بَعْدَ نِعْمَةٍ أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِها عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي تَقْرِيبُ إطْلاقِهِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم –وأُمَّةٍ- وأمَهٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والمِيمِ المُخَفَّفَةِ وهاءٍ مُنَوَّنَةٍ مِن أمَهَ يَأْمَهُ أمَهًا إذا نَسِيَ، وجاءَ في المَصْدَرِ –أمْهٌ- بِسُكُونِ المِيمِ أيْضًا، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةِ وشَبِيلِ بْنِ عَزَرَةَ الضَّبْعِيِّ أنَّهم قَرَأُوا بِذَلِكَ ولا عِبْرَةَ بِمَن أنْكَرَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ القَوْلِ والمَقُولِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِن ضَمِيرِهِ في الصِّلَةِ، ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى تَقْدِيرِ قَدْ عَلى المَشْهُورِ، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى نَجا ولَيْسَ بِشَيْءٍ -كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ- لِأنَّ حَقَّ كُلٍّ مِنَ الصِّلَةِ والصِّفَةِ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الِانْتِسابِ إلى المَوْصُولِ والمَوْصُوفِ عِنْدَ المُخاطَبِ كَما عِنْدَ المُتَكَلِّمِ، ومِن هُنا قِيلَ: الأوْصافُ قَبْلَ العِلْمِ بِها أخْبارٌ والأخْبارُ بَعْدَ العِلْمِ بِها أوْصافٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَذَكُّرَهُ بَعْدَ أُمَّةٍ إنَّما عُلِمَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ فَلا مَعْنى لِنَظْمِهِ مَعَ نَجاتِهِ المَعْلُومَةِ مِن قَبْلُ في سَلْكِ الصِّلَةِ ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ أُخْبِرُكم بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ الَّذِي خَفِيَ أمْرُهُ بِالتَّلَقِّي مِمَّنْ عِنْدَهُ عِلْمُهُ لا مِن تِلْقاءِ نَفْسِي ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ أُفْتِيكم في ذَلِكَ، وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسِلُونِ﴾ إلى مَن عِنْدَهُ عِلْمُهُ، وأرادَ بِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ حِرْصًا عَلى أنْ يَكُونَ هو المُرْسَلَ إلَيْهِ فَإنَّهُ لَوْ ذَكَرَهُ فَلَرُبَّما أرْسَلُوا غَيْرَهُ، وضَمِيرُ الجَمْعِ إمّا لِأنَّهُ أرادَ المَلِكَ وحْدَهُ لَكِنْ خاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ كَما هو المَعْرُوفُ في خِطابِ المُلُوكِ، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ مَقالَةَ القَوْمِ جَثى بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ وقالَ: إنْ في السِّجْنِ رَجُلًا عالِمًا يَعْبُرُ الرُّؤْيا فابْعَثُونِي إلَيْهِ فَبَعَثُوهُ، وكانَ السِّجْنُ -عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما- في غَيْرِ مَدِينَةِ المَلِكِ، وقِيلَ: كانَ فِيها، قالَ أبُو حَيّانَ ويَرْسُمُ النّاسُ اليَوْمَ سِجْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَوْضِعِ النِّيلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفُسْطاطِ ثَمانِيَةُ أمْيالٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ -أنا آتِيكُمْ- مُضارِعُ أتى مِنَ الإتْيانِ فَقِيلَ لَهُ: إنَّما هو ﴿أنا أُنَبِّئُكُمْ﴾ فَقالَ: أهُوَ كانَ يُنَبِّئُهُمْ؟! وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهُ عَنْ أُبَيٍّ أنَّهُ قَرَأ أيْضًا كَذَلِكَ.

صفحة 254

وفِي البَحْرِ أنَّهُ كَذا في الإمامِ أيْضًا

12:46Page 241

يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفۡتِنَا فِي سَبۡعِ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖ لَّعَلِّيٓ أَرۡجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٤٦

[He said], "Joseph, O man of truth, explain to us about seven fat cows eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry - that I may return to the people [i.e., the king and his court]; perhaps they will know [about you]."

﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ فَأرْسَلُوهُ فَأتاهُ فَقالَ: يا يُوسُفُ، ووَصَفَهُ بِالمُبالَغَةِ في الصِّدْقِ حَسْبَما عَلِمَهُ وجَرَّبَ أحْوالَهُ في مُدَّةِ إقامَتِهِ مَعَهُ في السَّجْنِ لِكَوْنِهِ بِصَدَدِ اغْتِنامِ آثارِهِ واقْتِباسِ أنْوارِهِ، فَهو مِن بابِ بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلّا أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْتَفْتِي أنْ يُعَظِّمَ المُفْتِي، واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُما لَمْ يَكْذِبا عَلى يُوسُفَ في مَنامِهِما وأنَّهُما كَذَبا في قَوْلِهِما: كَذَبْنا إنْ ثَبَتَ.

﴿أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعِ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ﴾ أيْ في رُؤْيا ذَلِكَ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لِوُضُوحِ مَرامِهِ بِقَرِينَةِ ما سَبَقَ مِن مُعامَلَتِهِما ولِدَلالَةِ مَضْمُونِ الحادِثَةِ عَلَيْهِ حَيْثُ إنَّ مِثْلَهُ لا يَقَعُ في عالَمِ الشَّهادَةِ، والمَعْنى بَيِّنَ لَنا مَآلَ ذَلِكَ وحُكْمَهُ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالإفْتاءِ، ولَمْ يَقُلْ كَما قالَ هو وصاحِبُهُ أوَّلًا ﴿نَبِّئْنا) بِتَأْوِيلِهِ﴾ -تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ عايَنَ رُتْبَتَهُ في الفَضْلِ- ولَمْ يَقُلْ: أفْتِنِي مَعَ أنَّهُ المُسْتَفْتِي وحْدَهُ إشْعارًا بِأنَّ الرُّؤْيا لَيْسَتْ لَهُ بَلْ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ مُلابَسَةٌ بِأُمُورِ العامَّةِ وأنَّهُ في ذَلِكَ مَعْبَرٌ وسَفِيرٌ، ولِذا لَمْ يُغَيِّرْ لَفْظَ المَلِكِ، ويُؤْذِنُ بِهَذا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ﴾ أيْ إلى المَلِكِ ومَن عِنْدَهُ، أوْ إلى أهْلِ البَلَدِ فَأُنَبِّئُهم بِما أفْتَيْتَ ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ ويَعْمَلُونَ بِمُقْتَضاهُ، أوْ يَعْلَمُونَ فَضْلَكَ ومَكانَكَ مَعَ ما أنْتَ فِيهِ مِنَ الحالِ فَتَتَخَلَّصُ مِنهُ، والجُمْلَةُ عِنْدَ أبِي حَيّانَ عَلى الأوَّلِ كالتَّعْلِيلِ لِلرُّجُوعِ، وعَلى الثّانِي كالتَّعْلِيلِ –لِأفْتِنا- وإنَّما لَمْ يَبُتَّ القَوْلَ بَلْ قالَ: (لَعَلِّي) و(لَعَلَّهُمْ) مُجاراةً مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى نَهْجِ الأدَبِ واحْتِرازًا عَنِ المُجازَفَةِ إذْ لَمْ يَكُنْ عَلى يَقِينٍ مِنَ الرُّجُوعِ:

فَبَيْنَما المَرْءُ في الأحْياءِ مُغْتَبِطٌ إذا هو الرَّمْسُ تَعْفُوهُ الأعاصِيرُ

ولا مِن عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ فَرُبَّما لَمْ يَعْلَمُوهُ إمّا لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ أوْ لِعَدَمِ اعْتِمادِهِمْ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском