Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ibrahim 14:39–43
14:39Page 260
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٩
Praise to Allāh, who has granted to me in old age Ishmael and Isaac. Indeed, my Lord is the Hearer of supplication.
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ﴾ أيْ مَعَ كِبَرِ سِنِّي ويَأْسِي عَنِ الوَلَدِ فَعَلى بِمَعْنى مَعَ كَما في قَوْلِهِ: .
صفحة 242
إنِّي عَلى ما تَرِينَ مِن كِبَرِي أعْرِفُ مِن أيْنَ تُؤْكَلُ الكَتِفُ
والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ والتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ اسْتِعْظامًا لِلنِّعْمَةِ وإظْهارًا لِشُكْرِها وسَيَصِحُّ جَعْلُ ( عَلى ) بِمَعْناها الأصْلِيِّ والِاسْتِعْلاءُ مَجازِيٌّ كَما في البَحْرِ ومَعْنى اسْتِعْلائِهِ عَلى الكِبَرِ أنَّهُ وصَلَ غايَتَهُ فَكَأنَّهُ تَجاوَزَهُ وعَلا ظَهْرَهُ كَما يُقالُ: عَلى رَأْسِ السَّنَةِ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى وقالَ بَعْضُهم: لَوْ كانَتْ لِلِاسْتِعْلاءِ لَكانَ الأنْسَبُ جَعْلَ الكِبَرِ مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِمْ: عَلَيَّ دَيْنٌ وقَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ بَلِ الكِبَرُ أوْلى بِالِاسْتِعْلاءِ مِنهُما حَيْثُ يَظْهَرُ أثَرُهُ في الرَّأْسِ ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ نَعَمْ يُمْكِنُ أنْ تَجْرِيَ عَلى حَقِيقَتِها بِجَعْلِها مُتَعَلِّقَةً بِالتَّمَكُّنِ والِاسْتِمْرارِ أيْ مُتَمَكِّنًا مُسْتَمِرًّا عَلى الكِبَرِ وهو الأنْسَبُ لِإظْهارِ ما في الهَيْئَةِ مِنَ الآيَةِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ في أوَّلِ الكِبَرِ. اهَـ. وفِيهِ غَفْلَةٌ عَمّا ذَكَرْنا ﴿إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ وهَبَ لَهُ إسْماعِيلَ وهو ابْنُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ ووَهَبَ لَهُ إسْحاقَ وهو ابْنُ مِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وفي رِوايَةٍ أنَّهُ وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ لِأرْبَعٍ وسِتِّينَ وإسْحاقُ لِسَبْعِينَ وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ لَمْ يُولَدْ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا بَعْدَ مِائَةٍ وسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ﴿إنَّ رَبِّي﴾ ومالِكَ أمْرِي ﴿لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ . (39) أيْ لَمُجِيبُهُ فالسَّمْعُ بِمَعْنى القَبُولِ والإجابَةُ مَجازٌ كَما في سَمِعَ اللَّهُ تَعالى لِمَن حَمِدَهُ وقَوْلِهِمْ: سَمِعَ المَلِكُ كَلامَهُ إذا اعْتَدَّ بِهِ وقَبِلَهُ وهو فَعِيلٌ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ وأعْمَلَهُ سِيبَوَيْهِ وخالَفَ في ذَلِكَ جُمْهُورَ البَصْرِيِّينَ وخالَفَ الكُوفِيُّونَ فِيهِ وفي إعْمالِ سائِرِ أمْثِلَتِها وهو إذا قُلْنا بِجَوازِ عَمَلِهِ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ أنْ أُرِيدَ بِهِ المُسْتَقْبَلُ وقِيلَ: إنَّهُ غَيْرُ عامِلٍ لِأنَّهُ قَصَدَ بِهِ الماضِيَ أوِ الِاسْتِمْرارَ وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مُضافًا لِفاعِلِهِ المَجازِيِّ فالأصْلُ سَمِيعٌ دُعاؤُهُ بِجَعْلِ الدُّعاءِ نَفْسِهِ سامِعًا والمُرادُ أنَّ المَدْعُوَّ وهو اللَّهُ تَعالى سامِعٌ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِاسْتِلْزامِهِ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ وهو مُتَعَدٍّ ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا عِنْدَ الفارِسِيِّ حَيْثُ لا يَكُونُ لَبْسٌ نَحْوَ زَيْدٌ ظالِمٌ العَبِيدَ إذا عُلِمَ أنَّ لَهُ عَبِيدًا ظالِمِينَ وها هُنا فِيهِ إلْباسٌ لِظُهُورِ أنَّهُ مِن إضافَةِ المِثالِ لِلْمَفْعُولِ انْتَهى وهو كَلامٌ مَتِينٌ.
والقَوْلُ بِأنَّ اللَّبْسَ مُنْتَفٍ لِأنَّ المَعْنى عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ كَلامٌ واهٍ لِأنَّ المَجازَ خِلافُ الظّاهِرِ فاللَّبْسُ فِيهِ أشَدُّ ومِثْلُهُ القَوْلُ بِأنَّ عَدَمَ اللَّبْسِ إنَّما يُشْتَرَطُ في إضافَتِهِ إلى فاعِلِهِ عَلى القَطْعِ وهَذا كَما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن تَتِمَّةِ الحَمْدِ والشُّكْرِ لِما فِيهِ مِن وصْفِهِ تَعالى بِأنَّ قَبُولَ الدُّعاءِ عادَتُهُ سُبْحانَهُ المُسْتَمِرَّةُ تَعْلِيلٌ عَلى طَرِيقِ التَّذْيِيلِ لِلْهِبَةِ المَذْكُورَةِ وفِيهِ إيذانٌ بِتَضاعِيفِ النِّعْمَةِ فِيها حَيْثُ وقَعَتْ بَعْدَ الدُّعاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ فاقْتَرَنَتِ الهِبَةُ بِقَبُولِ الدَّعْوَةِ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ مَوْقِعَ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وتَذْيِيلَهُ مَوْقِعَ الِاعْتِراضِ بَيْنَ أدْعِيَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَكانِ تَأْكِيدًا لِلطَّلَبِ بِتَذْكِيرِ ما عُهِدَ مِنَ الإجابَةِ يَتَوَسَّلُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِسابِقِ نِعْمَتِهِ تَعالى في شَأْنِهِ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ دُعائِيَ في حَقِّ ذُرِّيَّتِي في هَذا المَقامِ فَإنَّكَ لَمْ تَزَلْ سَمِيعَ الدُّعاءِ وقَدْ دَعَوْتُكَ عَلى الكِبَرِ أنْ تَهَبَ لِي ولَدًا فَأجَبْتَ دُعائِيَ وهَبْتَ لِي إسْماعِيلَ وإسْحاقَ ولا يَخْفى أنَّ إسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مَوْلُودًا عِنْدَ دُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ السّابِقِ فالوَجْهُ أنْ لا يُجْعَلَ ذَلِكَ اعْتِراضًا بَلْ يُحْمَلُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى جُمَلًا مِمّا قالَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في أحايِينَ مُخْتَلِفَةٍ تَشْتَرِكُ كُلُّها فِيما سِيقَ لَهُ الكَلامُ مِن كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ وطَلَبِ ذَلِكَ لِذُرِّيَّتِهِ وأنَّ ولَدَهُ الحَقِيقِيَّ مَن تَبِعَهُ عَلى ذَلِكَ فَتَرَكَ العِنادَ والكُفْرَ وقَدْ ذَكَرَ هَذا صاحِبُ الكَشْفِ.
ومِمّا يُعَضِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ .. إلَخْ:
14:40Page 260
رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ ٤٠
My Lord, make me an establisher of prayer, and [many] from my descendants. Our Lord, and accept my supplication.
قالَ هَذا بَعْدَ ذَلِكَ بِحِينٍ ووَحَّدَ عَلَيْهِ السَّلامُ الضَّمِيرَ في ﴿رَبِّ﴾
صفحة 243
وإنْ كانَ عَقِيبَ ذِكْرِ الوَلَدَيْنِ لِما أنَّ نِعْمَةَ الهِبَةِ فائِضَةٌ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ خاصَّةً وهُما مِنَ النِّعَمِ لا مِنَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ مُعَدِّلًا لَها فَهو مَجازٌ مِن أقَمْتُ العُودَ إذا قَوَّمْتُهُ وأرادَ بِهَذا الدُّعاءِ الدَّيْمُومَةَ عَلى ذَلِكَ وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ المَعْنى مُواظِبًا عَلَيْها وبَعْضُ عُظَماءِ العُلَماءِ أخَذَ الأمْرَيْنِ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ عَلى أنَّ الثّانِيَ قَيْدٌ لِلْأوَّلِ مَأْخُوذٌ مِن صِيغَةِ الِاسْمِ والعُدُولُ عَنِ الفِعْلِ كَما أنَّ الأوَّلَ مَأْخُوذٌ مِن مَوْضُوعِهِ عَلى ما قِيلَ فَلا يَلْزَمُ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ في مَعْنَيَيْنِ مَجازِيَّيْنِ وتَوْحِيدُ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مَعَ شُمُولِ دَعْوَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِذُرِّيَّتِهِ أيْضًا حَيْثُ قالَ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ المُقْتَدى في ذَلِكَ وذُرِّيَّتُهُ أتْباعٌ لَهُ فَإنَّ ذِكْرَهم بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ ومِن لِلتَّبْعِيضِ والعَطْفُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ عَلى مَفْعُولِ اجْعَلِ الأوَّلِ أيْ ومِن ذُرِّيَّتِي مُقِيمُ الصَّلاةِ.
وفِي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ في الحَقِيقَةِ صِفَةٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلى ذَلِكَ أيْ وبَعْضًا مِن ذُرِّيَّتِي ولَوْلا هَذا التَّقْدِيرُ كانَ رَكِيكًا وإنَّما خَصَّ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الدُّعاءَ بِبَعْضِ ذُرِّيَّتِهِ لِعِلْمِهِ مِن جِهَتِهِ تَعالى أنَّ بَعْضًا مِنهم لا يَكُونُ مُقِيمَ الصَّلاةِ بِأنْ يَكُونَ كافِرًا أوْ مُؤْمِنًا لا يُصَلِّي وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلِمَ مِنَ اسْتِقْرائِهِ عادَةَ اللَّهِ تَعالى في الأُمَمِ الماضِيَةِ أنْ يَكُونَ في ذُرِّيَّتِهِ مِن لا يُقِيمُها وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ .
﴿رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ . (40) ظاهِرُهُ دُعائِيَ هَذا المُتَعَلِّقَ بِجَعْلِي وجَعْلِ بَعْضِ ذُرِّيَّتِي مُقِيمِي الصَّلاةِ ولِذَلِكَ جِيءَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ وقِيلَ: الدُّعاءُ بِمَعْنى العِبادَةِ أيْ تَقَبَّلْ عِبادَتِيَ وتُعُقِّبَ بِأنَّ الأنْسَبَ أنْ يُقالَ فِيهِ دُعاءَنا حِينَئِذٍ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ ( دُعائِي ) بِياءٍ ساكِنَةٍ في الوَصْلِ وفي رِوايَةِ البَزِّيِّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ يَصِلُ ويَقِفُ بِياءِ.
وقالَ قُنْبُلٌ: إنَّهُ يُشِمُّ الياءَ في الوَصْلِ ولا يُثْبِتُها ويَقِفُ عَلَيْها بِالألِفِ
14:41Page 260
رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ ٤١
Our Lord, forgive me and my parents and the believers the Day the account is established."
﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي﴾ أيْ ما فَرَطَ مِنِّي مِمّا أعُدُّهُ ذَنْبًا ﴿ولِوالِدَيَّ﴾ أيْ لِأُمِّي وأبِي وكانَتْ أُمُّهُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مُؤْمِنَةً فَلا إشْكالَ في الِاسْتِغْفارِ لَها وأمّا اسْتِغْفارُهُ لِأبِيهِ فَقَدْ قِيلَ في الِاعْتِذارِ عَنْهُ إنَّهُ كانَ قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ واللَّهُ تَعالى قَدْ حَكى ما قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في أحايِينَ مُخْتَلِفَةٍ وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَوى شَرْطِيَّةَ الإسْلامِ والتَّوْبَةَ وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الخازِنِ وقِيلَ: أرادَ بِوالِدِهِ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: أرادَ بِوالِدِهِ آدَمَ وبِوالِدَتِهِ حَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ مَن قالَ بِكُفْرِ أُمِّهِ والوَجْهُ ما تَقَدَّمَ.
وقالَتِ الشِّيعَةُ: إنَّ والِدَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانا مُؤْمِنَيْنِ ولِذا دَعا لَهُما وأمّا الكافِرُ فَأبُوهُ والمُرادُ بِهِ عَمُّهُ أوْ جَدُّهُ لِأُمِّهِ واسْتَدَلُّوا عَلى إيمانِ أبَوَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ ولَمْ يَرْضَوْا ما قِيلَ فِيها حَتّى القَوْلَ الأوَّلَ بِناءً عَلى زَعْمِهِمْ أنَّ هَذا الدُّعاءَ كانَ بَعْدَ الكِبَرِ وهْبَةِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ عَلَيْهِما السَّلامُ لَهُ وقَدْ كانَ تَبَيَّنَ لَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَداوَةُ أبِيهِ الكافِرِ لِلَّهِ تَعالى.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدٌ وزَيْدٌ ابْنا عَلِيٍّ وابْنُ يَعْمُرَ والزُّهْرِيُّ والنَّخَعِيُّ ( ولِوَلَدَيَّ ) بِغَيْرِ ألِفٍ وبِفَتْحِ اللّامِ تَثْنِيَةَ ولَدٍ يَعْنِي بِهِما إسْماعِيلَ وإسْحاقَ وأنْكَرَ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ ونَقَلَ أنَّ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( ولِأبَوَيَّ ) وفي بَعْضِ المَصاحِفِ ( ولِذُرِّيَّتِي ) وعَنْ يَحْيى بْنِ يَعْمُرَ ( ولِوُلْدِي ) بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ ولَدٍ كَأسَدٍ في أُسْدٍ ويَكُونُ قَدْ دَعا عَلَيْهِ السَّلامُ لِذُرِّيَّتِهِ وأنْ
صفحة 244
يَكُونَ لُغَةً في الوَلَدِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: .
فَلَيْتَ زِيادًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ولَيْتَ زِيادًا كانَ وُلْدَ حِمارِ
ومِثْلُ ذَلِكَ العَدَمُ والعُدْمُ وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ ( ولِوالِدِي ) بِإسْكانِ الياءِ عَلى الإفْرادِ كَقَوْلِهِ: واغْفِرْ لِأبِي ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ كافَّةً مِن ذُرِّيَّتِهِ وغَيْرِهِمْ ومِن هُنا قالَ الشَّعْبِيُّ فِيما رَواهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: ما يَسُرُّنِي بِنَصِيبِي مِن دَعْوَةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ حُمْرُ النِّعَمِ ولِلْإيذانِ بِاشْتِراكِ الكُلِّ في الدُّعاءِ بِالمَغْفِرَةِ جِيءَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ . (41) أيْ يَثْبُتُ ويَتَحَقَّقُ واسْتِعْمالُ القِيامِ فِيما ذُكِرَ إمّا مَجازٌ مُرْسَلٌ أوِ اسْتِعارَةٌ ومِن ذَلِكَ قامَتِ الحَرْبُ والسُّوقُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَدْ شَبَّهَ الحِسابَ بِرَجُلٍ قائِمٍ عَلى الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ وأثْبَتَ لَهُ القِيامَ عَلى التَّخْيِيلِ وأنْ يَكُونَ المُرادُ يَقُومُ أهْلُ الحِسابِ فَحُذِفَ المُضافُ أوْ أُسْنِدَ إلى الحِسابِ ما لِأهْلِهِ مَجازًا وجَعَلَ ذَلِكَ العَلّامَةُ الثّانِي في شَرْحِ التَّلْخِيصِ مِثْلَ ضَرْبِهِ التَّأْدِيبَ مِمّا فِيهِ الإسْنادُ إلى السَّبَبِ الغائِيِّ أيْ يَقُومُ أهْلُهُ لِأجْلِهِ وذَكَرَ السّالَكُوتِيُّ أنَّهُ إنَّما قالَ مِثْلَهُ لِأنَّ الحِسابَ لَيْسَ ما لِأجْلِهِ القِيامُ حَقِيقَةً لَكِنَّهُ شَبِيهٌ بِهِ تَرَتُّبُهُ عَلَيْهِ وفِيهِ بَحْثٌ.
14:42Page 260
وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعۡمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمۡ لِيَوۡمٖ تَشۡخَصُ فِيهِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ ٤٢
And never think that Allāh is unaware of what the wrongdoers do. He only delays them [i.e., their account] for a Day when eyes will stare [in horror].
﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ خِطابٌ لِكُلِّ مَن تَوَهَّمَ غَفْلَتَهُ تَعالى وقِيلَ: لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما هو المُتَبادَرُ والمُرادُ مِنَ النَّهْيِ تَثْبِيتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن عَدَمِ ظَنِّ أنَّ الغَفْلَةَ تَصْدُرُ مِنهُ عَزَّ شَأْنُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ .
﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ دُمْ عَلى ذَلِكَ وهو مَجازٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا﴾ وفِيهِ إيذانٌ بِكَوْنِ ذَلِكَ الحُسْبانِ واجِبَ الِاحْتِرازِ عَنْهُ في الغايَةِ حَتّى نَهى عَنْهُ مَن لا يُمْكِنُ تَعاطِيهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ أوِ المَجازِ بِمَرْتَبَتَيْنِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ والمَعْنى لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ تَعالى يَتْرُكُ عِقابَهم لِلُطْفِهِ وكَرَمِهِ بَلْ هو مُعاقِبُهم عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً أيْ لا تَحْسَبَنَّهُ تَعالى يُعامِلُهم مُعامَلَةَ الغافِلِ عَمّا يَعْمَلُونَ ولَكِنْ مُعامَلَةَ الرَّقِيبِ المُحاسِبِ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ وإلى هَذِهِ الأوْجُهِ أشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ وتُعُقِّبَ الوَجْهُ الأوَّلُ بِأنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِمَقامِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يُتَوَهَّمُ مِنهُ عَدَمُ الدَّوامِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن عَدَمِ الحُسْبانِ لِيَثْبُتَ وفِيهِ نَظَرٌ.
وفِي الكَشْفِ الوَجْهُ هو الأوَّلُ لِأنَّ في إطْلاقِ الغافِلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وإنْ كانَ عَلى المَجازِ رَكَّةٌ يُصانُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى عَنْها وفي الكِنايَةِ النَّظَرُ إلى المَجْمُوعِ فَلَمْ يَجْسُرِ العاقِلُ عَلَيْهِ تَعالى عَنْهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ مَجازًا في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ بِجَعْلِ عَدَمِ الغَفْلَةِ مَجازًا عَنِ العِلْمِ ثُمَّ جَعَلَهُ مَجازًا عَنِ الوَعِيدِ غَيْرَ سَدِيدٍ لِعَدَمِ مُنافاةِ إرادَةِ الحَقِيقَةِ.
والأسْلَمُ مِنَ القِيلِ والقالِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا مِن كَوْنِ الخِطابِ لِكُلِّ مَن تَوَهَّمَ غَفْلَتَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِغَيْرٍ مُعَيَّنٍ وهو الَّذِي اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ وعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أنَّ هَذا تَسْلِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ وتَهْدِيدٌ لِلظّالِمِ فَقِيلَ لَهُ: مَن قالَ هَذا فَغَضِبَ وقالَ: إنَّما قالَهُ مَن عَلِمَهُ وقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ في الكَشّافِ فاسْتَظْهَرَ صاحِبُ الكَشْفِ كَوْنَهُ تَأْيِيدًا لِكَوْنِ الخِطابِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جارِيًا عَلى الأوْجُهِ إذْ عَلى تَقْدِيرِ اخْتِصاصِ الخِطابِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْضًا لا يَخْلُو عَنِ التَّسْلِيَةِ لِلطّائِفَتَيْنِ فَتَأمَّلْ والمُرادُ بِالظّالِمِينَ أهْلُ مَكَّةَ الَّذِينَ عُدَّتْ مُساوِيهِمْ فِيما سَبَقَ
صفحة 245
أوْ جِنْسُ الظّالِمِينَ وهم داخِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا والآيَةُ عَلى ما قالَ الطَّيِّبِيُّ مَرْدُودَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا ..﴾ ﴿وقُلْ لِعِبادِي﴾ واخْتارَ جَعْلَها تَسْلِيَةً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَهْدِيدًا لِلظّالِمِينَ عَلى سَبِيلِ العُمُومِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ ( ولا تَحْسَبْ ) بِغَيْرِ نُونِ التَّوْكِيدِ ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ يُمْهِلُهم مُتَمَتِّعِينَ بِالحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ ولا يُعَجِّلُ عُقُوبَتَهم وهو اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ السّابِقِ أيْ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ تَعالى غافِلًا عَنْ عُقُوبَةِ أعْمالِهِمْ لِما تَرى مِنَ التَّأْخِيرِ إنَّما ذَلِكَ لِأجْلِ هَذِهِ الحِكْمَةِ وإيقاعِ التَّأْخِيرِ عَلَيْهِمْ مَعَ أنَّ المُؤَخَّرَ إنَّما هو عَذابُهم قِيلَ: لِتَهْوِيلِ الخَطْبِ وتَفْظِيعِ الحالِ بِيَيانِ أنَّهم مُتَوَجِّهُونَ إلى العَذابِ مُرْصَدُونَ لِأمْرِ ما لا أنَّهم باقُونَ بِاخْتِيارِهِمْ ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حَقَّهم مِنَ العَذابِ هو الِاسْتِئْصالُ بِالمَرَّةِ وأنْ لا يَبْقى مِنهم في الوُجُودِ عَيْنٌ ولا أثَرٌ ولِلْإيذانِ بِأنَّ المُؤَخَّرَ لَيْسَ مِن جُمْلَةِ العَذابِ وعُنْوانِهِ ولَوْ قِيلَ: إنَّما يُؤَخِّرُ عَذابَهم لَما فُهِمَ ذَلِكَ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ والأعْرَجُ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ ويُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو وغَيْرِهِمْ ( نُؤَخِّرُهم ) بِنُونِ العَظَمَةِ وفِيهِ التِفاتٌ ﴿لِيَوْمٍ﴾ هائِلٍ ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ . (42) أيْ تَرْتَفِعُ أبْصارُ أهْلِ المَوْقِفِ فَيَدْخُلُ في زُمْرَتِهِمُ الظّالِمُونَ المَعْهُودُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا أيْ تَبْقى مَفْتُوحَةً لا تَطْرَفُ كَما قالَ الرّاغِبُ مِن هَوْلِ ما يَرَوْنَهُ وفي البَحْرِ شَخَصَ البَصَرُ أحَدَّ النَّظَرَ ولَمْ يَسْتَقِرَّ مَكانُهُ والظّاهِرُ أنَّ اعْتِبارَ عَدَمِ الِاسْتِقْرارِ لِجَعْلِ الصِّيغَةِ مِن شَخَصَ الرَّجُلُ مِن بَلَدِهِ إذا خَرَجَ مِنها فَإنَّهُ يَلْزَمُهُ عَدَمُ القَرارِ فِيها أوْ مِن شَخَصَ بِفُلانٍ إذا ورَدَ عَلَيْهِ ما يُقْلِقُهُ كَما في الأساسِ.
وحَمَلَ بَعْضُهُمُ الألِفَ واللّامَ عَلى العَهْدِ أيْ أبْصارُهم لِأنَّهُ المُناسِبُ لِما بَعْدَهُ والظّاهِرُ مِمّا رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: شَخَصَتْ فِيهِ واللَّهُ أبْصارُهم فَلا تَرْتَدُّ إلَيْهِمْ واخْتارَ بَعْضُهم حَمْلَ ألْ عَلى العُمُومِ قالَ: لِأنَّهُ أبْلَغُ في التَّهْوِيلِ ولا يَلْزَمُ عَلَيْهِ التَّكْرِيرُ مَعَ بَعْضِ الصِّفاتِ الآتِيَةِ وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما قِيلَ فِيهِ
14:43Page 261
مُهۡطِعِينَ مُقۡنِعِي رُءُوسِهِمۡ لَا يَرۡتَدُّ إِلَيۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَآءٞ ٤٣
Racing ahead, their heads raised up, their glance does not come back to them,1 and their hearts are void.
﴿مُهْطِعِينَ﴾ مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ وقَيَّدَهُ في البَحْرِ بِقَوْلِهِ: بِذِلَّةٍ واسْتِكانَةٍ كَإسْراعِ الأسِيرِ والخائِفِ وقالَ الأخْفَشُ: مُقْبِلِينَ لِلْإصْغاءِ وأنْشَدَ: .
بِدِجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ
وقالَ مُجاهِدٌ: مُدِيمِينَ النَّظَرَ لا يَطْرَفُونَ وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: المُهْطِعُ الَّذِي يَنْظُرُ في ذُلٍّ وخُشُوعٍ لا يُقْلِعُ بَصَرَهُ ورَوى ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ الإهْطاعَ التَّجْمِيحُ وهو قَبْضُ الرَّجُلِ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ وقِيلَ: إنَّ الإهْطاعَ مَدُّ العُنُقِ والهَطْعُ طُولُ العُنُقِ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ أهْطَعَ وهَطَعَ بِمَعْنًى وإنَّ كُلَّ المَعانِي تَدُورُ عَلى الإقْبالِ ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ رافِعِيها مَعَ الإقْبالِ بِأبْصارِهِمْ إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلى شَيْءٍ قالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ والقُتَيْبِيُّ.
وأنْشَدَ الزَّجّاجُ قَوْلَ الشَّمّاخِ يَصِفُ إبِلًا تَرْعى أعَلى الشَّجَرِ: .
يُباكِرُنَّ العَضاةَ بِمُقْنِعاتٍ ∗∗∗ نَواجِذَهُنَّ كالحَدِّ الوَقِيعِ
وأنْشَدَهُ الجَوْهَرِيُّ لِكَوْنِ الإقْناعِ انْعِطافَ الإنْسانِ إلى داخِلِ الفَمِ يُقالُ: فَمٌ مُقْنِعٌ أيْ مَعْطُوفَةٌ أسْنانُهُ إلى داخِلِهِ وهو الظّاهِرُ وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما المُقْنِعُ بِالرّافِعِ رَأسَهُ أيْضًا وأنْشَدَ لَهُ قَوْلَ زُهَيْرٍ: .
هِجانٌ وحُمْرٌ مُقْنِعاتٌ رُؤُوسَها ∗∗∗ وأصْفَرُ مَشْمُولٌ مِنَ الزَّهْرِ فاقِعُ
صفحة 246
ويُقالُ: أقْنَعَ رَأْسَهُ نَكَّسَهُ وطَأْطَأهُ فَهو مِنَ الأضْدادِ قالَ المُبَرِّدُ وكَوْنُهُ بِمَعْنى رَفَعَ أعْرَفَ في اللُّغَةِ. اهَـ. وقِيلَ: ومِنَ المَعْنى الأوَّلِ قَنِعَ الرَّجُلُ إذا رَضِيَ بِما هو فِيهِ كَأنَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السُّؤالِ: وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ مِنَ الثّانِي كَأنَّهُ طَأْطَأ رَأْسَهُ ولَمْ يَرْفَعْهُ لِلسُّؤالِ ولَمْ يَسْتَشْرِفْ إلى غَيْرِ ما عِنْدَهُ ونَصَبَ الوَصْفَيْنِ عَلى أنَّهُما حالانِ مِن مُضافٍ مَحْذُوفٍ أيْ أصْحابُ الأبْصارِ بِناءً عَلى أنَّهُ يُقالُ: شَخَصَ زَيْدٌ بِبَصَرِهِ أوِ الأبْصارُ تَدُلُّ عَلى أصْحابِها فَجاءَتِ الحال مِنَ المَدْلُولِ عَلَيْهِ ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ تُبْصِرُهم مُهْطِعِينَ و﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ عَلى هَذا قِيلَ: حالٌ مِنَ المُسْتَتِرِ في ﴿مُهْطِعِينَ﴾ فَهي حالٌ مُتَداخِلَةٌ وإضافَتُهُ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ فَلِذا وقَعَ حالًا وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: إنَّ في اعْتِبارِ الحالِيَّةِ مِن أصْحابٍ حَسْبَما ذُكِرَ أوَّلًا ما لا يَخْفى مِنَ البُعْدِ والتَّكَلُّفِ والأوْلى واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ جَعَلَ ذَلِكَ حالًا مُقَدَّرَةً مِن مَفْعُولِ ﴿يُؤَخِّرُهُمْ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ بَيانُ حالِ عُمُومِ الخَلائِقِ ولِذَلِكَ أُوثِرَ فِيهِ الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ فَإنَّ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ لا يَسْتَمِرُّونَ عَلى تِلْكَ الحالِ بِخِلافِ الكُفّارِ حَيْثُ يَسْتَمِرُّونَ عَلَيْها ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ حالِهِمْ بِما يَدُلُّ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ فَلا يَرِدُ عَلى هَذا تَوَهُّمُ التَّكْرارِ بَيْنَ ﴿مُهْطِعِينَ﴾ و﴿تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ عَلى بَعْضِ التَّفاسِيرِ وبِنَحْوِ ذَلِكَ رُفِعَ التَّكْرارُ بَيْنَ الأوَّلِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ بِمَعْنى لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ تَحْرِيكُ أجْفانِهِمْ حَسْبَما كانَ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ كُلَّ لَحْظَةٍ فالطَّرْفُ باقٍ عَلى أصْلِ مَعْناهُ وهو تَحْرِيكُ الجَفْنِ والكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ بَقاءِ العَيْنِ مَفْتُوحَةً عَلى حالِها وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالطَّرَفِ نَفْسُ الجَفْنِ مَجازًا لِأنَّهُ يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ أيْ لا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ أجْفانُهُمُ الَّتِي يَكُونُ فِيها الطَّرْفُ وقالَ الجَوْهَرِيُّ: الطَّرْفُ العَيْنُ ولا يُجْمَعُ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ فَيَكُونُ واحِدًا ويَكُونُ جَمْعًا وذَكَرَ الآيَةَ وفَسَّرَهُ بِذَلِكَ أبُو حَيّانَ أيْضًا وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: .
وأغُضُّ طَرْفِي ما بَدَتْ لِي جارَتِي ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي مَأْواها
ولَيْسَ ما ذَكَرَ مُتَعَيَّنًا فِيهِ وهو مَعْنًى مَجازِيٌّ لَهُ وكَذا النَّظَرُ وجُوِّزَ إرادَتُهُ عَلى مَعْنى لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ نَظَرُهم لِيَنْظُرُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَضْلًا عَنْ شَيْءٍ آخَرَ بَلْ يَبْقَوْنَ مَبْهُوتِينَ ولا يَنْبَغِي كَما في الكَشْفِ أنْ يَتَخَيَّلَ تَعَلُّقَ إلَيْهِمْ بِما بَعْدَهُ عَلى مَعْنى لا يَرْجِعُ نَظَرُهم إلى أنْفُسِهِمْ أيْ لا يَكُونُ مِنهم نَظَرٌ كَذَلِكَ لِأنَّ صِلَةَ المَصْدَرِ لا تَتَقَدَّمُ والمَسْألَةُ في مِثْلِ ما نَحْنُ فِيهِ خِلافِيَّةٌ ودَعْوى عَدَمِ الجَمْعِ ادَّعاها جَمْعٌ وادَّعى أبُو البَقاءِ أنَّهُ قَدْ جاءَ مَجْمُوعًا هَذا وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ لُزُومَ التَّكْرارِ بَيْنَ ﴿مُهْطِعِينَ﴾ و﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ عَلى بَعْضِ التَّفاسِيرِ مُتَحَقِّقٌ ولا يَدْفَعُهُ اعْتِبارُ الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ﴿يُؤَخِّرُهُمْ﴾ عَلى أنَّ بِذَلِكَ لا يَنْدَفِعُ عَرَقُ التَّكْرارِ رَأْسًا بَيْنَ ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ وكُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن صَحَّتْ عَيْنُ بَصِيرَتِهِ وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ جُمْلَةَ ﴿لا يَرْتَدُّ﴾ .. إلَخْ حالٌ أوْ بَدَلٌ مِن ﴿مُقْنِعِي﴾ .. إلَخْ أوِ اسْتِئْنافٌ والمَعْنى لا يَزُولُ ما اعْتَراهم مِن شُخُوصِ الأبْصارِ وتَأْخِيرِهِ عَمّا هو مِن تَتِمَّتِهِ مِنَ الإهْطاعِ والإقْناعِ مَعَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ الشُّخُوصِ المَذْكُورِ مِنَ المُناسَبَةِ لِتَرْبِيَةِ هَذا المَعْنى وكَأنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ دَفْعَ التَّكْرارِ وفي انْفِهامِ لا يَزُولُ إلَخْ مِن ظاهِرِ التَّرْكِيبِ خَفاءٌ واعْتَبَرَ بَعْضُهم عَدَمَ الِاسْتِقْرارِ في الشُّخُوصِ وعَدَمِ الطَّرْفِ هُنا فاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِلُزُومِ المُنافاةِ وأُجِيبَ بِأنَّ الثّانِيَ بَيانُ حالٍ آخَرَ وإنَّ أُولَئِكَ الظّالِمِينَ تارَةً لا تَقَرُّ أعْيُنُهم وتارَةً لا يُبْهَتُونَ فَلا تَطْرَفُ أبْصارُهم وقَدْ جَعَلَ الحالَتانِ المُتَنافِيَتانِ لِعَدَمِ الفاصِلِ كَأنَّهُما في حالٍ واحِدٍ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
صفحة 247
مُكِرٍّ مُفِرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا ∗∗∗ كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِن عَلٍ
وهَذا يَحْتاجُ إلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ اعْتِبارِ ما ذُكِرَ سَواءً اعْتُبِرَ كَوْنُ الشَّخْصِ وما بَعْدَهُ مِن أحْوالِ الظّالِمِينَ بِخُصُوصِهِمْ أمْ لا والأوْلى أنْ لا يُعْتَبَرَ في الآيَةِ ما يُحْوِجُ لِهَذا الجَوابِ وأنْ يَخْتارَ مِنَ التَّفاسِيرِ ما لا يَلْزَمُهُ صَرِيحُ التَّكْرارِ وأنْ يَجْعَلَ شُخُوصَ الأبْصارِ حالَ عُمُومِ الخَلائِقِ وما بَعْدَهُ حالَ الظّالِمِينَ المُؤَخَّرِينَ فَتَأمَّلْ.
﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ . (43) أيْ خالِيَةٌ مِنَ العَقْلِ والفَهْمِ لِفَرْطِ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ ومِنهُ قِيلَ لِلْجَبانِ والأحْمَقِ: قَلْبُهُ هَواءٌ أيْ لا قُوَّةَ ولا رَأْيَ فِيهِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ زُهَيْرٍ: .
كَأنَّ الرَّحْلَ مِنها فَوْقَ صَعْلٍ ∗∗∗ مِنَ الظُّلْمانِ جُؤْجُؤُهُ هَواءُ
وقَوْلُ حَسّانَ: .
ألا بَلِّغْ أبا سُفْيانَ عَنِّي ∗∗∗ فَأنْتَ مُجَوَّفُ نَخْبٍ هَواءُ
ورُوِيَ مَعْنى ذَلِكَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ وسُفْيانَ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: صِفْرٌ مِنَ الخَيْرِ خالِيَةٌ مِنهُ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ المَقامَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: أيْ تَمُورُ في أجْوافِهِمْ إلى حُلُوقِهِمْ لَيْسَ لَها مَكانٌ تَسْتَقِرُّ فِيهِ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا والعامِلُ فِيها إمّا يَرْتَدُّ أوْ ما قَبْلَهُ مِنَ العَوامِلِ الصّالِحَةِ لِلْعَمَلِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ أبُو البَقاءِ وفَسَّرَ ﴿هَواءٌ﴾ بِفارِغَةٍ وذَكَرَ أنَّهُ إنَّما أُفْرِدَ مَعَ كَوْنِهِ خَبَرًا لِجَمْعٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى فارِغَةٍ وهو يَكُونُ خَبَرًا عَنْ جَمْعٍ كَما يُقالُ: أفْئِدَةٌ فارِغَةٌ لِأنَّ تاءَ التَّأْنِيثِ فِيهِ يَدُلُّ عَلى تَأْنِيثِ الجَمْعِ الَّذِي في أفْئِدَتِهِمْ ومِثْلُ ذَلِكَ أحْوالٌ صَعْبَةٌ وأفْعالٌ فاسِدَةٌ وقالَ مَوْلانا الشِّهابُ: الهَواءُ مَصْدَرٌ ولِذا أُفْرِدَ وتَفْسِيرُهُ بِاسْمِ الفاعِلِ كالخالِي بَيانٌ لِلْمَعْنى المُرادِ مِنهُ المُصَحِّحِ لِلْحَمْلِ فَلا يُنافِي المُبالَغَةَ في جَعْلِ ذَلِكَ عَيْنَ الخَلاءِ والمُتَبادَرُ مِن كَلامِ غَيْرِ واحِدٍ أنَّ الهَواءَ لَيْسَ بِمَعْنى الخَلاءِ بَلْ بِالمَعْنى الَّذِي يَهُبُّ عَلى الذِّهْنِ مِن غَيْرِ إعْمالِ مِرْوَحَةِ الفِكْرِ فَفي البَحْرِ بَعْدَ سَرْدِ أقْوالٍ لا يَقْضِي ظاهِرُها بِالمَصْدَرِيَّةِ أنَّ الكَلامَ تَشْبِيهٌ مَحْضٌ لِأنَّ الأفْئِدَةَ لَيْسَتْ بِهَواءٍ حَقِيقَةً ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ في فَراغِها مِنَ الرَّجاءِ والطَّمَعِ في الرَّحْمَةِ وأنْ يَكُونَ في اضْطِرابِ أفْئِدَتِهِمْ وجَيَشانِها في الصُّدُورِ وأنَّها تَجِيءُ وتَذْهَبُ وتَبْلُغُ الحَناجِرَ وهَذا في مَعْنى ما رُوِيَ آنِفًا عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وذَكَرَ في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ الكَلامَ عَلى التَّشْبِيهِ أيْضًا حَيْثُ قالَ بَعْدَ تَفْسِيرِ ذَلِكَ بِما ذَكَرْنا أوَّلًا: كَأنَّها نَفْسُ الهَواءِ الخالِي عَنْ كُلِّ شاغِلٍ هَذا ثُمَّ إنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في وقْتِ حُدُوثِ تِلْكَ الأحْوالِ فَقِيلَ عِنْدَ المُحاسَبَةِ بِدَلِيلِ ذِكْرِها عَقِيبَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ وقِيلَ: عِنْدَ إجابَةِ الدّاعِي والقِيامِ مِنَ القُبُورِ وقِيلَ عِنْدَ ذَهابِ السُّعَداءِ إلى الجَنَّةِ والأشْقِياءِ إلى النّارِ فَتَذَكَّرْ ولا تَغْفُلْ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences