Al-AlusiAr‑Ra'd · 13:3

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ar-Ra'd 13:3

13:3Page 249

وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۡهَٰرٗاۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٣

And it is He who spread the earth and placed therein firmly set mountains and rivers; and from all of the fruits He made therein two mates; He causes the night to cover the day. Indeed in that are signs for a people who give thought.

وتَقَدُّمُ ذِكْرُ الآياتِ ناصِرٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ الآياتِ في المَوْضِعَيْنِ مُخْتَلِفَةُ الدَّلالَةِ ولِأنَّ المُناسِبَ حِينَئِذٍ تَأخُّرُهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ﴾ .. إلَخْ عَلى أنَّ سَوْقَ تِلْكَ الصِّفاتِ أعْنِي رَفْعَ السَّماواتِ وما تَلاهُ لِلْغَرَضِ المَذْكُورِ وسَوْقَ مُقابَلاتِها لِغَرَضٍ آخَرَ مُنافِرٍ وفي الأوَّلِ رُوعِيَ لَطِيفَةٌ في تَعْقِيبِ الأوائِلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( يُدَبِّرُ، يُفَصِّلُ ) لِلْإيقانِ والثَّوانِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ مِن فَضْلِ السَّوابِقِ لِإفادَتِها اليَقِينَ واللَّواحِقُ ذَرائِعُ إلى حُصُولِهِ لِأنَّ الفِكْرَ آلَتُهُ والإشارَةُ إلى تَقْدِيمِ الثَّوانِي بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا مَعَ التَّأخُّرِ رُتْبَةً وذَلِكَ فائِتٌ عَلى الوَجْهِ الآخَرِ. اهَـ. وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ فِيما أرى ولا تَنافِيَ كَما قالَ الشِّهابُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ بِاعْتِبارِ أنَّ الوَصْفِيَّةَ تَقْتَضِي المَعْلُومِيَّةَ والخَبَرِيَّةَ تَقْتَضِي خِلافَها لِأنَّ المَعْلُومِيَّةَ عَلَيْهِما والمَقْصُودُ بِالإفادَةُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ﴾ . (2) . أيْ لَكم تَتَفَكَّرُوا وتُحَقِّقُوا كَمالَ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ فَتَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ قَدَرَ عَلى الإعادَةِ والجَزاءِ وحاصِلُهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ فَعَلَ كُلَّ ذَلِكَ لِذَلِكَ وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ فَعَلَ الأخِيرَيْنِ لِذَلِكَ مَعَ أنَّ الكُلَّ لَهُ ثُمَّ قالَ: وهَذا مِمّا يُرَجِّحُ الوَجْهَ الأوَّلَ أيْضًا كَما يُرَجِّحُهُ أنَّهُ ذَكَرَ تَبْيِينَ الآياتِ وهي الرَّفْعُ وما تَلاهُ فَإنَّهُ ذَكَرَها لِيُسْتَدَلَّ بِها عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى وعِلْمِهِ ولا يُسْتَدَلُّ بِها إلّا إذا كانَتْ مَعْلُومَةً فَيَقْتَضِي كَوْنُها صِفَةً.

فَإنْ قِيلَ: لا بُدَّ في الصِّلَةِ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً سَواءً كانَتْ صِفَةً أوْ خَبَرًا يُقالُ: إذا كانَ ذَلِكَ صِلَةً دَلَّ عَلى انْتِسابِ الآياتِ إلى اللَّهِ تَعالى وإذا كانَ خَبَرًا دَلَّ عَلى انْتِسابِها إلى مَوْجُودٍ مُبْهَمٍ وهو غَيْرُ كافٍ في الِاسْتِدْلالِ فَتَأمَّلْ وقَرَأ النَّخَعِيُّ وأبُو رُزَيْنٍ وأبانُ بْنُ تَغَلِبَ عَنْ قَتادَةَ ( نُدَبِّرُ، نُفَصِّلُ ) بِالنُّونِ فِيهِما وكَذا رَوى أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ عَنِ الحَسَنِ ووافَقَ في ( نُفَصِّلُ ) بِالنُّونِ الخَفّافُ وعَبْدُ الوَهّابِ عَنْ أبِي عَمْرٍو وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: جاءَ عَنِ الحَسَنِ والأعْمَشِ ( نُفَصِّلُ ) بِالنُّونِ وقالَ المَهْدَوِيُّ: لَمْ يُخْتَلَفْ في ( يُدَبِّرُ ) ولَيْسَ كَما قالَ لِما سَمِعْتَ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِنَ الشَّواهِدِ العُلْوِيَّةِ ما ذَكَرَ أرْدَفَها بِذِكْرِ الدَّلائِلِ السُّفْلِيَّةِ فَقالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ أيْ بَسَطَها طُولًا وعَرْضًا قالَ الأصَمُّ: البَسْطُ المَدُّ إلى ما لا يُرى مُنْتَهاهُ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى بُعْدِ مَداها وسِعَةِ أقْطارِها وقِيلَ: كانَتْ مُجْتَمِعَةً فَدَحاها مِن مَكَّةَ مِن تَحْتِ البَيْتِ وقِيلَ: كانَتْ مُجْتَمِعَةً عِنْدَ بَيْتِ المَقْدِسِ فَدَحاها وقالَ سُبْحانَهُ لَها: اذْهَبِي كَذا وكَذا وهو المُرادُ بِالمَدِّ ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّها مُسَطَّحَةٌ غَيْرُ كُرَيَّةِ والفَلاسِفَةُ مُخْتَلِفُونَ في ذَلِكَ فَذَهَبَ فَرِيقٌ مِنهم إلى أنَّها لَيْسَتْ كُرَيَّةً وهَؤُلاءِ طائِفَتانِ فَواحِدَةٌ تَقُولُ: إنَّها مُحَدَّبَةٌ مِن فَوْقَ مُسَطَّحَةٌ مِن أسْفَلَ فَهي كَقَدَحٍ كُبَّ عَلى وجْهِ الماءِ وأُخْرى تَقُولُ بِعَكْسِ ذَلِكَ وذَهَبَ الأكْثَرُونَ مِنهم إلى أنَّها كُرَيَّةٌ أمّا في الطُّولِ فَلِأنَّ البِلادَ المُتَوافِقَةَ في العَرْضِ أوِ الَّتِي لا عَرْضَ لَها كُلَّما كانَتْ أقْرَبَ إلى الغَرْبِ كانَ طُلُوعُ الشَّمْسِ وسائِرِ الكَواكِبِ عَلَيْها مُتَأخِّرًا بِنِسْبَةٍ واحِدَةٍ ولا يُعْقَلُ ذَلِكَ إلّا في الكُرَةِ وأمّا في العَرْضِ فَلِأنَّ السّالِكَ في الشَّمالِ كُلَّما أوْغَلَ فِيهِ ازْدادَ القُطْبُ ارْتِفاعًا عَلَيْهِ بِحَسَبِ إيغالِهِ فِيهِ عَلى نِسْبَةٍ واحِدَةٍ بِحَيْثُ يَراهُ قَرِيبًا مِن سَمْتِ رَأْسِهِ وكَذَلِكَ تَظْهَرُ لَهُ الكَواكِبُ الشَّمالِيَّةُ وتَخْفى عَنْهُ الكَواكِبُ الجَنُوبِيَّةُ والسّالِكُ الواغِلُ في الجَنُوبِ بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ وأمّا فِيما بَيْنَهُما فَلِتَرَكُّبِ

صفحة 91

الأمْرَيْنِ وأُورِدَ عَلَيْهِمُ الِاخْتِلافُ المَشاهَدُ في سَطْحِها فَأجابُوا عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَقْدَحُ في أصْلِ الكُرَيَّةِ الحِسِّيَّةِ المَعْلُومَةِ بِما ذُكِرَ فَإنَّ نِسْبَةَ ارْتِفاعِ أعْظَمِ الجِبالِ عَلى ما اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ اسْتِقْراؤُهم وانْتَهَتْ إلَيْهِ آراؤُهم وهو جَبَلُ دَماوَنْدَ فِيما بَيْنُ الرَّيِّ وطَبَرِسْتانَ أوْ جَبَلٌ في سَرَنْدِيبَ إلى قُطْرِ الأرْضِ كَنِسْبَةِ سُبْعِ عَرْضِ شَعِيرَةٍ إلى ذِراعٍ.

واعْتُرِضَ ذَلِكَ بِأنَّهُ هَبْ أنَّ ما ذَكَرْتُمْ كَذَلِكَ فَما قَوْلُكم فِيما هو مَغْمُورٌ في الماءِ فَإنْ قالُوا: إذا كانَ الظّاهِرُ كُرَيًّا فالباقِي كَذَلِكَ لِأنَّها طَبِيعَةٌ واحِدَةٌ قُلْنا: فالمَرْجِعُ حِينَئِذٍ إلى البَساطَةِ واقْتِضاؤُها الكُرَيَّةَ الحَقِيقِيَّةَ ولا شَكَّ أنَّهُ يَمْنَعُها التَّضارِيسُ وإنْ لَمْ تَظْهَرْ لِلْحِسِّ لِكَوْنِها في غايَةِ الصِّغَرِ لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أرْبابَ التَّعْلِيمِ يَكْتَفُونَ بِالكُرَيَّةِ الحِسِّيَّةِ في السَّطْحِ الظّاهِرِ فَلا يَتَّجِهُ عَلَيْهِمُ السُّؤالُ عَنِ المَغْمُورِ ولا يَلِيقُ بِهِمُ الجَوابُ بِالرُّجُوعِ إلى البَساطَةِ والحَقُّ الَّذِي لا يُنْكِرُهُ إلّا جاهِلٌ أوْ مُتَجاهِلٌ أنَّ ما ظَهَرَ مِنها كُرًى حِسًّا ولِذَلِكَ كُرَيَّةُ الفَلَكِ تَخْتَلِفُ أوْقاتُ الصَّلاةِ في البِلادِ فَقَدْ يَكُونُ الزَّوالُ بِبَلَدٍ ولا يَكُونُ بِبَلَدٍ آخَرَ وهَكَذا الطُّلُوعُ والغُرُوبُ وغَيْرُ ذَلِكَ وكُرَيَّةُ ما عَدا ما ذَكَرَ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى نَعَمْ إنَّها لِعِظَمِ جِرْمِها الظّاهِرِ يُشاهَدُ كُلُّ قِطْعَةٍ وقُطْرٍ مِنها كَأنَّهُ مُسَطَّحٌ وهَكَذا كُلُّ دائِرَةٍ عَظِيمَةٍ وبِذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّهُ لا تَنافِيَ بَيْنَ المَدِّ وكَوْنِها كُرَوِيَّةً وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ظاهِرَ الشَّرِيعَةِ يَقْتَضِي أنَّها مُسَطَّحَةٌ وكَأنَّهُ يَقُولُ بِذَلِكَ وهو خِلافُ ما يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ وهي عِنْدُهم ثَلاثُ طَبَقاتٍ الطَّبَقَةُ الصِّرْفَةُ المُحِيطَةُ بِالمَرْكَزِ ثُمَّ الطَّبَقَةُ الطِّينِيَّةُ ثُمَّ الطَّبَقَةُ المُخالِطَةُ الَّتِي تَتَكَوَّنُ فِيها المَعادِنُ وكَثِيرٌ مِنَ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ والصِّرْفَةُ مِنها غَيْرُ مُلَوَّنَةٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ ومالَ ابْنُ سِينا إلى أنَّها مُلَوَّنَةٌ واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأنَّ الأرْضَ المَوْجُودَةَ عِنْدَنا وإنْ كانَتْ مَخْلُوطَةً بِغَيْرِها ولَكِنّا قَدْ نَجِدُ فِيها ما يَكُونُ الغالِبُ عَلَيْهِ الأرْضِيَّةَ فَلَوْ كانَتِ الأرْضُ البَسِيطَةُ شَفّافَةً لَكانَ يَجِبُ أنْ نَرى في شَيْءٍ مِن أجْزاءِ الأرْضِ مِمّا لَيْسَ مُتَكَوِّنًا تَكَوُّنًا مَعْدِنِيًّا شَيْئًا فِيهِ إشْفافٌ ولَكانَ حُكْمُ الأرْضِ في ذَلِكَ حُكْمَ الماءِ والهَواءِ فَإنَّهُما وإنِ امْتَزَجا إلّا أنَّهُما ما عَدِما الإشْفافَ بِالكُلِّيَّةِ واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِالتَّلَوُّنِ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ لَوْنَها هو الغَبَرَةُ ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّهُ السَّوادُ وزَعَمَ أنَّ الغُبْرَةَ إنَّما تَكُونُ إذا خالَطَتِ الأجْزاءُ الأرْضِيَّةُ أجْزاءً هَوائِيَّةً فَبِسَبَبِها يَتَكَسَّرُ ويَحْصُلُ الغُبْرَةُ وأمّا إذا اجْتَمَعَتْ تِلْكَ الأجْزاءُ بِحَيْثُ لا يُخالِطُها كَثِيرُ هَوائِيَّةٍ اشْتَدَّ السَّوادُ وذَلِكَ مِثْلُ الفَحْمِ قَبْلَ أنْ يَتَرَمَّدَ فَإنَّ النّارَ لا عَمَلَ لَها إلّا في تَفْرِيقِ المُخْتَلِفاتِ فَهي لَمّا حَلَّلَتْ ما في الخَشَبِ مِنَ الهَوائِيَّةِ واجْتَمَعَتِ الأجْزاءُ الأرْضِيَّةُ مِن غَيْرِ أنْ يَتَخَلَّلَها شَيْءٌ غَرِيبٌ ظَهَرَ لَوْنُ أجْزائِها وهو السَّوادُ ثُمَّ إذا رَمَدَتْهُ اخْتَلَطَتْ بِتِلْكَ الأجْزاءِ أجْزاءٌ هَوائِيَّةٌ فَلا جَرَمَ ابْيَضَّتْ مَرَّةً أُخْرى ولِذَلِكَ صَحَّ في الخَبَرِ وقَدْ سَبَقَ إطْلاقُ الغَبْراءِ عَلى الأرْضِ وهو مُحْتَمِلٌ لِأنْ تَكُونَ سائِرُ طَبَقاتِها كَذَلِكَ ولِأنْ يَكُونَ وجْهُها الأعْلى كَذَلِكَ نَعَمْ جاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ في أسْفَلِ الأرْضِ تُرابًا أبْيَضَ وما ذُكِرَ مِنَ الطَّبَقاتِ مِمّا لا يُصادِمُ خَبَرًا صَحِيحًا في ذَلِكَ وكَوْنُها سَبْعَ طَبَقاتٍ بَيْنَ كُلِّ طَبَقَةٍ وطَبَقَةٍ كَما بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ وسَماءٍ خَمْسَمِائَةِ عامٍ وفي كُلٍّ خَلْقٌ غَيْرِ مُسْلِمٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ لا يُثْبِتُهُ كَما سَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى والخَبَرُ في ذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمِ الصِّحَّةِ أيْضًا ومِثْلُ ذَلِكَ فِيما أرى ما رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ مَسِيرَةَ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ فَمِائَةُ سَنَةٍ في المَشْرِقِ لا يَسْكُنُها شَيْءٌ مِنَ الحَيَوانِ لا جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا دابَّةٌ ولَيْسَ في ذَلِكَ شَجَرَةٌ ومِائَةُ سَنَةٍ في المَغْرِبِ كَذَلِكَ وثَلاثُمِائَةِ سَنَةٍ فِيما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ يَسْكُنُها الحَيَوانُ وكَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ

صفحة 92

حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِن أنَّ الدُّنْيا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ أرْبَعُمِائَةِ عامِ خَرابٌ ومِائَةٌ عُمْرانٌ والمُقَرَّرُ عِنْدَ أهْلِ الهَنْدَسَةِ والهَيْئَةِ غَيْرُ هَذا فَقَدَ ذَكَرَ القُدَماءُ مِنهم أنَّ مُحِيطَ دائِرَةِ الأرْضِ المُوازِيَةِ لِدائِرَةِ نِصْفِ النَّهارِ ثَمانِيَةُ آلافِ فَرْسَخٍ حاصِلَةٌ مِن ضَرْبِ فَراسِخِ دَرَجَةٍ واحِدَةٍ وهي عِنْدَهُمُ اثْنانِ وعِشْرُونَ فَرْسَخًا وتِسْعُ فَراسِخَ في ثَلاثِمِائَةٍ وسِتِّينَ مُحِيطِ الدّائِرَةِ العُظْمى عَلى الأرْضِ والمُتَأخِّرُونَ أنَّ ذَلِكَ سِتَّةُ آلافٍ وثَمانِمِائَةِ فَرْسَخٍ حاصِلَةٌ مِن ضَرْبِ فَراسِخِ دَرَجَةٍ وهي عِنْدَهم تِسْعَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا إلّا تِسْعَ فَراسِخَ في المُحِيطِ المَذْكُورِ وعَلى القَوْلَيْنِ التَّفاوُتُ بَيْنَ ما يَقُولُهُ المُهَنْدِسُونَ ومَن مَعَهم وما نُسِبَ لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ تَقَدَّمَ أمْرٌ عَظِيمٌ والحَقُّ في ذَلِكَ مَعَ المُهَنْدِسِينَ.

وزَعَمُوا أنَّ المَوْضِعَ الطَّبِيعِيَّ هو الوَسَطُ مِنَ الفَلَكِ وأنَّها بِطَبْعِها تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مَغْمُورَةً بِالماءِ ساكِنَةً في حاقِ الوَسَطِ مِنهُ لَكِنْ لَمّا حَصَلَ في جانِبٍ مِنها تِلالٌ وجِبالٌ ومَواضِعُ عالِيَةٌ وفي جانِبٍ آخَرَ ضِدَّ ذَلِكَ لِأسْبابٍ سَتَسْمَعُها بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وكانَ مِن طَبْعِ الماءِ أنْ يَسِيلَ مِنَ المَواضِعِ العالِيَةِ إلى المَواضِعِ العَمِيقَةِ لا جَرَمَ انْكَشَفَ الجانِبُ المُشْرِفُ مِنَ الأرْضِ وسالَ الماءُ إلى الجَوانِبِ العَمِيقَةِ مِنها ولِلْكَواكِبِ في زَعْمِهِمْ تَأْثِيرٌ في ذَلِكَ بِحَسَبِ المُسامَتاتِ الَّتِي تَتَبَدَّلُ عِنْدَ حَرَكاتِها خُصُوصًا الثَّوابِتَ والأوْجاتِ والحَضِيضاتِ المُتَغَيِّرَةَ في أمْكِنَتِها وحَكَمَ أصْحابُ الأرْصادِ أنَّ طُولَ البَرِّ المُنْكَشِفِ نِصْفُ دَوْرِ الأرْضِ وعَرْضَهُ أحَدُ أرْباعِها إلى ناحِيَةِ الشَّمالِ وفي تَعْيِينٍ أيِ الرُّبْعَيْنِ الشَّمالِيَّيْنِ مُنْكَشِفٌ تَعَذَّرَ أوْ تَعَسَّرَ كَما قالَ صاحِبُ التُّحْفَةِ وأمّا ما عَدا ذَلِكَ فَقالَ الإمامُ: لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى كَوْنِهِ مَغْمُورًا في الماءِ ولَكِنَّ الأشْبَهَ ذَلِكَ إذِ الماءُ أكْثَرُ مِنَ الأرْضِ أضْعافًا لِأنَّ كُلَّ عُنْصُرٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوِ اسْتَحالَ بِكُلِّيَّتِهِ إلى عُنْصُرٍ آخَرَ مِثْلِهِ والماءُ يَصْغُرُ حَجْمُهُ عِنْدَ الِاسْتِحالَةِ أرْضًا ومَعَ ذَلِكَ لَوْ كانَ في بَعْضِ المَواضِعِ مِنَ الأرْباعِ الثَّلاثَةِ عِمارَةٌ قَلِيلَةٌ لا يُعْتَدُّ بِها وأمّا تَحْتَ القُطْبَيْنِ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عِمارَةً لِاشْتِدادِ البَرْدِ: وإنَّما حَكَمُوا بِأنَّ المَعْمُورَ الرُّبْعُ لِأنَّهم لَمْ يَجِدُوا في أرْصادِ الحَوادِثِ الفَلَكِيَّةِ كالخَسُوفاتِ وقِراناتِ الكَواكِبِ الَّتِي لا اخْتِلافَ مَنظَرٍ لَها تَقَدُّمًا في ساعاتِ الواغِلِينَ في المَشْرِقِ لِتِلْكَ الحَوادِثِ عَلى ساعاتِ الواغِلِينَ في المَغْرِبِ زائِدًا عَلى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ساعَةً مُسْتَوِيَةً وهي نِصْفُ الدَّوْرِ لِأنَّ كُلَّ ساعَةٍ خَمْسَةَ عَشَرَ جُزْأً مِن أجْزاءِ مُعَدَّلِ النَّهارِ تَقْرِيبًا وضَرْبُ خَمْسَةَ عَشَرَ في اثْنَيْ عَشَرَ مِائَةٌ وثَمانُونَ ونَحْنُ نَقُولُ بِوُجُودِ الخَرابِ وأنَّهُ أكْثَرُ مِنَ المَعْمُورِ بِكَثِيرٍ وأكْثَرُ المَعْمُورِ شَمالِيٌّ ولا يُوجَدُ في الجَنُوبِ مِنهُ إلّا مِقْدارٌ يَسِيرٌ لَكِنّا نَقُولُ: ما زَعَمُوهُ سَبَبًا لِلِانْكِشافِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ونُسْنِدُ كَوْنَ الأرْضِ بِحَيْثُ وُجِدَتْ صالِحَةً لِسُكْنى الحَيَواناتِ وخُرُوجِ النَّباتِ إلى قُدْرَتِهِ تَعالى واخْتِيارِهِ سُبْحانَهُ وإلّا فَمِن أنْصَفِ عِلْمٍ أنْ لا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ إلى مَعْرِفَةِ سَبَبِ ذَلِكَ عَلى التَّحْقِيقِ وقالَ: إنَّهُ تَعالى فَعَلَ ذَلِكَ في الأرْضِ لِمُجَرَّدِ مَشِيئَتِهِ المُوافَقَةِ لِلْحِكْمَةِ.

﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ في أحْيازِها مِنَ الرُّسُوِّ وهو ثَباتُ الأجْسامِ الثَّقِيلَةِ ولَمْ يُذْكَرِ المَوْصُوفُ لِإغْناءِ غَلَبَةِ الوَصْفِ بِها عَنْ ذَلِكَ وفَواعِلُ يَكُونُ جَمْعَ فاعِلٍ إذا كانَ صِفَةَ مُؤَنَّثٍ كَحائِضٍ أوْ صِفَةَ ما لا يَعْقِلُ مُذَكَّرٍ كَجُعْلٍ بازِلٍ وبَوازِلَ أوِ اسْمًا جامِدًا أوْ ما جَرى مَجْراهُ كَحائِطٍ وحَوائِطَ وانْحِصارُ مَجِيئِهِ جَمْعًا لِذَلِكَ في فَوارِسَ وهَوالِكَ ونَواكِسَ إنَّما هو في صِفاتِ العُقَلاءِ لا مُطْلَقًا والجَمْعُ هُنا في صِفَةِ ما لا يَعْقِلُ قِيلَ: فَلا حاجَةَ إلى جَعْلِ المُفْرَدِ هُنا راسِيَةً صِفَةً لِجَمْعِ القِلَّةِ أعْنِي أجْبُلًا ويُعْتَبَرُ في جَمْعِ الكَثْرَةِ أعْنِي جِبالًا انْتِظامُهُ لِطائِفَةٍ مِن جُمُوعِ القِلَّةِ ويُنَزَّلُ كُلٌّ مِنها مَنزِلَةَ مُفْرَدِهِ كَما قِيلَ عَلى أنَّهُ لا مَجالَ لِذَلِكَ لِأنَّ جَمْعِيَّةَ كُلٍّ مِن صِيغَتَيِ الجَمْعَيْنِ إنَّما هي

صفحة 93

لِشُمُولِ الإفْرادِ لا بِاعْتِبارِ شُمُولِ جَمْعِ القِلَّةِ لِلْإفْرادِ وجَمْعُ الكَثْرَةِ لِجُمُوعِ القِلَّةِ فَكُلٌّ مِنهُما جَمْعُ جَبَلٍ لا أنَّ جِبالًا جَمْعُ أجْبُلٍ. اهَـ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَعَلَّ مَن قالَ: إنَّ الرَّواسِيَ هُنا جَمْعُ راسِيَةٍ صِفَةُ أجْبُلٍ لا يَلْتَزِمُ ما ذَكَرُوا أنَّهُ إذا صَحَّ إطْلاقُ أجْبُلٍ راسِيَةٍ عَلى جِبالِ قُطْرٍ مَثَلًا صَحَّ إطْلاقُ الجِبالِ عَلى جِبالِ جَمِيعِ الأقْطارِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ جَعْلِ الجِبالِ جَمْعًا لِجُمُوعِ القِلَّةِ نَعَمْ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جِبالٌ جَمْعَ أجْبُلٍ لِأنَّهُ يَصِيرُ حِينَئِذٍ جَمْعَ الجَمْعِ وهو خِلافُ ما صَرَّحَ بِهِ أهْلُ اللُّغَةِ وجَعْلُ راسِيَةٍ صِفَةَ جَبَلٍ لا أجْبُلٍ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ لا لِلتَّأْنِيثِ كَما في عَلامَةٍ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ تاءَ المُبالَغَةِ في فاعِلَةٍ غَيْرُ مُطَّرِدٍ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ غَلَبَ عَلى الجِبالِ وصْفُها بِالرَّواسِي ولِذا اسْتَغْنَوْا بِالصِّفَةِ عَنِ المَوْصُوفِ وجَمْعُ جَمْعِ الِاسْمِ كَحائِطٍ وحَوائِطَ وهو مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ لِما سَمِعْتَ وأُورِدَ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ الغَلَبَةَ تَكُونُ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ والكَلامُ في صِحَّتِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ فَفِيما ذَكَرَهُ دَوْرٌ وأُجِيبَ بِأنَّ كَثْرَةَ اسْتِعْمالِ الرَّواسِي غَيْرُ جارٍ عَلى مَوْصُوفٍ يَكْفِي لِمُدَّعاهُ وفِيهِ تَأمُّلٌ وكَذا لا حاجَةَ إلى ما قِيلَ: إنَّهُ جَمْعُ راسِيَةٍ صِفَةُ جَبَلٍ مُؤَنَّثٍ بِاعْتِبارِ البُقْعَةِ وكُلُّ ذَلِكَ ناشِئٌ مِنَ الغَفْلَةِ عَمّا ذَكَرَهُ مُحَقِّقُو عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ هَذا والتَّعْبِيرُ عَنِ الجِبالِ بِهَذا العُنْوانِ لِبَيانِ تَفَرُّعِ قَرارِ الأرْضِ عَلى ثَباتِها وفي الخَبَرِ «لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ فَخَلَقَ اللَّهُ تَعالى الجِبالَ عَلَيْها فاسْتَقَرَّتْ فَقالَتِ المَلائِكَةُ: رَبَّنا خَلَقْتَ خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ الجِبالِ قالَ: نَعَمِ الحَدِيدَ فَقالُوا: رَبَّنا خَلَقْتَ خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ الحَدِيدِ قالَ: نَعَمِ النّارَ فَقالُوا: رَبَّنا خَلَقْتَ خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ النّارِ قالَ: نَعَمِ الماءَ فَقالُوا: رَبَّنا خَلَقْتَ خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ الماءِ قالَ: نَعَمِ الهَواءَ فَقالُوا: رَبَّنا خَلَقْتَ خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ الهَواءِ قالَ نَعَمِ ابْنَ آدَمَ يَتَصَدَّقُ الصَّدَقَةَ بِيَمِينِهِ فَيُخْفِيها عَنْ شِمالِهِ» وأوَّلُ جَبَلٍ وُضِعَ عَلى الأرْضِ كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ أبُو قُبَيْسٍ ومَجْمُوعُ ما يُرى عَلَيْها مِنَ الجِبالِ مِائَةٌ وسَبْعَةٌ وثَمانُونَ جَبَلًا وأبى الفَلاسِفَةُ كَوْنَ اسْتِقْرارِ الأرْضِ بِالجِبالِ واخْتَلَفُوا في سَبَبِ ذَلِكَ فالقائِلُونَ بِالكُرَيَّةِ مِنهم مَن جَعَلَهُ جَذْبَ الفَلَكِ لَها مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ فَيَلْزَمُ أنْ تَقِفَ في الوَسَطِ كَما يُحْكى عَنْ ضَمٍّ حَدِيدِيٍّ في بَيْتِ مِغْناطِيسِ الجَوانِبِ كُلِّها فَإنَّهُ وقَفَ في الوَسَطِ لِتَساوِي الجَذْبِ مِن كُلِّ جانِبٍ ورُدَّ بِأنَّ الأصْغَرَ أسْرَعُ انْجِذابًا إلى الجاذِبِ مِنَ الأكْبَرِ فَما بالُ المَدَرَةِ لا تَنْجَذِبُ إلى الفَلَكِ بَلْ تَهَرُبُ عَنْهُ إلى المَرْكَزِ وأيْضًا إنَّ الأقْرَبَ أوْلى بِالِانْجِذابِ مِنَ الأبْعَدِ فالمَدَرَةُ المَقْذُوفَةُ إلى فَوْقٍ أوْلى بِالِانْجِذابِ عَلى أصْلِهِمْ فَكانَ يَجِبُ أنْ لا تَعُودَ ومِنهم مَن جَعَلَهُ دَفْعَ الفَلَكِ بِحَرَكَتِهِ لَها مِن كُلِّ الجَوانِبِ كَما إذا جُعِلَ شَيْءٌ مِنَ التُّرابِ في قارُورَةٍ كُرَيَّةٍ ثُمَّ أُدِيرَتْ عَلى قُطْبَيْها إدارَةً سَرِيعَةً فَإنَّهُ يَعْرُضُ وُقُوفُ التُّرابِ في وسَطِها لِتَساوِي الدَّفْعِ مِن كُلِّ جانِبٍ ورُدَّ بِأنَّ الدَّفْعَ إذا كانَتْ قُوَّتُهُ هَذِهِ القُوَّةَ فَما بالُهُ لا يُحَسَّ بِهِ وأيْضًا ما بالُ هَذا الدَّفْعِ لا يَجْعَلُ حَرَكَةَ الرِّياحِ والسُّحُبِ إلى جِهَةٍ بِعَيْنِها وأيْضًا ما بالُهُ لَمْ يَجْعَلِ انْتِقالَنا إلى المَغْرِبِ أسْهَلَ مِنَ انْتِقالِنا إلى المَشْرِقِ وأيْضًا يَجِبُ أنْ تَكُونَ حَرَكَةُ الثَّقِيلِ كُلَّما كانَ أعْظَمَ أيْضًا لِأنَّ انْدِفاعَ الأعْظَمِ مِنَ الدّافِعِ أبْطَأُ مِنَ انْدِفاعِ الأصْغَرِ وأيْضًا يَجِبُ أنْ تَكُونَ حَرَكَةُ الثَّقِيلِ النّازِلِ ابْتِداءً أسْرَعَ مِن حَرَكَتِهِ انْتِهاءً لِأنَّهُ عِنْدَ الِابْتِداءِ أقْرَبُ إلى الفَلَكِ وغَيْرُ القائِلِينَ بِها مِنهم مَن جَعَلَها غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ مِن جانِبِ السُّفْلِ وسَبَبُ سُكُونِها عِنْدَهُمُ أنَّها لَمْ يَكُنْ لَها مَهْبِطٌ تَنْزِلُ فِيهِ ويَرُدُّ دَلِيلُ تَناهِي الأجْسامِ ومِنهم مَن قالَ بِتَناهِيها وجَعَلَ السَّبَبَ طَفْوَها عَلى الماءِ مَعَ كَوْنِ مُحَدَّبِها فَوْقَ مُسَطَّحِها أسْفَلَ وإمّا مَعَ العَكْسِ ورُدَّ بِأنَّ مُجَرَّدَ الطَّفْوِ لا يَقْتَضِي السُّكُونَ عَلى أنَّ فِيهِ عِنْدَ الفَلاسِفَةِ بُعْدُ ما فِيهِ وذَهَبَ

صفحة 94

مُحَقِّقُوهم إلى أنَّ سُكُونَها لِذاتِها لا لِسَبَبٍ مُنْفَصِلٍ قالَ في المَباحِثِ الشَّرْقِيَّةِ: والوَجْهُ المُشْتَرَكُ في إبْطالِ ما قالُوا في سَبَبِ السُّكُونِ أنْ يُقالَ: جَمِيعُ ما ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الجَذْبِ والدَّفْعِ وغَيْرِهِما أُمُورٌ عارِضَةٌ وغَيْرُ طَبِيعِيَّةٍ ولا لازِمَةَ لِلْماهِيَّةِ فَيَصِحُّ فَرْضُ ماهِيَّةِ الأرْضِ عارِيَةً عَنْها فَإذا قَدَّرْنا وُقُوعَ هَذا المُمْكِنِ فَإمّا أنْ تَحْصُلَ في حَيِّزٍ مُعَيَّنٍ أوْ لا تَحْصُلُ فِيهِ وحِينَئِذٍ إمّا أنْ تَحْصُلَ في كُلِّ الأحْيازِ أوْ لا تَحْصُلُ في شَيْءٍ مِنها والأخِيرانِ ظاهِرا الفَسادِ فَتَعَيَّنَ الأوَّلُ وهو أنْ تَخْتَصَّ بِحَيِّزٍ مُعَيَّنٍ ويَكُونُ ذَلِكَ لِطَبْعِها المَخْصُوصِ ويَكُونُ حِينَئِذٍ سُكُونُها في الحَيِّزِ لِذاتِها لا لِسَبَبٍ مُنْفَصِلٍ وإذا عُقِلَ ذَلِكَ فَلْيُعْقَلْ في اخْتِصاصِها بِالمَرْكَزِ أيْضًا ثُمَّ ذَكَرَ في تَكَوُّنِ الجِبالِ مَباحِثَ الأوَّلَ الحَجَرَ الكَبِيرَ إنَّما يَتَكَوَّنُ لِأنَّ حَرًّا عَظِيمًا يُصادِفُ طِينًا لَزِجًا إمّا دُفْعَةً أوْ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ.

وأمّا الِارْتِفاعُ فَلَهُ سَبَبٌ بِالذّاتِ وسَبَبٌ بِالعَرَضِ أمّا الأوَّلُ فَكَما إذا نَقَلَتِ الرِّيحُ الفاعِلَةُ لِلزَّلْزَلَةِ طائِفَةً مِنَ الأرْضِ وجَعَلَتْها تَلًّا مِنَ التِّلالِ وأمّا الثّانِي فَأنْ يَكُونَ الطِّينُ بَعْدَ تَحَجُّرِهِ مُخْتَلِفَ الأجْزاءِ في الرَّخاوَةِ والصَّلابَةِ وتَتَّفِقُ مِياهٌ قَوِيَّةُ الجَرْيِ أوْ رِياحٌ عَظِيمَةُ الهُبُوبِ فَتَحْفِرُ الأجْزاءَ الرَّخْوَةَ وتَبْقى الصُّلْبَةُ ثُمَّ لا تَزالُ السُّيُولُ والرِّياحُ تُؤَثِّرُ في تِلْكَ الحُفَرِ إلى أنْ تَغُورَ غَوْرًا شَدِيدًا ويَبْقى ما تَنْحَرِفُ عَنْهُ شاهِقًا والأشْبَهُ أنَّ هَذِهِ المَعْمُورَةَ وقَدْ كانَتْ في سالِفِ الدَّهْرِ مَغْمُورَةً في البِحارِ فَحَصَلَ هُناكَ الطِّينُ اللَّزِجُ الكَثِيرُ ثُمَّ حَصَلَ بَعْدَ الِانْكِشافِ وتَكَوَّنَتِ الجِبالُ ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا الظَّنَّ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْجارِ إذا كَسَرْناها أجْزاءَ الحَيَواناتِ المائِيَّةِ كالأصْدافِ ثُمَّ لَمّا حَصَلَتِ الجِبالُ وانْتَقَلَتِ البِحارُ حَصَلَ الشُّهُوقُ إمّا لِأنَّ السُّيُولَ حَفَرَتْ ما بَيْنَ الجِبالِ وإمّا لِأنَّ ما كانَ مِن هَذِهِ المُنْكَشِفاتِ أقْوى تَحَجُّرًا وأصْلَبَ طِينَةً إذا انْهَدَّ ما دُونَهُ بَقِيَ أرْفَعَ وأعْلى إلّا أنَّ هَذِهِ أُمُورٌ لا تَتِمُّ في مُدَّةٍ تَفِي التَّوارِيخُ بِضَبْطِها والثّانِي سَبَبُ عُرُوقِ الطِّينِ في الجِبالِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن جِهَةٍ ما تَفَتَّتَ مِنها وتَتَرَّبَ وسالَتْ عَلَيْهِ المِياهُ ورَطَّبَتْهُ أوْ خَلَطَتْ بِهِ طِينَها الجَيِّدَ وأنْ يَكُونَ مِن جِهَةِ أنَّ القَدِيمَ مِن طِينِ البَحْرِ غَيْرُ مُتَّفِقِ الجَوْهَرِ مِنهُ ما يَقْوى تَحَجُّرُهُ ومِنهُ ما يَضْعُفُ وأنْ يَكُونَ مِن جِهَةٍ أنَّهُ يَعْرِضُ لِلْبَحْرِ أنْ يَفِيضَ قَلِيلًا قَلِيلًا عَلى سَهْلٍ وجَبَلٍ فَيَعْرِضُ لِلسَّهْلِ أنْ يَصِيرَ طِينًا لَزِجًا مُسْتَعِدًّا لِلتَّحَجُّرِ القَوِيِّ ولِلْجَبَلِ أنْ يَتَفَتَّتَ كَما إذا نَقَعْتَ آجِرَةً وتُرابًا في الماءِ ثُمَّ عَرَّضْتَ الآجِرَةَ والطِّينَ عَلى النّارِ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ تَتَفَتَّتُ الآجِرَةُ ويَبْقى الطِّينُ مُتَحَجِّرًا والثّالِثُ قَدْ نَرى بَعْضَ الجِبالِ مَنضُودًا ساقًا فَساقًا فَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّ طِينَتَهُ قَدْ تَرَتَّبَتْ هَكَذا بِأنْ كانَ ساقٌ قَدِ ارْتَكَمَ أوَّلًا ثُمَّ حَدَثَ بَعْدَهُ في مُدَّةٍ أُخْرى ساقٌ آخَرُ فارْتَكَمَ وكانَ قَدْ سالَ عَلى كُلِّ ساقٍ مِن خِلافِ جَوْهَرِهِ فَصارَ حائِلًا بَيْنَهُ وبَيْنَ السّاقِ الآخَرِ فَلَمّا تَحَجَّرَتِ المادَّةُ عَرَضَ لِلْحائِلِ أنِ انْتَثَرَ عَمّا بَيْنَ السّاقَيْنِ. هَذا وتُعُقِّبَ ما ذَكَرُوهُ في سَبَبِ التَّكَوُّنِ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّ اخْتِصاصَ بَعْضٍ مِن أجْزاءِ الأرْضِ بِالصَّلابَةِ وبَعْضٍ آخَرَ مِنها بِالرَّخاوَةِ مَعَ اسْتِواءِ نِسْبَةِ تِلْكَ الأجْزاءِ كُلِّها إلى الفَلَكِيّاتِ الَّتِي زَعَمُوا أنَّها المُعُدّاتُ لَها قَطْعًا لِلْمُجاوَرَةِ والمُلاصَقَةِ الحاصِلَةِ بَيْنَ الأجْزاءِ الرَّخْوَةِ والصُّلْبَةِ يَسْتَدْعِي سَبَبًا مُخَصَّصًا وعِنْدَ هَذا الِاسْتِدْعاءِ يَقِفُ العَقْلُ ويُحِيلُ ذَلِكَ الِاخْتِصاصَ عَلى سَبَبٍ مِن خارِجٍ هو الفاعِلُ المُخْتارُ جَلَّ شَأْنُهُ فَلَيْتَ شِعْرِي لِمَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أوَّلًا حَذْفًا

صفحة 95

لِلْمُؤْنَةِ نَعَمْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن أسْبابِ تَكَوُّنِها بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ مَن يَقُولُ مِنَ المِلِّيِينَ وغَيْرِهِمْ بِالوَسائِطِ لا عِنْدَ الأشاعِرَةِ إذِ الكُلُّ عِنْدَهم مُسْتَنِدٌ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ابْتِداءً فَلا يُتَصَوَّرُ واسِطَةٌ حَقِيقَةً عَلى رَأْيِهِمْ وما ذُكِرَ مِنَ الأسْبابِ أُمُورٌ لا تُفِيدُ إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا وحَدِيثُ رُؤْيَةِ أجْزاءِ الحَيَواناتِ المائِيَّةِ كالأصْدافِ كَذَلِكَ أيْضًا فَإنّا كَثِيرًا ما نَرى في ذَلِكَ مَواضِعَ المَطَرِ وقَدْ أخْبَرَنِي مَن أثِقُ بِهِ أنَّهُ شاهَدَ ضَفادِعَ وقَعَتْ في المَطَرِ عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يَتِمُّ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَكْشُوفُ مِنَ الأرْضِ قَدِ انْكَشَفَ في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ ولَمْ يَكُنْ مَغْمُورًا بِالماءِ ثُمَّ انْكَشَفَتْ وهو مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ مُحَقِّقِي الفَلاسِفَةِ أيْضًا واعْتَرَضُوا عَلى القائِلِينَ بِأنَّ الِانْكِشافَ قَدْ حَصَلَ بَعْدُ بِأنَّ أقْوى أدِلَّتِهِ أنَّ حَضِيصَ الشَّمْسِ في جانِبِ الجَنُوبِ فَقُرْبُ الشَّمْسِ إلى الأرْضِ هُناكَ أكْثَرُ مِن جانِبِ الشَّمالِ بِقَدْرِ ثِخَنِ المُتَمِّمِ مِن مُمَثِّلِها فَتَشْتَدُّ بِذَلِكَ الحَرارَةُ هُناكَ فانْجَذَبَ الماءُ مِنَ الشَّمالِ إلى الجَنُوبِ لِأنَّ الحَرارَةَ جَذّابَةٌ لِلرُّطُوبَةِ فَلِذا انْكَشَفَ الرُّبْعُ الشَّمالِيُّ فَإذا انْتَقَلَ الحَضِيضُ إلى جانِبِ الشَّمالِ انْعَكَسَ الأمْرُ ويَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ الرُّبْعُ الشَّمالِيُّ الآخَرُ أيْضًا مَكْشُوفًا إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ الرُّبْعَيْنِ في ذَلِكَ وفي التِزامِ ذَلِكَ بُعْدٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْهُ أحَدٌ.

ثُمَّ إنَّ وُجُودَ الجِبالِ في المَغْمُورِ وجُودَها في المَعْمُورِ يَسْتَدْعِي أنَّهُ كانَ مَعْمُورًا وأنَّ الحَضِيضَ كانَ في غَيْرِ جِهَتِهِ اليَوْمَ وهو قَوْلٌ بِأنَّ البَرَّ لا يَزالُ يَكُونُ بَحْرًا والبَحْرَ لا يَزالُ يَكُونُ بَرًّا بِتَبَدُّلِ جِهَتَيِ الأوْجِ والحَضِيضِ فَيَكُونُ المُنْكَشِفُ تارَةً جانِبَ الشَّمالِ وأُخْرى جانِبَ الجَنُوبِ وحَيْثُ إنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ يَقْتَضِي أنْ نُشاهِدَ اليَوْمَ شَيْئًا مِن جانِبِ الجَنُوبِ مُنْكَشِفًا ومِن جانِبِ الشَّمالِ مَغْمُورًا ولا تَظُنُّ وُجُودَ ذَلِكَ ولَوْ كانَ لاشْتَهَرَ فَإنَّ أوْجَ الشَّمْسِ اليَوْمَ في عاشِرَةِ السَّرَطانِ وحَرَكَتَهُ في كُلِّ سَنَةٍ دَقِيقَةٌ تَقْرِيبًا فَيَكُونُ مِنَ الوَقْتِ الَّذِي انْتَقَلَ فِيهِ مِنَ الجانِبِ الشَّمالِيِّ إلى اليَوْمِ آلافٌ عَدِيدَةٌ مِنَ السِّنِينَ يُغْمَرُ فِيها كَثِيرٌ ويُعَمَّرُ كَثِيرٌ نَعَمْ يُحْكى أنَّ جَزِيرَةَ قُبْرُسَ كانَتْ مُتَّصِلَةً بِالبَرِّ ثُمَّ حالَ البَحْرُ بَيْنَهُما لَكِنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ لَيْسَ مِمّا نَحْنُ فِيهِ ولا نُسَلِّمُ أنْ يَكِيَ دُنْيا مِمّا حَدَثَ انْكِشافُها لِجَوازِ أنْ تَكُونَ مُنْكَشِفَةً مِن قَبْلُ فالحَقُّ أنَّ هَذا البَرَّ بَعْدَ أنْ وُجِدَ لَمْ يَصِرْ بَحْرًا وهَذا البَحْرَ المُحِيطَ بَعْدَ أنْ أحاطَ لَمْ يَصِرْ بَرًّا وهو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الأخْبارُ الإلَهِيَّةُ والآثارُ النَّبَوِيَّةُ نَعَمْ جاءَ في بَعْضِ الآثارِ ما ظاهِرُهُ أنَّ الأرْضَ المَسْكُونَةَ كانَتْ مَكْشُوفَةً في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ كَأثَرِ الياقُوتَةِ وفي بَعْضٍ آخَرَ مِنها ما ظاهِرُهُ أنَّها كانَتْ مَغْمُورَةً كَخَبَرِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ أمَرَ الرِّيحَ فَأبْدَتْ عَنْ حَشَفَةٍ ومِنها دُحِيَتِ الأرْضُ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى في الطُّولِ والعَرْضِ فَجَعَلَتْ تَمِيدُ فَجَعَلَ عَلَيْها الجِبالَ الرَّواسِيَ وفي التَّوْراةِ ما هو نَصٌّ في ذَلِكَ فَفي أوَّلِ سِفْرِ الخَلِيقَةِ مِنها أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى السَّماءَ والأرْضَ وكانَتْ غامِرَةً مُسْتَبْحِرَةً وكانَ هُناكَ ظَلامٌ وكانَتْ رِياحُ الإلَهِ تَهُبُّ عَلى وجْهِ الماءِ فَشاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَكُونَ نُورٌ فَكانَ ثُمَّ ذُكِرَ فِيهِ أنَّهُ لَمّا مَضى يَوْمٌ ثانٍ شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَجْتَمِعَ الماءُ مِن تَحْتِ السَّماءِ إلى مَوْضِعٍ واحِدٍ ويَظْهَرَ اليُبْسُ فَكانَ كَذَلِكَ وسَمّى اللَّهُ سُبْحانَهُ اليُبْسَ أرْضًا ومُجْتَمَعَ الماءِ بِحارًا وفِيهِ أيْضًا إنَّ خَلْقَ النَّيِّرَيْنِ كانَ في اليَوْمِ الثّالِثِ وهو آبٍ عَنْ جَعْلِ سَبَبِ الِانْكِشافِ ما سَمِعْتَ عَنْ قُرْبٍ مِن قُرْبِ الشَّمْسِ وما أشارَتْ إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ ونَطَقَ بِهِ غَيْرُها مِنَ الآياتِ مِن كَوْنَ الجِبالَ سَبَبًا لِاسْتِقْرارِ الأرْضِ وأنَّها لَوْلاها لَمادَتْ أمْرٌ لا يَقُومُ عَلى أُصُولِنا دَلِيلٌ يَأْباهُ فَنُؤْمِنُ بِهِ وإنْ لَمْ نَعْلَمْ ما وجْهُ ذَلِكَ عَلى التَّحْقِيقِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وجْهُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ حَسْبَما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ صَغِيرَةً بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ الكُراتِ وجَعَلَ لَها مِقْدارًا مِنَ الثِّقَلِ مُعَيَّنًا ووَضَعَها في المَكانِ الَّذِي وضَعَها فِيهِ مِنَ

صفحة 96

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском