Al-AlusiAn‑Nahl · 16:111–115

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:111–115

16:111Page 280

۞ يَوۡمَ تَأۡتِي كُلُّ نَفۡسٖ تُجَٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١١١

On the Day when every soul will come disputing [i.e., pleading] for itself, and every soul will be fully compensated for what it did, and they will not be wronged [i.e., treated unjustly].

﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ- بِ”رَحِيمٌ“- وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِاذْكُرْ مَحْذُوفًا، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِارْتِباطِ النَّظْمِ عَلَيْهِ ومُقابَلَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ولا يَضُرُّ تَقْيِيدُ الرَّحْمَةِ بِذَلِكَ اليَوْمِ لِأنَّ الرَّحْمَةَ في غَيْرِهِ تَثْبُتُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، والمُرادُ بِهَذا اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ ﴿تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ تُدافِعُ وتَسْعى في خَلاصِها بِالِاعْتِذارِ ولا يَهُمُّها شَأْنُ غَيْرِها مِن ولَدٍ ووالِدٍ وقَرِيبٍ. أخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ. وجَماعَةٌ عَنْ كَعْبٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ بن الخَطّابِ فَقالَ: خَوِّفْنا يا كَعْبُ فَقُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أوَلَيْسَ فِيكم كِتابُ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَةُ رَسُولِهِ ﷺ؟ قالَ: بَلى ولَكِنْ خَوِّفْنا قُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَوْ وافَيْتَ يَوْمَ القِيامَةِ بِعَمَلِ سَبْعِينَ نَبِيًّا لازْدَرَأْتَ عَمَلَكَ مِمّا تَرى قالَ: زِدْنا قُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنَّ جَهَنَّمَ لَتَزْفِرُ زَفْرَةً يَوْمَ القِيامَةِ

صفحة 241

لا يَبْقى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إلّا خَرَّ جاثِيًا عَلى رُكْبَتَيْهِ حَتّى إنَّ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ لَيَخِرُّ جاثِيًا عَلى رُكْبَتَيْهِ فَيَقُولُ: رَبِّ نَفْسِي نَفْسِي لا أسْألُكَ اليَوْمَ إلّا نَفْسِي فَأطْرَقَ عُمَرُ مَلِيًّا قُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أوَلَيْسَ تَجِدُونَ هَذا في كِتابِ اللَّهِ؟ قالَ: كَيْفَ؟ قُلْتُ: قَوْلُ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ إلَخْ، وجَعَلَ بَعْضُهم هَذا القَوْلَ هو الجِدالُ ولَمْ يَرْتَضِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، والحَقُّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا الدَّلالَةُ عَلى عَدَمِ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ الغَيْرِ وهو بَعْضُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ المُجادَلَةَ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ يَقُولُ الجَسَدُ: بِكَ نَطَقَ لِسانِي وأبْصَرَتْ عَيْنِي ومَشَتْ رِجْلِي ولَوْلاكَ لَكُنْتُ خَشَبَةً مُلْقاةً وتَقُولُ الرُّوحَ: أنْتَ كَسَبْتَ وعَصَيْتَ لا أنا وأنْتَ كُنْتَ الحامِلَ وأنا المَحْمُولُ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: أضْرِبُ لَكُما مَثَلًا أعْمى حَمَلَ مُقْعَدًا إلى بُسْتانٍ فَأصابا مِن ثِمارِهِ فالعَذابُ عَلَيْكُما، والظّاهِرُ عَدَمُ صِحَّةِ هَذا عَنْ هَذا الحَبْرِ وهو أجْلُّ مِن أنْ يَحْمِلَ المُجادِلَةَ في الآيَةِ عَلى ما ذَكَرَ.

وضَمِيرُ ( نَفْسِها ) عائِدٌ عَلى النَّفْسِ الأُولى فَكَأنَّهُ قِيلَ: عَنْ نَفْسِ النَّفْسِ، وظاهِرُهُ إضافَةُ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ، فَوُجِّهَ بِأنَّ النَّفْسَ الأُولى هي الذّاتُ والجُمْلَةُ أيِ الشَّخْصُ بِأجْزائِهِ كَما في قَوْلِكَ، نَفْسٌ كَرِيمَةٌ ونَفْسٌ مُبارَكَةٌ، والثّانِيَةُ عَيْنُها أيِ الَّتِي تَجْرِي مَجْرى التَّأْكِيدِ ويَدُلُّ عَلى حَقِيقَةِ الشَّيْءِ وهُوِيَّتِهِ بِحَسْبِ المَقامِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الأجْزاءَ مُلاحَظَةٌ في الأوَّلِ دُونَ الثّانِي، والأصْلُ هو الثّانِي لَكِنْ لِعَدَمِ المُغايَرَةِ في الحَقِيقَةِ بَيْنَ الذّاتِ وصاحِبِها اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى الصّاحِبِ ثُمَّ أُضِيفَ الذّاتُ إلَيْهِ، فَوِزانُ ( كُلُّ نَفْسٍ ) وِزانُ قَوْلِكَ: كُلُّ أحَدٍ كَذا في الكَشْفِ، وفي الفَرائِدِ المُغايَرَةُ شَرْطٌ بَيْنَ المُضافِ إلَيْهِ لِامْتِناعِ النِّسْبَةِ بِدُونِ المُنْتَسِبِينَ فَلِذَلِكَ قالُوا: يَمْتَنِعُ إضافَةُ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ إلّا أنَّ المُغايِرَةَ قَبْلَ الإضافَةِ كافِيَةٌ وهي مُحَقَّقَةٌ هاهُنا لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن مُطْلَقِ النَّفْسِ نَفْسُكَ ويَلْزَمُ مِن نَفْسِكَ مُطْلَقُ النَّفْسِ فَلَمّا أُضِيفَ ما لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ نَفْسُكَ إلى نَفْسِكَ صَحَّتِ الإضافَةُ وإنِ اتَّحَدا بَعْدَ الإضافَةِ، ولِذا جازَ عَيْنُ الشَّيْءِ وكُلُّهُ ونَفْسُهُ بِخِلافِ أسَدٍ اللَّيْثِ وحَبْسِ المَنعِ ونَحْوِهِما، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: النَّفْسُ الأُولى هي المَعْرُوفَةُ والثّانِيَةُ هي البَدَنُ، وقالَ العَسْكَرِيُّ: الإنْسانُ يُسَمّى نَفْسًا تَقُولُ العَرَبُ: ما جاءَنِي إلّا نَفْسٌ واحِدَةٌ أيْ إنْسانٌ واحِدَةٌ، والنَّفْسُ في الحَقِيقَةِ لا تَأْتِي لِأنَّها هي الشَّيْءُ الَّذِي يَعِيشُ بِهِ الإنْسانُ فَتَأمَّلْ فَفي النَّفْسِ مِن بَعْضِ ما قالُوهُ شَيْءٌ، والظّاهِرُ أنَّ السُّؤالَ والجَوابَ المَشْهُورَيْنِ فِي- كُلِّ رَجُلٍ وضَيْعَتِهِ- يَجْرِيانِ هاهُنا فَتَفَطَّنْ.

وفِي البَحْرِ إنَّما لَمْ تَجِئْ- تُجادِلُها عَنْها- بَدَلُ ﴿تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ لِأنَّ الفِعْلَ إذا لَمْ يَكُنْ مِن بابِ ظَنَّ وفَقَدَ لا يَتَعَدّى ظاهِرًا كانَ فاعِلُهُ أوْ مُضْمَرًا إلى ضَمِيرِهِ المُتَّصِلِ فَلا يُقالُ: ضَرَبَتْها هِنْدٌ أوْ هِنْدٌ ضَرَبَتْها وإنَّما يُقالُ: ضَرَبَتْ نَفْسَها هِنْدٌ وهِنْدٌ ضَرَبَتْ نَفْسَها، وتَأْنِيثُ ( تَأْتِي ) مَعَ إسْنادِهِ إلى ( كُلُّ ) وهو مُذَكَّرٌ لِرِعايَةِ المَعْنى، وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُهُ:

جادَتْ عَلَيْها كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ فَتَرَكْنَ كُلَّ حَدِيقَةٍ كالدِّرْهَمِ

﴿وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ تُعْطى وافِيًا كامِلًا ﴿ما عَمِلَتْ﴾ أيْ جَزاءَ عَمَلِها أوِ الَّذِي عَمِلَتْهُ إنْ خَيْرًا فَخَيْرًا وإنْ شَرًّا بِطَرِيقِ اطِّلاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ إشْعارًا بِكَمالِ الِاتِّصالِ بَيْنَ الأجْزِيَةِ والأعْمالِ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ ولِلْإيذانِ بِاخْتِلافِ وقْتَيِ المُجادَلَةِ والتَّوْفِيَةِ وإنْ كانَتا في يَوْمٍ واحِدٍ.

﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بِزِيادَةِ العِقابِ أوْ بِالعِقابِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ وقِيلَ: بِنَقْصِ أُجُورِهِمْ وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ عُلِمَ

صفحة 242

مِنَ السّابِقِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ القائِلَ بِهِ لَعَلَّهُ أرادَ بِجَزاءِ ما عَمِلَتِ العِقابُ، وعَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ الأعَمِّ فَهَذا تَكْرارٌ لِلتَّأْكِيدِ ووَجْهُ ضَمِيرِ الجَمْعِ ظاهِرٌ

16:112Page 280

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ١١٢

And Allāh presents an example: a city [i.e., Makkah] which was safe and secure, its provision coming to it in abundance from every location, but it denied the favors of Allāh. So Allāh made it taste the envelopment of hunger and fear for what they had been doing.

﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً﴾ أيْ أهْلَ قَرْيَةٍ وذَلِكَ إمّا بِإطْلاقِ القَرْيَةِ وإرادَةِ أهْلِها وإمّا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلُ- لِضَرَبَ- عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى الجَعْلِ، وأُخِّرَ لِئَلّا يَفْصِلَ الثّانِي بَيْنَ المَوْصُوفِ وصِفَتِهِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها، وتَأْخِيرُهُ عَنِ الكُلِّ مُخِلٌّ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الجَلِيلِ وتَجاذُبِهِ، ولِأنَّ تَأْخِيرَ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ مِمّا يُورِثُ النَّفْسَ شَوْقًا لِوُرُودِهِ لا سِيَّما إذا كانَ في المُقَدَّمِ ما يَدْعُو إلَيْهِ كَما هُنا فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَ وُرُودِهِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ، وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ النَّصْبَ عَلى البَدَلِيَّةِ والأصْلُ عِنْدَهُ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا مَثَلَ قَرْيَةٍ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، والمُرادُ بِالقَرْيَةِ إمّا قَرْيَةٌ مُحَقَّقَةٌ مِن قُرى الأوَّلِينَ، وإمّا مُقَدَّرَةٌ ووُجُودُ المُشَبَّهِ بِهِ غَيْرُ لازِمٍ، ولَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ لِمَكانِ

16:113Page 280

وَلَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡهُمۡ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١١٣

And there had certainly come to them a Messenger from among themselves, but they denied him; so punishment overtook them while they were wrongdoers.

﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهُمْ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ غَيْرُ مانِعٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّها مَكَّةُ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وقَتادَةَ وعَطِيَّةَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عُمَرَ قالَ: صَحِبْتُ حَفْصَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ وهي خارِجَةٌ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ فَأُخْبِرْتُ أنَّ عُثْمانَ قَدْ قُتِلَ فَرَجَعْتُ وقالَتْ: ارْجِعُوا بِي فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها لَلْقَرْيَةُ الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى وتَلَتْ ما في الآيَةِ، ولَعَلَّها أرادَتْ أنَّها مَثَلُها ويُمْكِنُ حَمْلُ ما رُوِيَ عَنِ الخَبَرِ ومَن مَعَهُ عَلى ذَلِكَ، والمَعْنى جَعَلَها اللَّهُ تَعالى مَثَلًا لِأهْلِ مَكَّةَ أوْ لِكُلِّ قَوْمٍ أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ فَأبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا فَجُوزُوا بِما جُوزُوا، ودَخَلَ فِيهِمْ أهْلُ مَكَّةَ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ولَعَلَّهُ المُخْتارُ ﴿كانَتْ آمِنَةً﴾ قِيلَ: ذاتَ أمْنٍ لا يَأْتِي عَلَيْها ما يُوجِبُ الخَوْفَ كَما يَأْتِي عَلى بَعْضِ القُرى مِن إغارَةِ أهْلِ الشَّرِّ عَلَيْها وطَلَبِ الإيقاعِ بِها ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾ ساكِنَةً قارَّةً لا يَحْدُثُ فِيها ما يُوجِبُ الِانْزِعاجَ كَما يَحْدُثُ في بَعْضِ القُرى مِنَ الفِتَنِ بَيْنَ أهالِيها ووُقُوعِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ فَإنَّها قَلَّما تَأْمَنُ مِن إغارَةِ شِرِّيرٍ عَلَيْها وهَيْهاتَ هَيْهاتَ أنْ تَرى شَخْصَيْنِ مُتَصادِقَيْنِ فِيها:

والمَرْءُ يَخْشى مِن أبِيهِ وابْنِهِ ويَخُونُهُ فِيها أخُوهُ وجارُهُ

وقِيلَ: يُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ الِاطْمِئْنانَ أثَرُ الأمْنِ ولازَمَهُ مِن حَيْثُ إنَّ الخَوْفَ يُوجِبُ الِانْزِعاجَ ويُنافِي الِاطْمِئْنانَ، وفي البَحْرِ أنَّهُ زِيادَةٌ في الأمْنِ ﴿يَأْتِيها رِزْقُها﴾ أقْواتُها ﴿رَغَدًا﴾ واسِعًا ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ مِن جَمِيعِ نَواحِيها، وغُيِّرَ أُسْلُوبُ هَذِهِ الصِّفَةِ عَمّا تَقَدَّمَ إلى ما تَرى لِما أنَّ إتْيانَ الرِّزْقِ مُتَجَدِّدٌ وكَوْنَها آمِنَةً مُطَمْئِنَةً ثابِتٌ مُسْتَمِرٌّ، وذَكَرَ الإمامُ أنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتْ ثَلاثَ نِعَمٍ جَمَعَها قَوْلُهُمْ:

ثَلاثَةٌ لَيْسَ لَها نِهايَهْ ∗∗∗ الأمْنُ والصِّحَّةُ والكِفايَهْ

فَآمِنَةٌ إشارَةٌ إلى الأمْنِ (ومُطْمَئِنَّةً) إلى الصِّحَّةِ (ويَأْتِيها رِزْقُها) إلَخْ إلى الكِفايَةِ، وجُعِلَ سَبَبُ الِاطْمِئْنانِ مُلاءَمَةَ هَواءِ البَلَدِ لِأمْزِجَةِ أهْلِهِ وفِيهِ تَأمُّلٌ ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ جَمْعُ نِعْمَةٍ كَشِدَّةٍ وأشُدٍّ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ لِأنَّ المُطَّرِدَ جَمْعُ فِعْلٍ عَلى أفْعُلٍ لا فِعْلَةٍ، وقالَ الفاضِلُ اليَمْنِيُّ: اسْمُ جَمْعٍ لِلنِّعْمَةِ، وقُطْرُبٌ: جَمْعُ نُعْمٍ بِضَمِّ النُّونِ كَبُؤْسٍ وأبْؤُسٍ، والنِّعَمُ عِنْدَهُ بِمَعْنى النَّعِيمِ، وحُمِلَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: هَذا يَوْمُ طُعْمٍ ونُعْمٍ، وعِنْدَ غَيْرِهِ بِمَعْنى النِّعْمَةِ، والمُرادُ بِالنِّعَمِ ما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ قَبْلُ ولَعَلَّهُ في قُوَّةِ نِعَمٍ كَثِيرَةٍ بَلْ هو كَذَلِكَ، وفي إيثارِ جَمْعِ القِلَّةِ إيذانٌ بِأنَّ كُفْرانَ نِعَمٍ قَلِيلَةٍ أوْجَبَتْ هَذا العَذابَ فَما ظَنُّكَ بِكُفْرانِ نِعَمٍ كَثِيرَةٍ ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ)

صفحة 243

﴾ شَبَّهَ أثَرَ الجُوعِ والخَوْفِ وضَرَرِهِما الغاشِي بِاللِّباسِ بِجامِعِ الإحاطَةِ والِاشْتِمالِ فاسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُهُ وأُوقِعَ عَلَيْهِ الإذاقَةُ المُسْتَعارَةُ لِلْإصابَةِ، وأُوثِرَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ التَّأْثِيرِ الَّتِي تَفُوتُ لَوِ اسْتُعْمِلَتِ الإصابَةُ، وبَيَّنُوا العَلاقَةَ بِأنَّ المُدْرَكَ مِن أثَرِ الضَّرَرِ شُبِّهَ بِالمُدْرَكِ مَن طَعْمِ المُرِّ البَشِعِ مِن بابِ اسْتِعارَةِ مَحْسُوسٍ لِمَعْقُولٍ لِأنَّ الوِجْدانِيّاتِ لَزَّتْ في قَرْنِ العَقْلِيّاتِ، وكَذا يُقالُ في الأوَّلِ، ولِشُيُوعِ اسْتِعْمالٍ الإذاقَةِ في ذَلِكَ وكَثْرَةِ جَرَيانِها عَلى الألْسِنَةِ جَرَتْ مَجْرى الحَقِيقَةِ ولِذا جُعِلَ إيقاعُها عَلى اللِّباسِ تَجْرِيدًا، فَإنَّ التَّجْرِيدَ إنَّما يَحْسُنُ أوْ يَصِحُّ بِالحَقِيقِ أوْ ما أُلْحِقَ بِها مِنَ المَجازِ الشّائِعِ، فَلا فَرْقَ في هَذا بَيْنَ أذاقَها إيّاهُ وأصابَها بِهِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَكَساها إيثارًا لِلتَّرْشِيحِ لِئَلّا يَفُوتَ ما تُفِيدُهُ الإذاقَةُ مِنَ التَّأْثِيرِ والإدْراكِ وطَعْمِ الجُوعِ لِما في اللِّباسِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الشُّمُولِ. وصاحِبُ المِفْتاحِ حَمَلَ اللِّباسَ عَلى انْتِفاعِ اللَّوْنِ ورَثاثَةِ الهَيْئَةِ اللّازِمَيْنِ لِلْجُوعِ والخَوْفِ، والِاسْتِعارَةُ حِينَئِذٍ مِن بابِ اسْتِعارَةِ المَحْسُوسِ لِلْمَحْسُوسِ، وما ذُكِرَ أوَّلًا أوْلى إذْ لا يُجِلُّ مَوْقِعَ الإذاقَةِ وتَكُونُ الإصابَةُ أبْلَغَ مَوْقِعًا.

ونُقِلَ عَنِ الأصْحابِ أنَّ لَفْظَ اللِّباسِ عِنْدَهم تَخْيِيلٌ، وبُيِّنَ ذَلِكَ بِأنْ يُشَبَّهَ الجُوعُ والخَوْفُ في التَّأْثِيرِ بِذِي لِباسٍ قاصِدٍ لِلتَّأْثِيرِ مُبالَغٍ فِيهِ فَيَخْتَرِعُ لَهُ صُورَةً كاللِّباسِ ويُطْلَقُ عَلَيْها اسْمُهُ واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ لا يُلائِمُ بَلاغَةَ القُرْآنِ العَظِيمِ لِأنَّ الجُوعَ إذا شُبِّهَ بِالمُؤَثِّرِ القاصِدِ الكامِلِ فِيما تَوَلّاهُ ناسَبَ أنْ تُخْتَرَعَ لَهُ صُورَةٌ ما يَكُونُ آلَةً لِلتَّأْثِيرِ لا صُورَةَ اللِّباسِ الَّذِي لا مَدْخَلَ لَهُ فِيهِ، وتُعِقِّبَ بِأنَّ صاحِبَ المِفْتاحِ يَرى أنَ التَّخْيِيلِيَّةَ مُسْتَعْمَلَةٌ في أمْرٍ وهْمِيٍّ تَوَهَّمَهُ المُتَكَلِّمُ شَبِيهًا بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ فاللِّباسُ إذا كانَ تَخْيِيلًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ أمْرًا مُشْتَمِلًا عَلى الجُوعِ اشْتِمالَ اللِّباسِ كالقَحْطِ ومُشْتَمِلًا عَلى الخَوْفِ كَإحاطَةِ العَدُوِّ فَلا وجْهَ لِقَوْلِهِ: صُورَةُ اللِّباسِ مِمّا لا دَخْلَ لَهُ في التَّأْثِيرِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ مَعَ الفاعِلِ إلّا ذِكْرُ الآلَةِ لِلتَّأْثِيرِ مِمّا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ أحَدٌ مِنَ القَوْمِ ولا يَتَأتّى التِزامُهُ في كُلِّ مَكْنِيَّةٍ، ألا تَراكَ لَوْ قُلْتَ: مَسافَةُ القَرِيضِ ما زالَ يَطْوِيها حَتّى نَزَلَ بِبابِهِ عَلى تَشْبِيهِ المَدْحِ بِمُسافِرٍ ثَبَتَ لَهُ المَسافَةُ تَخْيِيلًا وما بَعْدَهُ تَرْشِيحُ كانَتِ اسْتِعارَةً حَسَنَةً ولَيْسَ قَرِينَتُها آلَةً لِذَلِكَ الفاعِلِ بَلْ أمْرٌ مِن لَوازِمِهِ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في كَلامِ البُلَغاءِ انْتَهى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا عَلى ما فِيهِ لا يُفِيدُ عِنْدَ صَحِيحِ التَّخَيُّلِ تَمْيِيزَ ما نُقِلَ عَنِ الأصْحابِ عَلى ما ذُكِرَ أوَّلًا ولا مُساواتَهُ لَهُ، والمَشْهُورُ أنَّ في ( لِباسَ ) اسْتِعارَتَيْنِ تَصْرِيحِيَّةً ومَكْنِيَّةً، وبُيِّنَ ذَلِكَ بِأنْ شَبَّهَ ما غَشِيَ الإنْسانَ عِنْدَ الجُوعِ والخَوْفِ مِن أثَرِ الضَّرَرِ مِن حَيْثُ الِاشْتِمالُ بِاللِّباسِ فاسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُهُ ومِن حَيْثُ الكَراهَةُ بِالطَّعْمِ المُرِّ البَشِعِ فَيَكُونُ اسْتِعارَةً مُصَرِّحَةً نَظَرًا إلى الأوَّلِ ومَكْنِيَّةً إلى الثّانِيَةِ وتَكُونُ الإذاقَةُ تَخْيِيلًا، وفِيهِ بَحْثٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ الطَّلَبَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِباسُ ﴿الجُوعِ﴾ كَلُجَيْنِ الماءِ أيْ أذاقَها اللَّهُ الجُوعَ الَّذِي هو في الإحاطَةِ كاللِّباسِ، والأوَّلُ أيْضًا أوْلى، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:

غَمَرَ الرِّداءَ إذا تَبَسَّمَ ضاحِكًا ∗∗∗ غَلِقَتْ لِضِحْكَتِهِ رِقابُ المالِ

فَإنَّهُ اسْتَعارَ الرِّداءَ لِلْمَعْرُوفِ لِأنَّهُ يَصُونُ عِرْضَ صاحِبَةِ صَوْنِ الرِّداءِ. لِما يُلْقِي عَلَيْهِ وأضافَ إلَيْهِ الغَمْرَ وهو في وصْفِ المَعْرُوفِ اسْتِعارَةً جَرَتْ مَجْرى الحَقِيقَةِ وحَقِيقَتُهُ مِنَ الغَمْرَةِ وهي مُعْظَمُ الماءِ وكَثْرَتُهُ، وتَقْدِيمُ الجُوعِ النّاشِئِ مِن فُقْدانِ الرِّزْقِ عَلى ( الخَوْفِ ) المُتَرَتِّبِ عَلى زَوالِ الأمْنِ المُقَدَّمِ فِيما تَقَدَّمَ عَلى إتْيانِ الرِّزْقِ لِكَوْنِهِ أنْسَبَ بِالإذاقَةِ أوْ لِمُراعاةِ المُقارَنَةِ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ إتْيانِ الرِّزْقِ.

وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ «لِباسَ الخَوْفِ والجُوعِ» بِتَقْدِيمِ الخَوْفِ، وكَذا قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ اللِّباسَ وعَدَّ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ تَفْسِيرًا لا قِراءَةً، ورَوى العَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ «والخَوْفَ» بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ( لِباسَ )

صفحة 244

وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى حَذْفِ مُضافٍ وإقامَةِ المُضافِ مَقامَهُ أيْ ولِباسَ الخَوْفِ.

وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وفي مُقابَلَةِ ما تَقَدَّمَ بِالجُوعِ والخَوْفِ فَقَطْ ما يُشِيرُ إلى عَدِّ الأمْنِ والِاطْمِئْنانِ كالشَّيْءِ الواحِدِ وإلّا فَكانَ الظّاهِرُ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ والِانْزِعاجِ ﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ فِيما قَبْلُ أوْ عَلى وجْهِ الِاسْتِمْرارِ وهو الكُفْرانُ المَذْكُورُ، وما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ يَصْنَعُونَهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً والبابُ عَلى الوَجْهَيْنِ بِسَبَبِيَّةٍ والضَّمِيرانِ قِيلَ: عائِدانِ عَلى- أهْلِ- المُقَدَّرِ المُضافِ إلى القَرْيَةِ بَعْدَ ما عادَتِ الضَّمائِرُ السّابِقَةُ إلى لَفْظِها، وقِيلَ: عائِداتٌ إلى القَرْيَةِ مُرادًا بِها أهْلُها.

وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أسْنَدَ ما ذُكِرَ إلى أهْلِ القَرْيَةِ تَحْقِيقًا لِلْأمْرِ بَعْدَ إسْنادِ الكُفْرانِ إلَيْها وإيقاعُ الإذاقَةِ عَلَيْها إرادَةٌ لِلْمُبالَغَةِ، وفي صِيغَةِ الصَّنْعَةِ إيذانٌ بِأنَّ كُفْرانَ الصَّنِيعَةِ صَنْعَةٌ راسِخَةٌ لَهم وسُنَّةٌ مَسْلُوكَةٌ ﴿ولَقَدْ جاءَهُمْ﴾ مِن تَتِمَّةِ التَّمْثِيلِ، والضَّمِيرُ فِيهِ عائِدٌ عَلى مَن عادَ إلَيْهِ الضَّمِيرانِ قَبْلَهُ، وجِيءَ بِذَلِكَ لِبَيانِ أنَّ ما صَنَعُوهُ مِن كُفْرانِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ مُزاحَمَةً مِنهم لِقَضِيَّةِ العَقْلِ فَقَطْ بَلْ كانَ ذَلِكَ مُعارَضَةً لِحُجَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلى الخَلْقِ أيْضًا أيْ ولَقَدْ جاءَ أهْلَ تِلْكَ القَرْيَةِ ﴿رَسُولٌ مِنهُمْ﴾ أيْ مِن جِنْسِهِمْ يَعْرِفُونَهُ بِأصْلِهِ ونَسَبِهِ فَأخْبَرَهم بِوُجُوبِ الشُّكْرِ عَلى النِّعْمَةِ وأنْذَرَهم بِسُوءِ عاقِبَةِ ما هم عَلَيْهِ ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ في رِسالَتِهِ أوْ فِيما أخْبَرَهم بِهِ مِمّا ذُكِرَ، فالفاءُ فَصِيحَةٌ وعَدَمُ ذِكْرِ ما أفْصَحَتْ عَنْهُ لِلْإيذانِ بِمُفاجَأتِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ المُسْتَأْصِلُ لِشَأْفَتِهِمْ غَبَّ ما ذاقُوا مِنهُ ما سَمِعْتَ ﴿وهم ظالِمُونَ﴾ أيْ حالَ التِباسِهِمْ بِالظُّلْمِ وهو الكُفْرانُ والتَّكْذِيبُ غَيْرُ مُقْلِعَيْنِ عَنْهُ بِما ذاقُوا مِنَ المُقَدِّماتِ الزّاجِرَةِ عَنْهُ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى تَمادِيهِمْ في الكُفْرِ والعِنادِ وتَجاوُزِهِمْ في ذَلِكَ كُلَّ حَدٍّ مُعْتادٍ.

وتَرْتِيبُ أخْذِ العَذابِ عَلى تَكْذِيبِ الرَّسُولِ جَرى عَلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى حَسْبَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ وبِهِ يَتِمُّ التَّمْثِيلُ فَإنَّ حالَ أهْلِ مَكَّةَ سَواءٌ ضُرِبَ المَثَلُ لَهم خاصَّةً أوْ لَهم ولِمَن سارَ سِيرَتَهم كافَّةً أشْبَهُ بِحالِ أهْلِ تِلْكَ القَرْيَةِ مِنَ الغُرابِ بِالغُرابِ فَقَدْ كانُوا في حَرَمٍ آمِنٍ يُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ ولا يَمُرُّ بِبالِهِمْ طَيْفٌ مِنَ الخَوْفِ ولا يُزْعِجُ قَطُّ قُلُوبَهم مُزْعِجٌ وكانَتْ تُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم وأيُّ رَسُولٍ تَحارُ في إدْراكِ سُمُوِّ مَرْتَبَةِ العُقُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما اخْتَلَفَ الدَّبُّورُ والقَبُولُ فَأنْذِرِهم وحَذِّرْهم فَكَفَرُوا بِأنْعُمِ اللَّهِ تَعالى وكَذَّبُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأذاقَهُمُ اللَّهُ تَعالى لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ حَيْثُ أصابَهم بِدُعائِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ»».

ما أصابَهم مِن جَدَبٍ شَدِيدٍ وأزْمَةٍ ما عَلَيْها مَزِيدٌ فاضْطَرُّوا إلى أكْلِ الجِيَفِ والكِلابِ المَيْتَةِ والعِظامِ المَحْرُوقَةِ والعَلْهَزِ وهو طَعامٌ يُتَّخَذُ في سِنِي المَجاعَةِ مِنَ الدَّمِ والوَبَرِ وكانَ أحَدُهم يَنْظُرُ إلى السَّماءِ فَيَرى شِبْهَ الدُّخانِ مِنَ الجُوعِ وقَدْ ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ مِن سَرايا رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَيْثُ كانُوا يُغِيرُونَ عَلى مَواشِيهِمْ وعِيرِهِمْ وقَوافِلِهِمْ ثُمَّ أخَذَهم يَوْمَ بَدْرٍ ما أخَذَهم مِنَ العَذابِ هَذا ما اخْتارَهُ شَيْخُ الإسْلامِ وقالَ: إنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ، وأمّا ما أجْمَعَ عَلَيْهِ أكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ مِن أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَهُمْ﴾ لِأهْلِ مَكَّةَ والكَلامُ انْتِقالٌ إلى ذِكْرِ حالِهِمْ صَرِيحًا بَعْدَ ذِكْرِ مَثَلِهِمْ وأنَّ المُرادَ بِالرَّسُولِ مُحَمَّدٌ

صفحة 245

صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبِالعَذابِ ما أصابَهم مِنَ الجَدْبِ ووَقْعَةُ بَدْرٍ فَبِمَعْزِلٍ عَنِ التَّحْقِيقِ كَيْفَ لا

16:114Page 280

فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١١٤

Then eat of what Allāh has provided for you [which is] lawful and good. And be grateful for the favor of Allāh, if it is [indeed] Him that you worship.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ مُفَرَّعٌ عَلى نَتِيجَةِ التَّمْثِيلِ وصَدٌّ لَهم عَمّا يُؤَدِّي إلى مِثْلِ عاقِبَتِهِ، والمَعْنى وإذا قَدِ اسْتَبانَ لَكم حالُ مَن كَفَرَ بِأنْعُمِ اللَّهِ تَعالى وكَذَّبَ رَسُولَهُ وما حَلَّ بِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنَ اللتيا والَّتِي أوَّلًا وآخِرًا فانْتَهُوا عَمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن كُفْرانِ النِّعَمِ وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَيْلا يَحِلَّ بِكم ما حَلَّ بِهِمْ واعْرِفُوا حَقَّ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى وأطِيعُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ فَكُلُوا مَن رِزْقِ اللَّهِ تَعالى حالَ كَوْنِهِ ﴿حَلالا طَيِّبًا﴾ وذَرُوا ما تَفْتَرُونَ مِن تَحْرِيمِ البَحائِرِ ونَحْوِها ﴿واشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ واعْرِفُوا حَقَّها ولا تُقابِلُوها بِالكُفْرانِ.

والفاءُ في المَعْنى داخِلَةٌ عَلى الأمْرِ بِالشُّكْرِ وإنَّما دَخَلَتْ عَلى الأمْرِ بِالأكْلِ لِكَوْنِ الأكْلِ ذَرِيعَةً إلى الشُّكْرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ غَبَّ أكْلِها حَلالًا طَيِّبًا وقَدْ أُدْمِجَ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ زَعْمِ الحُرْمَةِ ولا رَيْبَ في أنَّ هَذا إنَّما يُتَصَوَّرُ حِينَ كانَ العَذابُ المُسْتَأْصِلُ مُتَوَقَّعًا بَعْدُ وقَدْ تَمَهَّدَتْ مَبادِيهِ، وأمّا بَعْدَ ما وقَعَ فَمَن ذا الَّذِي يُحَذَّرُ ومَن ذا الَّذِي يُؤْمَرُ بِالأكْلِ والشُّكْرِ وحُمِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ عَلى الإخْبارِ بِذَلِكَ قَبْلَ الوُقُوعِ يَأْباهُ التَّصَدِّي لِاسْتِصْلاحِهِمْ بِالأمْرِ والنَّهْيِ وإنْ لَمْ يَأْباهُ التَّعْبِيرُ بِالماضِي لِأنَّ اسْتِعْمالَهُ في المُسْتَقْبَلِ المُتَحَقِّقِ الوُقُوعِ مَجازًا كَثِيرٌ.

وتَوْجِيهُ خِطابِ الأمْرِ بِالأكْلِ إلى المُؤْمِنِينَ مَعَ أنَّ ما يَتْلُوهُ مِن خِطابِ النَّهْيِ مُتَوَجِّهٌ إلى الكُفّارِ كَما فَعَلَ الواحِدِيُّ قالَ: فَكُلُوا أنْتُمْ يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الغَنائِمِ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ اه. وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ بَعْدَ ما فُسِّرَ العَذابُ بِالعَذابِ المُسْتَأْصِلِ لِلشَّأْفَةِ كَيْفَ يُرادُ بِهِ ما وقَعَ في بَدْرٍ وما بَقِيَ مِنهم أضْعافُ ما ذَهَبَ وإنْ كانَ مِثْلُ ذَلِكَ كافِيًا في الِاسْتِئْصالِ فَلْيَكُنِ المُحَذَّرِ والمَأْمُورِ الباقِي مِنهُمْ، وما ذَكَرَهُ عَنِ الواحِدِيِّ مِن تَوْجِيهِ خِطابِ الأمْرِ بِالأكْلِ لِلْمُؤْمِنِينَ رَواهُ الإمامُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ثُمَّ نَقَلَ عَنِ الكَلْبِيِّ ما يَسْتَدْعِي أنَّ الخِطابَ لِأهْلِ مَكَّةَ حَيْثُ قالَ: إنَّ رُؤَساءَ مَكَّةَ كَلَّمُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ جَهِدُوا وقالُوا: عادَيْتَ الرِّجالَ فَما بالُ الصِّبْيانِ والنِّساءِ وكانَتِ المِيرَةُ قَدْ قُطِعَتْ عَنْهم بِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأذِنَ في الحَمْلِ إلَيْهِمْ فَحُمِلَ الطَّعامُ إلَيْهِمْ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ إلَخْ ثُمَّ قالَ: والقَوْلُ ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى فِيما بَعْدُ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ إلَخْ يَعْنِي أنَّكم لَمّا آمَنتُمْ وتَرَكْتُمُ الكُفْرَ فَكُلُوا الحَلالَ الطَّيِّبَ وهو الغَنِيمَةُ واتْرُكُوا الخَبائِثَ وهو المَيْتَةُ والدَّمُ اه. وفي التَّفْسِيرِ الخازِنِيِّ أنَّ كَوْنَ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ هو الصَّحِيحُ فَإنَّ الصَّحِيحَ أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ كَما قالَ مُقاتِلٌ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ، والمُرادُ بِالقَرْيَةِ مَكَّةُ وقَدْ ضَرَبَها اللَّهُ تَعالى لِأهْلِ المَدِينَةِ يُخَوِّفُهم ويُحَذِّرُهم أنْ يَصْنَعُوا مِثْلَ صَنِيعِهِمْ فَيُصِيبُهم ما أصابَهم مِنَ الجُوعِ والخَوْفِ ويَشْهَدُ لِصِحَّةِ ذَلِكَ أنَّ الخَوْفَ المَذْكُورَ في الآيَةِ كانَ مِنَ البُعُوثِ والسَّرايا الَّتِي كانَتْ يَبْعَثُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُؤْمَرْ بِالقِتالِ وهو بِمَكَّةَ وإنَّما أُمِرَ بِهِ وهو بِالمَدِينَةِ فَكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إلى مَكَّةَ يُخَوِّفُهم بِذَلِكَ وهو بِالمَدِينَةِ، والمُرادُ بِالعَذابِ ما أصابَهم مِنَ الجُوعِ والخَوْفِ وهو أوْلى مِن أنْ يُرادَ بِهِ القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَهُمْ﴾ إلَخْ عِنْدَهُ كَما هو عِنْدَ الجُمْهُورِ انْتِقالٌ مِنَ التَّمْثِيلِ بِهِمْ إلى التَّصْرِيحِ بِحالِهِمُ الدّاخِلَةِ فِيهِ ولَيْسَ مِن تَتِمَّتِهِ فَإنَّهُ عَلى ما قِيلَ خِلافُ المُتَبادَرِ إلى الفَهْمِ. نَعَمْ كَوْنُ خِطابِ النَّهْيِ فِيما بَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بَعِيدًا غايَةَ البُعْدِ، وجَعْلُهُ لِلْكُفّارِ

صفحة 246

مَعَ جَعْلِ خِطابِ الأمْرِ السّابِقِ لِلْمُؤْمِنِينَ بَعْدُ أيْضًا لَكِنْ دُونُ ذَلِكَ. وادَّعى أبُو حَيّانَ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ خِطابَ النَّهْيِ كَخِطابِ الأمْرِ لِلْمُكَلَّفِينَ كُلِّهِمْ، ونَقَلَ كَوْنَ خِطابِ النَّهْيِ لَهم عَنِ العَسْكَرِيِّ، وكَوْنُهُ لِلْكُفّارِ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ عَطِيَّةِ والجُمْهُورِ، ولَعَلَّ الأوْلى ما ذَكَرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ إلّا أنَّ تَقْيِيدَ العَذابِ بِالمُسْتَأْصِلِ ودَعْوى أنَّ حالَ أهْلِ مَكَّةَ كَحالِ أهْلِ تِلْكَ القَرْيَةِ حَذْوُ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَهُما ولَوْ في خَصْلَةٍ فَذَّةٍ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ مِن حَيْثُ إنَّ أهْلَ مَكَّةَ لَمْ يُسْتَأْصَلُوا فَتَأمَّلْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ تُطِيعُونَ أوْ إنْ صَحَّ زَعْمُكم إنَّكم تَقْصِدُونَ بِعِبادَةِ الآلِهَةِ عِبادَتَهُ سُبْحانَهُ ومَن قالَ: إنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ أبْقى هَذا عَلى ظاهِرِهِ أيْ إنْ كُنْتُمْ تَخُصُّونَهُ تَعالى بِالعِبادَةِ، والكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّهْيِيجِ.

16:115Page 280

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٥

He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit] - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِحَلِّ ما أمَرَهم بِأكْلِهِ مِمّا رَزَقَهُمْ، والحَصْرُ إضافِيٌّ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ أيْ إنَّما حَرَّمَ أكْلَ هَذِهِ الأشْياءِ دُونَ ما تَزْعُمُونَ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ ونَحْوِها فَلا يُنافِي تَحْرِيمَ غَيْرِ المَذْكُوراتِ كالسِّباعِ والحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، وقِيلَ: الحَصْرُ عَلى ظاهِرِهِ والسِّباعُ ونَحْوُها لَمْ تُحَرَّمْ قَبْلُ وإنَّما حُرِّمَتْ بَعْدُ ولَيْسَ الحَصْرُ إلّا بِالنَّظَرِ إلى الماضِي، وقالَ الإمامُ: إنَّهُ تَعالى حَصَرَ المُحَرَّماتِ في الأرْبَعِ في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ الأنْعامِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ إلَخْ وهُما مَكِّيَّتانِ وحَصَرَها فِيها أيْضًا في البَقَرَةِ وكَذا في المائِدَةِ فَإنَّهُ تَعالى قالَ فِيها ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ فَأباحَ الكُلَّ إلّا ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِما يُتْلى هو قَوْلُهُ تَعالى في تِلْكَ السُّورَةِ:

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وما ذَكَرَهُ تَعالى مِنَ المُنْخَنِقَةِ والمَوْقُوذَةِ والمُتَرَدِّيَةِ والنَّطِيحَةِ وما أكَلَ السَّبْعُ داخِلٌ في المَيْتَةِ وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ داخِلٌ فِيما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ السُّوَرَ الأرْبَعَ دالَّةٌ عَلى حَصْرِ المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأرْبَعِ، وسُورَتا النَّحْلِ والأنْعامِ مَكِّيَّتانِ وسُورَتا البَقَرَةِ والمائِدَةِ مَدَنِيَّتانِ، والمائِدَةُ مِن آخِرِ ما نَزَلْ بِالمَدِينَةِ فَمَن أنْكَرَ حَصْرَ التَّحْرِيمِ في الأرْبَعِ إلّا ما خَصَّهُ الإجْماعُ والدَّلائِلُ القاطِعَةُ كانَ في مَحَلِّ أنَّ يُخْشى عَلَيْهِ لِأنَّ هَذِهِ السُّوَرَ دَلَّتْ عَلى أنَّ حَصْرَ المُحَرَّماتِ فِيها كانَ مَشْرُوعًا ثابِتًا في أوَّلِ أمْرِ مَكَّةَ وآخِرِها وأوَّلِ المَدِينَةِ وآخِرِها، وفي إعادَةِ البَيانِ قَطْعٌ لِلْأعْذارِ وإزالَةٌ لِلشُّبَهِ اه فَتَفَطَّنْ ولا تَغْفَلْ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أيْ دَعَتْهُ ضَرُورَةُ المَخْمَصَةِ إلى تَناوُلِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ عَلى مُضْطَرٍّ آخَرَ ﴿ولا عادٍ﴾ مُتَعَدٍّ قَدْرَ الضَّرُورَةِ وسَدِّ الرَّمَقِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ لا يُؤاخِذُهُ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ فَأُقِيمُ سَبَبُهُ مَقامَهُ، ولِتَعْظِيمِ أمْرِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ جِيءَ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ، وقَدَّسَها شَيْخُ الإسْلامِ فَظَنَّ أنَّ الآيَةَ ﴿فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَبَيَّنَ سِرَّ التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ والإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ وسُبْحانَ مَن لا يَسْهُو.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الكافِرَ مُكَلَّفٌ بِالفُرُوعِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском