Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:80–84
12:80Page 245
فَلَمَّا ٱسۡتَيۡـَٔسُواْ مِنۡهُ خَلَصُواْ نَجِيّٗاۖ قَالَ كَبِيرُهُمۡ أَلَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ أَبَاكُمۡ قَدۡ أَخَذَ عَلَيۡكُم مَّوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبۡلُ مَا فَرَّطتُمۡ فِي يُوسُفَۖ فَلَنۡ أَبۡرَحَ ٱلۡأَرۡضَ حَتَّىٰ يَأۡذَنَ لِيٓ أَبِيٓ أَوۡ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ لِيۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨٠
So when they had despaired of him, they secluded themselves in private consultation. The eldest of them said, "Do you not know that your father has taken upon you an oath by Allāh and [that] before you failed in [your duty to] Joseph? So I will never leave [this] land until my father permits me or Allāh decides for me,1 and He is the best of judges.
﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ﴾ أيْ يَئِسُوا مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإجابَتُهُ لَهم وإلى مُرادِهِمْ فاسْتَفْعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ نَحْوَ سَخِرَ واسْتَسْخَرَ وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ عَلى ما في البَحْرِ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ السِّينَ والتّاءَ زائِدَتانِ لِلْمُبالَغَةِ أيْ يَئِسُوا يَأْسًا كامِلًا لِأنَّ المَطْلُوبَ المَرْغُوبَ مُبالَغٌ في تَحْصِيلِهِ ولَعَلَّ حُصُولَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ مِنَ اليَأْسِ لَهم لِما شاهَدُوهُ مِن عَوْذِهِ بِاللَّهِ تَعالى مِمّا طَلَبُوهُ الدّالِّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ عِنْدَهُ في أقْصى مَراتِبِ الكَراهَةِ وأنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُحْتَرَزَ عَنْهُ ويُعاذَ بِاللَّهِ تَعالى مِنهُ ومِن تَسْمِيَتِهِ ذَلِكَ ظُلْمًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ .
وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم لَمّا رَأوْا خُرُوجَ الصُّواعِ مِن رَحْلِهِ وكانُوا قَدْ أفْتَوْا بِما أفْتَوْا تَذَكَّرُوا عَهْدَهم مَعَ أبِيهِمُ اسْتَشاطَ مِن بَيْنِهِمْ رُوبِيلُ غَضَبًا وكانَ لا يَقُومُ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ ووَقَفَ شَعْرُهُ حَتّى خَرَجَ مِن ثِيابِهِ فَقالَ: أيُّها المَلِكُ لَتَتْرُكَنَّ أخانا أوْ لَأصِيحَنَّ صَيْحَةً لا يَبْقِينَ بِها في مِصْرَ حامِلٌ إلّا وضَعَتْ فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِوَلَدٍ لَهُ صَغِيرٍ: قُمْ إلى هَذا فَمِسَّهُ أوْ خُذْ بِيَدِهِ وكانَ إذا مَسَّهُ مِن ولَدِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَسْكُنُ غَضَبُهُ فَلَمّا
صفحة 35
فَعَلَ الوَلَدُ سَكَنَ غَضَبُهُ فَقالَ لِإخْوَتِهِ: مَن مَسَّنِي مِنكم فَقالُوا: ما مَسَّكَ أحَدٌ مِنّا فَقالَ: لَقَدْ مَسَّنِي ولَدٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ قالَ لِإخْوَتِهِ كَمْ عَدَدُ الأسْواقِ بِمِصْرَ قالُوا: عَشْرَةٌ قالَ: اكْفُونِي أنْتُمُ الأسْواقَ وأنا أكْفِيكُمُ المَلِكَ أوِ اكْفُونِي أنْتُمُ المَلِكَ أوِ وأنا أكْفِيكُمُ الأسْواقَ فَلَمّا أحَسَّ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ قامَ إلَيْهِ وأخَذَ بِتَلابِيبِهِ وصَرَعَهُ وقالَ: أنْتُمْ يا مَعْشَرَ العِبْرانِيِّينَ تَزْعُمُونَ أنْ لا أحَدَ أشَدَّ مِنكم قُوَّةً فَعِنْدَ ذَلِكَ خَضَعُوا وقالُوا: ﴿يا أيُّها العَزِيزُ﴾ .. إلَخْ ويُمْكِنُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ حُصُولُ اليَأْسِ الكامِلِ لَهم مِن مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ.
وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ضَمِيرِ ﴿مِنهُ﴾ لِبِنْيامِينَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهم لَمْ يَيْأسُوا مِنهُ بِدَلِيلِ تَخَلُّفِ كَبِيرِهِمْ لِأجْلِهِ ورَوى أبُو رَبِيعَةَ عَنِ البَزِّيِّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ ( اسْتَآيَسُوا ) مِن أيِسَ مَقْلُوبِ يَئِسَ ودَلِيلُ القَلْبِ عَلى ما في البَحْرِ عَدَمُ انْقِلابِ ياءِ أيِسَ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها وحاصِلُ المَعْنى لَمّا انْقَطَعَ طَمَعُهم بِالكُلِّيَّةِ ﴿خَلَصُوا﴾ انْفَرَدُوا عَنْ غَيْرِهِمْ واعْتَزَلُوا النّاسَ.
وقَوْلُ الزَّجّاجِ: انْفَرَدَ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ فِيهِ نَظَرٌ ﴿نَجِيًّا﴾ أيْ مُتَناجِينَ مُتَشاوِرِينَ فِيما يَقُولُونَ لِأبِيهِمْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنَّما وحَّدَهُ وكانَ الظّاهِرُ جَمْعَهُ لِأنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِحَسَبِ الأصْلِ كالتَّناجِي أُطْلِقَ عَلى المُتَناجِينَ مُبالَغَةً أوْ لِتَأْوِيلِهِ بِالمُشْتَقِّ والمَصْدَرِ ولَوْ بِحَسَبِ الأصْلِ يَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ أوْ لِكَوْنِهِ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ لِأنَّ فَعِيلًا مِن أبْنِيَةِ المَصادِرِ هو فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ كَجَلِيسٍ بِمَعْنى مُجالِسٍ وكَعَشِيرٍ بِمَعْنى مُعاشِرٍ أيْ مُناجٍ بَعْضُهم بَعْضًا فَيَكُونُونَ مُتَناجِينَ وجَمْعُهُ أنْجِيَةٌ قالَ لَبِيَدٌ:
وشَهِدَتْ أنْجِيَةُ الخِلافَةِ عالِيًا كَعْبَيْ وأرْدافَ المُلُوكِ شُهُودُ
وأنْشَدَ الجَوْهَرِيُّ:
إنِّي إذا ما القَوْمُ كانُوا أنْجِيَهْ ∗∗∗ واضْطَرَبُوا مِثْلَ اضْطِرابِ الأرْشِيَهْ
هُناكَ أوْصِينِي ولا تُوصِي بِيهْ.
وهُوَ عَلى خِلافِ القِياسِ إذْ قِياسُهُ في الوَصْفِ أفْعِلاءُ كَغَنِيٍّ وأغْنِياءَ ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ أيْ رَئِيسُهم وهو شَمْعُونُ قالَهُ مُجاهِدٌ أوْ كَبِيرُهم في السِّنِّ وهو رُوبِيلُ قالَهُ قَتادَةُ أوْ كَبِيرُهم في العَقْلِ وهو يَهُوذا قالَهُ وهْبٌ والكَلْبِيُّ وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ أنَّهُ لاوى ﴿ألَمْ تَعْلَمُوا﴾ كَأنَّهم أجْمَعُوا عِنْدَ التَّناجِي عَلى الِانْقِلابِ جُمْلَةً ولَمْ يَرْضَ بِهِ فَقالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ عَهْدًا يُوثَقُ بِهِ وهو حَلِفُهم بِاللَّهِ تَعالى وكَوْنُهُ مِنهُ تَعالى لِأنَّهُ بِإذْنِهِ فَكَأنَّهُ صَدَرَ مِنهُ تَعالى أوْ هو مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ فَـ ( مِن ) ابْتِدائِيَّةٌ ﴿ومِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ هَذا والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ﴾ أيْ قَصَّرْتُمْ في شَأْنِهِ ولَمْ تَحْفَظُوا عَهْدَ أبِيكم فِيهِ وقَدْ قُلْتُمْ ما قُلْتُمْ و( ما ) مَزِيدَةٌ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ وهَذا عَلى ما قِيلَ أحْسَنُ الوُجُوهِ في الآيَةِ وأسْلَمُها وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً ومَحَلُّ المَصْدَرِ النَّصْبُ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ ﴿تَعْلَمُوا﴾ أيْ ألَمْ تَعْلَمُوا أخْذَ أبِيكم مَوْثِقًا عَلَيْكم وتَفْرِيطَكُمُ السّابِقَ في شَأْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأُورِدَ عَلَيْهِ أمْرانِ الفَصْلُ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِالظَّرْفِ وتَقْدِيمُ مَعْمُولِ صِلَةِ المَوْصُولِ الحَرْفِيِّ عَلَيْهِ وفي جَوازِهِما خِلافٌ لِلنُّحاةِ والصَّحِيحُ الجَوازُ خُصُوصًا بِالظَّرْفِ المُتَوَسَّعِ فِيهِ وقِيلَ:
صفحة 36
بِجَوازِ العَطْفِ عَلى اسْمِ ( أنَّ ) ويَحْتاجُ حِينَئِذٍ إلى خَبَرٍ لِأنَّ الخَبَرَ الأوَّلَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لَهُ فَهو ﴿فِي يُوسُفَ﴾ أوْ ( مِن قَبْلُ ) عَلى مَعْنى ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ تَفْرِيطَكُمُ السّابِقَ وقَعَ في شَأْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ أنَّ تَفْرِيطَكُمُ الكائِنَ أوْ كائِنًا في شَأْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَعَ مِن قَبْلُ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ مُقْتَضى المَقامِ إنَّما هو الإخْبارُ بِوُقُوعِ ذَلِكَ التَّفْرِيطِ لا يَكُونُ تَفْرِيطُهُمُ السّابِقُ واقِعًا في شَأْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما هو مُفادُ الأوَّلِ ولا يَكُونُ تَفْرِيطُهُمُ الكائِنُ في شَأْنِهِ واقِعًا مِن قَبْلُ كَما هو مُفادُ الثّانِي.
وفِيهِ أيْضًا ما ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ وتَبِعَهُ أبُو حَيّانَ مِن أنَّ الغاياتِ لا تَقَعُ خَبَرًا ولا صِلَةً ولا صِفَةً ولا حالًا وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ سِيبَوَيْهِ سَواءً جَرَتْ أمْ لَمْ تَجْرِ فَنَقُولُ: يَوْمُ السَّبْتِ يَوْمٌ مُبارَكٌ والسَّفَرُ بَعْدَهُ ولا تَقُولُ والسَّفَرُ بَعْدُ وأجابَ عَنْهُ في الدُّرِّ المَصُونِ بِأنَّهُ إنَّما امْتَنَعَ ذَلِكَ لِعَدَمِ الفائِدَةِ لِعَدَمِ العِلْمِ بِالمُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ فَيَنْبَغِي الجَوازُ إذا كانَ المُضافُ إلَيْهِ مَعْلُومًا مَدْلُولًا عَلَيْهِ كَما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ ورُدَّ بِأنَّ جَوازَ حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ في الغاياتِ مَشْرُوطٌ بِقِيامِ القَرِينَةِ عَلى تَعْيِينِ ذَلِكَ المَحْذُوفِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ فَدَلَّ عَلى أنَّ الِامْتِناعَ لَيْسَ مُعَلَّلًا بِما ذُكِرَ.
وقالَ الشِّهابُ: إنَّ ما ذَكَرُوهُ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَقَدْ قالَ الإمامُ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الحَماسَةِ: إنَّها تَقَعُ صِفاتٍ وأخْبارًا وصِلاتٍ وأحْوالًا ونُقِلَ هَذا الإعْرابُ المَذْكُورُ هُنا عَنِ الرُّمّانِيِّ وغَيْرِهِ واسْتُشْهِدَ لَهُ بِما يُثْبِتُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ ثُمَّ إنَّ في تَعَرُّفِها بِالإضافَةِ بِاعْتِبارِ تَقْدِيرِ المُضافِ إلَيْهِ مَعْرِفَةٌ يُعُيِّنُهُ الكَلامُ السّابِقُ عَلَيْها اخْتِلافًا والمَشْهُورُ أنَّها مَعارِفُ وقالَ بَعْضُهم: نَكِراتٌ وإنَّ التَّقْدِيرَ مِن قِبَلِ شَيْءٍ كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ والفاضِلُ صاحِبُ الدُّرِّ سَلَكَ مَسْلَكًا حَسَنًا وهو أنَّ المُضافَ إلَيْهِ إذا كانَ مَعْلُومًا مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا مُعَيَّنًا صَحَّ الإخْبارُ لِحُصُولِ الفائِدَةِ فَإنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِأنْ قامَتْ قَرِينَةُ العُمُومِ دُونَ الخُصُوصِ وقُدِّرَ مِن قِبَلِ شَيْءٍ لَمْ يَصِحَّ الإخْبارُ ونَحْوَهُ إذْ ما شَيْءٌ إلّا وهو قَبْلَ شَيْءٍ ما فَلا فائِدَةَ في الإخْبارِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْرِفَةً ونَكِرَةً ولا مُخالَفَةَ بَيْنَ كَلامِهِ وكَلامِ الرَّضِيِّ مَعَ أنَّ كَلامَ الرَّضِيِّ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ انْتَهى وهو كَما قالَ تَحْقِيقٌ نَفِيسٌ وقِيلَ: مَحَلُّ مَصْدَرِ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ ( مِن قَبْلُ ) وفِيهِ البَحْثُ السّابِقُ وقِيلَ: ﴿ما﴾ مَوْصُولَةٌ ومَحَلُّها مِنَ الإعْرابِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الرَّفْعِ أوِ النَّصْبِ وجُمْلَةُ ﴿فَرَّطْتُمْ﴾ صِلَتُها والعائِدُ مَحْذُوفٌ والتَّفْرِيطُ بِمَعْنى التَّقْدِيمِ مِنَ الفَرْطِ لا بِمَعْنى التَّقْصِيرِ أيْ ما قَدَّمْتُمُوهُ مِنَ الجِنايَةِ.
وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ( مِن قَبْلُ ) تَكْرارًا فَإنْ جُعِلَ خَبَرًا يَكُونُ الكَلامُ غَيْرَ مُفِيدٍ وإنْ جُعِلَ مُتَعَلِّقًا بِالصِّلَةِ يَلْزَمُ مَعَ التَّكْرارِ تَقْدِيمُ مُتَعَلِّقِ الصِّلَةِ عَلى المَوْصُولِ وهو غَيْرُ جائِزٍ وقِيلَ: ( ما ) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ ومَحَلُّها ما تَقَدَّمَ وفِيهِ ما فِيهِ ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ مُفَرَّعٌ عَلى ما ذَكَرَهُ وذَكَرَ بِهِ و( بَرَحَ ) تامَّةٌ وتُسْتَعْمَلُ إذا كانَتْ كَذَلِكَ بِمَعْنى ذَهَبَ وبِمَعْنى ظَهَرَ كَما في قَوْلِهِمْ: بَرَحَ الخَفاءُ وقَدْ ضُمِّنَتْ هُنا مَعْنى فارَقَ فَنُصِبَتِ الأرْضُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ناقِصَةً لِأنَّ الأرْضَ لا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ خَبَرًا عَنِ المُتَكَلِّمِ هُنا ولَيْسَتْ مَنصُوبَةً عَلى الظَّرْفِيَّةِ ولا بِنَزْعِ الخافِضِ وعَنى بِها أرْضَ مِصْرَ أيْ فَلَنْ أُفارِقَ أرْضَ مِصْرَ جَرْيًا عَلى قَضِيَّةِ المِيثاقِ ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي﴾
صفحة 37
فِي البَراحِ بِالِانْصِرافِ إلَيْهِ ﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بِالخُرُوجِ مِنها عَلى وجْهٍ لا يُؤَدِّي إلى نَقْضِ المِيثاقِ أوْ بِخَلاصِ أخِي بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ قالَ في البَحْرِ: إنَّهُ غَيّا ذَلِكَ بِغايَتَيْنِ خاصَّةٌ وهي إذْنُ أبِيهِ وعامَّةٌ وهي حُكْمُ اللَّهِ تَعالى لَهُ وكَأنَّهُ بَعْدَ أنْ غَيّا بِالأُولى رَجَعَ وفَوَّضَ الأمْرَ إلى مَن لَهُ الحُكْمُ جَلَّ شَأْنُهُ وأرادَ حُكْمَهُ سُبْحانَهُ بِما يَكُونُ عُذْرًا لَهُ ولَوِ المَوْتُ والظّاهِرُ أنَّ أحَبَّ الغايَتَيْنِ إلَيْهِ الأُولى فَلِذا قَدَّمَ ﴿لِي﴾ فِيها وأخَّرَهُ في الثّانِيَةِ فَلِيُفْهَمْ ﴿وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ . (80) . إذْ لا يَحْكُمُ سُبْحانَهُ إلّا بِالحَقِّ والعَدْلِ.
12:81Page 245
ٱرۡجِعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيكُمۡ فَقُولُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبۡنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدۡنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمۡنَا وَمَا كُنَّا لِلۡغَيۡبِ حَٰفِظِينَ ٨١
Return to your father and say, 'O our father, indeed your son has stolen, and we did not testify except to what we knew. And we were not witnesses of the unseen.1
﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا﴾ لَهُ ﴿يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ كَبِيرِهِمْ وقِيلَ: هو مِن كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وفِيهِ بُعْدٌ كَما أنَّ الظّاهِرَ أنَّهم أرادُوا أنَّهُ سَرَقَ في نَفْسِ الأمْرِ.
﴿وما شَهِدْنا﴾ عَلَيْهِ ﴿إلا بِما عَلِمْنا﴾ مِن سَرِقَتِهِ وتَبَقَّيْناهُ حَيْثُ اسْتُخْرِجَ صُواعُ المَلِكِ مِن رَحْلِهِ.
﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ . (81) . وما عَلِمْنا أنَّهُ سَيَسْرِقُ حِينَ أعْطَيْناكَ المِيثاقَ أوْ ما عَلِمْنا أنَّكَ سَتُصابُ بِهِ كَما أُصِبْتَ بِيُوسُفَ وقَرَأ الضَّحّاكُ ( سارِقٌ ) بِاسْمِ الفاعِلِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو رُزَيْنٍ والكِسائِيُّ في رِوايَةٍ ( سُرِّقَ ) بِتَشْدِيدِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ نُسِبَ إلى السَّرِقَةِ فَمَعْنى ﴿وما شَهِدْنا﴾ .. إلَخْ وما شَهِدْنا إلّا بِقَدْرِ ما عَلِمْنا مِنَ التَّسْرِيقِ وما كُنّا لِلْأمْرِ الخَفِيِّ بِحافِظِينَ أسَرَقَ بِالصِّحَّةِ أمْ دُسَّ الصُّواعُ في رَحْلِهِ ولَمْ يَشْعُرْ واسْتُحْسِنَتْ هَذِهِ القِراءَةُ لِما فِيها مِنَ التَّنْزِيهِ كَذا قالُوا والظّاهِرُ أنَّ القَوْلَ بِاسْتِفادَةِ اليَقِينِ مِنَ اسْتِخْراجِ الصُّواعِ مِن رَحْلِهِ مِمّا لا يَصِحُّ فَكَيْفَ يُوجِبُ اليَقِينَ واحْتِمالُ أنَّهُ دُسَّ فِيهِ مِن غَيْرِ شُعُورٍ قائِمٌ جَعَلَ مُجَرَّدَ وُجُودِ الشَّيْءِ في يَدِ المُدَّعى عَلَيْهِ بَعْدَ إنْكارِهِ مُوجِبًا لِلسَّرْقِ في شَرْعِهِمْ أوَّلًا قِيلَ: فالوَجْهُ أنَّ الظَّنَّ البَيِّنَ قائِمٌ مَقامَ العِلْمِ ألا تَرى أنَّ الشَّهادَةَ تَجُوزُ بِناءً عَلى الِاسْتِصْحابِ ويُسَمّى عِلْمًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾ وإنَّما جَزَمُوا بِذَلِكَ لِبُعْدِ الِاحْتِمالاتِ المُعارِضَةِ عِنْدَهم وإذْ جُعِلَ الحُكْمُ بِالسَّرِقَةِ وكَذا عِلْمُهم أيْضًا مَبْنِيًّا عَلى ما شاهَدُوا مِن ظاهِرِ الأمْرِ اتَّحَدَتِ القِراءَتانِ ويُفَسَّرُ ﴿وما كُنّا﴾ .. إلَخْ بِما فُسِّرَ بِهِ عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ وقِيلَ: مَعْنى ﴿ما شَهِدْنا﴾ .. إلَخْ ما كانَتْ شَهادَتُنا في عُمْرِنا عَلى شَيْءٍ إلّا بِما عَلِمْنا ولَيْسَتْ هَذِهِ شَهادَةً مِنّا إنَّما هي خَبَرٌ عَنْ صَنِيعِ ابْنِكَ بِزَعْمِهِمْ ﴿وما كُنّا﴾ .. إلَخْ كَما هو وهو ذَهابٌ أيْضًا إلى أنَّهم غَيْرُ جازِمِينَ وفي الكَشْفِ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ الذَّوْقُ إنَّهم كانُوا جازِمِينَ وقَوْلُهم: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ﴾ تَمْهِيدٌ بَيِّنٌ وادِّعاءُ العِلْمِ لا يُلْزِمُ العِلْمَ فَإنْ كانَ لِبُعْدِ الِاحْتِمالاتِ المُعارِضَةِ فَلا يَكُونُ كَذِبًا مُحَرَّمًا وإلّا فَغايَتُهُ الكَذِبُ في دَعْوى العِلْمِ ولَيْسَ بِأوَّلِ كِذْباتِهِمْ وكانَ قَبْلَ أنْ تَنَبَّؤُوا ولِهَذا خَوَّنَهُمُ الأبُ في هَذِهِ أيْضًا عَلى أنَّ قَوْلَهم: ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ مُؤَكِّدًا ذَلِكَ التَّأْكِيدَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم جَعَلُوا الوُجْدانَ في الرَّحْلِ قاطِعًا وإلّا كانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَقُولُوا: جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ مُتَعَدِّيًا أوْ سارِقًا ونَحْوَهُ فَإنَّ يُحْتَمَلُ عَنْهُمُ الحَزْمُ هُنالِكَ فَلِمَ لا يُحْتَمَلُ ها هُنا. اهَـ. وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِبَعْضِ ما نَحْنُ عَلَيْهِ وكَذا لِما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ ( جَزاؤُهُ ) .. إلَخْ ولَعَلَّ الأمْرَ في هَذا هَيِّنٌ: ومِن غَرِيبِ التَّفْسِيرِ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿لِلْغَيْبِ﴾ لِلَّيْلِ وهو بِهَذا المَعْنى في لُغَةِ حِمْيَرٍ وكَأنَّهم قالُوا: وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا مِن ظاهِرِ حالِهِ وما كُنّا لِلَّيْلِ حافِظِينَ أيْلا نَدْرِي ما يَقَعُ فِيهِ فَلَعَلَّهُ سَرَقَ فِيهِ أوْ دُلِّسَ عَلَيْهِ وأنا لا أدْرِي ما الدّاعِي إلى هَذا التَّفْسِيرِ المُظْلِمِ مَعَ تَبَلُّجِ صُبْحِ المَعْنى المَشْهُورِ وأيًّا ما كانَ
صفحة 38
فَلامُ ﴿لِلْغَيْبِ﴾ لِلتَّقْوِيَةِ والمُرادُ حافِظِينَ الغَيْبَ
12:82Page 245
وَسۡـَٔلِ ٱلۡقَرۡيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلۡعِيرَ ٱلَّتِيٓ أَقۡبَلۡنَا فِيهَاۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ٨٢
And ask the city in which we were and the caravan in which we came - and indeed, we are truthful.'"
﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ يَعْنُونَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والحَسَنِ مِصْرَ وقِيلَ: قَرْيَةٌ بِقُرْبِها لِحَقَهُمُ المُنادِي بِها والأوَّلُ ظاهِرٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُفَتِّشَ لَهم يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ والثّانِي الظّاهِرُ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ المُؤَذِّنُ وسُؤالُ القَرْيَةِ عِبارَةٌ عَنْ سُؤالِ أهْلِها إمّا مَجازًا في القَرْيَةِ لْإطْلاقِها عَلَيْها بِعَلاقَةِ الحالِيَّةِ والمَحَلِّيَّةِ أوْ في النِّسْبَةِ أوْ يُقَدَّرُ فِيهِ مُضافٌ وهو مَجازٌ أيْضًا عِنْدَسِيبَوَيْهِ وجَماعَةٍ وفي المَحْصُولِ وغَيْرِهِ أنَّ الإضْمارَ والمَجازَ مُتَبايِنانِ لَيْسَ أحَدُهُما قِسْمًا مِنَ الآخَرِ والأكْثَرُونَ عَلى المُقابَلَةِ بَيْنَهُما وأيًّا ما كانَ فالمَسْؤُولُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ وحاصِلُ المَعْنى أرْسِلْ مَن تَثِقُ بِهِ إلى أهْلِ القَرْيَةِ واسْألْهم عَنِ القِصَّةِ ﴿والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ أيْ أصْحابَها الَّذِينَ تَوَجَّهْنا فِيهِمْ وكُنّا مَعَهم فَإنَّ القِصَّةَ مَعْرُوفَةٌ فِيما بَيْنَهم وكانُوا قَوْمًا مِن كَنْعانَ مِن جِيرانِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: مِن أهْلِ صَنْعاءَ والكَلامُ هُنا في التَّجَوُّزِ والإضْمارِ كالكَلامِ سابِقًا.
وقِيلَ: لا تَجَوُّزَ ولا إضْمارَ في المَوْضِعَيْنِ والمَقْصُودُ إحالَةُ تَحْقِيقِ الحالِ والِاطِّلاعِ عَلى كُنْهِ القِصَّةِ عَلى السُّؤالِ مِنَ الجَماداتِ والبَهائِمِ أنْفُسِها بِناءً عَلى أنَّهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ نَبِيٌّ فَلا يَبْعُدُ أنْ تَنْطِقَ وتُخْبِرَهُ بِذَلِكَ عَلى خَرْقِ العادَةِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُرادًا ولا يَقْتَضِيهِ المَقامُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِصَدَدِ إظْهارِ المُعْجِزَةِ وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: الأوْلى إبْقاءُ القَرْيَةِ والعِيرِ عَلى ظاهِرِهِما وعَدَمُ إضْمارِ مُضافٍ إلَيْهِما ويَكُونُ الكَلامُ مَبْنِيًّا عَلى دَعْوى ظُهُورِ الأمْرِ بِحَيْثُ أنَّ الجَماداتِ والبَهائِمَ قَدْ عَلِمَتْ بِهِ وقَدْ شاعَ مِثْلُ ذَلِكَ في الكَلامِ قَدِيمًا وحَدِيثًا ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الدُّمَيْنَةِ:
سَلِ القاعَةَ الوَعْسا مِنَ الأجْرَعِ الَّذِي بِهِ البانُ هَلْ حَيِيَتْ أطْلالُ دارِكَ
وقَوْلُهُ:
سَلُوا مَضْجَعِيَ عَنِّي وعَنْها فَإنَّنا ∗∗∗ رَضِينا بِما يُخْبِرْنَ عَنّا المَضاجِعُ
وقَوْلُهُ:
واسْألْ نُجُومَ اللَّيْلِ هَلْ زارَ الكَرى ∗∗∗ جَفْنِيَ وكَيْفَ يَزُورُ مَن لَمْ يَعْرِفِ
ولا يَخْفى أنَّ مِثْلَ هَذا لا يَخْلُو عَنِ ارْتِكابِ مَجازٍ نَعَمْ هو مَعْنًى لَطِيفٌ بَيْدَ أنَّ الجُمْهُورَ عَلى خِلافِهِ وأكْثَرُهم عَلى اعْتِبارِ مَجازِ الحَذْفِ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ . (82) . فِيما أخْبَرْناكَ بِهِ ولَيْسَ المُرادُ إثْباتَ صِدَقِهِمْ بِما ذُكِرَ حَتّى يَكُونَ مُصادَرَةً بَلْ تَأْكِيدُ صِدْقِهِمْ بِما يُفِيدُ ذَلِكَ مِنَ الِاسْمِيَّةِ وإنَّ واللّامِ وهو مُرادُ مَن قالَ: إنَّهُ تَأْكِيدٌ في مَحَلِّ القَسَمِ ويُحْتَمَلُ عَلى ما قِيلَ أنْ يُرِيدَ أنَّ هُنا قَسَمًا مُقَدَّرًا وقِيلَ: المُرادُ الإثْباتُ ولا مُصادَرَةَ عَلى مَعْنى أنّا قَوْمٌ عادَتُنا الصِّدْقُ فَلا يَكُونُ ما أخْبَرْناكَ بِهِ كَذِبًا ولا نَظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن عَدَمِ قَبُولِهِ
12:83Page 245
قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٌۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَنِي بِهِمۡ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٨٣
[Jacob] said, "Rather, your souls have enticed you to something, so patience is most fitting. Perhaps Allāh will bring them to me all together. Indeed, it is He who is the Knowing, the Wise."
﴿قالَ﴾ أيْ أبُوهم عَلَيْهِ السَّلامُ وهو اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا سَبَقَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ عِنْدَ قَوْلِ ذَلِكَ القائِلِ لِلْإخْوَةِ ما قالَ فَقِيلَ: قالَ أبُوهم عِنْدَما رَجَعُوا إلَيْهِ فَقالُوا لَهُ ما قالُوا: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ وإنَّما حُذِفَ لِلْإيذانِ بِأنَّ مُسارَعَتَهم إلى قَبُولِ كَلامِ ذَلِكَ القائِلِ ورُجُوعَهم بِهِ إلى أبِيهِمْ أمْرٌ مُسَلَّمٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ وإنَّما المُحْتاجُ إلَيْهِ جَوابُهُ يُرْوى أنَّهم لَمّا عَزَمُوا عَلى الرُّجُوعِ إلى أبِيهِمْ قالَ لَهم يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إذا أتَيْتُمْ أباكم فاقْرَؤُوا عَلَيْهِ السَّلامَ وقُولُوا لَهُ: إنَّ مَلِكَ مِصْرَ يَدْعُو لَكَ أنْ لا تَمُوتَ حَتّى تَرى ولَدَكَ يُوسُفَ لِيَعْلَمَ أنَّ في أرْضِ مِصْرَ صِدِّيقِينَ مِثْلَهُ فَسارُوا حَتّى وصَلُوا إلَيْهِ فَأخْبَرُوهُ بِجَمِيعِ ما كانَ فَبَكى وقالَ ما قالَ ( وبَلْ ) لِلْأضْرابِ
صفحة 39
وهُوَ عَلى ما قِيلَ إضْرابٌ لا عَنْ صَرِيحِ كَلامِهِمْ فَإنَّهم صادِقُونَ فِيهِ بَلْ عَمّا يَتَضَمَّنُهُ مِنَ ادِّعاءِ البَراءَةِ عَنِ التَّسَبُّبِ فِيما نَزَلَ بِهِ وإنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم ما أدّى إلى ذَلِكَ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ كَأنَّهُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ زَيَّنَتْ وسَهَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا مِنَ الأُمُورِ فَأتَيْتُمُوهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ فُتْياهم بِأخْذِ السّارِقِ بِسَرِقَتِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن دِينِ المَلِكِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ إنَّ هُنا كَلامًا مَحْذُوفًا وقَعَ الإضْرابُ عَنْهُ والتَّقْدِيرُ لَيْسَ حَقِيقَةً كَما أخْبَرْتُمْ بَلْ سَوَّلَتْ .. إلَخْ وهو عِنْدَ ابْنِ عَطِيَّةَ وادَّعى أنَّهُ الظّاهِرُ عَلى حَدِّ ما قالَ في قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ظَنَّ سُوءًا بِهِمْ خَلا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَدَقَ ظَنُّهُ هُناكَ ولَمْ يَتَحَقَّقْ هُنا وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ في تَوْجِيهِ هَذا القَوْلِ ها هُنا مَعَ أنَّهم لَمْ يَعْتَمِدُوا في حَقِّ بِنْيامِينَ سُوءًا ولا أخْبَرُوا أباهم إلّا بِالواقِعِ عَلى جَلِيَّتِهِ وما تَرَكُوهُ بِمِصْرَ إلّا مَغْلُوبِينَ عَنِ اسْتِصْحابِهِ إنَّهم كانُوا عِنْدَ أبِيهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَئِذٍ مُتَّهَمِينَ وهم قَمِنٌ بِاتِّهامِهِ لِما أسْلَفُوهُ في حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقامَتْ عِنْدَهُ قَرِينَةٌ تُؤَكِّدُ التُّهْمَةُ وتُقَوِّيها وهو أخْذُ المَلِكِ لَهُ في السَّرِقَةِ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلّا مِن دِينِهِ لا مِن دِينِهِ ولا مِن دِينِ غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ فَظَنَّ أنَّهُمُ الَّذِينَ أفْتَوْهُ بِذَلِكَ بَعْدَ ظُهُورِ السَّرِقَةِ الَّتِي ذَكَرُوها تَعَمُّدًا لِيَتَخَلَّفَ دُونَهم واتِّهامُ مَن هو بِحَيْثُ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ التُّهْمَةُ لا جَرْحَ فِيهِ لا سِيَّما فِيما يَرْجِعُ إلى الوالِدِ مَعَ الوَلَدِ ثُمَّ قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الوَجْهُ الَّذِي سَوَّغَ لَهُ هَذا القَوْلَ في حَقِّهِمْ أنَّهم جَعَلُوا مُجَرَّدَ وُجُودِ الصُّواعِ في رَحْلِ مَن يُوجَدُ في رَحْلِهِ سَرِقَةً مِن غَيْرِ أنْ يُحِيلُوا الحُكْمَ عَلى ثُبُوتِ كَوْنِهِ سارِقًا بِوَجْهٍ مَعْلُومٍ وهَذا في شَرْعِنا لا يُثْبِتُ السَّرِقَةَ عَلى مَنِ ادُّعِيَتْ عَلَيْهِ فَإنْ كانَ في شَرْعِهِمْ أيْضًا كَذَلِكَ فَفي عَدَمِ تَحْرِيرِ الفَتْوى إشْعارٌ بِأنَّهم كانُوا حُرّاصًا عَلى أخْذِهِ وهو مِنَ التَّسْوِيلِ وإنِ اقْتَضى ذَلِكَ في شَرْعِهِمْ فالعُمْدَةُ عَلى الجَوابِ الأوَّلِ هَذا والتَّنْوِينُ في ﴿أمْرًا﴾ لِلتَّعْظِيمِ أيْ أمْرًا عَظِيمًا ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أيْ فَأمْرِي ذَلِكَ أوْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ وقَدْ تَقَدَّمَ تَمامُ الكَلامِ فِيهِ فَتَذَكَّرْ.
﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ بِيُوسُفَ وأخِيهِ بِنْيامِينَ والمُتَوَقِّفُ بِمِصْرَ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ﴾ بِحالِي وحالِهِمُ ﴿الحَكِيمُ﴾ . (83) . الَّذِي يَبْتَلِي ويَرْفَعُ البَلاءَ حَسَبَ الحِكْمَةِ البالِغَةِ قِيلَ: إنَّما تَرَجّى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلرُّؤْيا الَّتِي رَآها يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانَ يَنْتَظِرُها ويُحْسِنُ ظَنَّهُ بِاللَّهِ تَعالى لا سِيَّما بَعْدَ أنْ بَلَغَ الشُّظاظُ الوِرْكَيْنِ وجاوَزَ الحِزامُ الطَّبْيَيْنِ فَإنَّهُ قَدْ جَرَتْ سُنَّتُهُ تَعالى أنَّ الشِّدَّةَ إذا تَناهَتْ يَجْعَلُ وراءَها فَرَجًا عَظِيمًا وانْضَمَّ إلى ذَلِكَ ما أُخْبِرَ بِهِ عَنْ مَلِكِ مِصْرَ أنَّهُ يَدْعُو أنْ لا يَمُوتَ حَتّى يَرى ولَدَهُ
12:84Page 245
وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ ٨٤
And he turned away from them and said, "Oh, my sorrow over Joseph," and his eyes became white1 from grief, for he was [of that] a suppressor.2
﴿وتَوَلّى﴾ أيْ أعْرَضَ عَنْهم كَراهَةً لِما جاءُوا بِهِ ﴿وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ الأسَفُ أشَدُّ الحُزْنِ عَلى ما فاتَ والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ والألِفُ بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ لِلتَّخْفِيفِ والمَعْنى يا أسَفى تَعالَ فَهَذا أوانُكَ وقِيلَ: الألِفُ ألِفُ النُّدْبَةِ والهاءُ مَحْذُوفَةٌ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ وإنَّما تَأسَّفَ عَلى يُوسُفَ مَعَ أنَّ الحادِثَ مُصِيبَةُ أخَوَيْهِ لِأنَّ رُزْأهُ كانَ قاعِدَةَ الأرْزاءِ عِنْدَهُ وإنْ تَقادَمَ عَهْدُهُ أخْذًا بِمَجامِعِ قَلْبِهِ لا يَنْساهُ ولا يَزُولُ عَنْ فِكْرِهِ أبَدًا ولَمْ تُنْسِنِي أوْفى المُصِيباتِ بُعْدَهُ ولَكِنَّ نَكاءَ القُرْحِ بِالقُرْحِ أوْجَعُ
ولا يَرُدُّ أنَّ هَذا مُنافٍ لِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ إذْ يَقْتَضِي ذَلِكَ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى ومَن عَرَفَهُ سُبْحانَهُ أحَبَّهُ ومَن أحَبَّهُ لَمْ يَتَفَرَّغْ قَلْبُهُ لِحُبِّ ما سِواهُ لِما قِيلَ: إنَّ هَذِهِ مَحَبَّةٌ طَبِيعِيَّةٌ ولا تَأْبى الِاجْتِماعَ مَعَ حُبِّهِ تَعالى وقالَ الإمامُ: إنَّ مِثْلَ هَذِهِ المَحَبَّةِ الشَّدِيدَةِ تُزِيلُ عَنِ القَلْبِ الخَواطِرَ ويَكُونُ صاحِبُها كَثِيرَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ تَعالى كَثِيرَ الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ
صفحة 40
فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِكَمالِ الِاسْتِغْراقِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما لِلصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم في هَذا المَقامِ في بابِ الإشارَةِ وقِيلَ: لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ واثِقًا بِحَياتِهِما عالِمًا بِمَكانِهِما طامِعًا بِإيابِهِما وأمّا يُوسُفُ فَلَمْ يَكُنْ في شَأْنِهِ ما يُحَرِّكُ سِلْسِلَةَ رَجائِهِ سِوى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ وفِيهِ بَحْثٌ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ لَمْ تُعْطَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ إلّا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أيْ لَمْ يُعَلَّمُوهُ ولَمْ يُوَفَّقُوا لَهُ عِنْدَ نُزُولِ المُصِيبَةِ بِهِمْ ألا يَرى إلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أصابَهُ ما أصابَهُ لَمْ يَسْتَرْجِعْ وقالَ ما قالَ وفي ﴿أسَفى﴾ .
﴿ويُوسُفَ﴾ تَجْنِيسٌ نَفِيسٌ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ وهو مِمّا يَزِيدُ الكَلامَ الجَلِيلَ بَهْجَةً ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ أيْ بِسَبَبِهِ وهو في الحَقِيقَةِ سَبَبٌ لِلْبُكاءِ والبُكاءُ سَبَبٌ لِابْيِضاضِ عَيْنِهِ فَإنَّ العَبْرَةَ إذا كَثُرَتْ مَحَقَتْ سَوادَ العَيْنِ وقَلَبَتْهُ إلى بَياضٍ كَدِرٍ فَأُقِيمَ سَبَبُ السَّبَبِ مَقامَهُ لِظُهُورِهِ والِابْيِضاضُ قِيلَ إنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ العَمى فَيَكُونُ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالكُلِّيَّةِ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ وهو يُقابَلُ بِالأعْمى وقِيلَ: لَيْسَ كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ والمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صارَتْ في عَيْنَيْهِ غِشاوَةٌ بَيْضَتْهُما وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في حُكْمِ العَمى بِالنِّسْبَةِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وكانَ الحَسَنُ مِمَّنْ يَرى جَوازَهُ.
فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: كانَ مُنْذُ خَرَجَ يُوسُفُ مِن عِنْدِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى يَوْمَ رَجَعَ ثَمانُونَ سَنَةً لَمْ يُفارِقِ الحُزْنُ قَلْبَهُ ودُمُوعُهُ تَجْرِي عَلى خَدَّيْهِ ولَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتّى ذَهَبَ بَصَرُهُ وما عَلى الأرْضِ يَوْمَئِذٍ واللَّهِ أكْرَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى مِنهُ والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَحْدُثْ لَهُ هَذا الأمْرُ عِنْدَ الحادِثِ الأخِيرِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في السِّجْنِ فَعَرَفَهُ فَقالَ لَهُ: أيُّها المَلِكُ الكَرِيمُ عَلى رَبِّهِ هَلْ لَكَ عِلْمٌ بِيَعْقُوبَ قالَ: نَعَمْ قالَ: ما فَعَلَ قالَ: ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ عَلَيْكَ قالَ: فَما بَلَغَ مِنَ الحُزْنِ قالَ: حَزِنَ سَبْعِينَ مُشْكِلَةً قالَ: هَلْ لَهُ عَلى ذَلِكَ مِن أجْرٍ قالَ: نَعَمْ أجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ ( مِنَ الحَزَنِ ) بِفَتْحِ الحاءِ والزّايِ وقَرَأ قَتادَةُ بِضَمِّهِما واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ التَّأسُّفِ والبُكاءِ عِنْدَ النَّوائِبِ ولَعَلَّ الكَفَّ عَنْ أمْثالِ ذَلِكَ لا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ فَإنَّهُ قَلَّ مَن يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الشَّدائِدِ.
وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ «أنَّهُ ﷺ بَكى عَلى ولَدِهِ إبْراهِيمَ وقالَ: إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ والقَلْبَ يَخْشَعُ ولا نَقُولُ إلّا ما يُرْضِي رَبَّنا وإنّا لِفِراقِكَ يا إبْراهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» وإنَّما المَنهِيُّ عَنْهُ ما يَفْعَلُهُ الجَهَلَةُ مِنَ النِّياحَةِ ولَطْمِ الخُدُودِ والصُّدُورِ وشَقِّ الجُيُوبِ وتَمْزِيقِ الثِّيابِ ورَوَيا أيْضًا مِن حَدِيثِ أُسامَةَ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رُفِعَ إلَيْهِ صَبِيٌّ لِبَعْضِ بَناتِهِ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَأقْعَدَهُ في حِجْرِهِ ونَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ كَأنَّها في شَنٍّ فَفاضَتْ عَيْناهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ سَعْدٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما هَذا فَقالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى فِيمَن شاءَ مِن عِبادِهِ وإنَّما يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى مِن عِبادِهِ الرُّحَماءَ» وفي الكَشّافِ «أنَّهُ قِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: تَبْكِي وقَدْ نَهَيْتَنا عَنِ البُكاءِ قالَ ما نَهَيْتُكم عَنِ البُكاءِ وإنَّما نَهَيْتُكم عَنْ صَوْتَيْنِ أحْمَقَيْنِ صَوْتٍ عِنْدَ الفَرَحِ وصَوْتٍ عِنْدَ التَّرَحِ» وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ بَكى عَلى ولَدٍ أوْ غَيْرِهِ فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: ما رَأيْتُ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الحُزْنَ عارًا عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ . (84) .
صفحة 41
أيْ مَمْلُوءٌ مِنَ الغَيْظِ عَلى أوْلادِهِ مُمْسِكٌ لَهُ في قَلْبِهِ لا يُظْهِرُهُ وقِيلَ: مَمْلُوءٌ مِنَ الحُزْنِ مُمْسِكٌ لَهُ لا يُبْدِيهِ وهو مِن كَظْمِ السِّقاءِ إذا شَدَّهُ بَعْدَ مَلْئِهِ فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ مَكْظُومٌ فَهو كَما جاءَ في يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى فاعِلٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿والكاظِمِينَ﴾ مِن كَظْمِ الغَيْظِ إذا تَجَرَّعَهُ أيْ شَدِيدُ التَّجَرُّعِ لِلْغَيْظِ أوِ الحُزْنِ لِأنَّهُ لَمْ يَشْكِهِ إلى أحَدٍ قَطُّ وأصْلُهُ مِن كَظْمِ البَعِيرِ جَرَّتَهُ إذا رَدَّها في جَوْفِهِ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَرُدُّ ذَلِكَ في جَوْفِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى مِن غَيْرِ أنْ يُطْلِعَ أحَدًا عَلَيْهِ وفي الكَلامِ مِنَ الِاسْتِعارَةِ عَلى الوَجْهَيْنِ ما لا يَخْفى ورُجِّحَ الأخِيرُ مِنهُما بِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى فاعِلٍ مُطَّرَدٌ ولا كَذَلِكَ فَعِيلًا بِمَعْنى
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences