Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:80–86
16:80Page 276
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَآ أَثَٰثٗا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٨٠
And Allāh has made for you from your homes a place of rest and made for you from the hides of the animals tents which you find light on your day of travel and your day of encampment; and from their wool, fur and hair is furnishing and enjoyment [i.e., provision] for a time.
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما مَرَّ، وتَقْدِيمُ ( لَكم ) عَلى ما بَعْدَهُ لِلتَّشْوِيقِ والإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ هَذا الجَعْلَ لِمَنفَعَتِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بُيُوتِكُمْ﴾ تَبْيِينٌ لِذَلِكَ المَجْعُولِ المُبْهَمِ في الجُمْلَةِ وتَأْكِيدٌ لِما سَبَقَ مِنَ التَّشْوِيقِ والإضافَةُ لِلْعَهْدِ أيْ مِن بُيُوتِكُمُ المَعْهُودَةِ الَّتِي تَبْنُونَها مِنَ الحَجَرِ والمَدَرِ والأخْشابِ ﴿سَكَنًا﴾ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَنَقَضَ وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
جاءَ الشِّتاءُ ولَمّا أتَّخِذُ سَكَنًا يا ويْحَ نَفْسِي مِن حَفْرِ القَرامِيصِ
ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْ مَوْضِعًا تَسْكُنُونَ فِيهِ وقْتَ إقامَتِكُمْ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَسْكُنُونَ إلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَنْتَقِلَ مِن مَكانِهِ أيْ جَعَلَ بَعْضَ بُيُوتِكم بِحَيْثُ تَسْكُنُونَ إلَيْهِ وتَطْمَئِنُونَ بِهِ.
﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ أيْ بُيُوتًا أُخَرَ مُغايِرَةً لِبُيُوتِكُمُ المَعْهُودَةِ وهي القِبابُ المُتَّخَذَةُ مِنَ
صفحة 204
الأُدْمِ والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَنْدَرِجُ في هَذِهِ البُيُوتِ البُيُوتُ المُتَّخَذَةُ مِنَ الشَّعْرِ والصُّوفِ والوَبَرِ، وقالَ ابْنُ سَلّامٍ وغَيْرُهُ: بِالِانْدِراجِ لِأنَّها مِن حَيْثُ إنَّها ثابِتَةٌ عَلى جُلُودِها يُصَدَّقُ عَلَيْها أنَّها مِن جُلُودِها. واعْتُرِضَ بِأنَّ ( مِن ) عَلى الأوَّلِ تَبْعِيضِيَّةٌ وعَلى إرادَةِ البُيُوتِ الَّتِي مِنَ الشَّعْرِ ونَحْوِهِ ابْتِدائِيَّةٌ. فَإذا عُمِّمَ ذَلِكَ يَلْزَمُ اسْتِعْمالُ المُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ وأُجِيبَ بِأنَّ القائِلَ بِذَلِكَ لَعَلَّهُ يَرى جَوازَ هَذا الِاسْتِعْمالِ، ومِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ البَيْضاوِيُّ وهو شافِعِيٌّ. وقِيلَ: الجُلُودُ مَجازٌ عَنِ المَجْمُوعِ ﴿تَسْتَخِفُّونَها﴾ أيْ تَجِدُونَها خَفِيفَةً سَهْلَةَ المَأْخَذِ فالسِّينُ لَيْسَتْ لِلطَّلَبِ بَلْ لِلْوِجْدانِ كَأحْمَدْتُهُ وجَدْتُهُ مَحْمُودًا ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ وقْتَ تَرْحالِكم في النَّقْضِ والحَمْلِ ﴿ويَوْمَ إقامَتِكُمْ﴾ ووَقْتَ نُزُولِكم وإقامَتِكم في مُسايِرِكم حَسْبَما يَتَّفِقُ في الضَّرْبِ والبِناءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَجِدُونَها خَفِيفَةً في أوْقاتِ السَّفَرِ وفي أوْقاتِ الحَضَرِ، واخْتارَ ابْنُ المُنِيرِ الأوَّلَ وقالَ: إنَّهُ التَّفْسِيرُ لِأنَّ المِنَّةَ في خِفَّتِها في السَّفَرِ أتَمُّ وأقْوى إذْ لا يَهُمُّ المُقِيمُ أمْرَها، قالَ في الكَشْفِ: وهو حَقٌّ، وقالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الثّانِي أوْلى لِلْعُمُومِ فَإنَّ حالَتَيِ السَّفَرِ انْدَرَجَتا في يَوْمِ ظَعْنِكم حَيْثُ أُرِيدَ بِهِ مُقابِلُ الحَضَرِ والخِفَّةُ عَلى المُقِيمِ نِعْمَةٌ في حَقِّهِ أيْضًا فَإنَّهُ يَضْرِبُها وقَدْ يَنْقُلُها مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ قَرِيبٍ لِداعٍ يَدْعُو إلَيْهِ فالأوْلى أنْ لا تَخْلُو الآيَةُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِذَلِكَ اه ولا يَخْفى أنَّ الِانْدِراجَ ظاهِرٌ إنْ أُرِيدَ بِالظَّعْنِ مُقابِلُ الحَضَرِ وأمّا إذا أُرِيدَ بِهِ مُقابِلُ النُّزُولِ كَما سَمِعْتَ فَغَيْرُ ظاهِرٍ.
نَعَمْ يَجُوزُ إرادَةُ ذَلِكَ، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو «ظَعَنِكُمْ» بِفَتْحِ العَيْنِ. وباقِي السَّبْعَةِ بِسُكُونِها وهُما لُغَتانِ والفَتْحُ عَلى ما في المَعالِمِ أجْزَلُهُما، وقِيلَ: الأصْلُ الفَتْحُ والسُّكُونُ تَخْفِيفٌ لِأجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ كالشَّعْرِ والشِّعَرِ.
﴿ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: )مِن جُلُودِ) والضَّمِيرُ لِلْأنْعامِ عَلى وجْهِ التَّنْوِيعِ أيْ وجَعَلَ لَكم مِن أصْوافِ الضَّأْنِ وأوْبارِ الإبِلِ وأشْعارِ المَعِزِ ﴿أثاثًا﴾ أيْ مَتاعَ البَيْتِ كالفُرُشِ وغَيْرِها كَما قالَ المُفَضَّلُ، قالَ الفَرّاءُ: لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَما أنَّ المَتاعَ كَذَلِكَ ولَوْ جَمَعْتَ قُلْتَ: أأثَثَةٌ في القَلِيلِ وأُثُثٌ في الكَثِيرِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: واحِدُهُ أثاثَةٌ وأصْلُهُ- كَما قالَ الخَلِيلُ - مِن قَوْلِهِمْ: أثَثَ النَّباتُ والشَّعْرُ وهو أثِيثٌ إذا كَثُرَ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
وفَرْعٍ يُزَيِّنُ المَتْنَ أسْوَدُ فاحِمُ ∗∗∗ أثِيثٌ كَقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ
ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ( بُيُوتًا ) مَفْعُولُ جَعَلَ فَيَكُونُ مِمّا عُطِفَ فِيهِ جارٌّ ومَجْرُورٌ مُقَدَّمٌ ومَنصُوبٌ عَلى مِثْلِهِما نَحْوَ ضَرَبْتُ في الدّارِ زَيْدًا وفي الحُجْرَةِ عَمْرًا وهو جائِزٌ ولَيْسَ بِمُسْتَقْبَحٍ كَما زَعَمَ في الإيضاحِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى الحالِ فَيَكُونَ مِن عَطْفِ الجارِّ والمَجْرُورِ فَقَطْ عَلى مِثْلِهِ أيْ وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها حالَ كَوْنِها أثاثًا. وتَعَقَّبَهُ السَّمِينُ بِأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى هَذا وهو ظاهِرٌ.
﴿ومَتاعًا﴾ أيْ شَيْئًا يَتَمَتَّعُ بِهِ ويَنْتَفِعُ في المَتْجَرِ والمَعاشِ قالَهُ المُفَضَّلُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما المَتاعُ الزِّينَةُ، وقالَ الخَلِيلُ: الأثاثُ والمَتاعُ واحِدٌ، والعَطْفُ لِتَنْزِيلِ تَغايُرِ اللَّفْظِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ المَعْنى كَما في قَوْلِهِ: وألْفى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنًا. والأوَّلُ أوْلى ﴿إلى حِينٍ﴾ إلى انْقِضاءِ حاجاتِكم مِنهُ، وعَنْ مُقاتِلٍ إلى بَلى ذَلِكَ وفِنائِهِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما إلى المَوْتِ، والكَلامُ في تَرْتِيبِ المَفاعِيلِ مِثْلُهُ فِيما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ.
16:81Page 276
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ ٨١
And Allāh has made for you, from that which He has created, shadows [i.e., shade] and has made for you from the mountains, shelters and has made for you garments which protect you from the heat and garments [i.e., coats of mail] which protect you from your [enemy in] battle. Thus does He complete His favor upon you that you might submit [to Him].
صفحة 205
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ﴾ مِن غَيْرِ صُنْعِ مِنكم ﴿ظِلالا﴾ أشْياءً تَسْتَظِلُّونَ بِها مِنَ الغَمامِ والشَّجَرِ والجِبالِ وغَيْرِها وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ومُجاهِدٍ الِاقْتِصارُ عَلى الغَمامِ، وعَنِ الزَّجّاجِ وقَتادَةَ أيْضًا الِاقْتِصارُ عَلى الشَّجَرِ، وعَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ الِاقْتِصارُ عَلى الشَّجَرِ والجِبالِ ولَعَلَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وعَنِ ابْنِ السّائِبِ أنَّ المُرادَ ظِلالُ البُيُوتِ وهو كَما تَرى، ومِن سُبْحانِهِ بِما ذَكَرَ لِأنَّ تِلْكَ الدِّيارَ كانَتْ غالِبَةَ الحَرارَةِ ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا﴾ مَواضِعَ تَسْتَكِنُونَ فِيها مِنَ الغَيْرانِ ونَحْوِها، والواحِدُ كِنٌّ وأصْلُهُ السُّتْرَةُ مِن أكَنَّهُ وكَنَّهُ أيْ سَتَرَهُ ويُجْمَعُ عَلى أكْنانٍ وأكِنَّةٍ.
﴿وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ﴾ جَمْعُ سِرْبالٍ وهو كُلُّ ما يُلْبَسُ أيْ جَعَلَ لَكم لِباسًا مِنَ القُطْنِ والكَتّانِ والصُّوفِ وغَيْرِها ﴿تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ كَما قالَ المُبَرِّدُ اكْتِفاءً بِذِكْرِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنِ الآخَرِ أعْنِي البَرْدَ، ولَمْ يُخَصَّ هو بِالذِّكْرِ اكْتِفاءً لِأنَّ وِقايَةَ الحَرِّ أهَمُّ عِنْدِهِمْ لِما مَرَّ آنِفًا.
وقالَ بَعْضُهُمْ: مِنَ الرَّأْسِ خَصَّ الحَرَّ بِالذِّكْرِ لِأنَّ وِقايَتَهُ أهَمُّ. وتُعِقِّبَ دَعْوى الأهَمِّيَّةِ بِأنَّهُ يُبْعِدُها ذِكْرُ وِقايَةِ البَرْدِ سابِقًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ ثُمَّ قِيلَ: وهَذا وجْهُ الِاقْتِصارِ عَلى الحَرِّ هُنا لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ خِلافِهِ ثَمَّتْ.
واعْتُرِضَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ إثْباتَ الدِّفْءِ هُناكَ يُبْعِدُ دَعْوى الأهَمِّيَّةِ بَلْ في تَغايُرِ الأُسْلُوبَيْنِ ما يُشْعِرُ بِهَذِهِ الأهَمِّيَّةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: خُصَّ الحُرُّ بِالذِّكْرِ لِأنَّ ما يَقِي مِنَ الحَرِّ يَقِي مِنَ البَرْدِ، وذَكَرَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ الأهَمِّيَّةِ، وقالَ في الكَشْفِ: هو الوَجْهُ، وتَخْصِيصُ الحَرِّ بِالذِّكْرِ لِما قَدَّمَهُ في الوَجْهِ الأوَّلِ يَعْنِي الأهَمِّيَّةَ، وما قِيلَ: مِن أوْلَوِيَّةِ الأوَّلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا خَلَقَ ظِلالا﴾ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ تَعالى عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿مِنَ الجِبالِ أكْنانًا﴾ كَيْفَ وهو في مَقامِ الِاسْتِيعابِ اه، وصاحِبُ القِيلِ هو ابْنُ المُنِيرِ، وقَدِ اعْتُرِضَ أيْضًا عَلى قَوْلِهِ: إنَّ ما يَقِي مِنَ الحَرِّ يَقِي مِنَ البَرْدِ بِأنَّهُ خِلافُ المَعْرُوفِ فَإنَّ المَعْرُوفَ أنَّ وِقايَةَ الحَرِّ رَقِيقُ القُمْصانِ ورَفِيعُها ووِقايَةَ البَرْدِ ضِدُّهُ ولَوْ لَبَسَ الإنْسانُ في كُلٍّ واحِدٍ مِنَ الفَصْلَيْنِ القَيْظِ والشِّتاءِ لِباسَ الآخَرِ لَعُدَّ مِنَ الثُّقَلاءِ اه فَتَدَبَّرْ.
﴿وسَرابِيلَ﴾ مِنَ الجَواشِنِ والدُّرُوعِ ﴿تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ أيِ البَأْسَ الَّذِي يَصِلُ مِن بَعْضِكم إلى بَعْضٍ في الحُرُوبِ مِنَ الضَّرْبِ والطَّعْنِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أصْلُ البَأْسِ الشِّدَّةُ وأُرِيدَ بِهِ هُنا الحَرْبُ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ أذى بَأْسِكُمْ، وعَلى الأوَّلِ لا حاجَةَ إلَيْهِ وقَدْ رُجِّحَ لِذَلِكَ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإتْمامِ لِلنِّعْمَةِ في الماضِي ﴿يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ في المُسْتَقْبَلِ، ومِن هُنا قِيلَ:
كَمّا أحْسَنَ اللَّهُ فِيما مَضى كَذَلِكَ يُحْسِنُ فِيما بَقِيَ
أوْ مِثْلُ هَذا الإتْمامِ البالِغِ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ، وإفْرادُ النِّعْمَةِ إمّا لِأنَّ المُرادَ بِها المَصْدَرُ أوْ لِإظْهارِ أنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى جَنابِ الكِبْرِياءِ شَيْءٌ قَلِيلٌ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ «تَتِمُّ» بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ و«نِعْمَتُهُ» الرَّفْعُ عَلى الفاعِلِيَّةِ وإسْنادُ التَّمامِ إلَيْها عَلى الِاتِّساعِ، وعَنْهُ أيْضًا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «نِعَمُهُ» بِصِيغَةِ الجَمْعِ ﴿لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ أيْ إرادَةَ أنْ تَنْظُرُوا فِيما أسْبَغَ عَلَيْكم مِنَ النِّعَمِ فَتَعْرِفُوا حَقَّ مُنْعِمِها فَتُؤْمِنُوا بِهِ تَعالى وحْدَهُ وتَذْرُوا ما كُنْتُمْ بِهِ تُشْرِكُونَ عَلى أنَّ الإسْلامَ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ أيْ رَدِيفُ الإيمانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ وهو الِاسْتِسْلامُ والِانْقِيادُ أيْ لَعَلَّكم تَسْتَسْلِمُونَ لَهُ سُبْحانَهُ وتَنْقادُونَ لِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأيًّا ما كانَ فَهو مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ سَبَبِهِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ أوْ مُكَنّى بِهِ عَنْهُ.
صفحة 206
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «تَسْلَمُونَ» بِفَتْحِ التّاءِ واللّامِ مِنَ السَّلامَةِ أيْ تَشْكُرُونَ فَتَسْلَمُونَ مِنَ العَذابِ أوْ تَنْظُرُونَ فِيها فَتَسْلَمُونَ مِنَ الشِّرْكِ، وقِيلَ: تَسْلَمُونَ مِنَ الجِراحِ بِلَبْسِ تِلْكَ السَّرابِيلِ، ولا بَأْسَ أنْ يُفَسَّرَ ذَلِكَ بِالسَّلامَةِ مِنَ الآفاتِ مُطْلَقًا لِيَشْمَلَ آفَةَ الحَرِّ والبَرْدَ، والأقْرَبُ إلى مَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ التَّفْسِيرُ الثّانِي.
هَذا وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ فَقالَ عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ: اللَّهُمَّ نَعَمْ فَلَمّا سَمِعَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ اللَّهُمَّ هَذا فَلا فَنَزَلَتْ
16:82Page 276
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٨٢
But if they turn away, [O Muḥammad] - then only upon you is [responsibility for] clear notification.
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ فِعْلٌ ماضٍ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ وتَوْجِيهُ الكَلامِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَسْلِيَةٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْ فَإنْ دامُوا عَلى التَّوَلِّي والإعْراضِ وعَدَمِ قَبُولِ ما أُلْقِيَ إلَيْهِمْ مِنَ البَيِّناتِ ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ فَلا يَضُرُّكَ لِأنَّ وظِيفَتَكَ هي البَلاغُ المُوَضَّحُ أوِ الواضِحُ وقَدْ فَعَلْتَهُ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ فَهو مِن بابِ وضْعِ السَّبَبِ مَوْضِعَ المُسَبِّبِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقْدِيرُ المَعْنى إنْ أعْرَضُوا فَلَسْتَ بِقادِرٍ عَلى خَلْقِ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ لا خَلْقُ الإيمانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( تَوَلَّوْا ) مُضارِعًا حُذِفَتْ إحْدى تاءَيْهِ وأصْلُهُ تَتَوَلَّوْا فَلا التِفاتَ لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ لا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ ارْتِباطُ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ إلّا بِتَكَلُّفٍ ولِذا لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وفي التَّعْبِيرِ بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ إشارَةٌ كَما قِيلَ إلى أنَّ الفِطْرَةَ الأُولى داعِيَةٌ إلى الإقْبالِ عَلى اللَّهِ تَعالى والإعْراضُ لا يَكُونُ إلّا بِنَوْعِ تَكَلُّفٍ ومُعالَجَةٍ
16:83Page 276
يَعۡرِفُونَ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٣
They recognize the favor of Allāh; then they deny it. And most of them are disbelievers.
﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أنَّ تَوَلِّيَ المُشْرِكِينَ وإعْراضَهم عَنِ الإسْلامِ لَيْسَ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ نِعْمَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أصْلًا فَإنَّهم يَعْرِفُونَها أنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ بِأفْعالِهِمْ حَيْثُ لَمْ يُفْرِدُوا مُنْعِمَها بِالعِبادَةِ فَكَأنَّهم لَمْ يَعْبُدُوهُ سُبْحانَهُ أصْلًا وذَلِكَ كُفْرانٌ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ الإنْكارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: إنْكارُهم إيّاها قَوْلُهُمْ: ورِثْناها مِن آبائِنا، وأخْرَجَ هو وغَيْرُهُ أيْضًا عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: إنْكارُهم إيّاها أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: لَوْلا فُلانٌ أصابَنِي كَذا وكَذا ولَوْلا فُلانٌ لَمْ أُصِبْ كَذا وكَذا وفي لَفْظِ إنْكارِها إضافَتُها إلى الأسْبابِ. وقِيلَ: قَوْلُهم هي بِشَفاعَةِ آلِهَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وحَكى صاحِبُ الغَنِيّانِ يَعْرِفُونَها في الشِّدَّةِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها في الرَّخاءِ، وقِيلَ: يَعْرِفُونَها بِقُلُوبِهِمْ ثُمَّ يُنْكِرُونَها بِألْسِنَتِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ السَّدِّيِّ أنَّهُ قالَ النِّعْمَةُ هَنا مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ورَجَّحَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ أيْ يَعْرِفُونَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَبِيٌّ بِالمُعْجِزاتِ ثُمَّ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ ويَجْحَدُونَهُ عِنادًا، وفي لَفْظِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ أنَّهُ قالَ هَذا في حَدِيثِ أبِي جَهْلٍ والأخْنَسِ حِينَ سَألَ الأخْنَسُ أبا جَهْلٍ عَنْ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: هو نَبِيٌّ. ومَعْنى ( ثُمَّ ) الِاسْتِبْعادُ الإنْكارُ بَعْدَ المَعْرِفَةِ لِأنَّ حَقَّ مَن عَرَفَ النِّعْمَةَ الِاعْتِرافُ بِها وأداءُ حَقِّها لا إنْكارُها، وإسْنادُ المَعْرِفَةِ والإنْكارِ المُتَفَرِّعِ عَلَيْها إلى ضَمِيرِ المُشْرِكِينَ عَلى الإطْلاقِ مِن بابِ إسْنادِ حالِ البَعْضِ إلى الكُلِّ فَإنَّ بَعْضَهم لَيْسُوا كَذَلِكَ كَما هو ظاهِرُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ أيِ المُنْكِرُونَ بِقُلُوبِهِمْ غَيْرُ المُعْتَرِفِينَ بِما ذُكِرَ، والحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِمُطْلَقِ الكُفْرِ المُؤْذِنِ بِالكَمالِ مِن حَيْثُ الكَمِّيَّةُ لا يُنافِي كَمالَ الفِرْقَةِ الأُولى مِن حَيْثُ الكَيْفِيَّةُ كَذا قِيلَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الإسْنادُ السّالِفُ عَلى ظاهِرِهِ والمُرادُ أنَّ أكْثَرَهُمُ المُصِرُّونَ الثّابِتُونَ عَلى كُفْرِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ فالتَّعْبِيرُ بِالأكْثَرِ لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ، وقِيلَ: المَعْنى وأكْثَرُهُمُ الجاحِدُونَ عِنادًا، والتَّعْبِيرُ بِالأكْثَرِ إمّا لِأنَّ بَعْضَهم لَمْ يَعْرِفِ الحَقَّ لِنُقْصانِ عَقْلِهِ وعَدَمِ اهْتِدائِهِ إلَيْهِ أوْ لِعَدَمِ نَظَرِهِ في الأدِلَّةِ نَظَرًا يُؤَدِّي
صفحة 207
إلى المَطْلُوبِ أوْ لِأنَّهُ لَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ الحُجَّةَ لِكَوْنِهِ لَمْ يَصِلْ إلى حَدِّ المُكَلَّفِينَ لِصِغَرٍ ونَحْوِهِ وإمّا لِأنَّهُ يُقامُ مَقامَ الكُلِّ فَتَأمَّلْ.
16:84Page 276
وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا ثُمَّ لَا يُؤۡذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٨٤
And [mention] the Day when We will resurrect from every nation a witness [i.e., their prophet]. Then it will not be permitted to the disbelievers [to apologize or make excuses], nor will they be asked to appease [Allāh].
﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ جَماعَةٍ مِنَ النّاسِ ﴿شَهِيدًا﴾ يَشْهَدُ لَهم بِالإيمانِ والطّاعَةِ وعَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والعِصْيانِ، والمُرادُ بِهِ كَما رَوى ابْنُ المُنْذِرِ. وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ نَبِيُّ تِلْكَ الأُمَّةِ ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ في الِاعْتِذارِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ والظّاهِرُ أنَّهم يَسْتَأْذِنُونَ في ذَلِكَ فَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ، ويَحْتَمِلُ أنَّهم لا اسْتِئْذانَ مِنهم ولا إذَنَ إذْ لا حُجَّةَ لَهم حَتّى تُذْكَرَ ولا عُذْرَ حَتّى يَعْتَذِرَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى لا يُسْمَعُ كَلامُهم بَعْدَ شَهادَةِ الشُّهَداءِ ولا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ كَما في قَوْلِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
فِي سَماعٍ يَأْذَنُ الشَّيْخُ لَهُ وحَدِيثٍ مِثْلَ ما ذِي مُشارِ
وقِيلَ: لا يُؤْذَنُ لَهم في الرُّجُوعِ إلى دارِ الدُّنْيا، والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي العالِيَةِ وثُمَّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ابْتِلاءَهم بِعَدَمِ الإذْنِ المُنْبِئِ عَنِ الإقْناطِ الكُلِّيِّ وذَلِكَ عِنْدَ ما يُقالُ لَهُمُ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ أشَدُّ مِنِ ابْتِلائِهِمْ بِشَهادَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَهي لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ لا يُطْلَبُ مِنهم أنْ يُزِيلُوا عَتَبَ رَبِّهِمْ أيْ غَضَبَهُ بِالتَّوْبَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ إذِ الآخِرَةُ دارُ الجَزاءِ لا دارُ العَمَلِ والرُّجُوعُ إلى الدُّنْيا مِمّا لا يَكُونُ، وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: أيْ لا يُقالُ لَهُمُ: ارْضُوا رَبَّكم تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ، وقِيلَ: المَعْنى ولا يُطْلَبُ رِضاهم في أنْفُسِهِمْ بِالتَّلَطُّفِ بِهِمْ مِنِ اسْتَعْتَبَهُ كَأعْتَبَهُ إذا أعْطاهُ العُتْبى وهي الرِّضا وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ لا نَفْيُ الِاسْتِمْرارِ، وانْتِصابُ الظَّرْفِ عَلى ما قالَ الحَوْفِيُّ وغَيْرُهُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ وقَدَّرَهُ بَعْضُهم خَوِّفْهم وهو في ذَلِكَ مَفْعُولٌ بِهِ، وقِيلَ: وهو نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِمَحْذُوفٍ أيْ يَوْمَ نَبْعَثُ يَحِيقُ بِهِمْ ما يَحِيقُ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ظَرْفٍ مَحْذُوفٍ العامِلُ فِيهِ يُنْكِرُونَها أيْ ثُمَّ يُنْكِرُونَها اليَوْمَ ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَيَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ويُكَذِّبُهم ولَيْسَ بِشَيْءٍ وتَجْرِي هَذِهِ الِاحْتِمالاتُ في قَوْلِهِ تَعالى:
16:85Page 276
وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلۡعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٨٥
And when those who wronged see the punishment, it will not be lightened for them, nor will they be reprieved.
﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ﴾ أيِ الَّذِي يَسْتَوْجِبُونَهُ بِظُلْمِهِمْ وهو عَذابُ جَهَنَّمَ، والمُرادُ مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الَّذِينَ كَفَرُوا وكانَ الظّاهِرُ الضَّمِيرَ إلّا أنَّهُ أُقِيمَ المُظْهَرُ مَقامَهُ لِلنَّعْيِ عَلَيْهِمْ بِما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ وتَعْلِيقُ الرُّؤْيَةِ بِالعَذابِ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ جَهَنَّمُ نَفْسُها مَجازًا، ويُرادُ بِضَمِيرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْدامِ ولَيْسَ بِذاكَ وهَذِهِ الجُمْلَةُ قِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ، وقِيلَ: جَوابُ إذا بِتَقْدِيرِ فَهو لا يُخَفَّفُ لِأنَّ المُضارِعَ مُثْبَتًا كانَ أوْ مَنفِيًّا إذا وقَعَ جَوابَ إذا لا يَقْتَرِنُ بِالفاءِ، واسْتَظْهَرَهُ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ ونَقَلَ عَنِ الحَوْفِيِّ القَوْلَ بِأنَّهُ جَوابٌ وأنَّهُ العامِلُ في (إذا) ثُمَّ قالَ: وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا أنَّ ما تَقَدَّمَ فاءَ الجَوابِ في غَيْرِ أمّا لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ وبَيَّنّا أنَّ العامِلَ في (إذا) الفِعْلُ الَّذِي يَلِيها كَسائِرِ أدَواتِ الشَّرْطِ وإنْ كانَ لَيْسَ قَوْلَ الجُمْهُورِ وتَعَقَّبَ الخَفاجِيُّ القَوْلَ بِالجَوابِيَّةِ بِأنَّهُ مُحْتاجٌ إلى ما سَمِعْتَ مِنَ التَّقْدِيرِ وهو مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الأصْلِ مُنافٍ لِلْغَرَضِ في تَغايُرِ الجُمْلَتَيْنِ في النَّظْمِ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ يُمْهَلُونَ وهو أنَّ عَدَمَ التَّخْفِيفِ واقِعٌ بَعْدِ رُؤْيَةِ العَذابِ فَلِذا لَمْ يُؤْتَ بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ بِخِلافِ عَدَمِ الإمْهالِ فَإنَّهُ ثابِتٌ لَهم في تِلْكَ الحالَةِ اه.
وفِي كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ كَما في الكَشْفِ إشْعارٌ بِأنَّ النّاصِبَ المَحْذُوفَ لِإذا بَغَتَهم وإنَّهُ هو الجَوابُ حَيْثُ قالَ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ وجْهَ انْتِصابِ اليَوْمِ وكَذَلِكَ إذا رَأوُا العَذابَ بَغَتَهم وثَقُلَ عَلَيْهِمْ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ولا هم يُنْظَرُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾ الآيَةَ، وفِيهِ إشْعارٌ أيْضًا بِأنَّ عَدَمَ التَّخْفِيفِ والإنْظارِ يَدُلُّ عَلى إثْقالِهِ
صفحة 208
ومُباغَتَتِهِ كَما صُرِّحَ بِهِ في الآيَةِ الأُخْرى حَيْثُ أبَتِ الإتْيانَ بَغْتَةً والبَهْتَ الَّذِي هو الإثْقالُ وزِيادَةً ورُتِّبَ عَلَيْهِ «فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها ولا هم يُنْظَرُونَ» ومِثْلُ هَذِهِ الفاءِ فَصِيحَةٌ عِنْدَهُ فافْهَمْ، وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ قالَ المُتَكَلِّمُونَ: إنَّ العَذابَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ خالِصًا عَنْ شَوائِبِ النَّفْعِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ ويَجِبُ أنْ يَكُونَ دائِمِيًّا وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ وفِيهِ نَظَرٌ.
16:86Page 276
وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ شُرَكَآءَهُمۡ قَالُواْ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدۡعُواْ مِن دُونِكَۖ فَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلَ إِنَّكُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٨٦
And when those who associated others with Allāh see their "partners," they will say, "Our Lord, these are our partners [to You] whom we used to invoke [in worship] besides You." But they will throw at them the statement, "Indeed, you are liars."
﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ﴾ الَّذِينَ كانُوا يَزْعُمُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ويَعْبُدُونَهم مَعَهُ عَزَّ وجَلَّ والمُرادُ بِهِمْ كُلُّ مَنِ اتَّخَذُوهُ شَرِيكًا لَهُ جَلَّ وعَلا مِن صَنَمٍ ووَثَنٍ وشَيْطانٍ وآدَمِيٍّ ومَلِكٍ وإضافَتُهم إلى ضَمِيرِ المُشْرِكِينَ لِهَذا الِاتِّخاذِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِمْ مَعْبُوداتُهُمُ الباطِلَةُ كَما تَقَدَّمَ. والإضافَةُ إلَيْهِمْ لِأنَّهم جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ وأنْعامِهِمْ، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى الأصْنامِ ولَعَلَّ التَّعْمِيمَ أوْلى، وقالَ الحَسَنُ: شُرَكاؤُهُمُ الشَّياطِينُ شَرَكُوهم في الأمْوالِ والأوْلادِ، وقِيلَ: شَرَكُوهم في الكُفْرِ أيْ كَفَرُوا مِثْلَ كُفْرِهِمْ، وقِيلَ: شَرَكُوهم في وبالِ ذَلِكَ حَيْثُ حَمَلُوهم عَلَيْهِ ﴿قالُوا﴾ أيْ بِألْسِنَتِهِمْ وقِيلَ: خَتَمَ اللَّهُ تَعالى عَلى أفْواهِهِمْ وأنْطَقَ جَوارِحَهم فَقالَتْ عَنْهم ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ﴾ أيْ نَعْبُدُهم ونُطِيعُهم ولَعَلَّهم قالُوا ذَلِكَ طَمَعًا في تَوْزِيعِ العَذابِ بَيْنَهم. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ تَفْسِيرَ الشُّرَكاءِ بِالأصْنامِ وفِيهِ أنَّها تَجِيءُ عَلى حالَةٍ يُعْقَلُ مَعَها عَذابُها فَلا بَأْسَ في ذَلِكَ سَواءٌ فُسِّرَتِ الشُّرَكاءُ بِالأصْنامِ فَقَطْ أوْ بِما يَعُمُّها وغَيْرُها، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَقْصُودُهم مِن ذَلِكَ إحالَةُ الذَّنْبِ عَلى الشُّرَكاءِ ظَنًّا مِنهم أنَّ ذَلِكَ يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى أوْ يَنْقُصُ مِن عَذابِهِمْ شَيْئًا.
وتَعَقَّبَهُ القاضِي بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِأنَّ الكُفّارَ يَعْلَمُونَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا في الآخِرَةِ أنَّ العَذابَ سَيَنْزِلُ بِهِمْ ولا نُصْرَةَ ولا فِدْيَةَ ولا شَفاعَةَ، وأوْرَدَ نَحْوَهُ عَلى ما ذَكَرْنا بِناءً عَلى أنَّهم يَعْلَمُونَ ضَرُورِيًّا أيْضًا أنَّهُ لا يَحْمِلُ أحَدٌ مِن عَذابِهِمْ شَيْئًا.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ حُصُولِ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ لَهم بِذَلِكَ إذْ ذاكَ يَجُوزُ أنْ يُدْهَشُوا فَيَغْفُلُوا عَنْ ذَلِكَ فَيَقُولُوا ما يَقُولُونَ طامِعِينَ فِيما ذُكِرَ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: «رَبَّنا خَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ.
﴿يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ .
﴿رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَهم عَلى ضَرُورِيٍّ عِنْدَ بَعْضِهِمْ بِأنَّهُ لا يَكُونُ. وقِيلَ: القَوْمُ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ ما يَرْجُونَهُ ويَطْمَعُونَ فِيهِ لا يَحْصُلُ لَهم أصْلًا وعَدَمُ غَفْلَتِهِمْ عَنْ ذَلِكَ تَغْلِبُهم أنْفُسُهم بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ لِشِدَّةِ ما هم فِيهِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى حَتّى تُعَلَّقَ آمالُها بِالمُحالِ، وقِيلَ: قالُوا ذَلِكَ اعْتِرافًا بِأنَّهم كانُوا مُخْطِئِينَ في عِبادَتِهِمْ. وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى: ( مِن دُونِكَ ) وفِيهِ تَأمُّلْ. نَعَمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقَوْا﴾ أيْ شُرَكاؤُهم ﴿إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ أظْهَرُ مُلاءَمَةً لِلْأوَّلِ فَإنَّ تَكْذِيبَهم إيّاهم فِيما قالُوا ظاهِرٌ في كَوْنِهِ لِلْمُدافَعَةِ والتَّخَلُّصِ عَنْ غائِلَةِ مَضْمُونِهِ والظّاهِرُ أنَّ التَّكْذِيبَ راجِعٌ إلى دَعْوى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَهم أوْ يُطِيعُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى ومُرادُهم عَلى ما قِيلَ: إنَّكم ما عَبَدْتُمُونا حَقِيقَةً وإنَّما عَبَدْتُمْ أشْياءَ تَصَوَّرْتُمُوها بِأذْهانِكُمُ الفاسِدَةِ وزَعَمْتُمْ أنّا هاتَيْكَ الأشْياءَ وهَيْهاتَ هَيْهاتَ لَيْسَ بَيْنَنا وبَيْنَها جِهَةٌ جامِعَةٌ ولا عَلاقَةٌ نافِعَةٌ، وقِيلَ: إنَّما كَذَّبُوهم وقَدْ كانُوا يَعْبُدُونَهم لِأنَّ الأوْثانَ ما كانُوا راضِينَ بِعِبادَتِهِمْ لَهم فَكَأنَّ عِبادَتَهم لَمْ تَكُنْ عِبادَةً لَهم كَما قالَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: «بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ» يَعْنُونَ أنَّ الجِنَّ هُمُ الَّذِينَ كانُوا راضِينَ بِعِبادَتِهِمْ لا نَحْنُ، والشَّياطِينُ وإنْ كانُوا راضِينَ بِعِبادَتِهِمْ لَهم لَكِنَّهم لَمْ يَكُونُوا حامِلِينَ لَهم عَلى وجْهِ القَسْرِ
صفحة 209
والإلْجاءِ كَما قالَ إبْلِيسُ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ فَكَأنَّهم قالُوا: ما عَبَدْتُمُونا حَقِيقَةً وإنَّما عَبَدْتُمْ أهْواءَكُمْ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّياطِينُ كاذِبِينَ في إخْبارِهِمْ بِكَذِبِ مَن عَبَدَهم كَما كَذَبَ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّكْذِيبُ راجِعًا إلى أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ لا إلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَهم ومُرادُهم تَنْزِيهُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا عَنِ الشَّرِيكِ في ذَلِكَ المَوْقِفِ، وخَصَّ هَذا بَعْضُهم بِتَقْدِيرِ إرادَةِ الشَّياطِينِ مِنَ الشُّرَكاءِ فافْهَمْ، والظّاهِرُ أنَّ قائِلَ هَذا جَمِيعُ الشُّرَكاءِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ تَفْسِيرُهُ بِما يَعُمُّ الأصْنامَ إذْ لا بُعْدَ في أنْ يُنْطِقَها اللَّهُ تَعالى الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِذَلِكَ، وجُوِّزَ عَلى التَّعْمِيمِ أنْ يَكُونَ القائِلُ بَعْضَهم وهو مَن يُعْقَلُ مِنهم وكانَ الظّاهِرُ- فَقالُوا لَهم إنَّكم لَكاذِبُونَ- إلّا أنَّهُ عَدَلَ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لَهم عَلى وجْهِ الإفْصاحِ بِحَيْثُ يُدْرَكُ ويَمْتازُ عَنْ غَيْرِهِ، وفِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِالحِرْصِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ ما فِيهِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ تَأْكِيدُهُمُ المِلَّةَ الدّالَّةَ عَلى تَكْذِيبِهِمْ أتَمَّ تَأْكِيدٍ، وهي في مَوْضِعِ البَدَلِ مِنَ القَوْلِ كَما قالَ الإمامُ أيْ ألْقَوْا إلَيْهِمْ أنَّكم لَكاذِبُونَ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences