Al-AlusiIbrahim · 14:25–29

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ibrahim 14:25–29

14:25Page 259

تُؤۡتِيٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِۭ بِإِذۡنِ رَبِّهَاۗ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٥

It produces its fruit all the time, by permission of its Lord. And Allāh presents examples for the people that perhaps they will be reminded.

﴿تُؤْتِي أُكُلَها﴾ تُعْطِي ثَمَرَها ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ وقْتٍ أقَّتَهُ اللَّهُ تَعالى لِإثْمارِها ﴿بِإذْنِ رَبِّها﴾ بِإرادَةِ خالِقِها جَلَّ شَأْنُهُ والمُرادُ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ عَلى ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنِ الأصَمِّ أنَّها القُرْآنُ وعَنِ ابْنِ بَحْرٍ دَعْوَةُ الإسْلامِ وقِيلَ: التَّسْبِيحُ والتَّنْزِيهُ وقِيلَ: الثَّناءُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُطْلَقًا وقِيلَ: كُلُّ كَلِمَةٍ حَسَنَةٍ وقِيلَ: جَمِيعُ الطّاعاتِ وقِيلَ: المُؤْمِنُ نَفْسُهُ وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو خِلافُ الظّاهِرِ وكَأنَّ إطْلاقَ الكَلِمَةِ عَلَيْهِ نَظِيرَ إطْلاقِها عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والمُرادُ بِالشَّجَرَةِ المُشَبَّهِ بِها النَّخْلَةُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ وابْنِ زَيْدٍ وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ شُعَيْبِ بْنِ الحَبْحابِ قالَ: كُنّا عِنْدَ أُنْسٍ فَأُتِينا بِطَبَقٍ

صفحة 214

عَلَيْهِ رُطَبٌ فَقالَ أنَسٌ لِأبِي العالِيَةِ: كُلْ يا أبا العالِيَةِ فَإنَّ هَذا مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ثابِتٍ أصْلُها ) وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ أيْضًا والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقِناعٍ مِن بُسْرٍ فَقالَ: مَثَلُ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ حَتّى بَلَغَ ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ قالَ: هي النَّخْلَةُ».

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها شَجَرَةُ جَوْزِ الهِنْدِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أيْضًا أنَّها شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ وقِيلَ: كُلُّ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ طَيِّبَةِ الثِّمارِ كالنَّخْلَةِ وشَجَرَةِ التِّينِ والعِنَبِ والرُّمّانِ وغَيْرِ ذَلِكَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا صَحَّ الحَدِيثُ ولَمْ يَتَأتَّ حَمْلُ ما فِيهِ عَلى التَّمْثِيلِ لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ.

ووَجْهُ تَشْبِيهِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ بِمَعْنى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ المَنعُوتَةِ بِما ذُكِرَ أنَّ أصْلَ تِلْكَ الكَلِمَةِ ومَنشَأها وهو الإيمانُ ثابِتٌ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ وما يَتَفَرَّعُ مِنها ويَنْبَنِي عَلَيْها مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والأفْعالِ الزَّكِيَّةِ يَصْعَدُ إلى السَّماءِ وما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِن ثَوابِ اللَّهِ تَعالى ورِضاهُ هو الثَّمَرَةُ الَّتِي تُؤْتِيها كُلَّ حِينٍ ويُقالُ نَحْوُ هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ الكَلِمَةُ بِمَعْنًى آخَرَ فَتَأمَّلْ والذّاهِبُونَ إلى تَفْسِيرِ الشَّجَرَةِ بِالنَّخْلَةِ مِنَ السَّلَفِ اخْتَلَفُوا في مِقْدارِ الحِينِ فَأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أنَّهُ شَهْرانِ قالَ: إنَّ النَّخْلَةَ إنَّما يَكُونُ فِيها حِمَلُها شَهْرَيْنِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ سَنَةٌ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ واخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والأشْهَرُ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ وقالَ: إنَّ النَّخْلَةَ ما بَيْنَ حَمْلِها إلى صِرامِها سِتَّةُ أشْهُرٍ وأفْتى رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِرَجُلٍ حَلَفَ أنْ لا يُكَلِّمَ أخاهُ حِينًا أنَّهُ لَوْ كَلَّمَهُ قَبْلَ سِتَّةِ أشْهُرٍ حَنِثَ وهو الَّذِي قالَ بِهِ الحَنَفِيَّةُ فَقَدْ ذَكَرُوا أنَّ الحِينَ والزَّمانَ مُعَرَّفِينَ أوْ مُنَكَّرَيْنِ واقِعَيْنِ في النَّفْيِ أوْ في الإثْباتِ سِتَّةُ أشْهُرٍ وعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأنَّ الحِينَ قَدْ جاءَ بِمَعْنى السّاعَةِ وبِمَعْنى أرْبَعِينَ سَنَةً وبِمَعْنى الأبَدِ وبِمَعْنى سِتَّةِ أشْهُرٍ فَعِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ لِأنَّهُ الوَسَطُ ولِأنَّ القَلِيلَ لا يُقْصَدُ بِالمَنعِ لِوُجُودِ الِامْتِناعِ فِيهِ عادَةً والأرْبَعُونَ سَنَةً لا تُقْصَدُ بِالحَلِفِ عادَةً لِأنَّهُ في مَعْنى الأبَدِ ولَوْ سَكَتَ عَنِ الحِينِ تَأبَّدَ فالظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ ذَلِكَ ولا الأبَدُ ولا أرْبَعِينَ سَنَةً فَيُحْكَمُ بِالوَسَطِ في الِاسْتِعْمالِ والزَّمانُ اسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالَ الحِينِ ويُعْتَبَرُ ابْتِداءُ السِّتَّةِ أشْهُرٍ مِن وقْتِ اليَمِينِ في نَحْوِ لا أُكَلِّمُ فُلانًا حِينًا مَثَلًا وهَذا بِخِلافِ لَأصُومَنَّ حِينًا فَإنَّ لَهُ أنْ يُعَيِّنَ فِيهِ أيَّ سِتَّةَ أشْهُرٍ شاءَ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ ومَتى نَوى الحالِفُ مِقْدارًا مُعَيَّنًا في الحِينِ وأخِيهِ صُدِّقَ لِأنَّهُ نَوى حَقِيقَةَ كَلامِهِ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ القَلِيلِ والكَثِيرِ والمُتَوَسِّطِ واسْتُعْمِلَ في كُلٍّ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ فَلْيُتَذَكَّرْ ﴿ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ . (25) . لِأنَّ في ضَرْبِها زِيادَةَ إفْهامٍ وتَذْكِيرٍ فَإنَّهُ تَصْوِيرُ المَعانِي العَقْلِيَّةِ بِصُوَرِ المَحْسُوساتِ وبِهِ يَرْتَفِعُ التَّنازُعُ بَيْنَ الحِسِّ والخَيالِ.

14:26Page 259

وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٖ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجۡتُثَّتۡ مِن فَوۡقِ ٱلۡأَرۡضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٖ ٢٦

And the example of a bad word is like a bad tree, uprooted from the surface of the earth, not having any stability.

﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ وهي كَلِمَةُ الكُفْرِ أوِ الدُّعاءِ إلَيْهِ أوِ الكَذِبِ أوْ كُلُّ كَلِمَةٍ لا يَرْضاها اللَّهُ تَعالى وقُرِئَ ( ومَثَلَ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ وقَرَأ أُبَيٌّ ( وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً خَبِيثَةً كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ) ولَعَلَّ تَغْيِيرَ الأُسْلُوبِ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالضَّرْبِ والبَيانِ وإنَّما ذَلِكَ أمْرٌ ظاهِرٌ يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ وفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ أيْ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ والمَثَلُ بِمَعْنى الصِّفَةِ الغَرِيبَةِ ﴿اجْتُثَّتْ﴾ أيِ اقْتُلِعَتْ مِن أصْلِها وحَقِيقَةُ الِاجْتِثاثِ أخْذُ الجُثَّةِ وهي شَخْصُ الشَّيْءِ كُلِّها ﴿مِن فَوْقِ الأرْضِ﴾ لِكَوْنِ عُرُوقِها قَرِيبَةً

صفحة 215

مِنَ الفَوْقِ فَكَأنَّها فَوْقَ ﴿ما لَها مِن قَرارٍ﴾ . (26) . أيِ اسْتِقْرارٍ عَلى الأرْضِ والمُرادُ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ المَنعُوتَةِ الحَنْظَلَةُ ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّها الكَشُوثُ ويُشَبَّهُ بِهِ الرَّجُلُ الَّذِي لا حَسَبَ لَهُ ولا نَسَبَ كَما قالَ الشّاعِرُ: .

فَهُوَ الكَشُوثُ فَلا أصْلَ ولا ورَقَ ولا نَسِيمَ ولا ظِلَّ ولا ثَمَرَ

وقالَ الزَّجّاجُ وفِرْقَةٌ شَجَرَةُ الثَّوْمِ وقِيلَ: شَجَرَةُ الشَّوْكِ وقِيلَ: الطُّحْلُبُ وقِيلَ: الكَمْأةُ وقِيلَ: كُلُّ شَجَرٍ لا يَطِيبُ لَهُ ثَمَرٌ وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها شَجَرَةٌ لَمْ تُخْلَقْ عَلى الأرْضِ والمَقْصُودُ التَّشْبِيهُ بِما اعْتُبِرَ فِيهِ تِلْكَ النُّعُوتُ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ أنَّ التَّشْبِيهَ وقَعَ بِشَجَرَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ جامِعَةٍ لِتِلْكَ الأوْصافِ وفي رِوايَةٍ عَنِ الحَبْرِ أيْضًا تَفْسِيرُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ بِالكافِرِ ورَوى الإمامِيَّةُ وأنْتَ تَعْرِفُ حالَهم عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَفْسِيرَها بِبَنِي أُمَيَّةَ وتَفْسِيرُ الشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وفاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وما تَوَلَّدَ مِنهُما وفي بَعْضِ رِواياتِ أهْلِ السُّنَّةِ ما يُعَكِّرُ عَلى تَفْسِيرِ الشَّجَرَةِ الخَبِيثَةِ بِبَنِي أُمَيَّةَ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عُدَيِّ بْنِ أبِي حاتِمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى قَلَّبَ العِبادَ ظَهْرًا وبَطْنًا فَكانَ خَيْرُ عِبادِهِ العَرَبَ وقَلَّبَ العَرَبَ ظَهْرًا وبَطْنًا فَكانَ خَيْرُ العَرَبِ قُرَيْشًا وهي الشَّجَرَةُ المُبارَكَةُ الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ: ( مَثَلُ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ )» لِأنَّ بَنِي أُمَيَّةَ مِن قُرَيْشٍ وأخْبارُ الطّائِفَتَيْنِ في هَذا البابِ رَكِيكَةٌ وأحْوالُ بَنِي أُمَيَّةَ الَّتِي يَسْتَحِقُّونَ بِها ما يَسْتَحِقُّونَ غَيْرُ خَفِيَّةٍ عِنْدَ المُوافِقِ والمُخالِفِ والَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونُ في هَذِهِ الشَّجَرَةِ الخَبِيثَةِ أنَّها الحَنْظَلُ وإطْلاقُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ لِلْمُشاكَلَةِ وإلّا فَهو نَجْمٌ لا شَجَرٌ وكَذا يُقالُ في إطْلاقِهِ عَلى الكَشُوثِ ونَحْوِهِ.

ولِلْإمامِ الرّازِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ كَلامٌ في هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ لا بَأْسَ بِذِكْرِهِ مُلَخَّصًا وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في المَثَلِ الأوَّلِ شَجَرَةً مَوْصُوفَةً بِأرْبَعِ صِفاتٍ ثُمَّ شَبَّهَ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ بِها.

الصِّفَةُ الأُولى كَوْنُها ﴿طَيِّبَةً﴾ وذَلِكَ يَحْتَمِلُ كَوْنَها طَيِّبَةَ المَنظَرِ وكَوْنَها طَيِّبَةَ الرّائِحَةِ وكَوْنَها طَيِّبَةَ الثَّمَرَةِ بِمَعْنى كَوْنِها لَذِيذَةً مُسْتَطابَةً وكَوْنِها طَيِّبَةَ الثَّمَرَةِ بِمَعْنى كَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها ويُحِبُّ إرادَةُ الجَمِيعِ إذْ بِهِ يَحْصُلُ كَمالُ الطَّيِّبِ.

والثّانِيَةُ كَوْنُ ﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ وهو صِفَةُ كَمالٍ لَها لِأنَّ الشَّيْءَ الطَّيِّبَ إذا كانَ في مَعْرِضِ الزَّوالِ فَهو وإنْ كانَ يَحْصُلُ الفَرَحُ بِوُجْدانِهِ إلّا أنَّهُ يَعْظُمُ الحُزْنُ بِالخَوْفِ مِن زَوالِهِ وأمّا إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَعْظُمُ السُّرُورُ بِهِ مِن غَيْرِ ما يُنَغَّصُ ذَلِكَ.

والثّالِثَةُ كَوْنُ ( فَرْعُها في السَّماءِ ) وهو أيْضًا صِفَةُ كَمالٍ لَها لِأنَّها مَتى كانَتْ مُرْتَفِعَةً كانَتْ بَعِيدَةً عَنْ عُفُونَةِ الأرْضِ وقاذُوراتِ الأبْنِيَةِ فَكانَتْ ثَمَرَتُها نَقِيَّةً خالِصَةً عَنْ جَمِيعِ الشَّوائِبِ.

والرّابِعَةُ كَوْنُها دائِمَةَ الثَّمَرِ لا أنَّ ثَمَرَها حاضِرٌ في بَعْضِ الأوْقاتِ دُونَ بَعْضٍ وهو صِفَةُ كَمالٍ أيْضًا إذِ الِانْتِفاعُ بِها غَيْرُ مُنْقَطِعٍ حِينَئِذٍ.

ثُمَّ إنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الرَّغْبَةَ في تَحْصِيلِ مِثْلِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ عَظِيمَةً وأنَّ العاقِلَ مَتى أمْكَنَهُ تَحْصِيلُها يَنْبَغِي أنْ يَقُومَ لَهُ عَلى ساقٍ ولا يَتَساهَلَ عَنْهُ والمُرادُ مِنَ الكَلِمَةِ المُشَبَّهَةِ بِذَلِكَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى والِاسْتِغْراقُ في مَحَبَّتِهِ سُبْحانَهُ وطاعَتِهِ وشِبْهُ ذَلِكَ لِلشَّجَرَةِ في صِفاتِها الأرْبَعَةِ أمّا في الأُولى فَظاهِرٌ بَلْ لا لَذَّةَ ولا طِيبَ في الحَقِيقَةِ إلّا لِهَذِهِ المَعْرِفَةِ لِأنَّها مُلائِمَةٌ لِجَوْهَرِ النَّفْسِ النُّطْقِيَّةِ والرُّوحِ القُدُسِيَّةِ ولا كَذَلِكَ لَذَّةُ

صفحة 216

الفَواكِهِ إذْ هي أمْرٌ مُلائِمٌ لِمِزاجِ البَدَنِ ومَن تَأمَّلَ أدْنى تَأمُّلٍ ظَهَرَ لَهُ فُرُوقٌ لا تُحْصى بَيْنَ اللَّذَّتَيْنِ وأمّا في الصِّفَةِ الثّانِيَةِ فَثُبُوتُ الأصْلِ في شَجَرَةِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى أقْوى وأكْمَلُ لِأنَّ عُرُوقَها راسِخَةٌ في جَوْهَرِ النَّفْسِ القُدُسِيَّةِ وهو جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ آمِنٌ عَنِ الكَوْنِ والفَسادِ بَعِيدٌ عَنِ التَّغَيُّرِ والفَناءِ وأيْضًا مَدَدُ هَذا الرُّسُوخِ إنَّما هو مِن تَجَلِّي جَلالِ اللَّهِ وهو مِن لَوازِمَ كَوْنِهِ سُبْحانَهُ في ذاتِهِ نُورَ النُّورِ ومَبْدَأ الظُّهُورِ وذَلِكَ مِمّا يَمْتَنِعُ عَقْلًا زَوالُهُ وأمّا في الصِّفَةِ الثّالِثَةِ فَلِأنَّ شَجَرَةَ المَعْرِفَةِ لَها أغْصانٌ صاعِدَةٌ في هَواءِ العالَمِ الإلَهِيِّ وأغْصانٌ صاعِدَةٌ في هَواءِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ والنَّوْعُ الأوَّلُ أقْسامُهُ كَثِيرَةٌ يَجْمَعُها قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ويَدْخُلُ فِيهِ التَّأمُّلُ في دَلائِلِ مَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ كَأحْوالِ العَوالِمِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ وكَذا مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى والتَّشَوُّقُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ والمُواظَبَةُ عَلى ذِكْرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ والِاعْتِمادُ عَلَيْهِ وقِطَعُ النَّظَرِ عَمّا سِواهُ جَلَّ وعَلا إلى غَيْرِ ذَلِكَ والنَّوْعُ الثّانِي أقْسامُهُ كَذَلِكَ ويَجْمَعُها قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى ويَدْخُلُ فِيهِ الرَّأْفَةُ والرَّحْمَةُ والصَّفْحُ والتَّجاوُزُ عَنِ الإساءَةِ والسَّعْيُ في إيصالِ الخَيْرِ إلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى ودَفْعِ الشُّرُورِ عَنْهم ومُقابَلَةُ الإساءَةِ بِالإحْسانِ إلى ما لا يُحْصى وهي فُرُوعٌ مِن شَجَرَةِ المَعْرِفَةِ فَإنَّ الإنْسانَ كُلَّما كانَ مُتَوَغِّلًا فِيها كانَتْ هَذِهِ الأحْوالُ عِنْدَهُ أكْمَلَ وأقْوى وأمّا في الصِّفَةِ الرّابِعَةِ فَلِأنَّ شَجَرَةَ المَعْرِفَةِ مُوجِبَةٌ لِما عَلِمْتَ مِنَ الأحْوالِ ومُؤَثِّرَةٌ في حُصُولِها والمُسَبِّبُ لا يَنْفَكُّ عَنِ السَّبَبِ فَدَوامُ أُكُلِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ أتَمُّ مِن دَوامٍ أُكُلِ الشَّجَرَةِ المَنعُوتَةِ فَهي أوْلى بِهَذِهِ الصِّفَةِ بَلْ رُبَّما تَوَغَّلَ العَبْدُ في المَعْرِفَةِ فَيَصِيرُ بِحَيْثُ كَلَّما لاحَظَ شَيْئًا لاحَظَ الحَقَّ فِيهِ ورُبَّما عَظُمَ تَرَقِّيهِ فَيَصِيرُ لا يَرى شَيْئًا إلّا يَرى اللَّهَ تَعالى قَبْلَهُ وأيْضًا قَدْ يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ مِن هَذِهِ المَعْرِفَةِ إلْهاماتٌ نَفْسانِيَّةٌ ومَلَكاتٌ رُوحانِيَّةٌ ثُمَّ لا يَزالُ يَصْعَدُ مِنها في كُلِّ حِينٍ ولَحْظَةٍ كَلامٌ طَيِّبٌ وعَمَلٌ صالِحٌ وخُضُوعٌ وخُشُوعٌ وبُكاءٌ وتَذَلُّلٌ كَثَمَرَةِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِإذْنِ رَبِّها﴾ دَقِيقَةٌ عَجِيبَةٌ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ الأحْوالِ السَّنِيَّةِ والدَّرَجاتِ العَلِيَّةِ قَدْ يَفْرَحُ بِها مِن حَيْثُ هي هي وقَدْ يَتَرَقّى فَلا يَفْرَحُ بِها كَذَلِكَ وإنَّما يَفْرَحُ بِها مِن حَيْثُ أنَّها مِنَ المَوْلى جَلَّ جَلالُهُ وعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ فَرَحُهُ في الحَقِيقَةِ بِالمَوْلى تَبارَكَ وتَعالى ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: مَن آثَرَ العِرْفانَ لِلْعِرْفانِ فَقَدْ وقَفَ بِالسّاحِلِ ومَن آثَرَ العِرْفانَ لا لِلْعِرْفانِ بَلْ لِلْمَعْرُوفِ فَقَدْ خاضَ لُجَّةَ الوُصُولِ.

وذَكَرَ بَعْضُهم في هَذا المِثالِ كَلامًا لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ وهو أنَّهُ إنَّما مَثَّلَ سُبْحانَهُ الإيمانَ بِالشَّجَرَةِ لِأنَّ الشَّجَرَةَ لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُسَمّى شَجَرَةً إلّا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: عِرْقٌ راسِخٌ وأصْلٌ قائِمٌ وأغْصانٌ عالِيَةٌ فَكَذَلِكَ الإيمانُ لا يَتِمُّ إلّا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: مَعْرِفَةٌ في القَلْبِ وقَوْلٌ بِاللِّسانِ وعَمَلٌ بِالأرْكانِ ولَمْ يَرْتَضِ قُدِّسَ سِرُّهُ تَفْسِيرَ الشَّجَرَةِ بِالنَّخْلَةِ ولا الحِينِ بِما شاعَ فَقالَ: بَعْدَ نَقْلِ كَلامِ جَماعَةٍ إنَّ هَؤُلاءِ وإنْ أصابُوا في البَحْثِ عَنْ مُفْرَداتِ ألْفاظِ الآيَةِ إلّا أنَّهم بَعُدُوا عَنِ إدْراكِ المَقْصُودِ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَ شَجَرَةً بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ ولا حاجَةَ بِنا إلى أنَّ تِلْكَ الشَّجَرَةَ هي النَّخْلَةُ أمْ غَيْرُها فَإنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الشَّجَرَةَ الكَذائِيَّةَ يَسْعى في تَحْصِيلِها وادِّخارِها لِنَفْسِهِ كُلُّ عاقِلٍ سَواءٌ كانَ لَها وُجُودٌ في الدُّنْيا أوْ لَمْ يَكُنْ لِأنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ أمْرٌ مَطْلُوبُ التَّحْصِيلِ واخْتِلافُهم في تَفْسِيرِ الحِينِ أيْضًا مِن هَذا البابِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ وذَكَرَ تَبارَكَ وتَعالى في المَثَلِ الثّانِي شَجَرَةً أيْضًا إلّا أنَّهُ تَعالى وصَفَها بِثَلاثِ صِفاتٍ.

الصِّفَةُ الأُولى كَوْنُها ﴿خَبِيثَةٍ﴾ وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِحَسَبِ الرّائِحَةِ وأنْ يَكُونَ بِحَسَبِ الطَّعْمِ وأنْ يَكُونَ بِحَسَبِ الصُّورَةِ وأنْ يَكُونَ بِحَسَبِ اشْتِمالِها عَلى المَضارِّ الكَثِيرَةِ

صفحة 217

ولا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّها شَجَرَةُ كَذا أوْ كَذا فَإنَّ الشَّجَرَةَ الجامِعَةَ لِتِلْكَ الصِّفاتِ وإنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً إلّا أنَّها إذا كانَتْ مَعْلُومَةَ الصِّفَةِ كانَ التَّشْبِيهُ بِها نافِعًا في المَطْلُوبِ.

والثّانِيَةُ ( اجْتِثاثُها مِن فَوْقِ الأرْضِ ) وهَذِهِ في مُقابَلَةِ ﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ في الأوَّلِ.

والثّالِثَةُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَها قَرارٌ وهَذِهِ كالمُتَمِّمَةِ لِلصِّفَةِ الثّانِيَةِ والمُرادُ بِالكَلِمَةِ المُشَبَّهَةِ بِذَلِكَ الجَهْلُ بِاللَّهِ تَعالى والإشْراكُ بِهِ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ أوَّلُ الآفاتِ وعُنْوانُ المُخافاتِ ورَأْسُ الشَّقاواتِ فَخُبْثُهُ أظَهَرُ مِن أنْ يَخْفى ولَيْسَ لَهُ حُجَّةٌ ولا ثَباتٌ ولا قُوَّةٌ بَلْ هو داحِضٌ غَيْرُ ثابِتٍ. اهَـ. وهو كَلامٌ حَسَنٌ لَكِنْ فِيهِ مُخالَفَةٌ لِظَواهِرِ كَثِيرٍ مِنَ الآثارِ فَتَأمَّلْ

14:27Page 259

يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَۚ وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ٢٧

Allāh keeps firm those who believe, with the firm word,1 in worldly life and in the Hereafter.2 And Allāh sends astray the wrongdoers. And Allāh does what He wills.

﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ﴾ الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَهم وتَمَكَّنَ في قُلُوبِهِمْ وهو الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ صِفَتُها العَجِيبَةُ والظّاهِرُ أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِيُثَبِّتُ وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ يُثَبِّتُهم بِالبَقاءِ عَلى ذَلِكَ مُدَّةَ حَياتِهِمْ فَلا يَزالُونَ إذا قُيِّضَ لَهم مَن يَفْتِنُهم ويُحاوِلُ زَلَلَهم عَنْهُ كَما جَرى لِأصْحابِ الأُخْدُودِ ولِجُرْجِيسَ وشَمْسُونَ وكَما جَرى لِبِلالٍ وكَثِيرٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ أيْ بَعْدَ المَوْتِ وذَلِكَ في القَبْرِ الَّذِي هو أوَّلُ مَنزِلٍ مِن مَنازِلِ الآخِرَةِ وفي مَواقِفِ القِيامَةِ فَلا يَتَلَعْثَمُونَ إذا سُئِلُوا عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ هُناكَ ولا تَدْهَشُهُمُ الأهْوالُ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: التَّثْبِيتُ في الحَياةِ الدُّنْيا إذا جاءَ المَلَكانِ إلى الرَّجُلِ في القَبْرِ فَقالا لَهُ: مَن رَبُّكَ قالَ: رَبِّيَ اللَّهُ قالا: وما دِينُكَ قالَ: دِينِي الإسْلامُ قالا: ومَن نَبِيُّكَ قالَ: نَبِيِّ مُحَمَّدٌ ﷺ وعَلى هَذا فالمُرادُ مِنَ الآخِرَةِ يَوْمُ القِيامَةِ وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ﴾ .. إلَخْ في الآخِرَةِ القَبْرِ» وعَلى هَذا فالمُرادُ بِالحَياةِ الدُّنْيا مُدَّةُ الحَياةِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ نَعَمِ اخْتارَ بَعْضُهم أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا مُدَّةُ حَياتِهِمْ والآخِرَةَ يَوْمُ القِيامَةِ والعَرَضُ وكانَ الدّاعِي لِذَلِكَ عُمُومَ الَّذِينَ آمَنُوا وشُمُولَهم لِمُؤْمِنِي الأُمَمِ السّابِقَةِ مَعَ عَدَمِ عُمُومِ سُؤالِ القَبْرِ وجُوِّزَ تَعَلُّقُ الجارِّ الأوَّلِ بِآمَنُوا عَلى مَعْنى آمَنُوا بِالتَّوْحِيدِ الخالِصِ فَوَحَّدُوهُ ونَزَّهُوهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ سُبْحانَهُ وكَذا جُوِّزَ تَعَلُّقُ الجارِّ الثّانِي بِالثّابِتِ ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ التَّثْبِيتَ في الدُّنْيا الفَتْحُ والنَّصْرُ وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ والثَّوابُ ولا يَخْفى أنَّ هَذا مِمّا لا يَكادُ يُقالُ وأمْرُ تَعَلُّقِ الجارَّيْنِ ما قَدَّمْنا وهَذا عِنْدَ بَعْضِهِمْ مِثالُ إيتاءِ الشَّجَرَةِ أُكُلَها كُلَّ حِينٍ ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ أيْ يَخْلُقُ فِيهِمُ الضَّلالَ عَنِ الحَقِّ الَّذِي ثَبَّتَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ حَسَبَ إرادَتِهِمْ واخْتِيارِهِمُ النّاشِئِ عَنْ سُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ والمُرادُ بِهِمُ الكَفَرَةُ بِدَلِيلِ مُقابَلَتِهِمْ بِالَّذِينِ آمَنُوا ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ إمّا بِاعْتِبارِ وضْعِهِمْ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ وإمّا بِاعْتِبارِ ظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ حَيْثُ بَدَّلُوا فِطْرَةَ اللَّهِ تَعالى الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها فَلَمْ يَهْتَدُوا إلى القَوْلِ الثّابِتِ أوْ حَيْثُ قَلَّدُوا أهْلَ الضَّلالِ وأعْرَضُوا عَنِ البَيِّناتِ الواضِحَةِ وإضْلالُهم عَلى ما قِيلَ في الدُّنْيا أنَّهم لا يَثْبُتُونَ في مَواقِفِ الفِتَنِ وتَزِلُّ أقْدامُهم أوَّلَ شَيْءٍ وهم في الآخِرَةِ أضَلُّ وأزَلُّ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الكافِرَ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ تَنْزِلُ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَضْرِبُونَ وجْهَهُ ودُبُرَهُ فَإذا دَخَلَ قَبْرَهُ أُقْعِدَ فَقِيلَ لَهُ: مَن رَبُّكَ فَلَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ شَيْئًا وأنْساهُ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَ ذَلِكَ وإذا قِيلَ لَهُ: مَنِ

صفحة 218

الرَّسُولُ الَّذِي بُعِثَ إلَيْكم لَمْ يَهْتَدِ لَهُ ولَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ شَيْئًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾: ﴿ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ . (27) . مِن تَثْبِيتِ بَعْضٍ وإضْلالِ بَعْضٍ آخَرِينَ حَسْبَما تُوجِبُهُ مَشِيئَتُهُ التّابِعَةُ لِلْحِكَمِ البالِغَةِ المُقْتَضِيَةِ لِذَلِكَ وفي إظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ في المَوْضِعَيْنِ مِنَ الفَخامَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ ما لا يَخْفى مَعَ ما فِيهِ كَما قِيلَ مِنَ الإيذانِ بِالتَّفاوُتِ في مَبادِئِ التَّثْبِيتِ والإضْلالِ فَإنَّ مَبْدَأ صُدُورِ كُلٍّ مِنهُما عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن صِفاتِهِ العُلا غَيْرُ ما هو مَبْدَأُ صُدُورِ الآخَرِ وفي ظاهِرِ الآيَةِ مِنَ الرَّدِّ عَلى المُعْتَزِلَةِ ما

14:28Page 259

۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ ٢٨

Have you not considered those who exchanged the favor of Allāh for disbelief1 and settled their people [in] the home of ruin?

﴿ألَمْ تَرَ﴾ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمّا صَنَعَ الكَفَرَةُ مِنَ الأباطِيلِ أيْ ألَمْ تَنْظُرْ ﴿إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ أيْ شُكْرَ نِعْمَتِهِ تَعالى الواجِبَ عَلَيْهِمْ ووَضَعُوا مَوْضِعَهُ ﴿كُفْرًا﴾ عَظِيمًا وغَمْطًا لَها فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ حُذِفَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ وهو المَفْعُولُ الثّانِي و﴿كُفْرًا﴾ المَفْعُولُ الأوَّلُ وتَوَهَّمَ بَعْضُهم عَكْسَ ذَلِكَ وقَدْ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ عَلى مَعْنى أنَّهم بَدَّلُوا النِّعْمَةَ نَفْسَها كُفْرًا لِأنَّهم لَمّا كَفَّرُوها سَلَبُوها فَبَقُوا مَسْلُوبِيها مَوْصُوفِينَ بِالكُفْرِ وقَدْ ذَكَرَ هَذا كالأوَّلِ الزَّمَخْشَرِيُّ والوَجْهانِ كَما في الكَشْفِ خِلافًا لَمّا قَرَّرَهُ الطَّيِّبِيُّ وتابَعَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مُتَّفِقانِ في أنَّ التَّبْدِيلَ ها هُنا تَغْيِيرٌ في الذّاتِ إلّا أنَّهُ واقِعٌ بَيْنِ الشُّكْرِ والكُفْرِ أوْ بَيْنَ النِّعْمَةِ نَفْسِها والكُفْرِ والمُرادُ بِهِمْ أهْلُ مَكَّةَ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أسْكَنَهم حَرَمَهُ وجَعَلَهم قِوامَ بَيْتِهِ وأكْرَمَهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَكَفَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى بَدَلَ ما ألْزَمَهم مِنَ الشُّكْرِ العَظِيمِ أوْ أصابَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالنِّعْمَةِ والسِّعَةِ لِإيلافِهِمُ الرِّحْلَتَيْنِ فَكَفَرُوا نِعْمَتَهُ سُبْحانَهُ فَضَرَبَهم جَلَّ جَلالُهُ بِالقَحْطِ سَبْعَ سِنِينَ وقُتِلُوا وأُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ فَحَصَلَ لَهُمُ الكُفْرُ بَدَلَ النِّعْمَةِ وبَقِيَ ذَلِكَ طَوْقًا في أعْناقِهِمْ.

وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم مِن طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ في هَؤُلاءِ المُبَدِّلِينَ هُما الأفْجَرانِ مِن قُرَيْشٍ بَنُو أُمَيَّةَ وبَنُو المُغِيرَةِ فَأمّا بَنُو المُغِيرَةِ فَقَطَعَ اللَّهُ تُعْلى دابِرَهم يَوْمَ بَدْرٍ وأمّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إلى حِينٍ.

وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ.

وجاءَ في رِوايَةٍ كَما في جامِعِ الأُصُولِ هم واللَّهِ كُفّارُ قُرَيْشٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: هم جَبَلَةُ بْنُ الأيْهَمِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهُ مِنَ العَرَبِ فَلَحِقُوا بِالرُّومِ ولَعَلَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يُرِيدُ أنَّها نَزَلَتْ في جَبَلَةَ ومَن مَعَهُ لِأنَّ قِصَّتَهم كانَتْ في خِلافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إنَّما يُرِيدُ أنَّها تَخُصُّ مَن فَعَلَ فِعْلَ جَبَلَةَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿وأحَلُّوا﴾ أيِ أنْزَلُوا ﴿قَوْمَهُمْ﴾ بِدَعْوَتِهِمْ إيّاهم لِما هم فِيهِ مِنَ الضَّلالِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِحُلُولِهِمْ لِدَلالَةِ الإحْلالِ عَلَيْهِ إذْ هو فَرْعُ الحُلُولِ كَما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى في فِرْعَوْنَ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ .

﴿دارَ البَوارِ﴾ . (28) . أيِ الهَلاكَ مِن بارَ يَبُورُ بَوارًا وبُورًا قالَ الشّاعِرُ: .

فَلَمْ أرَ مِثْلَهم أبْطالَ حَرْبٍ غَداةَ الحَرْبِ إذْ خِيفَ البَوارُ

وأصْلُهُ كَما قالَ الرّاغِبُ فَرْطُ الكَسادِ ولَمّا كانَ فَرْطُ الكَسادِ يُؤَدِّي إلى الفَسادِ كَما قِيلَ كَسَدَ حَتّى فَسَدَ عُبِّرَ بِهِ عَنِ الهَلاكِ

14:29Page 259

جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ ٢٩

[It is] Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the settlement.

﴿جَهَنَّمَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلدّارِ وفي الإبْهامِ ثُمَّ البَيانِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّهْوِيلِ وأعْرَبَهُ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ بَدَلًا مِنها وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصْلَوْنَها﴾ أيْ يُقاسُونَ حَرَّها حالٌ مِنَ الدّارِ أوْ مِن ﴿جَهَنَّمَ﴾ أوْ مِن ﴿قَوْمَهُمْ﴾ أوِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الحُلُولِ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ ﴿جَهَنَّمَ﴾ مَنصُوبًا عَلى الِاشْتِغالِ أيْ يَصْلَوْنَ

صفحة 219

جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ فالمُرادُ بِالإحْلالِ حِينَئِذٍ تَعْرِيضُهم لِلْهَلاكِ بِالقَتْلِ والأسْرِ وأُيِّدَ بِما رَوى عَطاءٌ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَتْلى بَدْرٍ وبِقِراءَةِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ ( جَهَنَّمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ( جَهَنَّمُ ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ مُعَلِّلًا بِأنَّ النَّصْبَ عَلى الِاشْتِغالِ مَرْجُوحٌ مِن حَيْثُ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ما يُرَجِّحُهُ ولا ما لا يَجْعَلُهُ مُساوِيًا وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى النَّصْبِ ولَمْ يَكُونُوا لِيَقْرَؤُوا بِغَيْرِ الرّاجِحِ أوِ المُساوِي إذْ زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ بِالرَّفْعِ أرْجَحُ مِن زَيْدًا ضَرَبْتُهُ فَلِذَلِكَ كانَ ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ في تِلْكَ القِراءَةِ راجِحًا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ يُرَجِّحُ التَّفْسِيرَ السّابِقَ ﴿وبِئْسَ القَرارُ﴾ . (29) . عَلى حَذْفِ المَخْصُوصِ بِالذَّمِّ أيْ بِئْسَ القَرارُ هي أيْ جَهَنَّمُ أوْ بِئْسَ القَرارُ قَرارُهم فِيها وفِيهِ بَيانُ أنَّ حُلُولَهم وصَلْيَهم عَلى وجْهِ الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском