Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:47–50
12:47Page 241
قَالَ تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبٗا فَمَا حَصَدتُّمۡ فَذَرُوهُ فِي سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تَأۡكُلُونَ ٤٧
[Joseph] said, "You will plant for seven years consecutively; and what you harvest leave in its spikes, except a little from which you will eat.
﴿قالَ﴾ مُسْتَأْنِفٌ عَلى قِياسِ ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ قَرَأ حَفْصٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والجُمْهُورُ بِإسْكانِها، وقُرِئَ –دابًا- بِألْفٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ عَلى التَّخْفِيفِ، وهو في كُلِّ ذَلِكَ مَصْدَرٌ –لِدَأْبٍ- وأصْلُ مَعْناهُ التَّعَبُ، ويُكَنّى بِهِ عَنِ العادَةِ المُسْتَمِرَّةِ لِأنَّها تَنْشَأُ مِن مُداوَمَةِ العَمَلِ اللّازِمِ لَهُ التَّعَبُ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿تَزْرَعُونَ﴾ أيْ دائِبِينَ، أوْ ذَوِي دَأْبٍ، وأُفْرِدَ لِأنَّ المَصْدَرَ الأصْلُ فِيهِ الإفْرادُ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ تَدْأبُونَ دَأبًا.
والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أيْضًا، وعِنْدَ المُبَرِّدِ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ –لِتَزْرَعُونَ- وذَلِكَ عِنْدَهُ نَظِيرُ قَعَدَ القُرْفُصاءَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَدْ أوَّلَ عَلَيْهِ السَّلامُ البَقَراتِ السِّمانِ والسُّنْبُلاتِ الخُضْرِ بِسِنِينَ مَخاصِيبَ، والعِجافُ واليابِساتُ بِسِنِينَ مُجْدِبَةٍ، فَأخْبَرَهم بِأنَّهم يُواظِبُونَ عَلى الزِّراعَةِ سَبْعَ سِنِينَ ويُبالِغُونَ فِيها إذْ بِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ الخِصْبُ الَّذِي هو مِصْداقُ البَقَراتِ السِّمانِ وتَأْوِيلِها، وقِيلَ: المُرادُ الأمْرُ بِالزِّراعَةِ كَذَلِكَ، فالجُمْلَةُ خَبَرٌ لَفْظًا أمْرٌ مَعْنًى، وأُخْرِجَ عَلى صُورَةِ الخَبَرِ مُبالَغَةً في إيجابِ إيجادِهِ حَتّى كَأنَّهُ وقَعَ وأُخْبِرَ عَنْهُ، وأُيِّدَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَما حَصَدْتُمْ﴾ أيْ في كُلِّ سَنَةٍ.
﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ ولا تَذَرُوهُ كَيْلا يَأْكُلَهُ السُّوسُ كَما هو شَأْنُ غِلالِ مِصْرَ ونَواحِيها إذا مَضى عَلَيْها نَحْوُ عامَيْنِ، ولَعَلَّهُ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالسُّنْبُلاتِ الخُضْرِ يُناسِبُ كَوْنَهُ أمْرًا مِثْلَهُ، قِيلَ: لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُؤَوَّلْ ذَلِكَ بِالأمْرِ لَزِمَ عَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ لِأنَّ –ما- إمّا شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَلِكَوْنِ الجَزاءِ إنْشاءً
صفحة 255
تَكُونُ إنْشائِيَّةً مَعْطُوفَةً عَلى خَبَرِيَّةٍ.
وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ الَّتِي جَوابُها إنْشائِيٌّ إنْشائِيَّةٌ، ولَوْ سَلِمَ فَلا نُسَلِّمُ العَطْفَ بَلِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لِنُصْحِهِمْ وإرْشادِهِمْ إلى ما يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلُوهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُعْتادًا لَهم كَما كانَ الزَّرْعُ كَذَلِكَ، أوْ هي جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ إنْ زَرَعْتُمْ ﴿فَما حَصَدْتُمْ﴾ إلَخْ، وأيْضًا يَحْتَمِلُ الأمْرُ عَكْسَ ما ذَكَرُوهُ بِأنْ يَكُونَ ذَرُوهُ بِمَعْنى تَذَرُوهُ، وأُبْرِزَ في صُورَةِ الأمْرِ لِأنَّهُ بِإرْشادِهِ فَكَأنَّهم أمَرَهم بِهِ، والتَّحْقِيقُ ما في الكَشْفِ مِن أنَّ الأظْهَرَ أنَّ ﴿تَزْرَعُونَ﴾ عَلى أصْلِهِ لِأنَّهُ تَأْوِيلُ المَنامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الآتِي: ﴿ثُمَّ يَأْتِي﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ﴾ اعْتِراضٌ اهْتِمامًا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِشَأْنِهِمْ قَبْلَ تَتْمِيمِ التَّأْوِيلِ، وفِيهِ ما يُؤَكِّدُ أمْرَ السّابِقِ واللّاحِقِ كَأنَّهُ قَدْ كانَ فَهو يَأْمُرُهم بِما فِيهِ صَلاحُهم وهَذا هو النَّظْمُ المُعْجِزُ، انْتَهى.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ -ما حَصَدْتُمْ- إلَخْ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ﴿تَزْرَعُونَ﴾ بِمَعْنى ازْرَعُوا داخِلًا في العِبارَةِ، فَإنَّ أكْلَ السَّبْعِ العِجافِ السَّبْعَ السِّمانَ وغَلَبَةَ السُّنْبُلاتِ اليابِساتِ الخُضْرَ دالٌّ عَلى أنَّهم يَأْكُلُونَ في السِّنِينَ المُجْدِبَةِ ما حَصَلَ في السِّنِينَ المُخْصِبَةِ، وطَرِيقُ بَقائِهِ تَعْلَمُوهُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَبَقِيَ لَهم في تِلْكَ المُدَّةِ، وقِيلَ: إنَّ ﴿تَزْرَعُونَ﴾ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وكَذا ما بَعْدَهُ خارِجٌ عَنِ العِبارَةِ، والكُلُّ كَما تَرى ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ أيِ اتْرُكُوا ذَلِكَ في السُّنْبُلِ إلّا ما لا غِنًى عَنْهُ مِنَ القَلِيلِ الَّذِي تَأْكُلُونَهُ في تِلْكَ السِّنِينَ، وفِيهِ إرْشادٌ إلى التَّقْلِيلِ في الأكْلِ.
وقَرَأ السِّلْمِيُّ مِمّا –يَأْكُلُونَ- بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ أيْ يَأْكُلُ النّاسُ، والِاقْتِصارُ عَلى اسْتِثْناءِ المَأْكُولِ دُونَ البَذْرِ لِكَوْنِ ذَلِكَ مَعْلُومًا مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ﴾
12:48Page 241
ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ سَبۡعٞ شِدَادٞ يَأۡكُلۡنَ مَا قَدَّمۡتُمۡ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تُحۡصِنُونَ ٤٨
Then will come after that seven difficult [years] which will consume what you advanced [i.e., saved] for them, except a little from which you will store.
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ السِّنِينَ السَّبْعِ المَذْكُوراتِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ مِن بَعْدِهِنَّ قَصْدًا إلى تَفْخِيمِ شَأْنِهِنَّ ﴿سَبْعٌ شِدادٌ﴾ أيْ سَبْعُ سِنِينَ صِعابٍ عَلى النّاسِ، وحَذْفُ التَّمْيِيزِ لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ ﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أيْ ما ادَّخَرْتُمْ في تِلْكَ السِّنِينَ مِنَ الحُبُوبِ المَتْرُوكَةِ في سَنابِلِها لِأجْلِهِنَّ، وإسْنادُ الأكْلِ إلَيْهِنَّ مَعَ أنَّهُ حالُ النّاسِ فِيهِنَّ مَجازِيٌّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( والنَّهارُ مُبَصِّرًا ) واللّامُ في (لَهُنَّ) تَرْشِيحٌ لِذَلِكَ، وكانَ الدّاعِي إلَيْهِ التَّطْبِيقَ بَيْنَ المُعَبَّرِ والمُعَبَّرِ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ لِلْمُشاكَلَةِ لِما وقَعَ في الواقِعَةِ.
وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الأكْلَ بِالإفْناءِ كَما في قَوْلِهِمْ: أكَلَ السَّيْرُ لَحْمَ النّاقَةِ أيْ أفْناهُ وذَهَبَ بِهِ ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ أيْ تُحْرِزُونَهُ وتُخَبِّئُونَهُ لِبُرُوزِ الزِّراعَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الحِصْنِ وهو الحِرْزُ والمَلْجَأُ
12:49Page 241
ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعۡصِرُونَ ٤٩
Then will come after that a year in which the people will be given rain and in which they will press [olives and grapes]."
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيِ السِّنِينَ المَوْصُوفَةِ بِما ذُكِرَ مِنَ الشِّدَّةِ وأكْلِ المُدَّخَرِ مِنَ الحُبُوبِ ﴿عامٌ﴾ هو كالسَّنَةِ لَكِنَّ كَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ فِيما فِيهِ الرَّخاءُ والخِصْبُ، والسُّنَّةُ فِيما فِيهِ الشِّدَّةُ والجَدْبُ ولِهَذا يُعَبَّرُ عَنِ الجَدْبِ بِالسَّنَةِ، وكَأنَّهُ تَحاشِيًا عَنْ ذَلِكَ وتَنْبِيهًا مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى اخْتِلافِ الحالِ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّوابِقِ عَبَّرَ بِهِ دُونَ السَّنَةِ ﴿فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ أيْ يُصِيبُهم غَيْثٌ أيْ مَطَرٌ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والجُمْهُورُ فَهو مِن غاثَ الثُّلاثِيِّ اليائِيِّ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ:
صفحة 256
غُثْنا ماشِيَتَنا؛ وقَوْلُ بَعْضِهِمْ أذى البَراغِيثُ إذا البَراغِيثُ، وقِيلَ: هو مِنَ الغَوْثِ أيِ الفَرَجِ، يُقالُ: أغاثَنا اللَّهُ تَعالى إذا أمَدَّنا بِرَفْعِ المَكارِهِ حِينَ أظَلَّتْنا فَهو رُباعِيٌّ واوِيٌّ ﴿وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ مِنَ العَصْرِ المَعْرُوفِ أيْ يَعْصِرُونَ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْصَرَ مِنَ العِنَبِ والقَصَبِ والزَّيْتُونِ والسِّمْسِمِ ونَحْوِها مِنَ الفَواكِهِ لِكَثْرَتِها، والتَّعَرُّضُ لِذِكْرِهِ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مَعَ جَوازِ الِاكْتِفاءِ عَنْهُ بِذِكْرِ الغَيْثِ المُسْتَلْزِمِ لَهُ عادَةً كَما اكْتَفى بِهِ عَنْ ذِكْرِ تَصْرِيفِهِمْ في الحُبُوبِ: إمّا لِأنَّ اسْتِلْزامَ الغَيْثِ لَهُ لَيْسَ كاسْتِلْزامِهِ لِلْحُبُوبِ إذِ المَذْكُوراتُ يَتَوَقَّفُ صَلاحُها عَلى أُمُورٍ أُخْرى غَيْرِ المَطَرِ، وإمّا لِمُراعاةِ جانِبِ المُسْتَفْتِي بِاعْتِبارِ حالَتِهِ الخاصَّةِ بِهِ بِشارَةً لَهُ، وهي الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها حُسْنُ مُوقِعِ تَغْلِيبِهِ عَلى النّاسِ في قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالفَوْقانِيَّةِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِيَحْلُبُونَ وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ العَصْرِ المَعْرُوفِ لِأنَّ في الحَلْبِ عَصْرُ الضَّرْعِ لِيَخْرُجَ الدَّرُّ، وتَكْرِيرُ فِيهِ إمّا كَما قِيلَ: لِلْإشْعارِ بِاخْتِلافِ ما يَقَعُ فِيهِ زَمانًا وعُنْوانًا، وإمّا لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَعْدادِ مَنافِعِ ذَلِكَ العامِ، ولِأجْلِهِ قُدِّمَ في المَوْضِعَيْنِ عَلى العامِلِ فَإنَّ المَقامَ بَيانُ أنَّهُ يَقَعُ في ذَلِكَ العامِ هَذا وذاكَ لا بَيانَ أنَّهُما يَقَعانِ في ذَلِكَ العامِ كَما يُفِيدُهُ التَّأْخِيرُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ لِلْقَصْرِ عَلى مَعْنى أنَّ غَيْثَهم في تِلْكَ السِّنِينَ كالعَدَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى عامِهِمْ ذَلِكَ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ في الأخِيرِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، وفي الأوَّلِ لِرِعايَةِ حالِهِ.
وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والأعْرَجُ وعِيسى البَصْرَةِ (يُعْصَرُونَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَنْ عِيسى –تُعْصَرُونَ- بِالفَوْقانِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا مِن عَصَرَهُ اللَّهُ تَعالى إذا أنْجاهُ أيْ يُنْجِيهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِمّا هم فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ، وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يُغاثُ النّاسُ﴾ وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ وغَيْرِهِ أخَذَ المَبْنِيَّ لِلْفاعِلِ مِنَ العَصْرِ بِمَعْنى النَّجاةِ أيْضًا، وفي البَحْرِ تَفْسِيرُ العَصْرِ والعُصْرَةِ بِالضَّمِّ بِالمَنجا، وأنْشَدَ قَوْلَ أبِي زُبَيْدٍ في عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:
صادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ولَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنجُودِ
وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: مَعْناهُ عَصِيرُونَ مِن أعْصَرَتِ السَّحابَةُ عَلَيْهِمْ أيْ حانَ وقْتُ عَصْرِ الرِّياحِ لَها لِتُمْطِرَ، فَعَلى صِلَةِ الفِعْلِ كَما عَصَرْتُ اللَّيْمُونَ عَلى الطَّعامِ فَحُذِفَتْ وأُوصِلَ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ، أوْ تَضَمَّنَ أعْصَرَتْ مَعْنى مَطَرَتْ فَتَعَدّى تَعْدِيَتَهُ، وفي الصِّحاحِ عَصَرَ القَوْمُ أيْ أُمْطِرُوا، ومِنهُ قِراءَةُ بَعْضِهِمْ، وفِيهِ ﴿يَعْصِرُونَ﴾ وظاهِرُهُ أنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِذَلِكَ فَلا يَحْتاجُ إلى التَّضْمِينِ عَلَيْهِ، وحَكى النَّقّاشُ أنَّهُ قُرِئَ (يُعْصِّرُونَ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الصّادِ وتَشْدِيدِها مِن عَصَّرَ مُشَدَّدًا لِلتَّكْثِيرِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (وفِيهِ تِعِصِّرُونَ) بِكَسْرِ التّاءِ والعَيْنِ والصّادِ وتَشْدِيدِها، وأصْلُهُ –يَعْتَصِرُونَ- فَأدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ ونَقَلَ حَرَكَتَها إلى العَيْنِ، وأتْبَعَ حَرَكَةَ التّاءِ لِحَرَكَةِ العَيْنِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنِ اعْتَصَرَ العِنَبُ ونَحْوَهُ أوْ مِنِ اعْتَصَرَ بِمَعْنى نَجا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:
لَوْ بِغَيْرِ الماءِ حَلْقِي شَرَقٌ ∗∗∗ كُنْتُ كالغَصّانِ بِالماءِ اعْتِصارِي
ثُمَّ إنَّ أحْكامَ هَذا العامِ المُبارَكِ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ عِلْمٌ آتاهُ اللَّهُ تَعالى عِلْمَهُ لَمْ يَكُنْ فِيما سُئِلَ عَنْهُ، ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَنَيا أنَّ ذَلِكَ بِالوَحْيِ وهو الظّاهِرُ، ولَقَدْ أتى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما يَدُلُّ عَلى فَضْلِهِ في آخِرِ فَتْواهُ عَلى عَكْسِ ما فَعَلَ أوَّلًا عِنْدَ الجَوابِ عَنْ رُؤْيا صاحِبَيْهِ حَيْثُ أتى بِذَلِكَ في أوَّلِها ووَجْهُ ذَلِكَ ظاهِرٌ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ البِشارَةَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ تَكُنْ عَنْ وحْيٍ بَلْ لِأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بِأنَّ انْتِهاءَ الجَدْبِ الخِصْبُ، أوْ لِأنَّ السُّنَّةَ الآلِهِيَّةَ عَلى أنْ يُوَسِّعَ عَلى عِبادِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ ما ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ،
صفحة 257
وفِيهِ أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَأجْمَلَ في البِشارَةِ، وإنَّ حَصْرَ الجَدْبِ يَقْتَضِي تَغْيِيرَهُ بِخِصْبِ ما لا عَلى ما ذَكَرَهُ خُصُوصًا عَلى ما تَقْتَضِيهِ بَعْضُ القِراآتِ مِن إغاثَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فَإنَّها لا تُعْلَمُ إلّا بِالوَحْيِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ أفْتاهم وأرْشَدَهم وبَشَّرَهم كانَ يَتَوَقَّعُ وُقُوعَ ما أخْبَرَ بِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَصْنَعُ لِرَجُلٍ طَعامَ اثْنَيْنِ فَيُقَرِّبُهُ إلى الرَّجُلِ فَيَأْكُلُ نِصْفَهُ ويَدَعُ نِصْفَهُ حَتّى إذا كانَ يَوْمٌ قَرَّبَهُ لَهُ فَأكَلَهُ كُلَّهُ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَذا أوَّلُ يَوْمٍ مِنَ الشِّدادِ، واسْتَدَلَّ البَلْخِيُّ بِتَأْوِيلِهِ لِذَلِكَ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ الرُّؤْيا عَلى ما عُبِّرَتْ أوَّلًا فَإنَّهم كانُوا قَدْ قالُوا: ( أضْغاثُ أحْلامٍ ) فَلَوْ كانَ ما قالُوهُ مُؤَثِّرًا شَيْئًا لَأعْرَضَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ تَأْوِيلِها وفِيهِ بَحْثٌ، فَقَدْ رَوى أبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي رَزِينٍ الرُّؤْيا عَلى جَناحِ طائِرٍ ما لَمْ تُعَبَّرْ فَإذا عُبِّرَتْ وقَعَتْ، ولا تَقُصُّها إلّا عَلى وادٍّ وذِي رَأْيٍ، ولَعَلَّهُ إذا صَحَّ هَذا يَلْتَزِمُ القَوْلُ بِأنَّ الحُكْمَ عَلى الرُّؤْيا بِأنَّها ( أضْغاثُ أحْلامٍ ) وأنَّها لا ذَيْلَ لَها لَيْسَ مِنَ التَّعْبِيرِ في شَيْءٍ، وإلّا فالجَمْعُ بَيْنَ ما هُنا وبَيْنَ الخَبَرِ مُشْكِلٌ.
وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَخُصَّ ذَلِكَ بِما يَحْتَمِلُ مِنَ الرُّؤْيا وُجُوهًا فَيَعْبُرُ بِأحَدِها فَيَقَعُ عَلَيْهِ، واسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ أيْضًا عَلى صِحَّةِ رُؤْيا الكافِرِ وهو ظاهِرٌ، وقَدْ ذَكَرُوا لِلِاسْتِفْتاءِ عَنِ الرُّؤْيا آدابًا: مِنها أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أوْ عِنْدَ غُرُوبِها أوْ في اللَّيْلِ، وقالُوا: إنَّ تَعْبِيرَها مَنامًا هو تَعْبِيرُها في نَفْسِ الأمْرِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَعْبِيرٍ بَعْدُ، وأكْثَرُوا القَوْلَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِها، وأكْثَرُ ما قِيلَ مِمّا لا يَظْهَرُ لِي سِرُّهُ ولا أدْرِي بَعْضَ ذَلِكَ إلّا كَأضْغاثِ أحْلامٍ
12:50Page 241
وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرۡجِعۡ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسۡـَٔلۡهُ مَا بَالُ ٱلنِّسۡوَةِ ٱلَّٰتِي قَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيۡدِهِنَّ عَلِيمٞ ٥٠
And the king said, "Bring him to me." But when the messenger came to him, [Joseph] said, "Return to your master and ask him what is the case of the women who cut their hands. Indeed, my Lord is Knowing of their plan."
﴿وقالَ المَلِكُ﴾ بَعْدَ ما جاءَ السَّفِيرُ المُعَبِّرُ بِالتَّعْبِيرِ وسَمِعَ مِنهُ ما سَمِعَ مِن نَقِيرٍ وقِطْمِيرٍ.
﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ لِما رَأى مِن عِلْمِهِ وفَضْلِهِ وإخْبارِهِ عَمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ﴿فَلَمّا جاءَهُ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿الرَّسُولُ﴾ وهو صاحِبُهُ الَّذِي اسْتَفْتاهُ، وقالَ لَهُ: إنَّ المَلِكَ يُرِيدُ أنْ تَخْرُجَ إلَيْهِ.
﴿قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ سَيِّدِكَ وهو المَلِكُ ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أيْ فَتِّشْهُ عَنْ شَأْنِهِنَّ وحالِهِنَّ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ فاسْألْهُ أنْ يُفَتِّشَ عَنْ ذَلِكَ حَثًّا لِلْمَلِكِ عَلى الجِدِّ في التَّفْتِيشِ لِتَتَبَيَّنَ بَراءَتُهُ وتَتَّضِحَ نَزاهَتُهُ، فَإنَّ السُّؤالَ عَنْ شَيْءٍ مِمّا يُهَيِّجُ الإنْسانَ ويُحَرِّكُهُ لِلْبَحْثِ لِأنَّهُ يَأْنَفُ مِنَ الجَهْلِ، ولَوْ قالَ: سَلْهُ أنْ يُفَتِّشَ لَكانَ تَهْيِيجًا لَهُ عَنِ الفَحْصِ عَنْ ذَلِكَ، وفِيهِ جَراءَةٌ عَلَيْهِ فَرُبَّما امْتَنَعَ مِنهُ ولَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ عَلَيْهِ السَّلامُ لِامْرَأةِ العَزِيزِ مَعَ أنَّها الأصْلُ الأصِيلُ لِما لاقاهَ تَأدُّبًا وتَكَرُّمًا، ولِذا حَمَلَها ذَلِكَ عَلى الِاعْتِرافِ بِنَزاهَتِهِ وبَراءَةِ ساحَتِهِ، وقِيلَ: احْتِرازًا عَنْ مَكْرِها حَيْثُ اعْتَقَدَها باقِيَةً في ضَلالِها القَدِيمِ، وأمّا النِّسْوَةُ فَقَدْ كانَ يَطْمَعُ في صَدْعِهِنَّ بِالحَقِّ وشَهادَتِهِنَّ بِإقْرارِها بِأنَّها راوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ، ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى وصْفِهِنَّ بِتَقْطِيعِ الأيْدِي ولَمْ يُصَرِّحْ بِمُراوَدَتِهِنَّ لَهُ واكْتَفى بِالإيماءِ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ مُجامَلَةً مَعَهُنَّ واحْتِرازًا عَنْ سُوءِ مَقالَتِهِنَّ وانْتِصابِهِنَّ عِنْدَ رَفْعِهِنَّ إلى المَلِكِ لِلْخُصُومَةِ عَنْ أنْفُسِهِنَّ مَتى سَمِعْنَ بِنِسْبَتِهِ لَهُنَّ إلى الفَسادِ، وفي الكَشّافِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ بِهَذا أنَّهُ كَيْدٌ عَظِيمٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، أوِ اسْتَشْهَدَ بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّهُنَّ كِدْنَهُ وأنَّهُ بَرِيءٌ مِمّا قَرِفَ بِهِ، أوْ أرادَ الوَعِيدَ لَهُنَّ -أيْ عَلِيمٌ بِكَيْدِهِنَّ- فَمُجازِيهِنَّ عَلَيْهِ، انْتَهى.
وكانَ الحَصْرُ عَلى الأوَّلِ مِن قُرْبِهِ مِن زَيْدٍ يَعْلَمُ وصُلُوحِهِ لِإفادَتِهِ عِنْدَهُ أوْ مِنِ اقْتِضاءِ المَقامِ لِأنَّهُ إذا
صفحة 258
حَمَلَهُ عَلى السُّؤالِ ثُمَّ أضافَ عِلْمَهُ إلى اللَّهِ تَعالى دَلَّ بِهِ عَلى عَظَمَتِهِ، وأنَّ الكُنْهَ غَيْرُ مَأْمُولِ الوُصُولِ لَكِنْ ما لا يُدْرَكُ كُلُّهُ لا يُتْرَكُ كُلُّهُ، وهَذا هو الوَجْهُ، وفِيهِ زِيادَةُ تَشْوِيقٍ وبَعْثٍ إلى تَعَرُّفِ الأمْرِ، فالجُمْلَةُ عَلَيْهِ تَتْمِيمٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاسْألْهُ﴾ إلَخْ، والكَيْدُ اسْمٌ لِما كِدْنَهُ بِهِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ تَذْيِيلًا كَأنَّهُ قِيلَ: احْمِلْهُ عَلى التَّعَرُّفِ يَتَبَيَّنُ لَهُ بَراءَةُ ساحَتِي، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ كانَ كَيْدًا مِنهُنَّ، وإذا كانَ كَيْدًا يَكُونُ لا مَحالَةَ بَرِيئًا، والكَيْدُ هو الحَدَثُ؛ وعَلى الثّالِثِ تَحْتَمِلُهُما، والمَعْنى بَعْثُ المَلِكَ عَلى الغَضَبِ لَهُ والِانْتِقامِ مِنهُنَّ، وإلّا لَمْ يَتَلاءَمِ الكَلامُ ولا يُطابِقُ كَرَمَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي عَجِبَ مِنهُ نَبِيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقَدْ أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «لَقَدْ عَجِبْتُ مِن يُوسُفَ وكَرَمِهِ وصَبْرِهِ، واللَّهُ تَعالى يَغْفِرُ لَهُ حِينَ سُئِلَ عَنِ البَقَراتِ العِجافِ والسِّمانِ ولَوْ كُنْتُ مَكانَهُ ما أجَبْتُهم حَتّى اشْتَرَطْتُ أنْ يُخْرِجُونِي، ولَقَدْ عَجِبْتُ مِنهُ حِينَ أتاهُ الرَّسُولُ فَقالَ: ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ ولَوْ كُنْتُ مَكانَهُ ولَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ لَأسْرَعْتُ الإجابَةَ وبادَرْتُهُمُ البابَ ولَما ابْتَغَيْتُ العُذْرَ أنْ كانَ حَلِيمًا ذا أناةٍ”،» ودُعاؤُهُ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قِيلَ: إشارَةٌ إلى تَرْكِ العَزِيمَةِ بِالرُّخْصَةِ وهي تَقْدِيمُ حَقِّ اللَّهِ تَعالى بِتَبْلِيغِ التَّوْحِيدِ والرِّسالَةِ عَلى بَراءَةِ نَفْسِهِ، وجَعَلَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ مِن قَبِيلِ قَوْلِكَ لِمَن تُعَظِّمُهُ: رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْكَ ما جَوابُكَ عَنْ كَلامِي، وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ في بَراءَتِهِ النَّفْسَ مِن حَقِّ اللَّهِ تَعالى ما فِيها، فَإنَّها إذا تَحَقَّقَتْ عِنْدَهم وقَعَ ما تَلاها مَوْقِعَ القَبُولِ، وقَدْ ذُكِرَ أنَّ الِاجْتِهادَ في نَفْيِ التُّهَمِ واجِبٌ وُجُوبَ اتِّقاءِ الوُقُوفِ في مَواقِفِها، فَقَدْ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «“مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعالى واليَوْمِ الآخِرِ فَلا يَقِفَنَّ مَواقِفَ التُّهَمِ”».
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ مِن رِوايَةِ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «“كانَ مَعَ إحْدى نِسائِهِ فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَدَعاهُ، وقالَ: هَذِهِ زَوْجَتِي، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن كُنْتُ أظُنُّ بِهِ فَلَمْ أكُنْ أظُنُّ بِكَ؟! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ”،» وكَأنَّهُ لِهَذا كانَ الزَّمَخْشَرِيُّ وكانَ ساقِطَ الرِّجْلِ قَدْ أثْبَتَ عَلى القُضاةِ أنَّ رِجْلَهُ لَمْ تُقْطَعْ في جِنايَةٍ ولا فَسادٍ بَلْ سَقَطَتْ مِن ثَلَجٍ أصابَها في بَعْضِ الأسْفارِ، وكانَ يُظْهِرُ مَكْتُوبَ القُضاةِ في كُلِّ بَلَدٍ دَخَلَهُ خَوْفًا مِن تُهْمَةِ السُّوءِ فَلَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَشِيَ أنْ يَخْرُجَ ساكِتًا عَنْ أمْرِ ذَنْبِهِ غَيْرَ مُتَّضِحَةٍ بَراءَةُ ساحَتِهِ عَمّا سُجِنَ فِيهِ وقَرَفَ بِهِ مِن أنْ يَتَسَلَّقَ بِهِ الحاسِدُونَ إلى تَقْبِيحِ أمْرِهِ ويَجْعَلُوهُ سُلَّمًا إلى حَطِّ قَدْرِهِ ونَظَرَ النّاسُ إلَيْهِ بِعَيْنِ الِاحْتِقارِ فَلا يَعْلَقُ كَلامُهُ في قُلُوبِهِمْ ولا يَتَرَتَّبُ عَلى دَعْوَتِهِ قَبُولُهُمْ، وفي ذَلِكَ مِن تَعَرِّي التَّبْلِيغِ عَنِ الثَّمَرَةِ ما فِيهِ، وما ذَكَرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «“ولَوْ كُنْتُ مَكانَهُ» إلَخْ كانَ تَواضُعًا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا أنَّهُ لَوْ كانَ مَكانَهُ بادَرَ وعَجَّلَ وإلّا فَحِلْمُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَحَمُّلُهُ واهْتِمامُهُ بِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَبُولُ الخَلْقِ أوامِرَ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى أمْرٌ مَعْلُومٌ لَدى الخَواصِّ والعُمُومِ، وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ بِالرَّبِّ العَزِيزَ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ فَفي ذَلِكَ اسْتِشْهادٌ بِهِ وتَقْرِيعٌ لَهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُهُ ما قِيلَ: إنَّ ضَمِيرَ كَيْدِهِنَّ لَيْسَ عائِدًا عَلى النِّسْوَةِ المَذْكُوراتِ بَلْ عائِدٌ عَلى الجِنْسِ فافْهَمْ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ في رِوايَةِ (النُّسْوَةِ) بِضَمِّ النُّونِ، وقَرَأتْ فِرْقَةُ –اللّائِي- بِالياءِ وهو كاللّاءِ
صفحة 259
جَمْعُ الَّتِي
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences