Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Hijr 15:75–87
15:75Page 266
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُتَوَسِّمِينَ ٧٥
Indeed in that are signs for those who discern.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ مِنَ القِصَّةِ ﴿لآياتٍ﴾ لَعَلاماتٍ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى حَقِيقَةِ الحَقِّ ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِلنّاظِرِينَ، وقالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لِلْمُتَفَرِّسِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: لِلْمُعْتَبِرِينَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وهي مَعانٍ مُتَقارِبَةٌ. وفي البَحْرِ التَّوَسُّمُ تَفَعَّلٌ مِنَ الوَسْمِ وهو العَلّامَةُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلى مَطْلُوبٍ، وقالَ ثَعْلَبٌ:
التَّوَسُّمُ النَّظَرُ مِنَ القَرْنِ إلى القَدَمِ واسْتِقْصاءُ وُجُوهِ التَّعْرِيفِ، قالَ الشّاعِرُ:
أوَكُلَّما ورَدَتْ عُكاظَ قَبِيلَةٌ بَعَثُوا إلَيَّ عَرِيفَهم يَتَوَسَّمُ
وذُكِرَ أنَّ أصْلَهُ التَّثَبُّتُ والتَّفَكُّرُ مَأْخُوذٌ مِنَ الوَسْمِ وهو التَّأْثِيرُ بِحَدِيدَةٍ مُحْماةٍ في جِلْدِ البَعِيرِ أوْ غَيْرِهِ، ويُقالُ:
تَوَسَّمْتُ فِيهِ خَيْرًا أيْ ظَهَرَتْ عَلاماتُهُ لِي مِنهُ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ في رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ:
إنِّي تَوَسَّمْتُ فِيكَ الخَيْرَ أعْرِفُهُ ∗∗∗ واللَّهُ يَعْلَمُ أنِّي ثابِتُ البَصَرِ
والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ ( لَآياتٍ ) أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ- عَلى ما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ - أصْلٌ في الفِراسَةِ، فَقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا ««اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعالى»».
ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ وكانَ بَعْضُ المالِكِيَّةِ يَحْكُمُ بِالفِراسَةِ في الأحْكامِ جَرْيًا عَلى طَرِيقِ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ
15:76–77Page 266
وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٖ مُّقِيمٍ ٧٦
And indeed, they [i.e., those cities] are [situated] on an established road.
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٧٧
Indeed in that is a sign for the believers.
﴿وإنَّها﴾ أيِ المَدِينَةُ المُهْلَكَةُ وقِيلَ القُرى ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ أيْ طَرِيقٍ ثابِتٍ يَسْلُكُهُ النّاسُ ويَرَوْنَ آثارَها وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْآياتِ، وقِيلَ: لِلْحِجارَةِ، وقِيلَ: لِلصَّيْحَةِ أيْ وإنَّ الصَّيْحَةَ لَبِمَرْصَدٍ لِمَن يَعْمَلُ عَمَلَهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ ( ومُقِيمٍ) قِيلَ مَعْلُومٌ، وقِيلَ: مُعْتَدٍ دائِمُ السُّلُوكِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ مِنَ المَدِينَةِ أوِ القُرى أوْ في كَوْنِها بِمَرْأى مِنَ النّاسِ يُشاهِدُونَها عِنْدَ مُرُورِهِمْ عَلَيْها ﴿لآيَةً﴾ عَظِيمَةً ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ فَإنَّهُمُ
صفحة 75
الَّذِينَ يَعْرِفُونَ أنَّ سُوءَ صَنِيعِهِمْ هو الَّذِي تَرَكَ دِيارَهم بَلاقِعَ، وأمّا غَيْرُهم فَيَحْمِلُونَ ذَلِكَ عَلى الِاتِّفاقِ أوِ الأوْضاعِ الفَلَكِيَّةِ، وإفْرادُ الآيَةِ بَعْدَ جَمْعِها فِيما سَبَقَ قِيلَ لِما أنَّ المَشاهَدَ هاهُنا بَقِيَّةُ الآثارِ لا كُلَّ القِصَّةِ كَما فِيما سَلَفَ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُؤْمِنِينَ يَكْفِيهِمْ آيَةٌ واحِدَةٌ
15:78Page 266
وَإِن كَانَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ لَظَٰلِمِينَ ٧٨
And the companions of the thicket [i.e., the people of Madyan] were [also] wrongdoers,
﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ هَمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والأيْكَةُ في الأصْلِ الشَّجَرَةُ المُلْتَفَّةُ واحِدَةُ الأيْكِ، قالَ الشّاعِرُ:
تَجْلُو بِقادِمَتِي حَمامَةُ أيْكَةٍ بَرْدًا أسِفُّ لَثاتَهُ بِالإثْمِدِ
والمُرادُ بِها غَيْضَةٌ أيْ بُقْعَةٌ كَثِيفَةُ الأشْجارِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ كانُوا يَسْكُنُونَ الغَيْضَةَ وعامَّةُ شَجَرِها الدُّومُ- وقِيلَ السِّدْرُ- فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ شُعَيْبًا فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكُوا بِما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: بَلْدَةٌ كانُوا يَسْكُنُونَها، وإطْلاقُها عَلى ما ذُكِرَ إمّا بِطْرِيقِ النَّقْلِ أوْ تَسْمِيَةِ المَحَلِّ بِاسْمِ الحالِ فِيهِ ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِ حَتّى صارَ عَلَمًا، وأُيِّدَ القَوْلُ بِالعَلَمِيَّةِ أنَّهُ قُرِئَ في «لَيْكَةَ» مَمْنُوعَ الصَّرْفِ، ( وإنْ ) عِنْدَ البَصْرِيِّينَ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ واللّامُ هي الفارِقَةُ، وعِنْدَ الفَرّاءِ هي النّافِيَةُ ولا اسْمَ لَها واللّامُ بِمَعْنى إلّا، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ أيْ وأنَّ الشَّأْنَ كانَ أُولَئِكَ القَوْمُ مُتَجاوِزِينَ عَنِ الحَدِّ
15:79Page 266
فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٖ مُّبِينٖ ٧٩
So We took retribution from them, and indeed, both [cities] are on a clear highway.
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ جازَيْناهم عَلى جِنايَتِهِمُ السّابِقَةِ بِالعَذابِ والضَّمِيرُ لِأصْحابِ الأيْكَةِ.
وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ لَهم ولِقَوْمِ لُوطٍ ولَيْسَ بِذاكَ. رَوى غَيْرُ واحِدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ سَلَّطَ عَلَيْهِمُ الحَرَّ سَبْعَةَ أيّامٍ لا يُظِلُّهم مِنهُ ظِلٌّ ولا يَمْنَعُهم مِنهُ شَيْءٌ ثُمَّ بَعَثَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ سَحابَةً فَجَعَلُوا يَلْتَمِسُونَ الرُّوحَ مِنها فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ مِنها نارًا فَأكَلَتْهم فَهو عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ﴿وإنَّهُما﴾ أيْ مَحَلِّي قَوْمِ لُوطٍ وقَوْمِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْأيْكَةِ ومَدْيَنَ، والثّانِي وإنْ لَمْ يُذْكَرْ هُنا لَكِنَّ ذِكْرَ الأوَّلِ يَدُلُّ عَلَيْهِ لِإرْسالِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى أهْلِها.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنَّ مَدْيَنَ وأصْحابَ الأيْكَةِ أُمَّتانِ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ»».
ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ بَلْ قِيلَ: إنَّ القَوْلَ الأوَّلَ كَذَلِكَ أيْضًا لِأنَّ الإخْبارَ عَنْ مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّها ﴿لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ أيْ لَبِطْرِيقٍ واضِحٍ يَتَكَرَّرُ مَعَ الإخْبارِ عَنْها آنِفًا، بِأنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ عَلى ما عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وجَمْعُ غَيْرِها مَعَها في الأخْبارِ لا يَدْفَعُ التَّكْرارَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها وكَأنَّهُ لِهَذا قالَ بَعْضُهُمْ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى لُوطٍ وشُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ أيْ وإنَّهُما لَبِطْرِيقٍ مِنَ الحَقِّ واضِحٍ.
وقالَ الجَبائِيُّ: الضَّمِيرُ لِخَبَرِ هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ وخَبَرِ هَلاكِ قَوْمِ شُعَيْبٍ، والإمامُ اسْمٌ لِما يُؤْتَمُّ بِهِ وقَدْ سُمِّيَ بِهِ الطَّرِيقُ واللَّوْحُ المَحْفُوظُ ومُطْلَقُ اللَّوْحِ المُعَدُّ لِلْقِراءَةِ وزَيْجُ البِناءِ ويُرادُ بِهِ عَلى هَذا اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
وقالَ مُؤَرِّجٌ الإمامُ: الكِتابُ في لُغَةِ حِمْيَرَ، والإخْبارُ عَنْهُما بِأنَّهُما في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إشارَةٌ إلى سَبْقِ حُكْمِهِ تَعالى بِهَلاكِ القَوْمَيْنِ لِما عَلِمَهُ سُبْحانَهُ مِن سُوءِ أفْعالِهِمْ
15:80Page 266
وَلَقَدۡ كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡحِجۡرِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٨٠
And certainly did the companions of al-Ḥijr1 [i.e., the Thamūd] deny the messengers.
﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ﴾ يَعْنِي ثَمُودُ ﴿المُرْسَلِينَ﴾ حِينَ كَذَّبُوا رَسُولَهم صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ مَن كَذَّبَ واحِدًا مِن رُسُلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَكَأنَّما كَذَّبَ الجَمِيعَ لِاتِّفاقِ كَلِمَتِهِمْ عَلى التَّوْحِيدِ والأُصُولِ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأُمَمِ والأعْصارِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُرْسَلِينَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى التَّغْلِيبِ وجَعْلِ الأتْباعِ مُرْسَلِينَ كَما قِيلَ: الخُبَيْبُونَ لِخُبَيْبِ بْنِ الزُّبَيْرِ وأصْحابِهِ، وقالَ الشّاعِرُ:
قَدَّنِي مِن نَصْرِ الخَبِيبَيْنِ قَدِّي والقَوْلُ بِأنَّهُ نَزَلَ كُلٌّ مِنَ النّاقَةِ وسَقْبِها
صفحة 76
مَنزِلَةُ رَسُولٍ لِأنَّهُ كالدّاعِي لَهم إلى اتِّباعِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَجَمْعٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ لا اعْتِبارَ لَهُ أصْلًا فِيما أرى.
والحِجْرُ وادٍ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ كانُوا يَسْكُنُونَهُ، قالَ الرّاغِبُ: يُسَمّى ما أُحِيطَ بِهِ الحِجارَةُ حِجْرًا وبِهِ سُمِّي حِجْرُ الكَعْبَةِ ودِيارُ ثَمُودَ، وقَدْ نَهى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أصْحابَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ عَنِ الدُّخُولِ عَلى هَؤُلاءِ القَوْمِ إلّا أنْ يَكُونُوا باكِينَ حَذَرًا مِن أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَهم.
وجاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ النّاسَ عامَ غَزْوَةِ تَبُوكَ اسْتَقَوْا مِن مِياهِ الآبارِ الَّتِي كانَتْ تَشْرَبُ مِنها ثَمُودُ وعَجَنُوا مِنها ونَصَبُوا القُدُورَ بِاللَّحْمِ فَأمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِإهْراقِ القُدُورِ وأنْ يَعْلِفُوا الإبِلَ العَجِينَ وأمَرَهم أنْ يَسْتَقُوا مِنَ البِئْرِ الَّتِي كانَتْ تَرِدُ النّاقَةُ
15:81Page 266
وَءَاتَيۡنَٰهُمۡ ءَايَٰتِنَا فَكَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٨١
And We gave them Our signs, but from them they were turning away.
﴿وآتَيْناهم آياتِنا﴾ مِنَ النّاقَةِ وسَقْبِها وشُرْبِها ودَرِّها.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ في النّاقَةِ خَمْسَ آياتٍ: خُرُوجُها مِنَ الصَّخْرَةِ، ودُنُوُّ نِتاجِها عِنْدَ خُرُوجِها، وعِظَمُها حَتّى لَمْ تُشْبِهُها ناقَةٌ، وكَثْرَةُ لَبَنِها حَتّى يَكْفِيَهم جَمِيعًا، وقِيلَ: كانَتْ لِنَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ مُعْجِزاتٌ غَيْرَ ما ذُكِرَ ولا يَضُرُّنا أنَّها لَمْ تُذْكَرْ عَلى التَّفْصِيلِ، وهو عَلى الإجْمالِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالآياتِ الأدِلَّةُ العَقْلِيَّةُ المَنصُوبَةُ لَهُمُ الدّالَّةُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ المَبْثُوثَةُ في الأنْفُسِ والآفاقِ وفِيهِ بُعْدٌ، وقِيلَ: آياتُ الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلى نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ لَهُ كِتابٌ مَأْثُورٌ إلّا أنْ يُقالَ: الكِتابُ لا يَلْزَمُ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ حَقِيقَةً بَلْ يَكْفِي كَوْنُهُ مَعَهُ مَأْمُورًا بِالأخْذِ بِما فِيهِ ويَكُونُ ذَلِكَ في حُكْمِ نُزُولِهِ عَلَيْهِ، وقَدْ يُقالُ: بِتَكْرارِ النُّزُولِ حَقِيقَةً ولا يَخْفى قُوَّةُ الإيرادِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالآياتِ ما يَشْمَلُ ما بَلَغَهم مِن آياتِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ومَتى صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّ تَكْذِيبَ واحِدٍ مِنهم في حُكْمِ تَكْذِيبِ الكُلِّ فَلِمَ لَمْ يَصِحَّ أنْ يُقالَ: إنَّ ما يَأْتِي بِهِ واحِدٌ مِنَ الآياتِ كَأنَّهُ أتى بِهِ الكُلُّ وفِيهِ نَظَرٌ، وبِالجُمْلَةِ الظّاهِرُ هو التَّفْسِيرُ الأوَّلُ ﴿فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ غَيْرَ مُقْبِلِينَ عَلى العَمَلِ بِما تَقْتَضِيهِ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ لِرِعايَةٍ تُناسِبُ رُؤُوسَ الآيِ.
15:82–83Page 266
وَكَانُواْ يَنۡحِتُونَ مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ ٨٢
And they used to carve from the mountains, houses, feeling secure.
فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ مُصۡبِحِينَ ٨٣
But the shriek seized them at early morning,
﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ مِن نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، وقِيلَ: مِنَ المَوْتِ لِاغْتِرارِهِمْ بِطُولِ الأعْمارِ، وقِيلَ: مِنَ الِانْعِدامِ ونَقْبِ اللُّصُوصِ وتَحْزِيبِ الأعْداءِ لِمَزِيدِ وِثاقَتِها، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أصَحُّ ما يَظْهَرُ لِي في ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ عَواقِبَ الآخِرَةِ فَكانُوا لا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِها بَلْ يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الأمْنِ، وتَفْرِيعُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ أظْهَرُ في تَأْيِيدِ الأوَّلِ ووَقَعَ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ ووُفِّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ الصَّيْحَةَ تُفْضِي إلى الرَّجْفَةِ أوْ هي مَجازٌ عَنْها، واسْتُشْكِلَ التَّقْيِيدُ- بِمُصْبِحِينَ- مَعَ ما رُوِيَ في تَرْتِيبِ أحْوالِهِمْ بَعْدَ أنْ أوْعَدَهم عَلَيْهِ السَّلامُ بِنُزُولِ العَذابِ مِن أنَّهُ لَمّا كانَتْ ضَحْوَةُ اليَوْمِ الرّابِعِ تَحَنَّطُوا بِالصَّبْرِ وتَكَفَّنُوا بِالأنْطاعِ فَأتَتْهم صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ فَتَقَطَّعَتْ لَها قُلُوبُهُمْ، فَإنَّ هَذا يَقْتَضِي أنَّ أخْذَ الصَّيْحَةِ إيّاهم بَعْدَ الضَّحْوَةِ لا مِصْبِحِينَ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ إنْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ يُحْمَلُ ﴿مُصْبِحِينَ﴾ عَلى كَوْنِ الصَّيْحَةِ في النَّهارِ دُونَ اللَّيْلِ أوْ أُطْلِقَ الصُّبْحُ عَلى زَمانٍ مُمْتَدٍّ إلى الضَّحْوَةِ وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَ الآيَةِ والخَبَرِ بِنَحْوِ ما جُمِعَ بِهِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ آنِفًا، وفِيهِ تَأمُّلٌ فَتَأمَّلْ.
15:84Page 266
فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨٤
So nothing availed them [from] what they used to earn.
﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ ولَمْ يَدْفَعْ عَنْهم ما نَزَلَ بِهِمْ ﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِن نَحْتِ البُيُوتِ الوَثِيقَةِ أوْ مِنهُ ومِن جَمْعِ الأمْوالِ والعِدَدِ بَلْ خَرُّوا جاثِمِينَ هَلْكى- فَما- الأُولى نافِيَةٌ وتَحْتَمِلُ الِاسْتِفْهامَ وما الثّانِيَةُ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ
صفحة 77
مَصْدَرِيَّةً وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ والعائِدُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ أيِ الَّذِي كانُوا يَكْسِبُونَهُ. وفي الإرْشادِ أنَّ الفاءَ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإغْناءِ الخاصِّ بِوَقْتِ نُزُولِ العَذابِ حَسْبَما كانُوا يَرْجُونَهُ لا عَدَمِ الإغْناءِ المُطْلَقِ فَإنَّهُ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ، وفي الآيَةِ مِنَ التُّهَمِ بِهِمْ ما لا يَخْفى.
15:85Page 266
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞۖ فَٱصۡفَحِ ٱلصَّفۡحَ ٱلۡجَمِيلَ ٨٥
And We have not created the heavens and earth and that between them except in truth. And indeed, the Hour is coming; so forgive with gracious forgiveness.
﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾ أيْ إلّا خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ والحِكْمَةِ بِحَيْثُ لا يُلائِمُ اسْتِمْرارَ الفَسادِ واسْتِقْرارَ الشُّرُورِ، وقَدِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ إهْلاكَ أمْثالِ هَؤُلاءِ دَفْعًا لِفَسادِهِمْ وإرْشادًا لِمَن بَقِيَ إلى الصَّلاحِ ﴿وإنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ ولا بُدَّ فَنَنْتَقِمُ أيْضًا مِن أمْثالِ هَؤُلاءِ، فالجُمْلَةُ الأُولى إشارَةٌ إلى عَذابِهِمُ الدُّنْيَوِيِّ والثّانِيَةُ إلى عِقابِهِمُ الأُخْرَوِيِّ، وفي كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مِن تَسْلِيَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما لا يَخْفى مَعَ تَضَمُّنِ الأُولى الإشارَةُ إلى وجْهِ إهْلاكِ أُولَئِكَ بِأنَّهُ أمْرٌ اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ، وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ في وجْهِ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ إهْلاكَ الكُفّارِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَلِيقُ ذَلِكَ بِالرَّحِيمِ؟ فَأجابَ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ إنَّما خَلَقْتُ الخَلْقَ لِيَكُونُوا مُشْتَغِلِينَ بِالعِبادَةِ والطّاعَةِ فَإذا تَرَكُوها وأعْرَضُوا عَنْها وجَبَ في الحِكْمَةِ إهْلاكُهم وتَطْهِيرُ الأرْضِ.
وتَعَقَّبَهُ المُفَسِّرُ بِأنَّهُ إنَّما يَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ وجْهًا آخَرَ لِذَلِكَ وهو أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ تَصْبِيرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا سَمِعَ أنَّ الأُمَمَ السّالِفَةَ كانُوا يُعامِلُونَ أنْبِياءَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِمِثْلِ هَذِهِ المُعامَلاتِ الفاسِدَةِ هانَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَحَمُّلُ سَفاهَةِ قَوْمِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ إنْزالَ العَذابِ عَلى الأُمَمِ السّالِفَةِ المُكَذِّبَةِ قالَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ وإنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْتَقِمُ لَكَ فِيها مِن أعْدائِكَ ويُجارِيكَ وإيّاهم عَلى حَسَناتِكَ وسَيِّئاتِهِمْ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ما خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالعَدْلِ والإنْصافِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ إهْمالُ أمْرِكَ، وإلى جَوازِ تَفْسِيرِ الحَقِّ بِالعَدْلِ ذَهَبَ شَيْخُ الإسْلامِ وأشارَ إلى أنَّ الباءَ لِلسَّبَبِيَّةِ وأنَّ المَعْنى ما خَلَقَنا ذَلِكَ إلّا بِسَبَبِ العَدْلِ والإنْصافِ يَوْمَ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، وذَكَرَ أنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ ولَعَلَّ جَعْلَ كُلِّ جُمْلَةٍ إشارَةً إلى شَيْءٍ حَسْبَما أشَرْنا إلَيْهِ أوْلى.
واسْتَدَلَّ بِالأُولى بَعْضُ الأشاعِرَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مُطْلَقًا مَخْلُوقَةً لَهُ تَعالى لِدُخُولِها فِيما بَيْنَهُما، وزَعَمَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ الرَّدَّ بِها عَلى القائِلِينَ بِذَلِكَ لِأنَّ المَعاصِيَ مِنَ الأفْعالِ باطِلَةٌ فَإذا كانَتْ مَخْلُوقَةً لَهُ سُبْحانَهُ لَكانَتْ مَخْلُوقَةً بِالحَقِّ والباطِلِ لا يَكُونُ مَخْلُوقًا بِالحَقِّ، وهو كَلامٌ خالٍ عَنِ التَّحْقِيقِ ﴿فاصْفَحِ﴾ أيْ أعْرِضْ عَنِ الكَفَرَةِ المُكَذِّبِينَ ﴿الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ وهو ما خَلا عَنْ عِتابٍ عَلى ما رَوى غَيْرُ واحِدٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وفَسَّرَ الرّاغِبُ ﴿الصَّفْحَ﴾ نَفْسَهُ بِتَرْكِ التَّثْرِيبِ وذِكْرِ أنَّهُ أبْلَغُ مِنَ العَفْوِ وفي أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قادِرٌ عَلى الِانْتِقامِ مِنهم فَكَأنَّهُ قِيلَ: أعْرِضْ عَنْهم وتَحَمَّلْ أذِيَّتَهم ولا تَعْجَلْ بِالِانْتِقامِ مِنهم وعامِلْهم مُعامَلَةَ الصَّفُوحِ الحَلِيمِ، وحاصِلُ ذَلِكَ أمْرُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمُخالَفَتِهِمْ بِخُلُقٍ رَضِيٍّ وحِلْمٍ وتَأنٍّ بِأنْ يُنْذِرَهم ويَدْعُوَهم إلى اللَّهِ تَعالى قَبْلَ القِتالِ ثُمَّ يُقاتِلُهُمْ، وعَلى هَذا فالآيَةُ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وكَأنَّهم ذَهَبُوا إلى أنَّ المُرادَ بِها مُداراتُهم وتَرْكُ قِتالِهِمْ، وآثَرَ هَذا الأخِيرَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ قالَ: لِيَكُونَ خاتِمَةُ القِصَصِ جامِعَةً لِلتَّسَلِّي والأمْرِ بِالمُداراةِ وتَخَلُّصًا إلى مُشَرَّعٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ تَعالى الآتِي: ﴿ولَقَدْ﴾ إلى آخِرِهِ فَفِيهِ حَدِيثُ الإعْراضِ عَنْ
صفحة 78
زَهْرَةِ الحَياةِ الدُّنْيا وهو مِن أعْظَمِ أنْواعِ الضُّرِّ لَكِنْ ذُكِرَ في الكَشْفِ أنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ﴾ إلى آخِرِهِ جَمْعٌ بَيْنَ حاشِيَتِي مُفَصَّلِ الآياتِ البُرْهانِيَّةِ والِامْتِنانِيَّةِ مُلَخِّصٌ مِنها مَعَ زِيادَةِ مُبالَغَةٍ مِنَ الحَصْرِ لِيُلْقِيَهُ المُحْتَجُّ بِهِ إلى المُعانِدِينَ ويَتَسَلّى بِهِ عَنِ اسْتِهْزاءِ الجاحِدِينَ وتَمْهِيدٌ لِتَطْرِيَةِ ذِكْرِ المَقْصُودِ مِن كَوْنِ الذِّكْرِ كامِلًا في شَأْنِ الهِدايَةِ وافِيًا بِكُلِّ ما عُلِّقَ بِهِ مِنَ الغَرَضِ القائِمِ لَهُ بِحَقِّ الرِّعايَةِ، ثُمَّ قالَ: ومِنهُ يَظْهَرُ أنَّ الآيَةَ عَطْفٌ عَلى ( وما خَلَقْنا ) إلَخْ عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ إشارَةٌ إلى أنَّ أتَمَّ النِّعَمِ وأحَقَّ دَلِيلٍ وأحَقَّ ما يُتَشَفّى بِهِ عَنِ الغَلِيلِ وأنَّ مَن أُوتِيَهُ لا يَضُرُّهُ فَقْدُ شَيْءٍ سِواهُ ومَن طَلَبَ الهَوى في غَيْرِهِ تُرِكَ وهَواهُ اه فَتَدَبَّرْ
15:86Page 266
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ ٨٦
Indeed, your Lord - He is the Knowing Creator.
﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ الَّذِي يُبَلِّغُكَ إلى غايَةِ الكَمالِ ﴿هُوَ الخَلاقُ﴾ لَكَ ولَهم ولِسائِرِ الأشْياءِ عَلى الإطْلاقِ ﴿العَلِيمُ﴾ بِأحْوالِكَ وأحْوالِهِمْ وبِكُلِّ شَيْءٍ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ شَيْءٌ مِمّا جَرى بَيْنَكَ وبَيْنَهم فَحَقِيقٌ أنْ تَكِلَ الأُمُورَ إلَيْهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَكم أوْ هو الَّذِي خَلَقَكم وعَلِمَ تَفاصِيلَ أحْوالِكم وقَدْ عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّ الصَّفْحَ الجَمِيلَ اليَوْمَ أصْلَحُ إلى أنْ يَكُونَ السَّيْفُ أصْلَحَ، فَهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّفْحِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ عَلى ما قِيلَ، وقالَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ: إنَّهُ عَلى الأخِيرِ تَذْيِيلٌ لِلْأمْرِ المَذْكُورِ وعَلى الأوَّلِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ «هُوَ الخالِقُ» وكَذا في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وعُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وهو صالِحٌ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ (والخَلّاقُ) مُخْتَصٌّ بِالكَثِيرِ (والعَلِيمُ) أوْفَقُ بِهِ، وهو عَلى ما قِيلَ أنْسَبُ بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾
15:87Page 266
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ ٨٧
And We have certainly given you, [O Muḥammad], seven of the often repeated [verses]1 and the great Qur’ān.
﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا﴾ أيْ سَبْعَ آياتٍ وهي الفاتِحَةُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي جَعْفَرٍ وأبِي عَبْدِ اللَّهِ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وأبِي العالِيَةِ والضَّحّاكِ وابْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.
وجاءَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا أيْضًا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن حَدِيثِ أُبَيٍّ وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: سَبْعُ سُوَرٍ وهي الطُّوَلُ ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ عُمْرَ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وهي في رِوايَةٍ البَقَرَةُ وآلُ عِمْرانَ والنِّساءُ والمائِدَةُ والأنْعامُ والأعْرافُ والأنْفالُ وبَراءَةُ سُورَةٌ واحِدَةٌ، وفي أُخْرى عُدَّ بَراءَةُ دُونَ الأنْفالِ السّابِعَةُ، وفي أُخْرى عُدَّ يُونُسَ دُونَهُما، وفي أُخْرى عُدَّ الكَهْفُ، وقِيلَ: السَّبْعُ آلُ حم، وقِيلَ: سَبْعُ صُحُفٍ مِنَ الصُّحُفِ النّازِلَةِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، عَلى مَعْنى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُوتِيَ ما يَتَضَمَّنُ سَبْعًا مِنها وإنْ لَمْ يَكُنْ بِلَفْظِها وهي الأسْباعُ، وعَنْ زِيادِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ هي أُمُورٌ سَبْعٌ: الأمْرُ والنَّهْيُ والبِشارَةُ والإنْذارُ وضَرْبُ الأمْثالِ وتَعْدادُ النِّعَمِ وأخْبارُ الأُمَمِ، وأصَحُّ الأقْوالِ الأوَّلُ. وقَدْ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ ورَفَعُوهُ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ بَلْ لا يَجُوزُ ذَلِكَ. وأوْرَدَ عَلى القَوْلِ بِأنَّها السَّبْعُ الطُّوَلُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وتِلْكَ السَّبْعَ مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الرَّبِيعِ، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشَّعَبِ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّهم يَقُولُونَ: هي السَّبْعُ الطُّوَلُ فَقالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وما نَزَلَ مِنَ الطُّوَلِ شَيْءٌ وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِإيتائِها إنْزالُها إلى السَّماءِ الدُّنْيا ولا فَرْقَ بَيْنَ المَدَنِيِّ والمَكِّيِّ فِيها. واعْتُرِضَ بِأنَّ ظاهِرَ ( آتَيْناكَ ) يَأْباهُ، وقِيلَ: إنَّهُ تَنْزِيلٌ لِلْمُتَوَقَّعِ مَنزِلَةَ الواقِعِ في الِامْتِنانِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ ﴿مِنَ المَثانِي﴾ بَيانٌ لِلسَّبْعِ وهُوَ- عَلى ما قالَ في مَوْضِعٍ مِنَ الكَشّافِ- جَمْعُ مَثْنى بِمَعْنى مُرَدَّدٍ ومُكَرَّرٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُثَنّى مَفْعَلٍ مِنَ التَّثْنِيَةِ بِمَعْنى التَّكْرِيرِ والإعادَةِ كَما في
صفحة 79
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ أيْ كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ ونَحْوَ قَوْلِهِمْ لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ وأرادَ كَما في الكَشْفِ أنَّهُ جَمْعٌ لِمَعْنى التَّكْرِيرِ والإعادَةِ كَما ثَنّى لِذَلِكَ لَكِنَّ اسْتِعْمالَ المُثَنّى في هَذا المَعْنى أكْثَرُ لِأنَّهُ أوَّلُ مَراتِبِ التَّكْرارِ ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ أنَّ مُثَنّى بِمَعْنى التَّكْرِيرِ والإعادَةِ كَما أنَّ صَرِيحَ المُثَنّى كَذَلِكَ في نَحْوِ ﴿كَرَّتَيْنِ﴾ ثُمَّ جُمِعَ مُبالَغَةً. وقَوْلُهُ مِنَ التَّثْنِيَةِ إيضاحٌ لِلْمَعْنى لِأنَّهُ مِنَ الثَّنْيِ بِمَعْنى التَّثْنِيَةِ والأوَّلُ أرْجَحُ نَظَرًا إلى ظاهِرِ اللَّفْظِ والثّانِي نَظَرًا إلى الأصْلِ وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: إنَّهُ مِنَ التَّثْنِيَةِ أوِ الثَّناءِ والواحِدَةُ مُثَنّاةٌ أوْ مَثْنِيَةٌ بِفَتْحِ المِيمِ عَلى ما في أكْثَرِ النُّسَخِ وإلّا قِيسَ عَلى ما قالَ المُدَقِّقُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ أنَّ ذَلِكَ مُشْتَقٌّ مِنَ الثَّناءِ أوِ الثَّنْيِ جَمْعِ مَثْنى مَفْعَلٍ مِنهُما إمّا بِمَعْنى المَصْدَرِ جُمِعَ لَمّا صُيِّرَ صِفَةً أوْ بِمَعْنى المَكانِ في الأصْلِ نُقِلَ إلى الوَصْفِ مُبالَغَةً نَحْوَ أرْضٍ مَأْسَدَةٍ لِأنَّ مَحَلَّ الثَّناءِ يَقَعُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ عَلى الثّانِي والمُثَنّى عَلَيْهِ وكَذَلِكَ مَحَلُّ الثَّنْيِ ولا بُعْدَ في بابِ العَدْلِ أنْ يَكُونَ مَنقُولًا عَنْهُ لا مُخْتَرَعًا ابْتِداءً، وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلى الفاتِحَةِ لِأنَّها تُكَرَّرُ قِراءَتُها في الصَّلاةِ ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ وأبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى وعَنِ الزَّجّاجِ لِأنَّها تُثَنّى بِما يُقْرَأُ بَعْدَها مِنَ القُرْآنِ وقِيلَ ونُسِبَ إلى الحَسَنِ أيْضًا: لِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِمَكَّةَ ومَرَّةً بِالمَدِينَةِ. وتُعِقِّبَ بِأنَّها كانَتْ مُسَمّاةً بِهَذا الِاسْمِ قَبْلَ نُزُولِها الثّانِي إذِ السُّورَةُ كَما سَمِعْتَ غَيْرَ مَرَّةٍ مَكِّيَّةٌ وقِيلَ: لِأنَّ كَثِيرًا مِن ألْفاظِها مُكَرَّرٌ كالرَّحْمَنِ والرَّحِيمِ وإيّاكَ والصِّراطِ وعَلَيْهِمْ، وقِيلَ: لِاشْتِمالِها عَلى الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى والقَوْلانِ كَما تَرى، وقِيلَ ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّ إطْلاقَ المَثانِي عَلى الفاتِحَةِ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اسْتَثْناها وادَّخَرَها لِهَذِهِ الأُمَّةِ فَلَمْ يُعْطِها لِغَيْرِهِمْ، ورُوِيَ هَذا الِادِّخارُ في غَيْرِها أيْضًا وفي غَيْرِها أنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ تَكَرَّرَ قِراءَتُهُ وألْفاظُهُ أوْ قِصَصُهُ ومَواعِظُهُ أوْ لِما فِيهِ مِنَ الثَّناءِ عَلَيْهِ تَعالى بِما هو أهْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ أوْ لِأنَّهُ مُثَنّى عَلَيْهِ بِالبَلاغَةِ والإعْجازِ أوْ يُثَنّى بِذَلِكَ عَلى المُتَكَلِّمِ بِهِ، وعَنْ أبِي زَيْدٍ البَلْخِيِّ أنَّ إطْلاقَ المَثانِي عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ يُثْنِي أهْلَ الشَّرِّ عَنْ شَرِّهِمْ فَتَأمَّلْ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمَثانِي القُرْآنُ كُلُّهُ وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي مالِكٍ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ في تَوْجِيهِ إطْلاقِها عَلَيْهِ مَعَ الِاخْتِلافِ في الإفْرادِ والجَمْعِ، وأنْ يُرادَ بِها كُتُبُ اللَّهِ تَعالى كُلُّها- فَمِن- لِلتَّبْعِيضِ وعَلى الأوَّلِ لِلْبَيانِ ﴿والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ بِالنَّصْبِ عُطِفَ عَلى سَبْعًا فَإنْ أُرِيدَ بِها الآياتُ أوِ السُّوَرُ أوِ الأُمُورُ السَّبْعُ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ زِيادٍ فَهو مِن عَطْفِ الكُلِّ عَلى الجُزْءِ بِأنْ يُرادَ بِالقُرْآنِ مَجْمُوعُ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ أوْ مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ بِأنْ يُرادَ بِهِ المَعْنى المُشْتَرِكُ بَيْنَ الكُلِّ والبَعْضِ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى امْتِيازِ الخاصِّ حَتّى كَأنَّهُ غَيْرُهُ كَما في عَكْسِهِ وإنْ أُرِيدَ بِها الأسْباعُ فَهو مِن عَطْفِ أحَدِ الوَصْفَيْنِ عَلى الآخَرِ كَما في قَوْلِهِ: إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ. البَيْتَ، بِناءً عَلى أنَّ القُرْآنَ في نَفْسِهِ الأسْباعُ أيْ ولَقَدْ آتَيْناكَ ما يُقالُ لَهُ السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ، واخْتارَ بَعْضُهم تَفْسِيرَ (القُرْآنَ العَظِيمَ) كالسَّبْعِ المَثانِي بِالفاتِحَةِ لِما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««الحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ هي السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ»».
وفِي الكَشْفِ كَوْنُهُما الفاتِحَةَ أوْفَقُ لِمُقْتَضى المَقامِ لِما مَرَّ في تَخْصِيصِ ﴿الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ بِالسُّورَةِ وأشَدُّ طِباقًا لِلْواقِعِ فَلَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ قَدْ أُوتِيَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كُلَّهُ اه، وأمْرُ العَطْفِ مَعْلُومٌ مِمّا قَبْلَهُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ «والقُرْآنِ» بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى (المَثانِي)، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الواوَ مُقْحَمَةٌ والتَّقْدِيرَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي القُرْآنِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences