Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ibrahim 14:44–47
14:44Page 261
وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوۡمَ يَأۡتِيهِمُ ٱلۡعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَآ أَخِّرۡنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ نُّجِبۡ دَعۡوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَۗ أَوَلَمۡ تَكُونُوٓاْ أَقۡسَمۡتُم مِّن قَبۡلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٖ ٤٤
And, [O Muḥammad], warn the people of a Day when the punishment will come to them and those who did wrong will say, "Our Lord, delay us for a short term; we will answer Your call and follow the messengers." [But it will be said], "Had you not sworn, before, that for you there would be no cessation?1
﴿وأنْذِرِ النّاسَ﴾ خِطابٌ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ إعْلامِهِ أنَّ تَأْخِيرَ عَذابِهِمْ لِماذا وأمْرٌ لَهُ بِإنْذارِهِمْ وتَخْوِيفِهِمْ مِنهُ فالمُرادُ بِالنّاسِ الكُفّارُ المُعَبَّرُ عَنْهم بِالظّالِمِينَ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ إتْيانِ العَذابِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ.
ونُكْتَةُ العُدُولِ إلَيْهِ مَنِ الإضْمارِ عَلى ما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ الإشْعارُ بِأنَّ المُرادَ بِالإنْذارِ هو الزَّجْرُ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ لا التَّخْوِيفُ لِلْإزْعاجِ والإيذاءِ فالمُناسِبُ عَدَمُ ذِكْرِهِمْ بِعُنْوانِ الظُّلْمِ وقالَ الجُبّائِيُّ: وأبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِالنّاسِ ما يَشْمَلُ أُولَئِكَ الظّالِمِينَ وغَيْرَهم مِنَ المُكَلَّفِينَ والإنْذارُ كَما يَكُونُ لِلْكُفّارِ يَكُونُ لِغَيْرِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ والإتْيانُ يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ مِن كَوْنِهِما في المَوْقِفِ وإنْ كانَ
صفحة 248
لُحُوقُهُ بِالكُفّارِ وخاصَّةً وأيًّا ما كانَ فالنّاسُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِأنْذِرْ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ مَفْعُولُهُ الثّانِي عَلى مَعْنى أنْذِرْهم هَوْلُهُ وما فِيهِ فالإيقاعُ عَلَيْهِ مَجازِيٌّ أوْ هو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْإنْذارِ لِأنَّهُ في الدُّنْيا والمُرادُ بِهَذا اليَوْمِ اليَوْمُ المَعْهُودُ وهو اليَوْمُ الَّذِي وُصِفَ بِما يُذْهِلُ الألْبابَ وهو يَوْمُ القِيامَةِ وقِيلَ: هو يَوْمُ مَوْتِهِمْ مُعَذَّبِينَ بِالسَّكَراتِ ولِقاءِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِلا بُشْرى ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ أوْ يَوْمَ هَلاكِهِمْ بِالعَذابِ العاجِلِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ القَصْرُ السّابِقُ وأُجِيبَ بِما فِيهِ ما فِيهِ.
﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ فَيَقُولُونَ والعُدُولُ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ والإشْعارِ بِعِلِّيَتِهِ لِما يَنالُهم مِنَ الشِّدَّةِ المُنْبِئِ عَنْها القَوْلُ وفي العُدُولِ عَنِ الظّالِمِينَ المُتَكَفِّلِ بِما ذُكِرَ مَعَ اخْتِصارِهِ وسَبْقِ الوَصْفِ بِهِ لِلْإيذانِ عَلى ما قِيلَ بِأنَّ الظُّلْمَ في الجُمْلَةِ كافٍ في الإفْضاءِ إلى ما أفْضَوْا إلَيْهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى الِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ صِيغَةُ اسْمِ الفاعِلِ والمَعْنى عَلى ما قالَ الجُبّائِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ الَّذِينَ ظُلِمُوا مِنهم وهُمُ الكُفّارُ وقِيلَ: يَقُولُ كُلُّ مَن ظَلَمَ بِالشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ مِنَ المُنْذَرِينَ وغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ: ﴿رَبَّنا أخِّرْنا﴾ أيْ عَنِ العَذابِ أوْ أخِّرْ عَذابَنا فَفي الكَلامِ تَقْدِيرُ مُضافٍ أوْ تَجُوُّزٌ في النِّسْبَةِ قالَ الضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ: إنَّهم طَلَبُوا الرَّدَّ إلى الدُّنْيا والإمْهالَ إلى أجَلٍ قَرِيبٍ أيْ أمَدٍ وحَدٍّ مِنَ الزَّمانِ قَرِيبٍ وقِيلَ: إنَّهم طَلَبُوا رَفْعَ العَذابِ والرُّجُوعَ إلى حالِ التَّكْلِيفِ مُدَّةً يَسِيرَةً يَعْمَلُونَ فِيها ما يُرْضِيهِ سُبْحانَهُ.
والمَعْنى عَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ أخِّرْ آجالَنا وأبْقِنا أيّامًا ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ أيِ الدَّعْوَةَ إلَيْكَ وإلى تَوْحِيدِكَ أوْ دَعْوَتَكَ لَنا عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهم صَدَّقُوهم في أنَّهم رُسُلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
﴿ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ فِيما جاءُوا بِهِ أيْ نَتَدارَكُ ما فَرَّطْنا بِهِ مِن إجابَةِ الدَّعْوَةِ واتِّباعِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا يَخْلُو ذِكْرُ الجُمْلَتَيْنِ عَنْ تَأْكِيدٍ والمَقامُ حَرِيٌّ بِهِ وجُمِعَ إمّا بِاعْتِبارِ اتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى التَّوْحِيدِ وكَوْنِ عِصْيانِهِمْ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِصْيانًا لَهم جَمِيعًا عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإمّا بِاعْتِبارِ أنَّ المَحْكِيَّ كَلامُ ظالِمِي الأُمَمِ جَمِيعًا والمَقْصُودُ بَيانُ وعْدِ كُلِّ أُمَّةٍ بِالتَّوْحِيدِ واتِّباعِ رَسُولِها عَلى ما قِيلَ.
﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ مَعْطُوفًا عَلى فَيَقُولُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ هَذِهِ الجُمْلَةُ أيْ فَيُقالُ لَهم تَوْبِيخًا وتَبْكِيتًا: ألَمْ تُؤَخَّرُوا في الدُّنْيا ولَمْ تَكُونُوا حَلَفْتُمْ إذْ ذاكَ بِألْسِنَتِكم بَطَرًا وأشَرًا وسَفَهًا وجَهْلًا ﴿ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ . (44) مِمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّمَتُّعِ بِالحُظُوظِ الدُّنْياوِيَّةِ أوْ بِألْسِنَةِ الحالِ ودَلالَةِ الأفْعالِ حَيْثُ بَنَيْتُمْ مَشِيدًا وأمَّلْتُمْ بَعِيدًا ولَمْ تُحَدِّثُوا أنْفُسَكم بِالِانْتِقالِ إلى هَذِهِ الأحْوالِ والأهْوالِ وفِيهِ إشْعارٌ بِامْتِدادِ زَمانِ التَّأْخِيرِ وبُعْدِ مَداهُ أوْ ما لَكم مِن زَوالٍ وانْتِقالٍ مِن دارِ الدُّنْيا إلى دارٍ أُخْرى لِلْجَزاءِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ ورُوِيَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ وأيًّا ما كانَ ( فَما لَكم ) .. إلَخْ جَوابُ القَسَمِ و( مِن ) صِلَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ وصِيغَةُ الخِطابِ فِيهِ لِمُراعاةِ حالِ الخِطابِ فِي﴿أقْسَمْتُمْ﴾ كَما في حَلَفَ بِاللَّهِ تَعالى لَيَخْرُجَنَّ وهو أدْخَلُ في التَّوْبِيخِ مِن أنْ يُقالَ ما لَنا مُراعاةٌ لِحالِ المَحْكِيِّ الواقِعِ في جَوابِ قَسَمِهِمْ وقِيلَ هو ابْتِداءُ كَلامٍ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى جَوابًا لِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا أخِّرْنا﴾ أيْ ما لَكم مِن زَوالٍ عَنْ هَذِهِ الحالِ وجَوابُ القَسَمِ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن في القُبُورِ مَحْذُوفًا وهو خِلافُ المُتَبادَرِ.
صفحة 249
وهَذا أحَدُ أجْوِبَةٍ يُجابُ بِها أهْلُ النّارِ عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ فَقَدْ ذَكَرَ البَيْهَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ: لِأهْلِ النّارِ خَمْسُ دَعَواتٍ يُجِيبُهُمُ اللَّهُ تَعالى في أرْبَعٍ مِنها فَإذا كانَتِ الخامِسَةُ لَمْ يَتَكَلَّمُوا بَعْدَها أبَدًا يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ فَيُجِيبُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ ثُمَّ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ فَيُجِيبُهم جَلَّ شَأْنُهُ ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ الآيَةَ ثُمَّ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ فَيُجِيبُهم تَبارَكَ وتَعالى ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ الآيَةَ ثُمَّ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلْ﴾ فَيُجِيبُهم جَلَّ جَلالُهُ ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مَن نَصِيرٍ﴾ فَيَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ فَيُجِيبُهم جَلَّ وعَلا ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ فَلا يَتَكَلَّمُونَ بَعْدَها إنْ هو إلّا زَفِيرٌ وشَهِيقٌ وعِنْدَ ذَلِكَ انْقَطَعَ رَجاؤُهم وأقْبَلَ بَعْضُهم يَنْبَحُ في وجْهِ بَعْضٍ وأطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ جَهَنَّمُ اللَّهُمَّ إنّا نُعُوذُ بِكَ مِن غَضَبِكَ ونَلُوذُ بِكَنَفِكَ مِن عَذابِكَ ونَسْألُكَ التَّوْفِيقَ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ في يَوْمِنا لِغَدِنا والتَّقَرُّبَ إلَيْكَ بِما يُرْضِيكَ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ الأمْرُ مِن يَدِنا.
14:45Page 261
وَسَكَنتُمۡ فِي مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَتَبَيَّنَ لَكُمۡ كَيۡفَ فَعَلۡنَا بِهِمۡ وَضَرَبۡنَا لَكُمُ ٱلۡأَمۡثَالَ ٤٥
And you lived among the dwellings of those who wronged themselves, and it had become clear to you how We dealt with them. And We presented for you [many] examples."
﴿وسَكَنْتُمْ﴾ مِنَ السُّكْنى بِمَعْنى التَّبَوُّؤِ والِاسْتِيطانِ وهو بِهَذا المَعْنى مِمّا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ تَقُولُ سَكَنْتُ الدّارَ واسْتَوْطَنْتُها إلّا أنَّهُ عُدِّيَ هُنا بِفي حَيْثُ قِيلَ: ﴿فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ جَرْيًا عَلى أصْلِ مَعْناهُ فَإنَّهُ مَنقُولٌ عَنْ سَكَنَ بِمَعْنى قَرَّ وثَبَتَ وحَقُّ ذَلِكَ التَّعْدِيَةُ بِفي وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى وقَرَّرْتُمْ في مَساكِنِهِمْ مُطْمَئِنِّينَ سائِرِينَ سِيرَتَهم في الظُّلْمِ بِالكُفْرِ والمَعاصِي غَيْرَ مُحَدِّثِينَ أنْفُسَكم بِما لَقُوا بِسَبَبِ ما اجْتَرَحُوا مِنَ المُوبِقاتِ وفي إيقاعِ الظُّلْمِ عَلى أنْفُسِهِمْ بَعْدَ إطْلاقِهِ فِيما سَلَفَ إيذانٌ بِأنَّ غائِلَةَ الظُّلْمِ آيِلَةٌ إلى صاحِبِهِ والمُرادُ بِهِمْ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إمّا جَمِيعُ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ عَلى تَقْدِيرِ اخْتِصاصِ الِاسْتِمْهالِ والخِطابُ السّابِقُ بِالمُنْذَرِينَ وإمّا أوائِلُهم مِن قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ عَلى تَقْدِيرِ عُمُومِها لِلْكُلِّ وهَذا الخِطابُ وما يَتْلُوهُ بِاعْتِبارِ حالِ أواخِرِهِمْ.
﴿وتَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ أيْ ظَهَرَ لَكم عَلى أتَمِّ وجْهٍ بِمُعايَنَةِ الآثارِ وتَواتُرِ الأخْبارِ ﴿كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ مِنَ الإهْلاكِ والعُقُوبَةِ بِما فَعَلُوا مِنَ الظُّلْمِ والفَسادِ وفاعِلُ ( تَبَيَّنَ ) مُضْمَرٌ يَعُودُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ فَعَلْنا العَجَبَ بِهِمْ أوْ حالُهم أوْ خَبَرُهم أوْ نَحْوَ ذَلِكَ و﴿كَيْفَ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِفَعَلْنا وجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ لَيْسَتْ مَعْمُولَةً لِتَبَيَّنَ لِأنَّهُ لا يُعَلَّقُ وقِيلَ: الجُمْلَةُ فاعِلُ ( تَبَيَّنَ ) بِناءً عَلى جَوازِ كَوْنِهِ جُمْلَةً وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ لِلْكُوفِيِّينَ.
وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجَماعَةُ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ﴿كَيْفَ﴾ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها إلّا فِيما شَذَّ مِن قَوْلِهِمْ: عَلى كَيْفَ تَبِيعُ الأحْمَرَيْنِ وقَوْلِهِمُ: انْظُرْ إلَيَّ كَيْفَ تَصْنَعُ وقَرَأ السُّلَمِيُّ فِيما حَكاهُ عَنْهُ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ ( ونُبَيِّنُ ) بِنُونِ العَظَمَةِ ورَفْعِ الفِعْلِ وحَكى ذَلِكَ أيْضًا صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قَرَأ بِنُونِ العَظَمَةِ إلّا أنَّهُ جَزَمَ الفِعْلَ عَطْفًا عَلى تَكُونُوا أيْ أوَلَمْ نُبَيِّنْ لَكم ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ﴾ أيْ في القُرْآنِ العَظِيمِ عَلى تَقْدِيرِ اخْتِصاصِ الخِطابِ بِالمُنْذَرِينَ أوْ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى تَقْدِيرِ عُمُومِهِ لِجَمِيعِ الظّالِمِينَ
صفحة 250
﴿الأمْثالَ﴾ . (45) أيْ صِفاتِ ما فَعَلُوا وما فُعِلَ بِهِمْ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي هي في الغَرابَةِ كالأمْثالِ المَضْرُوبَةِ لِتَعْتَبِرُوا وتَقِيسُوا أعْمالَكم عَلى أعْمالِهِمْ وما لَكم عَلى ما لَهم وتَنْتَقِلُوا مِن حُلُولِ العَذابِ العاجِلِ إلى العَذابِ الآجِلِ فَتُرْدَعُوا عَمّا كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مِنَ الأمْثالِ ما هو جَمْعُ مِثْلٍ بِمَعْنى الشَّبِيهِ أيْ بَيَّنا لَكم أنَّهم مِثْلُهم في الكُفْرِ واسْتِحْقاقِ العَذابِ: ورُوِيَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ والجُمَلُ الثَّلاثُ في مَوْقِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿أقْسَمْتُمْ﴾ أيْ أقْسَمْتُمْ أنْ لَيْسَ لَكم زَوالٌ والحالُ أنَّكم سَكَنْتُمْ في مَساكِنِ المُهْلَكِينَ بِظُلْمِهِمْ وتَبَيَّنَ لَكم فَعَلْنا العَجِيبَ بِهِمْ ونَبَّهْناكم عَلى جَلِيَّةِ الحالِ بِضَرْبِ الأمْثالِ
14:46Page 261
وَقَدۡ مَكَرُواْ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ ٤٦
And they had planned their plan, but with Allāh is [recorded] their plan, even if their plan had been [sufficient] to do away with the mountains.1
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الأوَّلِ في ﴿فَعَلْنا بِهِمْ﴾ أوْ مِنَ الثّانِي أوْ مِنهُما جَمِيعًا وقَدَّمَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ لِشِدَّةِ ارْتِباطِهِ عَلى ما قِيلَ بِما قَبْلَهُ أيْ فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا والحالُ أنَّهم قَدْ مَكَرُوا في إبْطالِ الحَقِّ وتَقْرِيرِ الباطِلِ مَكْرَهُمُ العَظِيمَ الَّذِي اسْتَفْرَغُوا في عَمَلِهِ المَجْهُودَ وجاوَزُوا فِيهِ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهم والمُرادُ بَيانُ تَناهِيهِمْ في اسْتِحْقاقِ ما فُعِلَ بِهِمْ أوْ وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمُ المَذْكُورَ في تَرْتِيبِ مَبادِي البَقاءِ ومُدافِعَةِ أسْبابِ الزَّوالِ فالمَقْصُودُ إظْهارُ عَجْزِهِمْ واضْمِحْلالِ قُدْرَتِهِمْ وحَقارَتِها عِنْدَ قُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ وهو ظاهِرٌ في أنَّ هَذا مِن تَتِمَّةِ ما يُقالُ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ فَقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ أهْلَ النّارِ يُنادُونَ ﴿رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ .. إلَخْ فَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ وذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ احْتِمالًا وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا وظاهِرُ كَلامِ غَيْرِ واحِدٍ أنَّ اسْتِفادَةَ المُبالَغَةِ في ﴿مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ مِنَ الإضافَةِ وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّ ﴿مَكْرَهُمْ﴾ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِأنَّهُ لازِمٌ فَدَلالَتُهُ عَلى المُبالَغَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى الآتِي: ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ .. إلَخْ لا لِأنَّ إضافَةَ المَصْدَرِ تُفِيدُ العُمُومَ أيْ أظْهَرُوا كُلَّ مَكْرٍ لَهم أوْ لِأنَّ إضافَتَهُ وأصْلَهُ التَّنْكِيرُ لِإفادَةِ أنَّهم مَعْرُوفُونَ بِذَلِكَ ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ ﴿وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أيْ جَزاءُ مَكْرِهِمْ عَلى أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ والمَعْنى مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ تَعالى مَكْرُهم ومَعْلُومٌ لَهُ سُبْحانَهُ وذَلِكَ كِنايَةً عَنْ مَجازاتِهِ تَعالى لَهم عَلَيْهِ وأيًّا ما كانَ فَإضافَةُ ( مَكْرٍ ) إلى الفاعِلِ وهو الظّاهِرُ المُتَبادَرُ وقِيلَ: إنَّهُ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ عَلى مَعْنى عِنْدَهُ تَعالى مَكْرُهُمُ الَّذِي يَمْكُرُهم بِهِ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ المَحْفُوظَ أنَّ ( مَكْرَ ) لازِمٌ ولَمْ يُسْمَعْ مُتَعَدِّيًا وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَكْرُ مُتَجَوَّزًا بِهِ أوْ مُضَمَّنًا مَعْنى الكَيْدِ أوِ الجَزاءِ والكَلامُ في نِسْبَةِ المَكْرِ إلَيْهِ تَعالى وأنَّهُ إمّا بِاعْتِبارِ المُشاكَلَةِ أوِ الِاسْتِعارَةِ مَشْهُورٌ وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ المُرادَ بِهَذا المَكْرِ ما أفادَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ لا أنَّهُ وعِيدٌ مُسْتَأْنَفٌ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿مَكَرُوا﴾ أيْ مَكَرُوا مَكْرَهم وعِنْدَ اللَّهِ تَعالى جَزاؤُهُ أوْ هو ما أعْظَمَ مِنهُ والمَقْصُودُ بَيانُ فَسادِ رَأْيِهِمْ حَيْثُ باشَرُوا فِعْلًا مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ تَرْكَهُ ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ . (46) أيْ وإنْ كانَ مَكْرُهم في غايَةِ الشِّدَّةِ والمَتانَةِ وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مُعَدّى لِإزالَةِ الجِبالِ عَنْ مَقارِّها لِكَوْنِهِ مَثَلًا في ذَلِكَ ( وإنْ ) شَرْطِيَّةٌ وصْلِيَّةٌ عِنْدَ جَمْعٍ والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ مَجازِيهِمْ عَلى مَكْرِهِمْ ومُبْطِلُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ في هَذِهِ الشِّدَّةِ وإنْ كانَ فِيها ولا بُدَّ عَلى هَذا الوَجْهِ مِن مُلاحَظَةِ الإبْطالِ وإلّا فالجَزاءُ المُجَرَّدُ عَنْ ذَلِكَ لا يَكادُ يَتَأتّى مَعَهُ النُّكْتَةُ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها ما في إنَّ الوَصْلِيَّةِ
صفحة 251
مِنَ التَّأْكِيدِ المَعْنَوِيِّ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ تَعالى يُقابِلُهم بِمَكْرِهِمْ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ كَوْنُ مَكْرِهِمْ في غايَةِ الشِّدَّةِ فَهو سُبْحانَهُ وتَعالى أشَدُّ مَكْرًا ولا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى مُلاحَظَةِ الإبْطالِ فَتَدَبَّرْ وعَنِ الحَسَنِ وجَماعَةٍ أنَّ ( إنْ ) نافِيَةٌ واللّامُ لامُ الجَحُودِ وكانَ تامَّةٌ والمُرادُ بِالجِبالِ آياتُ اللَّهِ تَعالى وشَرائِعُهُ ومُعْجِزاتُهُ الظّاهِرَةُ عَلى أيْدِي الرُّسُلِ السّالِفَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّتِي هي كالجِبالِ في الرُّسُوخِ والثَّباتِ والقَصْدُ إلى تَحْقِيرِ مَكْرِهِمْ وأنَّهُ ما كانَ لِتَزُولَ مِنهُ الآياتُ والنُّبُوّاتُ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ كانَ ناقِصَةً وخَبَرُها إمّا مَحْذُوفٌ أوِ الفِعْلُ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ اللّامُ عَلى الخِلافِ الَّذِي بَيْنَ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ وأُيِّدَ هَذا الوَجْهُ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِن أنَّهُ قَرَأ ( وما كانَ ) بِما النّافِيَةِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ مُعارَضَةً لِلْقِراءَةِ الدّالَّةِ عَلى عِظَمِ مَكْرِهِمْ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ وأُجِيبَ بِأنَّ الجِبالَ في تِلْكَ القِراءَةِ يُشارُ بِها إلى ما رامُوا إبْطالَهُ مِنَ الحَقِّ كَما أشَرْنا إلَيْهِ وفي هَذِهِ عَلى حَقِيقَتِها فَلا تَعارُضَ إذْ لَمْ يَتَوارَدا عَلى مَحَلٍّ واحِدٍ نَفْيًا وإثْباتًا ورُدَّ بِأنَّهُ إذا جَعَلَ الحَقَّ شَبِيهًا بِالجِبالِ في الثَّباتِ كانَ مِثْلَها بَلْ أدْوَنَ مِنها في هَذا المَعْنى فَإذا نَفى إزالَتَهُ جِبالَ الدُّنْيا وحِينَئِذٍ يَجِيءُ الإشْكالُ.
وتَعَقَّبَهُ الشِّهابُ بِأنَّ هَذا غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّ المُشَبَّهَ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ أدْوَنَ مِنَ المُشَبَّهِ بِهِ في وجْهِ الشَّبَهِ بَلْ قَدْ يَكُونُ بِخِلافِهِ ولَوْ سُلِّمَ فَقَدْ يُقَدَّرُ عَلى إزالَةِ الأقْوى دُونَ الآخَرِ لِمانِعٍ كالشُّجاعِ يَقْدِرُ عَلى قَتْلِ أسَدٍ ولا يَقْدِرُ عَلى قَتْلِ رَجُلٍ مُشَبَّهٍ بِهِ لِامْتِناعِهِ بِعُدَّةٍ أوْ حِصْنٍ ولا حِصْنَ أحْصَنَ وأحْمى مِن تَأْيِيدِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ لِلْحَقِّ بِحَيْثُ تَزُولُ الجِبالُ يَوْمَ تُنْسَفُ نَسْفًا ولا يَزُولُ انْتَهى وإلى تَفْسِيرِ ﴿الجِبالُ﴾ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِما ذَكَرْنا ذَهَبَ شَيْخُ الإسْلامِ ثُمَّ قالَ: وأمّا كَوْنُها عِبارَةً عَنْ أمْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأمَرَ القُرْآنِ العَظِيمِ كَما قِيلَ فَلا مَجالَ لَهُ إذِ الماكِرُونَ هُمُ المُهْلَكُونَ لا السّاكِنُونَ في مَساكِنِهِمْ مِنَ المُخاطَبِينَ وإنْ خُصَّ الخِطابُ بِالمُنْذَرِينَ وسَيَظْهَرُ لَكَ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى جَوازُ ذَلِكَ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ في الآيَةِ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿مَكَرُوا﴾ لا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ والمَعْنى إنْ كانَ مَكْرُهم لِيَزُولَ مِنهُ ما هو كالجِبالِ في الثَّباتِ مِنَ الآياتِ والشَّرائِعِ والمُعْجِزاتِ والجُمْلَةُ أيْضًا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَذْكُورِ أيْ ﴿مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ المَعْهُودَ وأنَّ الشَّأْنَ كانَ مَكْرُهم لِإزالَةِ الحَقِّ مِنَ الآياتِ والشَّرائِعِ عَلى مَعْنى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنهم مَكْرٌ كَذَلِكَ وكانَ شَأْنُ الحَقِّ مانِعًا مِن مُباشَرَةِ المَكْرِ لِإزالَتِهِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ وثّابٍ والكِسائِيُّ ﴿لِتَزُولَ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى ورَفْعِ الفِعْلِ فَإنْ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مُخَفَّفَةٌ واللّامُ هي الفارِقَةُ وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا والقَصْدُ إلى تَعْظِيمِ مَكْرِهِمْ فالجُمْلَةُ حالٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أيْ عِنْدَهُ تَعالى جَزاءُ مَكْرِهِمْ أوِ المَكْرُ بِهِمْ والحالُ أنَّ مَكْرَهم بِحَيْثُ تَزُولُ مِنهُ الجِبالُ أيْ في غايَةِ الشِّدَّةِ وقُرِئَ ﴿لِتَزُولَ﴾ بِالفَتْحِ والنَّصْبِ وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى لُغَةٍ جاءَتْ في فَتْحِ لامِ كَيْ وقَرَأ عُمَرُ وعَلِيٌّ وأُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وأبُو إسْحاقَ السَّبِيعِيُّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ورَحِمَهم ( وإنْ كادَ ) بِدالٍ مَكانَ النُّونِ و﴿لِتَزُولَ﴾ بِالفَتْحِ والرَّفْعِ وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ونَقَلَ أبُو حاتِمٍ عَنْ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( ولَوْلا كَلِمَةُ اللَّهِ لَزالَ مِن مَكْرِهِمُ الجِبالُ ) وحَمَلَ ذَلِكَ بَعْضُهم عَلى التَّفْسِيرِ لِمُخالَفَتِهِ لِسَوادِ المُصْحَفِ مُخالَفَةً ظاهِرَةً هَذا ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الضَّمِيرَ في ﴿مَكَرُوا﴾ لِلْمُنْذَرِينَ والمُرادُ بِمَكْرِهِمْ ما أفادَهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ وغَيْرُهُ مِن أنْواعِ مَكْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ
صفحة 252
شَيْخُ الإسْلامِ: ولَعَلَّ الوَجْهَ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ مَكَرُوا﴾ .. إلَخْ حالًا مِنَ القَوْلِ المُقَدَّرِ أيْ فَيُقالُ لَهم ما يُقالُ والحالُ أنَّهم مَعَ ما فَعَلُوا مِنَ الإقْسامِ المَذْكُورِ مَعَ ما يُنافِيهِ قَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمُ العَظِيمَ أيْ لَمْ يَكُنِ الصّادِرُ عَنْهم مُجَرَّدَ الإقْسامِ الَّذِي وُبِّخُوا بِهِ بَلِ اجْتَرَؤُوا عَلى مِثْلِ هَذِهِ العَظِيمَةِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿مَكَرُوا﴾ حَسْبَما ذُكِرَ مِن قَبْلُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ مَسُوقٌ لِبَيانِ عَدَمِ تَفاوُتِ الحالِ في تَحْقِيقِ الجَزاءِ بَيْنَ كَوْنِ مَكْرِهِمْ قَوِيًّا أوْ ضَعِيفًا كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ( إنْ ) نافِيَةً فَهو حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿مَكَرُوا﴾ والجِبالُ عِبارَةٌ عَنْ أمْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْ وقَدْ مَكَرُوا والحالُ أنَّ مَكْرَهم ما كانَ لِتَزُولَ مِنهُ هاتِيكَ الشَّرائِعُ والآياتُ الَّتِي هي كالجِبالِ في القُوَّةِ وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامَ مَكْسُورَةً يَكُونُ حالًا مِنهُ أيْضًا عَلى مَعْنى أنَّ ذَلِكَ المَكْرَ العَظِيمَ مِنهم كانَ لِهَذا الغَرَضِ والقَصْدِ إلى أنَّهُ لَمْ يَصْحَّ أنْ يَكُونَ مِنهم مَكْرٌ كَذَلِكَ لِما أنَّ شَأْنَ الشَّرائِعِ أعْظَمُ مِن أنْ يَمْكُرَ بِها وعَلى تَقْدِيرِ فَتْحِ اللّامِ فَهو حالٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ كَما ذُكِرَ سابِقًا. اهَـ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِمَكْرِهِمْ شِرْكُهم كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والجِبالُ عَلى حَقِيقَتِها وأمْرُ الجُمْلَةِ عَلى ما قالَ.
وحاصِلُ المَعْنى لَمْ يَكُنِ الصّادِرُ عَنْهم مُجَرَّدَ الإقْسامِ مَعَ ما لا يُنافِيهِ بَلِ اجْتَرَؤُوا عَلى الشِّرْكِ وقالُوا: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ وقَدْ رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ صَرَّحَ بِأنَّ ما نَحْنُ فِيهِ كَهَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ إنَّ القَوْلَ بِجَعْلِ الضَّمِيرِ لِلْمُنْذَرِينَ قَوْلٌ بِعَدَمِ دُخُولِ هَذا الكَلامِ في حَيِّزِ ما يُقالُ وهو الظّاهِرُ كَما قِيلَ وكَذا حَمَلَ الجِبالَ عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ وفي البَحْرِ الَّذِي يَظْهَرُ أنَّ زَوالَ الجِبالِ مَجازٌ ضُرِبَ مَثَلًا لِمَكْرِ قُرَيْشٍ وعِظَمِهِ والجِبالُ لا تَزُولُ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في ذَمِّ مَكْرِهِمْ ما لا يَخْفى.
وأمّا ما رُوِيَ أنَّ جَبَلًا زالَ بِحَلِفِ امْرَأةٍ اتَّهَمَها زَوْجُها وكانَ ذَلِكَ الجَبَلُ مَن حَلَفَ عَلَيْهِ كاذِبًا ماتَ فَحَمَلَها لِلْحَلِفِ فَمَكَرَتْ بِأنْ رَمَتْ نَفْسَها مِنَ الدّابَّةِ وكانَتْ وعَدَتْ مَنِ اتُّهِمَتْ بِهِ أنْ يَكُونَ في المَكانِ الَّذِي وقَعَتْ فِيهِ مِنَ الدّابَّةِ فَأرْكَبَها زَوْجَها وذَلِكَ الرَّجُلَ وحَلَفَتْ عَلى الجَبَلِ أنَّها ما مَسَّها غَيْرُهُما فَنَزَلَتْ سالِمَةً وأصْبَحَ الجَبَلُ قَدِ انْدَكَّ وكانَتِ المَرْأةُ مِن عَدْنانَ.
وما رُوِيَ مِن قِصَّةِ نَمْرُوذَ بْنِ كُوشِ بْنِ كَنْعانَ أوْ بَخْتُنَصَّرَ واتِّخاذِ الأنْسُرِ وصُعُودِهِما إلى قُرْبِ السَّماءِ في قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ مَشْهُورَةٍ وما فَعَلَ بَعْضُهم مِن حَمْلِ الجِبالِ عَلى دِينِ الإسْلامِ والقُرْآنِ وحَمْلِ المَكْرِ عَلى اخْتِلافِهِمْ فِيهِ مِن قَوْلِهِمْ: هَذا سِحْرٌ هَذا شِعْرٌ هَذا إفْكٌ فَأقْوالٌ يَنْبُو عَنْها ظاهِرُ اللَّفْظِ وبَعِيدٌ جِدًّا قِصَّةُ الأنْسُرِ. اهَـ.
واسْتُبْعِدَ ذَلِكَ أيْضًا كَما نَقَلَ الإمامُ القاضِي وقالَ: إنَّ الخَطَرَ في ذَلِكَ عَظِيمٌ ولا يَكادُ العاقِلُ يُقْدِمُ عَلَيْهِ وما جاءَ خَبَرٌ صَحِيحٌ مُعْتَمَدٌ ولا حاجَةَ في تَأْوِيلِ الآيَةِ إلَيْهِ ونَعَمْ ما قالَ في خَبَرِ النُّسُورِ فاهٍ وإنْجاءٌ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وعَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وأبِي عُبَيْدَةَ والسُّدِّيَّ وغَيْرِهِمْ إلّا أنَّ في الأسانِيدِ ما لا يَخْفى عَلى مَن نُقِرُّ.
وقَدْ شاعَ ذَلِكَ مِن أخْبارِ القُصّاصِ وخَبَرُهم واقِعٌ عَنْ دَرَجَةِ القَبُولِ ولَوْ طارُوا إلى النَّسْرِ الطّائِرِ ومِثْلُ ذَلِكَ فِيما أرى خَبَرُ المُتَّهَمَةِ فافْهَمْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ
14:47Page 261
فَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخۡلِفَ وَعۡدِهِۦ رُسُلَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٖ ٤٧
So never think that Allāh will fail in His promise to His messengers. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Owner of Retribution.1
﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ تَثْبِيتٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الثِّقَةِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ والتَّيَقُّنِ بِإنْجازِ وعْدِهِ تَعالى بِتَعْذِيبِ الظّالِمِينَ المَقْرُونِ
صفحة 253
بِالأمْرِ بِإنْذارِهِمْ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ وقالَ الطَّيِّبِيُّ: واسْتَحْسَنَهُ التِّلْمِيذُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ الوَعْدُ عَلى المُفادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ وقَدْ جَعَلَهُ وجْهًا آخَرَ لِما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن تَفْسِيرِهِ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ و﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ لا اخْتِصاصَ لِذَلِكَ كَما قِيلَ بِالتَّعْذِيبِ لا سِيَّما الأُخْرَوِيَّ وإضافَةُ ﴿مُخْلِفَ﴾ إلى الوَعْدِ عِنْدَ الجُمْهُورِ مِن إضافَةِ اسْمِ الفاعِلِ إلى المَفْعُولِ الثّانِي كَقَوْلِهِمْ: هَذا مُعْطِي دِرْهَمٍ زَيْدًا وهو لِما كانَ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ إضافَتُهُ إلى كُلٍّ مِنهُما فَيَنْصِبُ ما تَأخَّرَ وأنْشَدَ بَعْضُهم نَظِيرًا لِذَلِكَ قَوْلَهُ: .
تَرى الثَّوْرَ فِيها مُدْخِلَ الظِّلِّ رَأْسَهُ وسائِرُهُ بادٍ إلى الشَّمْسِ أجْمَعُ
وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّ هَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِمْ: يا سارِقُ اللَّيْلَةِ أهْلَ الدّارِ وفي الكَشّافِ أنَّ تَقْدِيمَ الوَعْدِ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لا يُخْلِفُ الوَعْدَ أصْلًا كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ ثُمَّ قالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿رُسُلَهُ﴾ لِيُؤْذِنَ أنَّهُ إذا لَمْ يُخْلِفْ وعْدَهُ أحَدًا ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ إخْلافُ المَواعِيدِ كَيْفَ يُخْلِفُ رُسُلَهُ الَّذِينَ هم خِيرَتُهُ وصَفْوَتُهُ.
ونَظَرَ فِيهِ ابْنُ المُنِيرِ بِأنَّ الفِعْلَ إذا تَقَيَّدَ بِمَفْعُولٍ انْقَطَعَ احْتِمالُ إطْلاقِهِ وهو هُنا كَذَلِكَ فَلَيْسَ تَقْدِيمُ الوَعْدِ إلّا عَلى إطْلاقِ الوَعْدِ بَلْ عَلى العِنايَةِ والِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّ الآيَةَ سِيقَتْ لِتَهْدِيدِ الظّالِمِينَ بِما وعَدَ سُبْحانَهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فالمُهِمُّ ذِكْرُ الوَعْدِ وكَوْنُهُ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ وقالَ صاحِبُ الإنْصافِ: إنَّ هَذا النَّظَرَ قَوِيٌّ إلّا أنَّ ما اعْتُرِضَ عَلَيْهِ هو القاعِدَةُ عِنْدَ أهْلِ البَيانِ كَما قالَ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ أنَّهُ قَدَّمَ شُرَكاءَ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَّخِذَ اللَّهُ تَعالى شُرَكاءَ مُطْلَقًا ثُمَّ ذَكَرَ الجِنَّ تَحْقِيرًا أيْ إذا لَمْ يَتَّخِذْ مِن غَيْرِ الجِنِّ فالجِنُّ أحَقُّ بِأنْ لا يُتَّخَذُوا.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَدْفَعُ السُّؤالَ بَلْ يُؤَيِّدُهُ وكَذا ما ذَكَرَهُ الفاضِلُ الطَّيِّبِيُّ فَإنَّهُ مَعَ تَطْوِيلِهِ لَمْ يَأْتِ بِطائِلٍ فالوَجْهُ ما في الكَشْفِ مِن أنَّ ذَلِكَ الإعْلامَ إنَّما نَشَأ مِن جَعْلِ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ الوَعْدِ فَهو ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ وما عَداهُ تَبَعٌ وإفادَةُ هَذا الأُسْلُوبِ التَّرَقِّي كَإفادَةِ ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الإجْمالَ والتَّفْصِيلَ نَعَمْ أنَّ الظّاهِرَ مِن حالِ صاحِبِ الكَشّافِ أنَّهُ أضْمَرَ فِيما قَرَّرَهُ اعْتِزالًا وهَذِهِ مَسْألَةٌ أُخْرى وقِيلَ: ﴿مُخْلِفَ﴾ هُنا مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ فَأُضِيفَ إلَيْهِ وانْتَصَبَ ﴿رُسُلَهُ﴾ بِوَعْدِهِ إذْ هو مَصْدَرٌ يَنْحَلُّ إلى أنْ والفِعْلِ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ( مُخْلِفَ وعْدَهُ رُسُلِهِ ) بِنَصْبِ ( وعْدَهُ ) وإضافَةِ ﴿مُخْلِفَ﴾ إلى رُسُلِهِ فَفُصِلَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالمَفْعُولِ وهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيَّدُ إعْرابَ الجُمْهُورِ في القِراءَةِ الأُولى وأنَّهُ مِمّا يَتَعَدّى ﴿مُخْلِفَ﴾ هُنا إلى مَفْعُولَيْنِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُماكَرُ وقادِرٌ لا يُقادَرُ ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ . (47) مِن أعْدائِهِ لِأوْلِيائِهِ فالجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ المَذْكُورِ وتَذْيِيلٌ لَهُ وحَيْثُ كانَ الوَعْدُ عِبارَةً عَنْ تَعْذِيبِهِمْ خاصَّةً كَما مَرَّتْ إلَيْهِ الإشارَةُ لَمْ يُذَيِّلْ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنْ يُقالَ: ( إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ ) بَلْ تَعَرَّضَ لِوَصْفِ العِزِّ والِانْتِقامِ المُشْعِرَيْنِ بِذَلِكَ والمُرادُ بِالِانْتِقامِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِالفِعْلِ وعُبِّرَ عَنْهُ بِالمَكْرِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences