Al-AlusiAr‑Ra'd · 13:3

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ar-Ra'd 13:3, continued

الماءِ وأظْهَرَ مِنها ما أظْهَرَ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا بِسَبَبِ مَشِيئَتِهِ تَعالى التّابِعَةِ لِحِكْمَتِهِ سُبْحانَهُ لا لِأمْرٍ اقْتَضاهُ ذاتُها فَجَعَلَتْ تَمِيدُ لِاضْطِرابِ أمْواجِ البَحْرِ المُحِيطِ بِها فَوَضَعَ عَلَيْها مِنَ الجِبالِ ما ثَقُلَتْ بِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لِلْأمْواجِ سُلْطانٌ عَلَيْها وهَذا كَما يُشاهَدُ في السُّفُنِ حَيْثُ يَضَعُونَ فِيها ما يُثَقِّلُها مِن أحْجارٍ وغَيْرِها لِنَحْوِ ذَلِكَ وكَوْنُ نِسْبَةِ ارْتِفاعِ أعْظَمِ الجِبالِ إلَيْها النِّسْبَةَ السّابِقَةَ لا يَضُرُّنا في هَذا المَقامِ لِأنَّ الحَجْمَ أمْرٌ والنَّقْلَ أمْرٌ آخَرُ فَقَدْ يَكُونُ ذُو الحَجْمِ الصَّغِيرِ أثْقَلَ مِن ذِي الحَجْمِ الكَبِيرِ بِكَثِيرٍ ولا يُقالُ: إنَّ خَلْقَها ابْتِداءً بِحَيْثُ لا تُزَحْزِحُها الأمْواجُ كانَ مُمْكِنًا فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَلْ خَلَقَها بِحَيْثُ تُحَرِّكُها الأمْواجُ ثُمَّ وضَعَ عَلَيْها الجِبالَ لِدَفْعِ ذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ إنَّما فَعَلَ سُبْحانَهُ هَكَذا لِما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ الَّتِي هو جَلَّ شَأْنُهُ بِها أعْلَمُ وهَذا السُّؤالُ نَظِيرُ أنْ يُقالَ: إنَّ خَلْقَ الإنْسانِ ابْتِداءً بِحَيْثُ لا يُؤَثِّرُ فِيهِ الجُوعُ والعَطَشُ مَثَلًا شَيْئًا كانَ مُمْكِنًا فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْهُ تَعالى بَلْ خَلَقَهُ بِحَيْثُ يُؤَثِّرانِ فِيهِ ثُمَّ خَلَقَ لَهُ ما يَدْفَعُ بِهِ ذَلِكَ لِيَدْفَعَهُ بِهِ ولَهُ نَظائِرُ بَعْدُ كَثِيرَةٌ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا ناشِئًا عَنِ الغَفْلَةِ عَمّا يَتَرَتَّبُ عَلى ما صَدَرَ مِنهُ تَعالى مِنَ الحِكَمِ ولَعَلَّ الحِكْمَةَ فِيما نَحْنُ فِيهِ إظْهارُ مَزِيدِ عَظَمَتِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوقِظُ جَفْنَ الِاسْتِعْظامِ ألا تَراهم كَيْفَ قالُوا حِينَ رَأوْا ما رَأوْا رَبَّنا خَلَقْتَ خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ الجِبالِ .. إلَخْ.

ويُقالُ لِمَن لَمْ يُؤْمِن بِهَذا بَيِّنْ أنْتَ لَنا حِكْمَةً تُقَدِّمُ بَعْضَ الأشْياءِ عَلى بَعْضٍ في الخَلْقِ كَيْفَما كانَ التَّقَدُّمُ وكَذا حِكْمَةُ خَلْقِ الإنْسانِ ونَحْوِهِ مُحْتاجًا وخَلْقُ ما يُزِيلُ احْتِياجَهُ دُونَ خَلْقِهِ ابْتِداءً عَلى وجْهٍ لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى شَيْءٍ فَإنْ بَيَّنَ شَيْئًا قُلْنا بِمِثْلِهِ فِيما نَحْنُ فِيهِ ثُمَّ إنّا نَقُولُ: لَيْسَ حِكْمَةُ خَلْقِ الجِبالِ مُنْحَصِرَةً في كَوْنِها أوْتادًا لِلْأرْضِ وسَبَبًا لِاسْتِقْرارِها بَلْ هُناكَ حِكَمٌ كَثِيرَةٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى.

وقَدْ ذَكَرَ الفَلاسِفَةُ لِلْجِبالِ مَنافِعَ كَثِيرَةً قالُوا: إنَّ مادَّةَ السُّحُبِ والعُيُونِ والمَعْدِنِيّاتِ هي البُخارُ فَلا تَتَكَوَّنُ إلّا في الجِبالِ أوْ فِيما يَقْرُبُ مِنها أمّا العُيُونُ فَلِأنَّ الأرْضَ إذا كانَتْ رَخْوَةً نَشَفَتِ الأبْخِرَةُ عَنْها فَلا يَجْتَمِعُ مِنها قَدْرٌ يُعْتَدُّ بِهِ فَإذَنْ لا تَجْتَمِعُ إلّا في الأرْضِ الصُّلْبَةِ والجِبالُ أصْلَبُ الأرَضِينَ فَلا جَرَمَ كانَتْ أقْواها عَلى حَبْسِ البُخارِ حَتّى يَجْتَمِعَ ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مادَّةً لِلْعُيُونِ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مُسْتَقِرُّ الجَبَلِ مَمْلُوءًا ماءً ويَكُونُ الجَبَلُ في حَقْنِهِ الأبْخِرَةَ مِثْلَ الأنْبِيقِ الصُّلْبِ المُعَدِّ لِلتَّقْطِيرِ لا يَدَعُ شَيْئًا مِنَ البُخارِ يَتَحَلَّلُ وقَعْرُ الأرْضِ الَّتِي تَحْتَهُ كالقُرُعِ والعُيُونُ كالأذْنابِ الَّتِي في الأنابِيقِ والأوْدِيَةُ والبُخارُ كالقَوابِلِ ولِذَلِكَ أكْثَرُ العُيُونِ إنَّما تَنْفَجِرُ مِنَ الجِبالِ وأقَلُّها في البَرارِي وهو مَعَ هَذا لا يَكُونُ إلّا إذا كانَتِ الأرْضُ صُلْبَةً وأمّا إنَّ أكْثَرَ السُّحُبِ تَكُونُ في الجِبالِ فَوُجُوهُ أحَدِها أنَّ في باطِنِ الجِبالِ مِنَ النَّداواتِ ما لا يَكُونُ في باطِنِ الأرَضِينَ الرَّخْوَةِ وثانِيهِما: إنَّ الجِبالَ بِسَبَبِ ارْتِفاعِها أبْرَدُ فَلا جَرَمَ يَبْقى عَلى ظاهِرِها مِنَ الأنْداءِ والثُّلُوجِ ما لا يَبْقى عَلى ظاهِرِ الأرَضِينَ وثالِثُهُما: إنَّ الأبْخِرَةَ الصّاعِدَةَ تَكُونُ في الجِبالِ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ أسْبابَ تَراكُمِ السُّحُبِ في الجِبالِ أكْثَرُ لِأنَّ المادَّةَ فِيها ظاهِرًا وباطِنًا أكْثَرُ والِاحْتِقانُ أشَدُّ والسَّبَبُ المُحَلِّلُ وهو الحَرُّ أقَلُّ وأمّا المَعْدِنِيّاتُ المُحْتاجَةُ إلى أبْخِرَةٍ فَيَكُونُ اخْتِلاطُها بِالأرْضِيَّةِ أكْثَرُ إقامَتِها في مَواضِعَ لا تَنَفَرَّقُ فِيها أطْوَلَ ولا شَيْءَ في هَذا المَعْنى كالجِبالِ ومَن تَأمَّلَ عَلِمَ أنَّ لِلْجِبالِ مَنافِعَ غَيْرَ ذَلِكَ لا تُحْصى فَلا يَضُرُّ أنَّ بَعْضًا مِنَ النّاسِ مِن وراءِ المَنعِ لِبَعْضِ ما ذُكِرَ وسَمِعْتُ مِن بَعْضِ العَصْرِيِّينَ أنَّ مِن جُمْلَةِ مَنافِعِها كَوْنَها سَبَبًا لِانْكِشافِ هَذا المِقْدارِ المُشاهَدِ مِنَ الأرْضِ

صفحة 97

وذَلِكَ لِاحْتِباسِ الأبْخِرَةِ الطّالِبَةِ لِجِهَةِ العُلُوِّ فِيها وهو يَقْتَضِي أنَّ الأرْضَ قَبْلَها كانَتْ مَغْمُورَةً وهو خِلافُ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ فَجَعَلَتْ تَمِيدُ فَوَضَعَ عَلَيْها الجِبالَ فاسْتَقَرَّتْ عَلى أنَّهُ يَتَراءى المُنافاةُ بَيْنَ جَعْلِها أوْتادًا المُصَرَّحِ بِهِ في الآياتِ وكَوْنِها جاذِبَةً لِلْأرْضِ إلى جِهَةِ العُلُوِّ ولا يَرِدُ عَلى ما ذُكِرَ في تَوْجِيهِ كَوْنِها سَبَبًا لِاسْتِقْرارِ الأرْضِ أنَّ كَوْنَها فِيها كَشُرُعٍ في سَفِينَةٍ يُنافِيهِ إذْ يَقْتَضِي ذَلِكَ أنْ تَتَحَرَّكَ الأرْضُ إلى خِلافِ جِهَةِ مَهَبِّ الهَواءِ لِأنّا مِن وراءِ مَنعِ حُدُوثِ الهَواءِ عَلى وجْهٍ يُحَرِّكُها بِسَبَبِهِ كَذَلِكَ.

وهَذا كُلُّهُ إذا حَكَّمْنا العَقْلَ في البَيِّنِ وتَقَيَّدْنا بِالعادِيّاتِ وأمّا إذا أسْنَدْنا كُلَّ ذَلِكَ إلى قُدْرَةِ الفاعِلِ المُخْتارِ جَلَّ شَأْنُهُ وقُلْنا: إنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ الأرْضَ مائِدَةً وجَعَلَ عَلَيْها الجِبالَ وحَفِظَها عَنِ المَيْدِ لِحِكَمٍ عَلِمَها تَحارُ فِيها الأفْكارُ ولا يُحِيطُ بِها إلّا مِن أُوتِيَ عِلْمًا لَدُنِيًّا مِن ذَوِي الأبْصارِ ارْتَفَعَتْ عَنّا جَمِيعُ المُؤَنِ وزالَتْ سائِرُ المِحَنِ ولا يَلْزَمُنا عَلى هَذا أيْضًا القَوْلُ بِأنَّ الأرْضَ وسَطُ العالَمِ كَما هو رَأْيُ أكْثَرِ الفَلاسِفَةِ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ.

ولَمْ يُخالِفْ مِنَ الأوَّلِينَ إلّا شِرْذِمَةٌ زَعَمُوا أنَّ كُرَةَ النّارِ في الوَسَطِ لِأنَّها أشْرَفُ مِنَ الأرْضِ لِكَوْنِها مُضِيئَةً لَطِيفَةً حَسَنَةَ اللَّوْنِ وكَوْنُ الأرْضِ كَثِيفَةً مُظْلِمَةً قَبِيحَةَ اللَّوْنِ وحَيِّزُ الأشْرَفِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ الأحْيازِ وهو الوَسَطُ فَإذَنْ هي في الوَسَطِ وهَذا مِنَ الإقْناعاتِ الضَّعِيفَةِ ومَعَ ذَلِكَ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنّا لا نُسَلِّمُ شَرافَةَ النّارِ عَلى الأرْضِ مُطْلَقًا فَإنَّها إنْ تَرَجَّحَتْ عَلَيْها بِاللَّطافَةِ وما مَعَها فالأرْضُ راجِحَةٌ بِأُمُورٍ أحَدُها أنَّ النّارَ مُفْرِطَةَ الكَيْفِيَّةِ مَفْسَدَةٌ والأرْضَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ وثانِيها أنَّها لا تَبْقى في المَكانِ الغَرِيبِ مِثْلُ ما تَبْقى الأرْضُ وثالِثُها أنَّ الأرْضَ حَيِّزُ الحَياةِ والنُّشُوءِ والنّارَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ وما ذُكِرَ مِنَ اسْتِحْسانِ الحِسِّ البَصَرِيِّ لِلنّارِ يُعارِضُهُ اسْتِحْسانُ الحِسِّ اللَّمْسِيِّ لِلْأرْضِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها عَلى أنّا لَوْ سَلَّمْنا الأشْرَفِيَّةَ فَهي لا تَقْتَضِي إلّا الوَسَطَ الشَّرَفِيَّ لا المِقْدارِيَّ إذْ لا شَرَفَ لَهُ وذَلِكَ لَيْسَ هو إلّا حَيِّزُها الَّذِي يَزْعُمُهُ جُمْهُورُ المُتَقَدِّمِينَ لَها لِأنَّهُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الأجْرامِ العُنْصُرِيَّةِ والأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ ولَمْ يُخالِفْ مِنَ الآخِرِينَ إلّا شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ هم هَرْشَلُ وأصْحابُهُ زَعَمُوا أنَّ الشَّمْسَ ساكِنَةٌ في وسَطِ العالِمِ وكُلَّ ما عَداها يَتَحَرَّكُ عَلَيْها لِأنَّها جِرْمٌ عَظِيمٌ جِدًّا وكُلَّ الأجْرامِ دُونَها لا سِيَّما الأرْضَ فَإنَّها بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كَلا شَيْءَ والحِكْمَةُ سُكُونُ الأكْبَرِ وتَحَرُّكُ الأصْغَرِ وهَذا أيْضًا مِنَ الإقْناعاتِ الضَّعِيفَةِ ومَعَ ذَلِكَ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ سُكُونَ الأصْغَرِ لا سِيَّما بَيْنَ أمْواجٍ ورِياحٍ وحَرَكَةَ الأكْبَرِ لا سِيَّما مِثْلَ الحَرَكَةِ الَّتِي يُثْبِتُها الجُمْهُورُ لِلشَّمْسِ أبْلَغُ في القُدْرَةِ وتَعْلِيلُهم ذَلِكَ أيْضًا بِأنّا لا نَرى لِلشَّمْسِ مَيْلًا عَمّا يُقالُ لَهُ مِنطَقَةُ البُرُوجِ فَيَقْتَضِي أنْ تَكُونَ ساكِنَةً بِخِلافِ غَيْرِها لا يَخْفى ما فِيهِ والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ أنَّ تَحْتَ الأرْضِ ماءً وأنَّها فِيهِ كَبِطِّيخَةٍ خَضْراءَ في حَوْضٍ وجاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ الأرْضَ عَلى مَتْنِ ثَوْرٍ والثَّوْرَ عَلى ظَهْرِ حُوتٍ والحُوتَ في الماءِ ولا يَعْلَمُ ما تَحْتَ الماءِ إلّا الَّذِي خَلَقَهُ وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ زِيادَةَ كَبِدِ ذَلِكَ الحُوتِ هو الَّذِي يَكُونُ أوَّلَ طَعامِ أهْلِ الجَنَّةِ فَحَمَلُوا الحُوتَ فِيما صَحَّ مِن قَوْلِهِ ﷺ: «أوَّلُ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ زائِدَةُ كَبِدِ الحُوتِ» عَلى ذَلِكَ الحُوتِ وبَيَّنُوا حِكْمَةَ ذَلِكَ الأكْلِ أنَّهُ إشارَةٌ إلى خَرابِ الدُّنْيا وبِشارَةٌ بِفَسادِ أساسِها وأمْنِ العُودِ إلَيْها حَيْثُ أنَّ الأرْضَ الَّتِي كانُوا يَسْكُنُونَها كانَتْ مُسْتَقِرَّةً عَلَيْهِ وخُصَّ الأكْلُ بِالزّائِدَةِ لِما بَيَّنَهُ الأطِبّاءُ مِن أنَّ العِلَّةَ إذا وقَعَتْ في الكَبِدِ دُونَ الزّائِدَةِ رُجِيَ بُرْؤُهُ فَإنْ وقَعَتْ في الزّائِدَةِ هَلَكَ العَلِيلُ فَأكْلُهم مِن ذَلِكَ أدْخَلُ في البُشْرى ومَنَعَ بَعْضُهم صِحَّةَ الأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى أنَّها لَيْسَتْ عَلى الماءِ بِلا واسِطَةٍ لا سِيَّما الخَبَرَ الطَّوِيلَ الَّذِي

صفحة 98

ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ في سُورَةِ «ن» ولَمْ يُنْكِرْ صِحَّةَ الخَبَرِ في «أنَّ أوَّلَ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ زائِدَةُ كَبِدِ الحُوتِ» إلّا أنَّهُ قالَ: المُرادُ بِالحُوتِ فِيهِ حُوتٌ ما بِدَلِيلِ ما رَواهُ سُلْطانُ المُحَدِّثِينَ البُخارِيُّ أوَّلُ ما يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ زِيادَةُ كَبِدِ حُوتٍ يَأْكُلُ مِنهُ سَبْعُونَ ألْفًا بِتَنْكِيرِ لَفْظِ حُوتٍ ونَظِيرُ ذَلِكَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ حَيْثُ ذَكَرَ فِيهِ أنَّهُ تَكُونُ الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ خُبْزَةً واحِدَةً يَكْفَأُها الجَبّارُ بِيَدِهِ كَما يَكْفَأُ أحَدُكم خُبْزَتَهُ في السَّفَرِ نُزُلًا لِأهْلِ الجَنَّةِ وإنَّ إدامَهم ثَوْرٌ ونُونٌ يَأْكُلُ مِن زائِدَةِ كَبِدِهِما سَبْعُونَ ألْفًا وذِكْرُ حالِ الأرْضِ فِيهِ لا يُعَيِّنُ مُرادَ الخَصْمِ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ بَيْنَ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى خَرابِ الدُّنْيا وانْقِطاعِ أمْرِ الِاسْتِعْدادِ لِلْمَعاشِ وانْصِرامِ الحَياةِ العُنْصُرِيَّةِ المائِيَّةِ أمّا الإشارَةُ إلى الأوَّلِ فَظاهِرٌ وأمّا إلى الثّانِي فَبِالِاسْتِيلاءِ عَلى الثَّوْرِ وأكْلِ زائِدَةِ كَبِدِهِ فَإنَّهُ عُمْدَةُ عِدَّةِ الحارِثِ المُهْتَمِّ لِأمْرِ مَعاشِهِ وفي الخَبَرِ كُلُّكم حارِثٌ وكُلُّكم هُمامٌ وأمّا الإشارَةُ إلى الثّالِثِ فَبِالِاسْتِيلاءِ عَلى الحُوتِ وأكْلِ زائِدَةِ كَبِدِهِ أيْضًا فَإنَّهُ حَيَوانٌ عُنْصُرِيٌّ مائِيٌّ لا يُمْكِنُ أنْ يَحْيا سُوَيْعَةً إذا فارَقَ الماءَ وبِهَذا يَظْهَرُ المُناسَبَةُ التّامَّةُ بَيْنَ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الخَبَرُ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ظُهُورُ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِصُورَةِ الحُوتِ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ فِيها مِن أسْبابِ الحَراثَةِ الضَّرُورِيَّةِ في أمْرِ المَعاشِ بِصُورَةِ الثَّوْرِ وكُلُّ الصَّيْدِ في جَوْفِ الفَرا ويَكُونُ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ ظُهُورِ المَوْتِ في صُورَةِ الكَبْشِ الأمْلَحِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ في سِرِّ تَخْصِيصِ الكَبِدِ: إنَّهُ بَيْتُ الدَّمِ وهو بَيْتُ الحَياةِ ومِنهُ تَقَعُ قِسْمَتُها في البَدَنِ إلى القَلْبِ وغَيْرِهِ وبُخارُ ذَلِكَ الدَّمِ هو النَّفْسُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالرُّوحِ الحَيَوانِيِّ فَفي كَوْنِهِ طَعامًا لِأهْلِ الجَنَّةِ بِشارَةٌ بِأنَّهم أحْياءٌ لا يَمُوتُونَ وذُكِرَ أنَّهُ يُسْتَخْرَجُ مِنَ الثَّوْرِ الطِّحالُ وهو في الحَيَوانِ بِمَنزِلَةِ الأوْساخِ في البَدَنِ فَإنَّهُ يَجْتَمِعُ فِيهِ أوْساخُ البَدَنِ مِمّا يُعْطِيهِ البَدَنُ مِنَ الدَّمِ الفاسِدِ فَيُعْطى لِأهْلِ النّارِ يَأْكُلُونَهُ وكانَ ذَلِكَ مِنَ الثَّوْرِ لِأنَّهُ بارِدٌ يابِسٌ كَطَبْعِ المَوْتِ وجَهَنَّمُ عَلى صُورَةِ جامُوسٍ والغِذاءُ لِأهْلِ النّارِ مِن طِحالِهِ أشَدُّ مُناسَبَةً مِنهُ فَلِما فِيهِ مِنَ الدَّمِيَّةِ لا يَمُوتُ أهْلُ النّارِ ولِما أنَّهُ مِن أوْساخِ البَدَنِ ومِنَ الدَّمِ الفاسِدِ المُؤْلِمِ لا يَحْيَوْنَ ولا يَنْعَمُونَ فَما يَزِيدُهم أكْلُهُ إلّا مَرَضًا وسَقَمًا.

ونُقِلَ عَنِ الغَزالِيِّ والعُهْدَةُ عَلى النّاقِلِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ تارَةً ما تَحْتَ الأرْضِ فَقالَ: الحُوتُ وسُئِلَ أُخْرى فَقالَ: الثَّوْرُ وعَنى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ البُرْجَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما مِنَ البُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشَرَ المَعْلُومَةِ وقَدْ كانَ كُلٌّ مِنهُما وتَدَ الأرْضِ وقْتَ السُّؤالِ ولَوْ كانَ الوَتَدُ إذْ ذاكَ العَقْرَبَ مَثَلًا لَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ العَقْرَبُ تَحْتَ الأرْضِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَقاصِدِ الشّارِعِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا يَتِمُّ عَلى ما وقَفْتُ عَلَيْهِ مِن أنَّ الأرْضَ عَلى مَتْنِ الثَّوْرِ والثَّوْرَ عَلى ظَهْرِ الحُوتِ والحُوتَ عَلى الماءِ والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ أنَّ الأرْضَ فَوْقَ الثَّوْرِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ وتَدُها حِينَ الإخْبارِ والثَّوْرَ فَوْقَ الحُوتِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مِنَ البُرُوجِ الشَّمالِيَّةِ والحُوتَ مِنَ البُرُوجِ الجَنُوبِيَّةِ والبُرُوجَ الشَّمالِيَّةَ في غالِبِ المَعْمُورَةِ تُعَدُّ فَوْقَ البُرُوجِ الجَنُوبِيَّةِ والحُوتَ فَوْقَ الماءِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ حائِلٌ يُرى لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ إلّا ثَوْرٌ أوْ حِمارٌ وبَعْضُهم يُؤَوِّلُ خَبَرَ التَّرْتِيبِ بِأنَّ المُرادَ مِنهُ الإشارَةُ إلى أنَّ عِمارَةَ الأرْضِ مَوْقُوفَةٌ عَلى الحِراثَةِ وهي مَوْقُوفَةٌ عَلى السَّعْيِ والِاضْطِرابِ وذَلِكَ الثَّوْرُ مِن مَبادِي الحِراثَةِ والحُوتُ لا يَكادُ يَسْكُنُ عَنِ الحَرَكَةِ في الماءِ وهو كَما تَرى والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ الإيمانُ بِما جاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا صَحَّ فَلَيْسَ وراءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَكِيمٌ والتَّرْتِيبُ الَّذِي يَذْكُرُهُ الفَلاسِفَةُ لَمْ يَأْتُوا لَهُ بِبُرْهانٍ مُبِينٍ ولَيْسَ عِنْدَهم فِيهِ سِوى ما يُفِيدُ الظَّنَّ وحِينَئِذٍ فَيُمْكِنُ القَوْلُ

صفحة 99

بِتَرْتِيبٍ آخَرَ نَعَمْ لا يَنْبَغِي القَوْلُ بِتَرْتِيبٍ يُكَذِّبُهُ الحِسُّ ويَأْباهُ العَقْلُ الصَّرِيحُ وإنْ جاءَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ الشّارِعِ وجَبَ تَأْوِيلُهُ كَما لا يَخْفى وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّهُ لَمْ يَجِئْ في تَرْتِيبِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ وشَرْحِ أحْوالِها كَما فَعَلَ الفَلاسِفَةُ عَنِ الشّارِعِ ﷺ لِما أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ المَسائِلِ المُهِمَّةِ في نَظَرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَيْسَ المُهِمُّ إلّا التَّفَكُّرَ فِيها والِاسْتِدْلالَ بِها عَلى وحْدَةِ الصّانِعِ وكَمالِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وهو حاصِلٌ بِما يُحَسُّ مِنها فَسُبْحانَ مَن رَفَعَ السَّماءَ بِغَيْرِ عَمَدٍ ومَدَّ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ﴿وأنْهارًا﴾ جَمْعُ نَهْرٍ وهو مَجْرى الماءِ الفائِضِ وتُجْمَعُ أيْضًا عَلى نُهُرٍ ونُهُورٍ وأنْهُرٍ وتُطْلَقُ عَلى المِياهِ السّائِلَةِ عَلى الأرْضِ وضَمَّها إلى الجِبالِ وعَلَّقَ بِهِما فِعْلًا واحِدًا مِن حَيْثُ أنَّ الجِبالَ سَبَبٌ لِتَكَوُّنِها عَلى ما قِيلَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الفَلاسِفَةِ مِن أنَّ الجِبالَ لِتَرَكُّبِها مِن أحْجارٍ صُلْبَةٍ إذا تَصاعَدَتْ إلَيْها الأبْخِرَةُ احْتَبَسَتْ فِيها وتَكامَلَتْ فَتَنْقَلِبُ مِياهًا ورُبَّما خَرَقَتْها فَخَرَجَتْ وذُكِرَ أنَّ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الآثارُ أنَّها تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ لَكِنْ لَمّا كانَ نُزُولُها عَلَيْها أكْثَرَ كانَتْ كَثِيرًا ما تَخْرُجُ الأنْهارُ مِنها ويَكْفِي هَذا لِتَشْرِيكِهِما في عامِلٍ واحِدٍ وجَعْلِهِما جُمْلَةً واحِدَةً وكَأنَّهم عَنَوْا بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ عَلى الجِبالِ نُزُولَ ماءِ المَطَرِ مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي أحَدُ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ عَلَيْها والأكْثَرُونَ أنَّ النُّزُولَ مِنَ السَّحابِ والمُرادُ مِنَ السَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ وهو الَّذِي تَحْكُمُ بِهِ المُشاهَدَةُ وقَدْ أسْلَفْنا لَكَ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ أوَّلَ الكِتابِ فَتَذَكَّرْ.

والأنْهارُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَعالى في الأرْضِ كَثِيرَةٌ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّها مِائَةٌ وسِتَّةٌ وتِسْعُونَ نَهْرًا وقِيلَ: هي أكْثَرُ مِن ذَلِكَ وجاءَ في أرْبَعَةٍ مِنها أنَّها مِنَ الجَنَّةِ فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «سَيْحانُ وجَيْحانُ والفُراتُ والنِّيلُ كُلٌّ مِن أنْهارِ الجَنَّةِ» والأوَّلانِ بِالألِفِ بَعْدِ الحاءِ وهُما نَهْرانِ في أرْضِ الأُرْدُنِّ فَجَيْحانُ نَهْرُ المُصِيصَةِ وسَيْحانُ نَهْرُ أدَنَةَ وقَوْلُ الجَوْهَرِيِّ في صِحاحِهِ جَيْحانُ نَهْرٌ بِالشّامِ غَلَطٌ أوْ أنَّهُ أرادَ المَجازَ مِن حَيْثُ أنَّهُ بِبِلادِ الأرْمَنِ وهي مُجاوِرَةٌ لِلشّامِ وهُما غَيْرُ سَيْحُونَ وجَيْحُونَ بِالواوِ فَإنَّ سَيْحُونَ نَهْرُ الهِنْدِ وهو يَجْرِي مِن جِبالٍ بِأقاصِيها مِمّا يَلِي العَيْنَ إلى أنْ يَنْصَبَّ في البَحْرِ الحَبَشِيِّ مِمّا يَلِي ساحِلَ الهِنْدِ ومِقْدارُ جَرْيِهِ أرْبَعُمِائَةِ فَرْسَخٍ وجَيْحُونُ نَهْرُ بَلْخٍ يَجْرِي مِن أعْيُنَ إلى أنْ يَأْتِيَ خَوارِزْمَ فَيَتَفَرَّقُ بَعْضُهُ في أماكِنَ ويَمْضِي باقِيهِ إلى البُحَيْرَةِ الَّتِي عَلَيْها القَرْيَةُ المَعْرُوفَةُ بِالجُرْجانِيَّةِ أسْفَلَ خَوارِزْمَ يَجْرِي مِنهُ إلَيْها السُّفُنُ طُولُها مَسِيرَةَ شَهْرٍ وعَرَضُها نَحْوَ ذَلِكَ وأمّا قَوْلُ القاضِي عِياضٍ هَذِهِ الأنْهارُ الأرْبَعَةُ أكْبَرُ أنْهارِ بِلادِ الإسْلامِ فالنِّيلُ بِمِصْرَ والفُراتُ بِالعِراقِ وسَيْحانُ وجَيْحانُ ويُقالُ سَيْحُونُ وجَيْحُونُ بِبِلادِ خُراسانَ فَقَدْ قالَ النَّوَوِيُّ: إنَّ فِيهِ إنْكارًا مِن أوْجُهٍ أحَدُها قَوْلُهُ: الفُراتُ بِالعِراقِ ولَيْسَتْ بِالعِراقِ وإنَّما هي فاصِلَةٌ بَيْنَ الشّامِ والجَزِيرَةِ الثّانِي قَوْلُهُ: سَيْحانُ وجَيْحانُ ويُقالُ سَيْحُونُ وجَيْحُونُ فَجَعَلَ الأسْماءَ مُتَرادِفَةً ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ سَيْحانُ غَيْرُ سَيْحُونَ وجَيْحانُ غَيْرُ جَيْحُونَ بِاتِّفاقِ النّاسِ والثّالِثُ قَوْلُهُ: بِبِلادِ خُراسانَ إنَّما سَيْحانُ وجَيْحانُ بِبِلادِ الأرْمَنِ بِقُرْبِ الشّامِ. انْتَهى.

وقَدْ يُجابُ عَنِ الأوَّلِ بِنَحْوِ ما أُجِيبَ بِهِ عَنِ الجَوْهَرِيِّ ولا يَخْفى أنَّهُ بَعْدَ زَعْمِ التَّرادُفِ يَصِحُّ الحُكْمُ بِأنَّهُما بِبِلادِ خُراسانَ كَما يَصِحُّ الحُكْمُ بِأنَّهُما بِبِلادِ الأرْمَنِ وفي كَوْنِ هَذِهِ الأنْهارِ مِنَ الجَنَّةِ تَأْوِيلانِ الأوَّلُ أنَّ المُرادَ تَشْبِيهُ مِياهِها

صفحة 100

بِمِياهِ الجَنَّةِ والإخْبارُ بِامْتِيازِها عَلى ما عَداها ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ والثّانِي ما ذَكَرَهُ القاضِي عِياضٌ أنَّ الإيمانَ عَمَّ بِلادَها وأنَّ الأجْسامَ المُتَغَذِّيَةَ مِنها صائِرَةٌ إلى الجَنَّةِ وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ ولَوْ رُدَّ إلى اعْتِبارِ التَّشْبِيهِ أيْ أنَّها مِثْلُ أنْهارِ الجَنَّةِ في أنَّ المُتَغَذِّينَ مِن مائِها المُؤْمِنُونَ لَكانَ أوْجَهَ وقالَ النَّوَوِيُّ: الأصَحُّ أنَّ الكَلامَ عَلى ظاهِرِهِ وأنَّ لَها مادَّةً مِنَ الجَنَّةِ وهي مَوْجُودَةٌ اليَوْمَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ.

ويَأْبى التَّأْوِيلَ الأوَّلَ ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا مِن حَدِيثِ الإسْراءِ وحَدَّثُ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ «أنَّهُ رَأى أرْبَعَةَ أنْهارٍ يَخْرُجُ مِن أصْلِها نَهْرانِ ظاهِرانِ ونَهْرانِ باطِنانِ فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ ما هَذِهِ الأنْهارُ فَقالَ: أمّا النَّهْرانِ الباطِنانِ فَنَهْرانِ في الجَنَّةِ وأمّا الظّاهِرانِ فالفُراتُ والنِّيلُ» وضَمِيرُ أصْلِها السِّدْرَةُ المُنْتَهى كَما جاءَ مُبَيَّنًا في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ.

والقاضِي عِياضٌ قالَ هُنا: إنَّ هَذا الحَدِيثَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أصْلَ سِدْرَةِ المُنْتَهى في الأرْضِ لِخُرُوجِ النِّيلِ والفُراتِ مِن أصْلِها وتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلازِمٍ بَلْ مَعْناهُ أنَّ الأنْهارُ تَخْرُجُ مَن أصْلِها ثُمَّ تَسِيرُ حَيْثُ أرادَ اللَّهُ تَعالى حَتّى تَخْرَجَ مِنَ الأرْضِ وتَسِيرُ فِيها وهَذا لا يَمْنَعُهُ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ وهو ظاهِرُ الحَدِيثِ فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ قِيلَ: ولَعَلَّ اللَّهَ تَعالى يُوصِلُ مِياهَ هاتِيكِ الأنْهارِ بِقُدْرَتِهِ الباهِرَةِ إلى مَحالِّها الَّتِي يُشاهَدُ خُرُوجُها مِنها مِن حَيْثُ لا يَراها أحَدٌ وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ أصْلُ مِياهِها الخارِجَةِ مِن مَحالِّها لا هي وما يُنْظَمُ إلَيْها مِنَ السُّيُولِ وغَيْرِها وكَأنِّي أرى بَعْضَ النّاسِ لِيُسْنى يَلْتَزِمُ ذَلِكَ في جَمِيعِ ما لا يَجْرِي في هاتِيكِ الأنْهارِ وبَعْضُهم أيْضًا يَجْعَلُ الأخْبارَ في هَذا الشَّأْنِ إشاراتٍ إلى أُمُورٍ أنَفُسِيَّةٍ فَقَطْ ولَيْسَ مِمّا تَرْتَضِيهِ الأنْفُسُ المَرْضِيَّةُ نَعَمْ أنا لا أمْنَعُ التَّأْوِيلَ مَعَ بَقاءِ الأمْرِ أفاقِيًّا ولَيْسَ عَدَمُ اعْتِقادِ الظّاهِرِ مِمّا يُخِلُّ بِالدِّينِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لا تَعَصُّبَ عِنْدَهُ.

ولِلْإخْبارِيِّينَ في هَذِهِ الأنْهارِ كَلامٌ طَوِيلٌ تَمُجُّهُ أسْماعُ ذَوِي الألْبابِ ولا يَجْرِي في أنْهارِ قُلُوبِهِمْ ولا أراهُ يَصْلُحُ إلّا لِلْإلْقاءِ في البَحْرِ.

وجاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ مَرْفُوعًا «نَهْرانِ مُؤْمِنانِ ونَهْرانِ كافِرانِ أمّا المُؤْمِنانِ فالنِّيلُ والفُراتُ وأمّا الكافِرانِ فَدِجْلَةُ وجَيْحُونُ» وحُمِلَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَبَّهَ النَّهْرَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِنَفْعِهِما بِسُهُولَةٍ بِالمُؤْمِنِ والنَّهْرَيْنِ الأخِيرَيْنِ بِالكافِرِ لِعَدَمِ نَفْعِهِما كَذَلِكَ أنَّهُما إنَّما يَخْرُجُ في الأكْثَرِ ماؤُهُما بِآلَةٍ ومَشَقَّةٍ وإلّا فَوَصْفُ ذَلِكَ بِالإيمانِ والكُفْرِ عَلى الحَقِيقَةِ غَيْرُ ظاهِرٍ ثُمَّ إنَّ أفْضَلَ الأنْهارِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ النِّيلُ وباقِيها عَلى السَّواءِ وزادَ بَعْضُهم في عِدادِ ما هو مِنَ الجَنَّةِ دِجْلَةَ ورَوى في ذَلِكَ خَبَرًا عَنْ مُقاتِلٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ولَيْسَ مِمّا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجَعَلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أيِ اثْنِينِيَّةً حَقِيقِيَّةً وهُما الفَرْدانِ اللَّذانِ كَلٌّ مِنهُما زَوْجُ الآخَرِ وأكَّدَ بِهِ الزَّوْجَيْنِ لِئَلّا يُفْهَمَ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الشَّفْعانِ إذْ يُطْلَقُ الزَّوْجُ عَلى المَجْمُوعِ لَكِنَّ اثْنِينِيَّةَ ذَلِكَ اعْتِبارِيَّةٌ أيْ جَعَلَ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الثَّمَراتِ المَوْجُودَةِ في الدُّنْيا ضَرْبَيْنِ وصِنْفَيْنِ إمّا في اللَّوْنِ كالأبْيَضِ والأسْوَدِ أوْ في الطَّعْمِ كالحُلْوِ والحامِضِ أوْ في القَدْرِ كالصَّغِيرِ والكَبِيرِ أوْ في الكَيْفِيَّةِ كالحارِّ والبارِدِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ.

وقِيلَ: المَعْنى خَلَقَ في الأرْضِ مِن جَمِيعِ أنْواعِ الثَّمَراتِ زَوْجَيْنِ زَوْجَيْنِ حِينَ مَدَّها ثُمَّ تَكاثَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وتَنَوَّعَتْ وتُعُقِّبَ أنَّهُ دَعْوى بِلا دَلِيلٍ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ خِلافُهُ فَإنَّ النَّوْعَ النّاطِقَ المُحْتاجَ إلى زَوْجَيْنِ خُلِقَ ذَكَرُهُ

صفحة 101

أوَّلًا فَكَيْفَ في الثَّمَراتِ وتَكُونُ واحِدٌ مِن كُلٍّ أوَّلًا كافٍ في التَّكَوُّنِ والوَجْهُ ما ذُكِرَ أوَّلًا وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ الجارُّ بِجَعَلَ الأوَّلِ ويَكُونُ الثّانِي اسْتِئْنافًا لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الجَعْلِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِالزَّوْجَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ الجارِّ بِجَعَلَ السّابِقِ الشَّمْسَ والقَمَرَ وقِيلَ: اللَّيْلَ والنَّهارَ وكِلا القَوْلَيْنِ لَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ أيْ يُلْبِسُهُ مَكانَهُ فَيَصِيرُ الجَوُّ مُظْلِمًا بَعْدَ ما كانَ مُضِيئًا فَفِيهِ إسْنادُ ما لِمَكانِ الشَّيْءِ إلَيْهِ وفي جَعْلِ الجَوِّ مَكانًا لِلنَّهارِ تَجُوزُ لِأنَّ الزَّمانَ لا مَكانَ لَهُ والمَكانَ إنَّما هو لِلضَّوْءِ الَّذِي هو لازِمُهُ وجُوِّزَ في الآيَةِ اسْتِعارَةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ﴾ يَجْعَلُهُ مَغْشِيًّا لِلنَّهارِ مَلْفُوفًا عَلَيْهِ كاللِّباسِ عَلى المَلْبُوسِ قِيلَ: والأوَّلُ أوْجَهُ وأبْلَغُ واكْتَفى بِذِكْرِ تَغْشِيَةِ اللَّيْلِ النَّهارَ مَعَ تَحَقُّقِ عَكْسِهِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنهُ مَعَ أنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُها إلّا أنَّ التَّغْشِيَةَ بِمَعْنى السَّتْرِ وهي أنْسَبُ بِاللَّيْلِ مِنَ النَّهارِ وعُدَّ هَذا في تَضاعِيفِ الآياتِ السُّفْلِيَّةِ وإنْ كانَ تَعَلُّقُهُ بِالآياتِ العُلْوِيَّةِ ظاهِرًا بِاعْتِبارِ ظُهُورِهِ في الأرْضِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ ( يُغَشِّي ) بِالتَّشْدِيدِ وقَدْ تَقَدَّمَ تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ مِن مَدِّ الأرْضِ وجَعْلِ الرَّواسِي عَلَيْها وإجْراءِ الأنْهارِ فِيها وخَلْقِ الثَّمَراتِ وإغْشاءِ اللَّيْلِ النَّهارَ وفي الإشارَةِ بِذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ المُشارِ إلَيْهِ في بابِهِ ﴿لآياتٍ﴾ باهِرَةً قِيلَ: هي آثارُ الأفاعِيلِ البَدِيعَةِ جَلَّتْ حِكْمَةُ صانِعِها فَفي عَلى مَعْناها فَإنَّ تِلْكَ الآثارَ مُسْتَقِرَّةٌ في تِلْكَ الأفاعِيلِ مَنُوطَةٌ بِها وجُوِّزَ أنْ يُشارَ بِذَلِكَ إلى تِلْكَ الآثارِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِتِلْكَ الأفاعِيلِ ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . (3) . فَإنَّ التَّفَكُّرَ فِيها يُؤَدِّي إلى الحُكْمِ بِأنْ يَكُونَ كُلٌّ مِن ذَلِكَ عَلى هَذا النَّمَطِ الرّائِقِ والأُسْلُوبِ اللّائِقِ لا بُدَّ لَهُ مِن مُكَوَّنٍ قادِرٍ حَكِيمٍ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ والفِكْرَةُ كَما قالَ الرّاغِبُ قُوَّةٌ مُطْرِقَةٌ لِلْعِلْمِ إلى المَعْلُومِ والتَّفَكُّرُ جَوَلانُ تِلْكِ القُوَّةِ بِحَسَبِ نَظَرِ العَقْلِ وذَلِكَ لَلْأنِسانِ دُونَ الحَيَوانِ ولا يُقالُ: إلّا فِيما لا يُمْكِنُ أنْ يَحْصُلَ لَهُ صُورَةٌ في القَلْبِ ولِهَذا رُوِيَ تَفَكَّرُوا في آلاءِ اللَّهِ تَعالى ولا تَتَفَكَّرُوا في اللَّهِ تَعالى إذْ كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهًا أنْ يُوصَفَ بِصُورَةٍ.

وقالَ بَعْضُ الأُدَباءِ: الفِكْرُ مَقْلُوبٌ عَنِ الفَرْكِ لَكِنْ يَسْتَعْمِلُ الفِكْرُ في المَعانِي وهو فَرْكُ الأُمُورِ وبَحْثُها طَلَبًا لِلْوُصُولِ إلى حَقِيقَتِها والمَشْهُورُ أنَّهُ تَرْتِيبُ أُمُورٍ مَعْلُومَةٍ لِلتَّأدِّي إلى مَجْهُولٍ وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ جَعْلِ هَذا مَقْطَعًا في الآيَةِ وذَكَرَ الإمامُ أنَّ الأكْثَرَ في الآياتِ إذا ذُكِرَ فِيها الدَّلائِلُ المَوْجُودَةُ في العالَمِ السُّفْلِيِّ أنْ يُجْعَلَ مَقْطَعُها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وما يَقْرُبُ مِنهُ وسَبَبُهُ أنَّ الفَلاسِفَةَ يُسْنِدُونَ حَوادِثَ العالَمِ السُّفْلِيِّ إلى الِاخْتِلافاتِ الواقِعَةِ في الإشْكالاتِ الكَوْكَبِيَّةِ فَرَدَّهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ لِأنَّ مَن تَفَكَّرَ فِيها عَلِمَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُدُوثُ تِلْكَ الحَوادِثِ مِنَ الِاتِّصالاتِ الفَلَكِيَّةِ فَتَفَكَّرْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском