Al-AlusiAl‑Hijr · 15:29–37

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Hijr 15:29–37, continued

السّادِسُ: المُعارَضَةُ وهي أنَّ الأرْواحَ عِنْدَ الفَرِيقَيْنِ باقِيَةٌ بَعْدَ المُفارَقَةِ ولا يَكُونُ تَمايُزُها بِالماهِيَّةِ ولَوازِمِها بَلْ بِالعَوارِضِ لَكِنَّ الأرْواحَ الهُيُولانِيَّةَ الَّتِي لَمْ تَكْتَسِبْ شَيْئًا مِنَ العَوارِضِ إذا فارَقَتْ لا يَكُونُ فِيها شَيْءٌ مِنَ العَوارِضِ سِوى أنَّها كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِأبْدانٍ فَإنْ كَفى هَذا القَدْرُ في وُقُوعِ التَّمايُزِ فَلْيَكْفِ أيْضًا كَوْنُها بِحَيْثُ يَحْدُثُ لَها بَعْدُ التَّعَلُّقُ بِأبْدانٍ مُتَمايِزَةٍ، قَوْلُهُمْ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ قَبْلُ واحِدَةً فَتَكَسَّرَتْ، قُلْنا: لا يَجُوزُ لِأنَّ كُلَّ ما انْقَسَمَ وجَبَ أنْ يَكُونَ جُزْؤُهُ مُخالِفًا لِكُلِّهِ ضَرُورَةَ أنَّ الشَّيْءَ مَعَ غَيْرِهِ لَيْسَ هو لا مَعَ غَيْرِهِ فَتِلْكَ المُخالَفَةُ إنْ كانَتْ بِالماهِيَّةِ أوْ لَوازِمِها وجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الأجْزاءِ مُخالِفًا لِلْآخَرِ بِالماهِيَّةِ فَتَكُونُ تِلْكَ الأجْزاءِ قَدْ كانَتْ مُتَمَيِّزَةً أبَدًا وكانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ التَّعَلُّقِ.

فَهَذِهِ الأُمُورُ المُتَعَلِّقَةُ الآنَ بِالأبْدانِ كانَتْ مُتَمَيِّزَةً قَبْلَ التَّعَلُّقِ بِها وإنْ كانَتِ المُخالَفَةُ لا بِالماهِيَّةِ ولا بِلَوازِمِها فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الجُزْءُ أصْغَرَ مِقْدارًا مِنَ الكُلِّ وإلّا لَمْ يَكُنْ أحَدُهُما أوْلى بِأنْ يَكُونَ جُزْءُ الآخَرِ مِنَ العَكْسِ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ قابِلٌ لِلِانْقِسامِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ ذا مِقْدارٍ. سَلَّمْنا أنَّ المُجَرَّدَ لا يُمْكِنُ أنْ يَنْقَسِمَ بَعْدَ وحْدَتِهِ

صفحة 43

لَكِنَّ تَعْيِناتِ تِلْكَ الأجْزاءِ إنَّما تَحْدُثُ بَعْدَ الِانْقِسامِ الحاصِلِ بَعْدَ التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ فَيَكُونُ تَعَيِّنُ كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ بَعْدَ التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ فَيَكُونُ تَعَيِّنُ كُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ النُّفُوسِ مِن حَيْثُ هي حادِثًا وهو المَطْلُوبُ.

وقَوْلُهُمْ: لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الِامْتِيازَ لا يُوجَدُ إلّا عِنْدَ الِاخْتِصاصِ بِوَصْفٍ، قُلْنا: يُجابُ بِنَحْوِ ما ذَكَرُوهُ في تَشَخُّصِ التَّشَخُّصِ، وقَوْلُهم لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ النُّفُوسَ لا يَجُوزُ أنْ تَتَمايَزَ بِالصِّفاتِ المُقَوِّمَةِ؟ قُلْنا: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَما قُلْتُمُوهُ إلّا أنّا لا نَعْرِفُ بِالبَدِيهَةِ أنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِن أنْواعِها فَإنَّها مَقُولَةٌ عَلى أشْخاصٍ عِدَّةٍ بِالضَّرُورَةِ فَإنّا نَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كُلُّ إنْسانٍ مُخالِفًا لِجَمِيعِ النّاسِ في الماهِيَّةِ، وإذا وُجِدَ في كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِها شَخْصٌ فَقَدْ تَمَّتِ الحُجَّةُ.

وقَوْلُهُمْ: إنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى إبْطالِ التَّناسُخِ. قُلْنا: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنّا إذا وجَدْنا مِنَ النَّوْعِ الواحِدِ شَخْصَيْنِ عَلِمْنا أنَّ تِلْكَ الشَّخْصِيَّةَ لَيْسَتْ مَعْلُولَةً لِتِلْكَ الماهِيَّةِ لِأنَّ كُلَّ ما كانَ كَذَلِكَ كانَ نَوْعُهُ في شَخْصِهِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ شَخْصِيَّتَهُ لَيْسَتْ مِن لَوازِمِ ماهِيَّتِهِ فَهي إذَنْ لِعِلَّةٍ خارِجِيَّةٍ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ العِلَّةَ هي المادَّةُ ومادَّةُ النَّفْسِ هي البَدَنُ فَإذَنْ تَعَيُّنُها لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِلتَّعَلُّقِ بِبَدَنِ مُعَيَّنٍ فَتَكُونُ لا مَحالَةَ غَيْرَ مُتَعَيِّنَةٍ قَبْلَ ذَلِكَ البَدَنِ فَهي مَعْدُومَةٌ قَبْلَهُ.

وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ كُلَّ ما نَوْعُهُ مَقُولٌ عَلى كَثِيرِينَ بِالفِعْلِ فَهو مُحْدَثٌ، فاتَّضَحَ مِن هَذا أنَّهُ مَتى سُلِّمَ كَوْنُ النُّفُوسِ مُتَّحِدَةً في النَّوْعِ يَلْزَمُ حُدُوثُها وأنَّهُ لا يَحْتاجُ في ذَلِكَ إلى إبْطالِ التَّناسُخِ لِيَجِيءَ الدَّوْرُ السّابِقُ. قَوْلُهُمْ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً بِعارِضٍ إلَخْ؟ قُلْنا: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ امْتِيازُها بِذَلِكَ لِأنَّ النَّفْسَ المُعَيَّنَةَ عَنْ غَيْرِها حُكْمٌ مُعَيَّنٌ لا بُدَّ لَهُ مِن عِلَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، وتِلْكَ العِلَّةُ لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ حالَّةً فِيها لِأنَّ ذَلِكَ مُتَوَقِّفٌ عَلى امْتِيازِها عَنْ غَيْرِها فَلَوْ تَوَقَّفَ ذَلِكَ الِامْتِيازُ عَلى حُلُولِ ذَلِكَ الحالِ لَزِمَ الدَّوْرُ، فَإذَنْ تِلْكَ العِلَّةُ أمْرٌ عائِدٌ إلى القابِلِ وقَبْلَ البَدَنِ لا قابِلَ فَلا تَمَيُّزَ. والمُتَكَلِّمُونَ يُبْطِلُونَ مِثْلَ ما ذُكِرَ بِلُزُومِ التَّسَلْسُلِ الَّذِي يُبْطِلُهُ بُرْهانُ التَّطْبِيقِ.

وأمّا المُعارِضَةُ فالجَوابُ عَنْها بِأنَّ النُّفُوسَ الهُيُولانِيَّةَ يَتَمَيَّزُ بَعْضُها عَنِ البَعْضِ أوَّلًا بِسَبَبِ تَعَلُّقِها بِالقابِلِ المُعَيَّنِ ثُمَّ إنَّهُ يَلْزُمُ مِن تَعَيُّنِ كُلِّ واحِدٍ مِنها شُعُورُها بِذاتِها الخاصَّةِ وقَدْ بُيِّنَ أنَّ شُعُورَ الشَّيْءِ بِذاتِهِ حالَةٌ زائِدَةٌ عَلى ذاتِهِ ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الشُّعُورَ يَسْتَمِرُّ فَلا جَرَمَ يَبْقى الِامْتِيازُ.

والحاصِلُ أنَّ الِامْتِيازَ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ أوَّلًا بِسَبَبٍ آخَرَ حَتّى يَحْصُلَ لِكُلٍّ مِنَ النُّفُوسِ شُعُورٌ بِذاتِهِ الخاصِّ وذَلِكَ السَّبَبُ في النُّفُوسِ الهُيُولانِيَّةِ تَعَلُّقُها بِالأبْدانِ، وأمّا الَّتِي قَبْلَ الأبْدانِ فَلَوْ تَمَيَّزَتْ لَكانَ المُمَيَّزُ سِوى الشُّعُورِ حَتّى يَتَرَتَّبَ هو عَلَيْهِ، وقَدْ بُيِّنَ أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ مُمَيَّزٌ فَلا جَرَمَ اسْتَحالَ حُصُولُ التَّمَيُّزِ وظَهَرَ الفَرْقُ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

وقَدِ اسْتَدَلَّ صاحِبُ المُعْتَبَرِ عَلى حُدُوثِها بِأنَّها لَوْ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الأبْدانِ لَكانَتْ إمّا مُتَعَلِّقَةً بِأبْدانٍ أُخَرَ أوَّلًا والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ قَوْلٌ بِالتَّناسُخِ وهو باطِلٌ لِأنَّ أنْفُسَنا لَوْ كانَتْ مِن قَبْلُ في بَدَنٍ آخَرَ لَكُنّا نَعْلَمُ الآنَ شَيْئًا مِنَ الأحْوالِ الماضِيَةِ ونَتَذَكَّرُ ذَلِكَ البَدَنَ ولَيْسَ فَلَيْسَ، والثّانِي كَذَلِكَ لِأنَّها تَكُونُ حِينَئِذٍ مُعَطَّلَةً ولا مُعَطَّلَ في الطَّبِيعَةِ وهو دَلِيلٌ بِجَمِيعِ مُقَدِّماتِهِ ضَعِيفٌ جِدًّا فَلا تَعْتَبِرْهُ، وزَعَمَ قَوْمٌ مِن قُدَماءِ الفَلاسِفَةِ قَدَّمَها وأوْرَدُوا لِذَلِكَ أُمُورًا.

الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ ما يَحْدُثُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ لَهُ مادَّةٌ تَكُونُ سَبَبًا لِأنْ يَصِيرَ أوْلى بِالوُجُودِ بَعْدَ أنْ كانَ أوْلى بِالعَدَمِ فَلَوْ كانَتِ النُّفُوسُ حادِثَةً لَكانَتْ مادِّيَّةً ولَيْسَ فَلَيْسَ. الثّانِي: أنَّها لَوْ كانَتْ حادِثَةً لَكانَ حُدُوثُها لِحُدُوثِ

صفحة 44

الأبْدانِ لَكِنَّ الأبْدانَ الماضِيَةَ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ فالنُّفُوسُ الآنَ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ لَكِنَّ ذَلِكَ مُحالٌ لِكَوْنِها قابِلَةً لِلزِّيادَةِ والنُّقْصانِ والقابِلُ لَهُما مُتَناهٍ فَهي الآنَ مُتَناهِيَةٌ، فَإذَنْ لَيْسَ حُدُوثُ الأبْدانِ عِلَّةً لِحُدُوثِها فَلا يَتَوَقَّفُ صُدُورُها عَنْ عِلَلِها عَلى حُدُوثِ أمْرٍ فَتَكُونُ قَدِيمَةً.

الثّالِثُ: أنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ أزَلِيَّةً لَمْ تَكُنْ أبَدِيَّةً لِما ثَبَتَ أنَّ كُلَّ كائِنٍ فاسِدٌ لَكِنَّها أبَدِيَّةٌ إجْماعًا فَهي أزَلِيَّةٌ، ويُرَدُّ عَلَيْهِمْ أنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِكَوْنِها مادِّيَّةً أنَّ حُدُوثَها يَكُونُ مُتَوَقِّفًا عَلى حُدُوثِ البَدَنِ فالأمْرُ كَذَلِكَ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ أنَّها تَكُونُ مُنْطَبِعَةً في البَدَنِ فِلَمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ لَوْ تَوَقَّفَ حُدُوثُها عَلى حُدُوثِ البَدَنِ وجَبَ أنْ تَكُونَ مُنْطَبِعَةً فِيهِ، وأيْضًا لِلْمانِعِ أنْ يَمْنَعَ فَسادَ لُزُومِ كَوْنِ النُّفُوسِ الآنَ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ، والمُقَدِّمَةُ القائِلَةُ إنَّ كُلَّ قابِلٍ لِلزِّيادَةِ والنُّقْصانِ مُتَناهٍ لَيْسَتْ مِنَ الأوَّلِيّاتِ قَطْعًا كَما هو ظاهِرٌ فَإذَنْ لا تَصِحُّ إلّا بِبُرْهانٍ وهو لا يَتَقَرَّرُ إلّا فِيما يَحْتَمِلُ الِانْطِباقَ عَلى ما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ، وقَوْلُهُمْ: لَوْ لَمْ تَكُنْ أزَلِيَّةً لَمْ تَكُنْ أبَدِيَّةً قَضِيَّةٌ لا حُجَّةَ لَهم عَلى تَصْحِيحِها فَلا تُقْبَلُ، ثُمَّ إنَّ كَوْنَ النُّفُوسِ مُتَّحِدَةٌ بِالنَّوْعِ مِمّا قَدْ صَرَّحَ بِهِ جَماعَةٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ كالغَزالِيِّ وغَيْرِهِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الشَّيْخُ مِنَ الفَلاسِفَةِ إلّا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِذَلِكَ بِشُبْهَةٍ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ واسْتَدَلَّ غَيْرُهُ بِأُمُورٍ:

الأوَّلُ: أنَّ النُّفُوسَ مُشْتَرِكَةٌ في أنَّها نُفُوسٌ بَشَرِيَّةٌ فَلَوِ انْفَصَلَ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ بِمُقَوِّمٍ ذاتِيٍّ مَعَ هَذا الِاشْتِراكِ لَزِمَ التَّرْكِيبُ فَكانَتْ جُسْمانِيَّةً.

الثّانِي: أنّا نَرى النّاسَ مُشْتَرِكِينَ في صِحَّةِ العِلْمِ بِالمَعْلُوماتِ، وفي صِحَّةِ التَّخَلُّقِ بِالأخْلاقِ فالنُّفُوسُ مُتَساوِيَةٌ في صِحَّةِ اتِّصافِها بِالأفْعالِ الإدْراكِيَّةِ والتَّحْرِيكِيَّةِ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ تَكُونَ مُتَساوِيَةً مُطْلَقًا لِأنّا لا نَعْقِلُ مِن صِفاتِها إلّا كَوْنَها مُدْرَكَةً ومُتَحَرِّكَةً بِالإرادَةِ وهي مُتَساوِيَةٌ فِيهِما فَهي إذَنْ مُتَساوِيَةٌ في جَمِيعِ صِفاتِها المَعْقُولَةِ فَلَوِ اخْتَلَفَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لَكانَ اخْتِلافُها في صِفاتٍ غَيْرَ مَعْقُولَةٍ، ولَوْ فَتَحْنا هَذا البابَ لَزِمَ تَعَذُّرُ الحُكْمِ بِتَماثُلِ شَيْئَيْنِ لِجَوازِ اخْتِلافِهِما في غَيْرِ مَعْقُولٍ عِنْدَنا وذَلِكَ يُؤَدِّي إلى القَدْحِ في تَماثُلِ المُتَماثِلاتِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ بُيِّنَ في مَحَلِّهِ أنَّ كُلَّ ماهِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ عاقِلَةً لِحَقِيقَةِ ذاتِها لَكِنَّ نَفْسَ زَيْدٍ مَثَلًا مُجَرَّدَةٌ فَهي عاقِلَةٌ لِذَلِكَ ثُمَّ إنَّها لا تَعْقِلُ إلّا ماهِيَّةً قَوِيَّةً عَلى الإدْراكِ والتَّحْرِيكِ فَإذَنْ ماهِيَّتُهُ هَذا القَدْرُ وهو مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ سائِرِ النُّفُوسِ بِالأدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرُوها في بَيانِ أنَّ الوُجُودَ مُشْتَرِكٌ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ تَمامُ ماهِيَّتِهِ مَقُولًا عَلى سائِرِ النُّفُوسِ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ هَذا المُشْتَرِكُ فَصْلَ مُقَوِّمٍ في غَيْرِهِ إذْ هو غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ في زَيْدٍ إلى فَصْلٍ يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ فَلا يُحْتاجُ في غَيْرِهِ أيْضًا إلى فَصْلٍ فَإنَّ الطَّبِيعَةَ الواحِدَةَ لا تَكُونُ مُحْتاجَةً غَنِيَّةً مَعًا، فَثَبَتَ الِاتِّفاقُ في النَّوْعِ وهي أدِلَّةٌ واهِيَةٌ.

أمّا الأوَّلُ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ وإنْ كانَتْ مُخْتَلِفَةً بِالنَّوْعِ فَهي غَيْرُ مُتَشارِكَةٍ في الجِنْسِ فَلا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ الِاخْتِلافِ كَوْنُها مُرَكَّبَةً والِاشْتِراكُ في كَوْنِها نُفُوسًا بَشَرِيَّةً ونَحْوَهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اشْتِراكًا في أُمُورٍ لازِمَةٍ لِجَوْهَرِها ولا تَكُونُ مُقَوِّمَةً لَها فَتَكُونُ مُخْتَلِفَةً في تَمامِ ماهِيّاتِها، ومُشْتَرِكَةً في اللَّوازِمِ الخارِجِيَّةِ مِثْلَ اشْتِراكِ الفُصُولِ المُقَوِّمَةِ لِأنْواعِ جِنْسٍ واحِدٍ في ذَلِكَ الجِنْسِ فَلا يَلْزَمُ التَّرْكِيبُ، ولَوْ سَلَّمْنا أنَّ هَذِهِ الأوْصافَ ذاتِيَّةٌ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ النُّفُوسُ مُرَكَّبَةً في ماهِيّاتِها مَعَ عَدَمِ كَوْنِها جُسْمانِيَّةً

صفحة 45

فالسَّوادُ والبَياضُ مَثَلًا مُنْدَرِجانِ تَحْتَ جِنْسٍ وهو اللَّوْنُ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنهُما مُرَكَّبًا لا تَرْكِيبًا جُسْمانِيًّا، ومِثْلُ هَذا يُقالُ هُنا كَيْفَ لا وقَدْ قالُوا: الجَوْهَرُ مَقُولٌ عَلى النَّفْسِ والجِسْمِ.

وأمّا الثّانِي فَمَدارُهُ الِاسْتِقْراءُ، ويَضْعُفُ ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُمْكِنُنا أنْ نَحْكُمَ عَلى كُلِّ إنْسانٍ بِكَوْنِهِ قابِلًا لِجَمِيعِ المُدْرَكاتِ. وثانِيهُما أنَّهُ لا يُمْكِنُنا أنْ نَحْكُمَ عَلى النَّفْسِ الَّتِي عَلِمْنا قَبُولَها لِصِفَةٍ أنَّها قابِلَةٌ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ كَيْفَ وضَبْطُ الصِّفاتِ غَيْرُ مُمْكِنٍ.

وأمّا الثّالِثُ: فَهو يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ جَمِيعُ المُفارَقاتِ نَوْعًا واحِدًا وهو مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ، وذَهَبَ شِرْذِمَةٌ إلى اخْتِلافِها بِالنَّوْعِ، وهَذا المُعْتَبَرُ عِنْدَ صاحِبِ المُعْتَبَرِ وطَوَّلَ الكَلامَ في ذَلِكَ، وأحْسَنُ ما عَوَّلَ عَلَيْهِ في الِاسْتِدْلالِ لَهُ اخْتِلافُ النّاسِ في العِلْمِ والجَهْلِ والقُوَّةِ والضَّعْفِ والغَضَبِ والتَّحَمُّلِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لِاخْتِلافِ المَزاجِ لِما أنّا نَجْدُ مُتَساوِيَيْنِ مَزاجًا مُخْتَلَفَيْنِ أخْلاقًا وبِالعَكْسِ، وأيْضًا أنَّ نَفْسَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَبْلُغُ قُوَّتَها إلى حَيْثُ تَكُونُ قَوِيَّةً عَلى التَّصَرُّفِ في هَيُولى هَذا العالَمِ ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِقُوَّةِ مَزاجِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ الِاخْتِلافُ إلّا لِاخْتِلافِ الجَواهِرِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا لَيْسَ في الحَقِيقَةِ مِنَ البَراهِينِ بَلْ هو مِنَ الإقْناعاتِ الضَّعِيفَةِ فَتَدَبَّرْ جَمِيعَ ما ذَكَرْناهُ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةٌ لِلْكَلامِ في هَذا المَقامِ وهو لَعَمْرُ اللَّهِ تَعالى طَوِيلُ الذَّيْلِ، وبِالجُمْلَةِ إنَّ الوُقُوفَ عَلى حَقِيقَةِ الرُّوحِ أمْرٌ عُسْرٌ والطَّرِيقُ إلَيْهِ وعِرٌ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى جَلالِ ذاتِهِ وكَمالِ صِفاتِهِ فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ ما أجَّلَهُ ومِن رَبٍّ ما أكْمَلَهُ.

﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ أمْرٌ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى وجْهِ التَّحِيَّةِ والتَّعْظِيمِ أوْ لِلَّهِ تَعالى وهو عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَنزِلَةِ القِبْلَةِ حَيْثُ ظَهَرَتْ فِيهِ تَعاجِيبُ آثارِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ كَقَوْلِ حَسّانَ:

ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى لِقِبْلَتِكم وأعْلَمَ النّاسِ بِالقُرْآنِ والسُّنَنِ

وفِي أمْرِهِمْ بِالوُقُوعِ أيِ السُّقُوطِ دَلِيلٌ عَلى أنْ لَيْسَ المَأْمُورُ بِهِ مُجَرَّدَ الِانْحِناءِ كَما قِيلَ بَلِ السُّجُودَ بِالمَعْنى المُتَبادِرِ.

15:30Page 263

فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ ٣٠

So the angels prostrated - all of them entirely,

﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ﴾ أيْ فَخَلَقَهُ فَسَوّاهُ فَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ فَسَجَدَ لَهُ المَلائِكَةُ ﴿كُلُّهُمْ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَشِذَّ مِنهم أحَدٌ ﴿أجْمَعُونَ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَتَأخَّرْ في ذَلِكَ أحَدٌ مِنهم عَنْ أحَدٍ بَلْ أوْقَعُوا الفِعْلَ مُجْتَمِعِينَ في وقْتٍ واحِدٍ، هَذا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ مِن دَلالَةِ أجْمَعِينَ عَلى الِاجْتِماعِ في وقْتِ الفِعْلِ، وقالَ البَصْرِيُّونَ: إنَّها كَكُلٍّ لِإفادَةِ العُمُومِ مُطْلَقًا.

ومِن هُنا مُنِعَ تَعاطُفُهُما فَلا يُقالُ جاءَ القَوْمٌ كُلُّهم وأجْمَعُونَ ورُدُّوا عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ: ﴿لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ لِظُهُورِ أنْ لا اجْتِماعَ هُناكَ. ورَدُّهُ في الكَشْفِ بِأنَّ الِاشْتِقاقَ مِنَ الجَمْعِ يَقْتَضِيهِ لِأنَّهُ يَنْصَرِفُ إلى أكْمَلِ الأحْوالِ فَإذا فَهِمْتَ الإحاطَةَ مَن لَفْظٍ آخَرَ وهو كُلٌّ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن كَوْنِهِ في وقْتٍ واحِدٍ وإلّا كانَ لَغْوًا، والرَّدُّ بِالآيَةِ مَنشَؤُهُ عَدَمُ تَصَوُّرِ وجْهِ الدَّلالَةِ، ومِنهُ يُعْلَمُ وجْهُ فَسادِ النَّظَرِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانَ حالًا لا تَأْكِيدًا، فالحَقُّ في المَسْألَةِ مَعَ الفَرّاءِ والمُبَرِّدِ وذَلِكَ هو المُوافِقُ لِبَلاغَةِ التَّنْزِيلِ، وزَعَمَ البَصْرِيُّونَ أنَّهُ إنَّما أُكِّدَ بِتَأْكِيدَيْنِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعْمِيمِ ومَنعِ التَّخْصِيصِ.

وزَعَمَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ لا يُؤَكَّدُ بِأجْمَعَ دُونَ كُلٍّ اخْتِيارًا والمُخْتارُ وفاقًا لِأبِي حَيّانَ جَوازُهُ لِكَثْرَةِ وُرُودِهِ

صفحة 46

فِي الفَصِيحِ فَفي القُرْآنِ عِدَّةُ آياتٍ مِن ذَلِكَ وفي الصَّحِيحِ ««فَلَهُ سَلَبُهُ أجْمَعَ فَصَلُّوا جُلُوسًا أجْمَعُونَ»».

ولَعَلَّ مَنشَأ الزَّعْمِ وُجُوبُ تَقْدِيمِ كُلٍّ عِنْدَ الِاجْتِماعِ، ويَرُدُّهُ أنَّ النَّفْسَ يَجِبُ تَقْدِيمُها عَلى العَيْنِ إذا اجْتَمَعا مَعَ جَوازِ التَّأْكِيدِ بِالعَيْنِ عَلى الِانْفِرادِ، وما ذَكَرُوهُ مِن وُجُوبِ تَقْدِيمِ كُلٍّ إنَّما هو بِناءٌ عَلى ما عَلِمْتَ مِنَ الحَقِّ لِرِعايَةِ البَساطَةِ والتَّرْكِيبِ هَذا. ثُمَّ إنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَحْقِيقِ أنَّ سُجُودَهم هَذا هَلْ تَرَتَّبَ عَلى ما حُكِيَ مِنَ الأمْرِ التَّعْلِيقِيِّ كَما يَقْتَضِيهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أوْ عَلى الأمْرِ التَّنْجِيزِيِّ كَما يَسْتَدْعِيهِ بَعْضُ الآياتِ فَتَذَكَّرْ.

15:31Page 263

إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٣١

Except Iblees;1 he refused to be with those who prostrated.

﴿إلا إبْلِيسَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ إمّا لِأنَّهُ كانَ جِنِّيًّا مُفْرَدًا مَغْمُورًا بِأُلُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَعُدَّ مِنهم تَغْلِيبًا وإمّا لِأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ جِنْسًا يَتَوالَدُونَ يُقالُ لَهم جِنٌّ وهو مِنهم وإمّا لِأنَّهُ مَلَكٌ لا جِنِّيٌّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ مُؤَوَّلٌ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ عَدَمِ السُّجُودِ المَفْهُومِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ بِناءً عَلى أنَّهُ مِنَ الإثْباتِ نَفْيٌ ومِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ وهو الَّذِي تَمِيلُ إلَيْهِ النَّفْسُ فَإنَّ مُطْلَقَ عَدَمِ السُّجُودِ قَدْ يَكُونُ مَعَ التَّرَدُّدِ وبِهِ عُلِمَ أنَّهُ مَعَ الإباءِ والِاسْتِكْبارِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا فَجُمْلَةُ (أبى) إلَخْ مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها، ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّ إلّا بِمَعْنى لَكِنْ وإبْلِيسَ اسْمُها، والجُمْلَةَ خَبَرُها كَذا قِيلَ: وفي الهَمْعِ أنَّ البَصْرِيِّينَ يُقَدِّرُونَ المُنْقَطِعَ بِلَكِنَّ المُشَدَّدَةِ ويَقُولُونَ: إنَّما يُقَدَّرُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ في حُكْمِ جُمْلَةٍ مُنْفَصِلَةٍ عَنِ الأُولى فَقَوْلُكَ: ما في الدّارِ أحَدٌ إلّا حِمارًا في تَقْدِيرِ لَكِنَّ فِيها حِمارًا عَلى أنَّهُ اسْتِدْراكٌ يُخالِفُ ما بَعْدَ لَكِنَّ فِيها ما قَبْلَها غَيْرَ أنَّهُمُ اتَّسَعُوا فَأجْرَوْا إلّا مَجْرى لَكِنَّ، لَكِنَّ لَمّا كانَتْ لا يَقَعُ بَعْدَها إلّا المُفْرَدُ بِخِلافِ لَكِنَّ فَإنَّهُ لا يَقَعُ بَعْدَها إلّا كَلامٌ تامٌّ لَقَّبُوهُ بِالِاسْتِثْناءِ تَشْبِيهًا بِها إذا كانَتِ اسْتِثْناءً حَقِيقَةً وتَفْرِيقًا بَيْنَها وبَيْنَ لَكِنَّ، والكُوفِيُّونَ يُقَدِّرُونَهُ بِسِوى، وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ يَسْعُونَ: إلّا مَعَ الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَها في المُنْقَطِعِ يَكُونُ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا، وقالَ في قَوْلِهِ: وما بِالرَّبْعِ مِن أحَدٍ إلّا الأوارِيَ- إلّا فِيهِ بِمَعْنى لَكِنَّ ”الأوارِيَ“ اسْمٌ لَها مَنصُوبٌ بِها والخَبَرُ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ الأُوارِيَّ بِالرَّبْعِ وحُذِفَ خَبَرُ إلّا كَما حُذِفَ خَبَرُ لَكِنَّ في قَوْلِهِ ولَكِنَّ زِنْجِيًّا عَظِيمَ المَشافِرِ. اه.

والظّاهِرُ مِنهُ أنَّ البَصْرِيِّينَ وإنْ قَدَّرُوهُ بِلَكِنَّ لا يُعْرِبُونَهُ هَذا الإعْرابَ فَهو تَقْدِيرُ مَعْنًى لا تَقْدِيرُ إعْرابٍ، ولَعَلَّ التَّوْجِيهَ السّابِقَ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ ابْنِ يَسْعُونَ إلّا أنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ بِوُرُودِ الخَبَرِ مُصَرَّحًا بِهِ، نَعَمْ صَرَّحَ بَعْضُهم بِذَلِكَ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةٌ لِهَذا المَبْحَثِ في هَذِهِ السُّورَةِ فافْهَمْ، ووَجْهُ الِانْقِطاعِ ظاهِرٌ لِأنَّ المَشْهُورَ أنَّهُ لَيْسَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والِانْقِطاعُ- عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ- يَتَحَقَّقُ بِعَدَمِ دُخُولِهِ في المُسْتَثْنى مِنهُ أوْ في حُكْمِهِ، وما قِيلَ: إنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَكُونُ مَأْمُورًا بِالسُّجُودِ فَلا يَلْزَمُ والِاعْتِذارُ عَنْهُ بِأنَّ الجِنَّ كانُوا مَأْمُورِينَ أيْضًا واسْتُغْنِيَ بِذِكْرِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنْهم وأنَّهُ مَعْنى الِانْقِطاعِ وتُوَجُّهُ اللَّوْمِ مِن ضِيقِ العَطَنِ.

15:32Page 264

قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٣٢

[Allāh] said, "O Iblees, what is [the matter] with you that you are not with those who prostrate?"

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالِ مَن قالَ: فَماذا قالَ الرَّبُّ تَعالى عِنْدَ إبائِهِ؟ فَقِيلَ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يا إبْلِيسُ ما لَكَ﴾ أيْ أيُّ سَبَبٍ لَكَ كَما يَقْتَضِيهِ الجَوابُ، وقَوْلُهُ تَعالى: (ما مَنَعَكَ ألّا تَكُونَ) أيْ في أنْ لا تَكُونَ ﴿مَعَ السّاجِدِينَ﴾ لِما خَلَقْتُ مَعَ أنَّهم هم ومَنزِلَتُهم في الشَّرَفِ مَنزِلَتُهُمْ، وكَأنَّ في صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ إيماءٌ إلى مَزِيدِ قُبْحِ حالِهِ، ولَعَلَّ التَّوْبِيخَ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ تَخَلُّفِهِ عَنْ أُولَئِكَ الكِرامِ بَلْ لِأُمُورٍ حُكِيَتْ مُتَفَرِّقَةً إشْعارًا بِأنَّ ( كُلًّا ) مِنها كافٍ في التَّوْبِيخِ وإظْهارِ بُطْلانِ ما ارْتَكَبَهُ وشَناعَتِهِ، وقَدْ تَرَكْتُ حِكايَةَ التَّوْبِيخِ رَأْسًا في غَيْرِ سُورَةٍ اكْتِفاءً بِحِكايَتِها في مَوْضِعٍ آخَرَ، والظّاهِرُ أنَّ

صفحة 47

قَوْلَ اللَّهِ تَعالى لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِواسِطَةٍ وهو مَنصِبٌ عالٍ إذا كانَ عَلى سَبِيلِ الإعْظامِ والإجْلالِ دُونَ الإهانَةِ والإذْلالِ كَما لا يَخْفى.

15:33Page 264

قَالَ لَمۡ أَكُن لِّأَسۡجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقۡتَهُۥ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ ٣٣

He said, "Never would I prostrate to a human whom You created out of clay from an altered black mud."

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ ﴿لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ﴾ اللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ أيْ يُنافِي حالِي ولا يَسْتَقِيمُ مِنِّي أنْ أسْجُدَ ﴿لِبَشَرٍ﴾ جُسْمانِيٍّ كَثِيفٍ ﴿خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ إشارَةٌ إجْمالِيَّةٌ إلى ادِّعاءِ خَيْرِيَّتِهِ وشَرَفِ مادَّتِهِ، وقَدْ نُقِلَ عَنْهُ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ في آيَةٍ أُخْرى، وقَدْ عَنى اللَّعِينُ بِهَذا الوَصْفِ بَيانَ مَزِيدِ خِسَّةِ أصْلِ مَن لَمْ يَسْجُدْ لَهُ وحاشاهُ وقَدِ اكْتَفى في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِحِكايَةِ بَعْضِ ما زَعَمَهُ مُوجِبًا لِلْخِسَّةِ، وفي عُدُولِهِ عَنْ تَطْبِيقِ جَوابِهِ عَلى السُّؤالِ رَوْمٌ لِلتَّفَصِّي عَنِ المُناقَشَةِ وأنّى لَهُ ذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ أمْتَنِعْ عَنِ الِانْتِظامِ في سَلْكِ السّاجِدِينَ بَلْ عَمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِي مِنَ السُّجُودِ لِلْمَفْضُولِ، وقَدْ أخْطَأ اللَّعِينُ حَيْثُ ظَنَّ أنَّ الفَضْلَ كُلَّهُ بِاعْتِبارِ المادَّةِ وما دَرى أنَّهُ يَكُونُ بِاعْتِبارِ الفاعِلِ وبِاعْتِبارِ الصُّورَةِ وبِاعْتِبارِ الغايَةِ بَلْ إنَّ مَلاكَ الفَضْلِ والكَمالِ هو التَّخَلِّي عَنِ المَلَكاتِ الرَّدِيَّةِ والتَّحَلِّي بِالمَعارِفِ الرَّبّانِيَّةِ:

فَشِمالٌ والكَأْسُ فِيها يَمِينُ ويَمِينٌ لا كاسَ فِيها شِمالُ

ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ:

كُنِ ابْنَ مَن شِئْتَ واكْتَسِبْ أدَبًا ∗∗∗ يُغْنِيكَ مَضْمُونُهُ عَنِ النَّسَبِ

إنَّ الفَتى مَن يَقُولُ ها أنا ذا ∗∗∗ لَيْسَ الفَتى مَن يَقُولُ كانَ أبِي

عَلى أنَّ فِيما زَعَمَهُ مِن فَضْلِ النّارِ عَلى التُّرابِ مَنعًا ظاهِرًا وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ.

15:34Page 264

قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ ٣٤

[Allāh] said, "Then depart from it,1 for indeed, you are expelled.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما تَقَدَّمَ أيْضًا ﴿فاخْرُجْ مِنها﴾ قِيلَ: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ لِلسَّماءِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، وأُيِّدَ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ وقِيلَ لِزُمْرَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ويَلْزَمُ خُرُوجُهُ مِنَ السَّماءِ إذْ كَوْنُهُ بِانْزِوائِهِ عَنْهم في جانِبٍ لا يُعَدُّ خُرُوجًا في المُتَبادِرِ وكَفى بِهِ قَرِينَةً، وقِيلَ: لِلْجَنَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ ولِوُقُوعِ الوَسْوَسَةِ فِيها ورُدَّ بِأنَّ وُقُوعَها كانَ بَعْدَ الأمْرِ بِالخُرُوجِ ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ مَطْرُودٌ مِن كُلِّ خَيْرٍ وكَرامَةٍ فَإنَّ مَن يُطْرَدُ يُرْجَمُ بِالحِجارَةِ فالكَلامُ مِن بابِ الكِنايَةِ، وقِيلَ: أيُّ شَيْطانٍ يُرْجَمُ بِالشُّهُبِ وهو وعِيدٌ بِالرَّجْمِ بِها، وقَدْ تَضَمَّنَ هَذا الكَلامُ الجَوابَ عَنْ شُبْهَتِهِ حَيْثُ تَضَمَّنَ سُوءَ حالِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ المانِعَ لَكَ عَنِ السُّجُودِ شَقاوَتُكَ وسُوءُ خاتِمَتِكَ وبُعْدُكَ عَنِ الخَيْرِ لا شَرَفُ عُنْصُرِكَ الَّذِي تَزْعُمُهُ، وقِيلَ: تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ عُلِمَ مِنهُ أنَّ الشَّرَفَ بِتَشْرِيفِ اللَّهِ تَعالى وتَكْرِيمِهِ فَبَطَلَ ما زَعَمَهُ مِن رُجْحانِهِ إذْ أبْعَدَهُ اللَّهُ تَعالى وأهانَهُ وقَرَّبَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكَرَّمَهُ، وقِيلَ: تَضَمَّنَهُ لِلْجَوابِ بِالسُّكُوتِ كَما قِيلَ: جَوابُ ما لا يَرْتَضِي السُّكُوتَ، وفي تَفْسِيرِ الرَّجِيمِ بِالمَرْجُومِ بِالشُّهُبِ إشارَةٌ لَطِيفَةٌ إلى أنَّ اللَّعِينَ لَمّا افْتَخَرَ بِالنّارِ عُذِّبَ بِها في الدُّنْيا فَهو كَعابِدِ النّارِ يَهْواها وتَحْرِقُهُ.

15:35Page 264

وَإِنَّ عَلَيۡكَ ٱللَّعۡنَةَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ٣٥

And indeed, upon you is the curse until the Day of Recompense."

﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ﴾ الإبْعادَ عَلى سَبِيلِ السُّخْطِ وذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى في الآخِرَةِ عُقُوبَةٌ وفي الدُّنْيا انْقِطاعٌ مِن قَبُولِ فَيْضِهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ سُبْحانَهُ، ومِنِ الإنْسانِ دُعاءٌ بِذَلِكَ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ لَعْنَةُ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ ﴿إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ إلى يَوْمِ الجَزاءِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِتَأْخِيرِ جَزائِهِ إلَيْهِ وإنَّ اللَّعْنَةَ مَعَ كَمالِ فَظاعَتِها لَيْسَتْ جَزاءً لِفِعْلِهِ وإنَّما يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ يَوْمَئِذٍ، وفِيهِ مِنَ التَّهْوِيلِ ما فِيهِ، وجُعِلَ ذَلِكَ غايَةُ أمَدِ اللَّعْنَةِ قِيلَ لَيْسَ لِأنَّها تَنْقَطِعُ هُنالِكَ بَلْ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يُعَذَّبُ بِما يَنْسى بِهِ اللَّعْنَةَ مِن أفانِينِ العَذابِ فَتَصِيرُ هي كالزّائِلِ، وقِيلَ: إنَّما غَيًّا بِذَلِكَ لِأنَّهُ أبْعَدُ

صفحة 48

غايَةٍ يَضْرِبُها النّاسُ في كَلامِهِمْ فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ عَلى قَوْلٍ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المُرادَ بِاللَّعْنَةِ لَعْنُ الخَلائِقِ لَهُ لَعْنَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وذَلِكَ مُنْقَطِعٌ إذا نُفِخَ في الصُّورِ وجاءَ يَوْمَ الدِّينِ دُونَ لَعْنِ اللَّهِ تَعالى لَهُ، وإبْعادُهُ إيّاهُ فَإنَّهُ مُتَّصِلٌ إلى الأبَدِ.

15:36Page 264

قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ٣٦

He said, "My Lord, then reprieve me until the Day they are resurrected."

﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي﴾ أمْهِلْنِي وأخِّرْنِي ولا تُمِتْنِي والفاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مَفْهُومٍ مِنَ الكَلامِ أيْ إذْ جَعَلْتَنِي رَجِيمًا فَأمْهِلْنِي ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وذُرِّيَّتَهُ لِلْجَزاءِ وأرادَ بِذَلِكَ أنْ يَجِدَ فُسْحَةً لِإغْوائِهِمْ ويَأْخُذَ مِنهم ثَأْرَهُ، قِيلَ: ولِيَنْجُوَ مِنَ المَوْتِ إذْ لا مَوْتَ بَعْدَ البَعْثِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ، وكَأنَّهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ طَلَبَ تَأْخِيرَ مَوْتِهِ لِذَلِكَ ولَمْ يَكْتَفِ بِما أشارَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ في التَّغَيِّي مِنَ التَّأْخِيرِ لِما أنَّهُ يُمْكِنُ كَوْنُ تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَسائِرِ مَن أُخِّرَتْ عُقُوباتُهم إلى الآخِرَةِ مِنَ الكَفَرَةِ.

15:37Page 264

قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ٣٧

[Allāh] said, "So indeed, you are of those reprieved

﴿قالَ﴾ الرَّبُّ سُبْحانَهُ ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ أيْ مِن جُمْلَتِهِمْ ومُنْتَظِمٍ في سَلْكِهِمْ قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ في وُرُودِ الجَوابِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً مَعَ التَّعَرُّضِ لِشُمُولِ ما سَألَهُ الآخَرِينَ عَلى وجْهٍ يُؤْذِنُ بِكَوْنِ السّائِلِ تَبَعًا لَهم في ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ إخْبارٌ بِالإنْظارِ المُقَدِّرِ لَهم لا لِإنْشاءِ إنْظارٍ خاصٍّ بِهِ وقَعَ إجابَةً لِدُعائِهِ أيْ أنَّكَ مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ أُخِّرَتْ آجالُهم أزَلًا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ حِكْمَةُ التَّكْوِينِ، فالفاءُ لِرَبْطِ الإخْبارِ بِالإنْظارِ بِالِاسْتِنْظارِ كَما في قَوْلِهِ:

فَإنْ تَرْحَمْ فَأنْتَ لِذاكَ أهْلٌ وإنْ تَطْرُدْ فَمَن يَرْحَمُ سِواكا

لا لِرَبْطِ نَفْسِ الإنْظارِ بِهِ وأنَّ اسْتِنْظارَهُ لِتَأْخِيرِ المَوْتِ إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ مِن جُمْلَتِهِمْ لا لِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَما قِيلَ، ونَظْمُهُ في سَلْكِ مَن أُخِّرَتْ عُقُوبَتُهم إلى الآخِرَةِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى مِمَّنْ سَبَقَ مِنَ الجِنِّ ولَحِقَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ لا يُلائِمُ مَقامَ الِاسْتِنْظارِ مَعَ الحَياةِ ولِأنَّ ذَلِكَ التَّأْخِيرَ مَعْلُومٌ مِن إضافَةِ اليَوْمِ إلى الدِّينِ مَعَ إضافَتِهِ في السُّؤالِ إلى البَعْثِ انْتَهى، وقِيلَ: إنَّ الفاءَ مُتَعَلِّقَةٌ كالفاءِ الأُولى بِمَحْذُوفٍ والكَلامُ إجابَةٌ لَهُ في الجُمْلَةِ أيْ إذْ دَعَوْتَنِي فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском