Al-AlusiAl‑Isra · 17:2–6

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:2–6

17:2Page 282

وَءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلٗا ٢

And We gave Moses the Scripture and made it a guidance for the Children of Israel that you not take other than Me as Disposer of affairs,1

﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ، ﴿وجَعَلْناهُ﴾ أيِ الكِتابَ، وهو الظّاهِرُ أوْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿هُدًى﴾ عَظِيمًا ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهُدًى أوْ بِجَعَلَ، واللّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ، والواوُ اسْتِئْنافِيَّةٌ، أوْ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى﴾ لا عَلى: ﴿أسْرى﴾ كَما نَقَلَهُ في البَحْرِ عَنِ العُكْبُرِيِّ.

وحُكِيَ نَظِيرُهُ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ لِبُعْدِهِ وتَكَلُّفِهِ، وعَقَّبَ آيَةَ الإسْراءِ بِهَذِهِ اسْتِطْرادًا تَمْهِيدًا لِذِكْرِ القُرْآنِ، والجامِعُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أُعْطِيَ التَّوْراةَ بِمَسِيرِهِ إلى الطُّورِ وهو بِمَنزِلَةِ مِعْراجِهِ؛ لِأنَّهُ مُنِحَ ثَمَّتَ التَّكْلِيمَ وشُرِّفَ باسِمِ الكَلِيمِ، وطَلَبُ الرُّؤْيَةِ مُدْمَجًا فِيهِ تَفاوُتٌ ما بَيْنَ الكِتابَيْنِ، ومَن أُنْزِلا عَلَيْهِ، وإنْ شِئْتَ فَوازِنْ بَيْنَ: ﴿أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ ﴿وآتَيْنا مُوسى﴾ وبَيْنَ: ﴿هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ و﴿يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ .

﴿ألا تَتَّخِذُوا﴾ أيْ: أنْ لا تَتَّخِذُوا عَلى أنَّ (أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ و(لا) ناهِيَةٌ، والتَّفْسِيرُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ لِما تَضَمَّنَهُ الكِتابُ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، وقِيلَ: لِمَحْذُوفٍ، أيْ: آتَيْنا مُوسى كِتابَةَ شَيْءٍ هُوَ: لا تَتَّخِذُوا، والكِتابُ وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ التَّوْراةَ فَهو مَصْدَرٌ في الأصْلِ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ.

وجَوَّزَ في البَحْرِ أنْ تَكُونَ أنْ مَصْدَرِيَّةً، والجارَّ قَبْلَها مَحْذُوفٌ، ولا نافِيَةٌ، أيْ: لِئَلّا تَتَّخِذُوا، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنْ وما بَعْدَها في مَوْضِعِ البَدَلِ مِن ( الكِتابَ ) وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ زائِدَةً و«لا تَتَّخِذُوا» مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ ولا فِيهِ لِلنَّهْيِ، أيْ: قُلْنا: لا تَتَّخِذُوا. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ هَذا المَوْضِعَ لَيْسَ مِن مَواضِعِ زِيادَةِ أنْ.

وكَذا جَوَّزَ أنْ تَكُونَ لا زائِدَةً كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ﴾ والتَّقْدِيرُ: كَراهَةَ أنْ تَتَّخِذُوا، ولا يُخْفى ما فِيهِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِيسى وأبُو رَجاءٍ وأبُو عَمْرٍو مِنَ السَّبْعَةِ: (أنْ لا يَتَّخِذُوا) بِياءِ الغَيْبَةِ، وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ (أنْ) عَلى ذَلِكَ مَصْدَرِيَّةً، ولَمْ يَذْكُرُوا فِيها احْتِمالَ كَوْنِها مُفَسِّرَةً، وقالَ شَيْخُ زادَهْ: لا وجْهَ لِأنْ تَكُونُ أنْ مُفَسِّرَةً عَلى القِراءَةِ بِياءِ الغَيْبَةِ؛ لِأنَّ ما في حَيِّزِ المُفَسِّرَةِ مَقُولٌ مِن حَيْثُ المَعْنى والَّذِي يُلْقى إلَيْهِ القَوْلُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُخاطَبًا كَما لا وجْهَ لِكَوْنِها مَصْدَرِيَّةً عَلى قِراءَةِ الخِطابِ؛ لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ غُيَّبٌ فَتَأمَّلْ. والجارُّ

صفحة 15

عِنْدَهم عَلى كَوْنِها مَصْدَرِيَّةً مَحْذُوفٌ، أيْ: لِأنْ لا يَتَّخِذُوا ﴿مِن دُونِي وكِيلا﴾ أيْ: رَبًّا تَكِلُونَ إلَيْهِ أُمُورَكم غَيْرِي، فالوَكِيلُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهو المَوْكُولُ إلَيْهِ، أيِ المُفَوَّضُ إلَيْهِ الأُمُورُ وهو الرَّبُّ، قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: قِيلَ لِلرَّبِّ وكِيلٌ لِكِفايَتِهِ وقِيامِهِ بِشُؤُونِ عِبادِهِ لا عَلى مَعْنى ارْتِفاعِ مَنزِلَةِ المُوَكِّلِ وانْحِطاطِ أمْرِ الوَكِيلِ ( ومِن ) سَيْفُ خَطِيبٍ، ودُونَ بِمَعْنى غَيْرٍ، وقَدْ صَرَّحَ بِمَجِيئِها كَذَلِكَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ وهي مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَتَّخِذُوا و﴿وكِيلا﴾ الأوَّلِ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مِن تَبْعِيضِيَّةً، واسْتُظْهِرَ الأوَّلُ، والمُرادُ النَّهْيُ عَنِ الإشْراكِ بِهِ تَعالى:

17:3Page 282

ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا ٣

O descendants of those We carried [in the ship] with Noah. Indeed, he was a grateful servant.

﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ أوْ عَلى النِّداءِ، والمُرادُ الحَمْلُ عَلى التَّوْحِيدِ بِذِكْرِ إنْعامِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في تَضَمُّنِ إنْجاءِ آبائِهِمْ مِنَ الغَرَقِ في سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ لَيْسَ لَهم وكِيلٌ يَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ سِواهُ تَعالى، وخَصَّ مَكِّيٌّ النِّداءَ بِقِراءَةِ الخِطابِ قالَ: مَن قَرَأ «يَتَّخِذُوا» بِياءِ الغَيْبَةِ يَبْعُدُ مَعَهُ النِّداءُ؛ لِأنَّ الياءَ لِلْغَيْبَةِ والنِّداءَ لِلْخِطابِ فَلا يَجْتَمِعانِ إلّا عَلى بُعْدٍ، ونِعْمَ ما قالَ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: لَيْسَ كَما زَعَمَ إذْ يَجُوزُ أنْ يُنادِيَ الإنْسانُ شَخْصًا ويُخْبِرَ عَنْ أحَدٍ فَيَقُولَ: يا زَيْدُ يَنْطَلِقُ بَكْرٌ وفَعَلْتُ كَذا يا زَيْدُ لِيَفْعَلَ عَمْرٌو كَيْتَ وكَيْتَ، إنَّ كَما زَعَمَ لا يَدْفَعُ البُعْدَ الَّذِي ادَّعاهُ مَكِّيٌّ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أحَدُ مَفْعُولَيْ ﴿تَتَّخِذُوا﴾ و﴿وكِيلا﴾ الآخَرَ هو لِكَوْنِهِ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ المُذَكَّرُ وغَيْرُهُ فَلا يَرِدُ أنَّهُ كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا والمَفْعُولُ الثّانِي خَبَرٌ مَعْنًى وهو غَيْرُ مُطابِقٍ هُنا و﴿مِن دُونِي﴾ حالٌ مِنهُ و( مِن ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً.

وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿وكِيلا﴾ لِأنَّ المُبْدَلَ مِنهُ لَيْسَ في حُكْمِ الطَّرْحِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ أيْ: لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا﴾ والمُرادُ نَهْيُهم عَنِ اتِّخاذِ عُزَيْرٍ وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ ونَحْوَهُما أرْبابًا. وفي التَّعْبِيرِ بِما ذُكِرَ إيماءٌ إلى عِلَّةِ النَّهْيِ مِن أوْجُهٍ: أحَدُها: تَذْكِيرُ النِّعْمَةِ في إنْجاءِ آبائِهِمْ كَما ذُكِرَ، والثّانِي تَذْكِيرُ ضَعْفِهِمْ، وحالِهِمُ المُحْوِجِ إلى الحَمْلِ، والثّالِثُ: أنَّهم أضْعَفُ مِنهم لِأنَّهم مُتَوَلِّدُونَ مِنهُمْ، وفي إيثارِ لَفْظِ الذُّرِّيَّةِ الواقِعَةِ عَلى الأطْفالِ والنِّساءِ في العُرْفِ الغالِبِ مُناسِبَةٌ تامَّةٌ لِما ذُكِرَ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ بَدَلًا مِن ﴿مُوسى﴾ وهو بَعِيدٌ جِدًّا. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (ذُرِّيَّةُ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو ذُرِّيَّةُ، ولا بُعْدَ فِيهِ كَما تُوُهِّمَ أوْ عَلى البَدَلِ مِن ضَمِيرِ (يَتَّخِذُوا) قالَ أبُو البَقاءِ: عَلى القِراءَةِ بِياءِ الغَيْبَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَجُوزُ هَذا عَلى القِراءَةِ بِتاءِ الخِطابِ لِأنَّ ضَمِيرَ المُخاطَبِ لا يُبْدَلُ مِنهُ الِاسْمُ الظّاهِرُ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ بِأنَّ المَسْألَةَ تَحْتاجُ إلى تَفْصِيلٍ؛ وذَلِكَ أنَّهُ إنْ كانَ في بَدَلِ بَعْضٍ مِن كُلٍّ وبَدَلِ اشْتِمالٍ جازَ بِلا خِلافٍ، وإنْ كانَ في بَدَلِ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ وهُما لَعِينٍ واحِدَةٍ إنْ كانَ يُفِيدُ التَّوْكِيدَ جازَ بِلا خِلافٍ أيْضًا، نَحْوَ: مَرَرْتُ بِكم صَغِيرِكم وكَبِيرِكم. وإنْ لَمْ يُفِدِ التَّوْكِيدَ فَمَذْهَبُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ المَنعُ، ومَذْهَبُ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ الجَوازُ وهو الصَّحِيحُ؛ لِوُجُودِ ذَلِكَ في لِسانِ العَرَبِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ عَلى صِحَّتِهِ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وأبانُ بْنُ عُثْمانَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ بِكَسْرِ ذالِ (ذِرِّيَّةَ) وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحِها، وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ: (ذَرِيَّةَ) بِفَتْحِ الذّالِ وتَخْفِيفِ الرّاءِ وتَشْدِيدِ الياءِ عَلى وزْنِ فَعِيلَةٍ كَمَطِيَّةٍ ﴿إنَّهُ﴾ أيْ: نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ كَثِيرَ الشُّكْرِ في مَجامِعِ حالاتِهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: كانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا لَبِسَ ثَوْبًا أوْ طَعِمَ طَعامًا حَمِدَ اللَّهَ تَعالى فَسُمِّيَ عَبْدًا شَكُورًا، وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في

صفحة 16

زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: شُكْرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُسَمِّيَ إذا أكَلَ، ويَحْمَدَ اللَّهَ تَعالى إذا فَرَغَ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ الجُهَنِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّما سَمّى اللَّهُ تَعالى نُوحًا عَبْدًا شَكُورًا؛ لِأنَّهُ كانَ إذا أمْسى وأصْبَحَ قالَ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾»

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ نُوحًا لَمْ يَقُمْ عَنْ خَلاءٍ قَطُّ إلّا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذاقَنِي لَذَّتَهُ وأبْقى فِيَّ مَنفَعَتَهُ وأذْهَبَ عَنِّي أذاهُ»».

وهَذا مِن جُمْلَةِ شُكْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وفِي هَذِهِ الجُمْلَةِ إيماءٌ بِأنَّ إنْجاءَ مَن مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِبَرَكَةِ شُكْرِهِ وحَثٌّ لِلذُّرِّيَّةِ عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ وزَجْرٌ لَهم عَنِ الشِّرْكِ الَّذِي هو أعْظَمُ مَراتِبِ الكُفْرِ، وهَذا وجْهُ مُلاءَمَتِها لِما تَقَدَّمَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ وحِينَئِذٍ فَلا يُطْلَبُ مُلاءَمَتُهُ مَعَ ما سَبَقَ لَهُ الكَلامُ إلّا مِن حَيْثُ إنَّهُ كانَ مِن شَأْنِ مَن ذُكِرَ أعْنِي نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: ضَمِيرُ: ( إنَّهُ ) عائِدٌ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ عَلى وجْهِ التَّعْلِيلِ إمّا لِإيتاءِ الكِتابِ أوْ لِجَعْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ هُدًى بِناءً عَلى أنَّ ضَمِيرَ ( جَعَلْناهَ ) لَهُ أوْ لِلنَّهْيِ عَنِ الِاتِّخاذِ وفِيهِ بُعْدٌ فَتَدَبَّرْ.

17:4Page 282

وَقَضَيۡنَآ إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَيۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوّٗا كَبِيرٗا ٤

And We conveyed1 to the Children of Israel in the Scripture that, "You will surely cause corruption on the earth twice, and you will surely reach [a degree of] great haughtiness."

﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْ: أعْلَمْناهُمْ، وزادَ الرّاغِبُ: وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ وحْيًا جَزْمًا، وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ بِتَضَمُّنِ القَضاءِ مَعْنى الإيحاءِ؛ ولِهَذا عُدِّيَ بِإلى، والوَحْيُ إلَيْهِمْ إعْلامُهم ولَوْ بِالواسِطَةِ، وقِيلَ: (إلى) بِمَعْنى (عَلى)، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أيْ: قَضَيْنا عَلَيْهِمْ ﴿فِي الكِتابِ﴾ أيِ التَّوْراةِ أوِ الجِنْسِ بِدَلِيلِ قِراءَةِ أبِي العالِيَةِ وابْنِ جُبَيْرٍ «الكُتُبِ» بِصِيغَةِ الجَمْعِ، والظّاهِرُ الأوَّلُ عَلى الأوَّلِ، واللَّوْحُ المَحْفُوظُ عَلى الأخِيرِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ عَنْ طاوُسٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ ومَعَنا رَجُلٌ مِنَ القَدَرِيَّةِ فَقُلْتُ: إنَّ أُناسًا يَقُولُونَ: لا قَدَرَ. قالَ: أوَفِي القَوْمِ أحَدٌ مِنهُمْ، قُلْتُ: لَوْ كانَ ما كُنْتَ تَصْنَعُ بِهِ؟ قالَ: لَوْ كانَ فِيهِمْ أحَدٌ مِنهم لَأخَذْتُ بِرَأْسِهِ ثُمَّ قَرَأْتُ عَلَيْهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٌ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ القَضاءِ أيْضًا لِلْعِلْمِ بِهِ، والتَّقْدِيرُ: وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِفَسادِهِمْ وعُلُوِّهِمْ: واللَّهِ لَتُفْسِدُنَّ إلَخْ. ويَكُونُ هَذا تَأْكِيدًا لِتَعَلُّقِ القَضاءِ، ويَجُوزُ جَعْلُهُ جَوابَ: ( قَضَيْنا ) بِإجْراءِ القَضاءِ مَجْرى القَسَمِ فَيُتَلَقّى بِما يُتَلَقّى بِهِ نَحْوَ قَضاءِ اللَّهِ تَعالى لِأفْعَلَنَّ كَذا. والمُرادُ بِالأرْضِ الجِنْسُ أوْ أرْضُ الشّامِ وبَيْتُ المَقْدِسِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ونَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ: (لَتُفْسَدُنَّ) بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ السِّينِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ: يُفْسِدُكم غَيْرُكُمْ، فَقِيلَ: مِنَ الضَّلالِ، وقِيلَ: مِنَ الغَلَبَةِ. وقَرَأ عِيسى: (لَتَفْسُدُنَّ) بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ عَلى مَعْنى لِتَفْسُدُنَّ بِأنْفُسِكم بِارْتِكابِ المَعاصِي ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ، والمُرادُ إفْسادَتَيْنِ أُولاهُما عَلى ما نَقَلَ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: قَتْلُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ماتَ صَدِيقَةُ مَلِكِهِمْ تَنافَسُوا عَلى المُلْكِ وقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا ولَمْ يَسْمَعُوا مِن زَكَرِيّا فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: قُمْ في قَوْمِكَ أوْحِ عَلى لِسانِكَ فَلَمّا فَرَغَ مِمّا أُوحِيَ عَلَيْهِ عَدَوْا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ فَهَرَبَ فانْفَلَقَتْ لَهُ شَجَرَةٌ فَدَخَلَ فِيها وأدْرَكَهُ الشَّيْطانُ فَأخَذَ هُدْبَةً مِن ثَوْبِهِ فَأراهم إيّاها فَوَضَعُوا المِنشارَ في وسَطِ الشَّجَرَةِ حَتّى قَطَعُوهُ في وسَطِها.

وقِيلَ: سَبَبُ قَتْلِهِ أنَّهُمُ اتَّهَمُوهُ بِمَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ. قِيلَ: قالُوا حِينَ حَمَلَتْ: ضَيَّعَ بِنْتَ سَيِّدِنا حَتّى زَنَتْ فَقَطَعُوهُ بِالمِنشارِ في الشَّجَرَةِ، وقالَ ابْنُ إسْحَقَ: هي قَتْلُ شَعْيا عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ بُعِثَ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا بَلَغَهُمُ

صفحة 17

الوَحْيُ أرادُوا قَتْلَهُ فَهَرَبَ فَقُتِلَ وهو صاحِبُ الشَّجَرَةِ وزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ ماتَ مَوْتًا ولَمْ يُقْتَلْ.

وفِي الكَشّافِ: أُولاهُما قَتْلُ زَكَرِيّا وحَبْسُ أرْمِيا، والآخِرَةُ: قَتْلُ يَحْيى وقَصْدُ قَتْلِ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وهَذا فِيمَن جَعَلَ هَلاكَ زَكَرِيّا قَبْلَ يَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ، وهو رِوايَةُ ابْنِ عَساكِرَ في تارِيخِهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.

ثُمَّ ضَمَّ ذَلِكَ مَعَ حَبْسِ أرْمِيا في قَرْنٍ غَيْرِ سَدِيدٍ؛ لِأنَّ أرْمِيا كانَ في زَمَنِ بُخْتَنَصَّرَ وبَيْنَهُ وبَيْنَ زَكَرِيّا أكْثَرُ مِن مِائَتَيْ سَنَةٍ.

واخْتارَ بَعْضُهم -وقِيلَ: إنَّهُ الحَقُّ- أنَّ الأوْلى تَغْيِيرُ التَّوْراةِ وعَدَمُ العَمَلِ بِها وحَبْسُ أرْمِيا وجَرْحُهُ إذْ وعَظَهم وبَشَّرَهم بِنَبِيِّنا ﷺ، وهو أوَّلُ مَن بَشَّرَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ بِشارَةِ التَّوْراةِ، والأُخْرى قَتْلُ زَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَن قالَ: إنَّ زَكَرِيّا ماتَ في فِراشِهِ اقْتَصَرَ عَلى يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ، واخْتُلِفَ في سَبَبِ قَتْلِهِ فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ أنَّ مَلِكًا أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ مَن لا يَجُوزُ لَهُ تَزَوُّجُها فَنَهاهُ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ المَلِكُ قَدْ عَوَّدَ تِلْكَ المَرْأةَ أنْ يَقْضِيَ لَها كُلَّ عِيدٍ ما تُرِيدُ مِنهُ فَعَلَّمَتْها أُمُّها أنْ تَسْألَهُ دَمَ يَحْيى في بَعْضِ الأعْيادِ، فَسَألَتْهُ فَأبى، فَألَحَّتْ عَلَيْهِ فَدَعا بِطَسْتٍ فَذَبَحَهُ فِيهِ فَبَدَرَتْ قَطْرَةٌ عَلى الأرْضِ فَلَمْ تَزَلْ تَغْلِي حَتّى قُتِلَ عَلَيْها سَبْعُونَ ألْفًا.

وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: إنَّ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ حَسَنًا جَمِيلًا جِدًّا فَراوَدَتْهُ امْرَأةُ المَلِكِ عَنْ نَفْسِهِ فَأبِي فَقالَتْ لِابْنَتِها: سَلِي أباكِ رَأْسَ يَحْيى فَسَألَتْهُ فَأعْطاها إيّاهُ، وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ فَسادَهم في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ فَلا يُقْطَعُ بِشَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ ﴿ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ لِتَسْتَكْبِرُنَّ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ لَتَغْلُبُنَّ النّاسَ بِالظُّلْمِ والعُدْوانِ وتُفْرِطُنَّ في ذَلِكَ إفْراطًا مُجاوِزًا لِلْحَدِّ، وأصْلُ مَعْنى العُلُوِّ الِارْتِفاعُ، وهو ضِدُّ السُّفْلِ وتُجُوِّزَ بِهِ عَنِ التَّكَبُّرِ والِاسْتِيلاءِ عَلى وجْهِ الظُّلْمِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: (عِلِيًّا كَبِيرًا) بِكَسْرِ العَيْنِ واللّامِ والياءِ المُشَدَّدَةِ، قالَ في البَحْرِ:

والتَّصْحِيحُ في فَعُولٍ المَصْدَرِ أكْثَرُ بِخِلافِ الجَمْعِ؛ فَإنَّ الإعْلالَ فِيهِ هو المَقِيسُ، وشَذَّ التَّصْحِيحُ نَحْوَ لَهْوٍ ومَهْوٍ خِلافًا لِلْفَرّاءِ إذْ جَعَلَ ذَلِكَ قِياسًا

17:5Page 282

فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادٗا لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ فَجَاسُواْ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ وَكَانَ وَعۡدٗا مَّفۡعُولٗا ٥

So when the [time of] promise came for the first of them,1 We sent against you servants of Ours - those of great military might, and they probed [even] into the homes,2 and it was a promise fulfilled.

﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾ أيْ أُولى (مَرَّتَيِ) الإفْسادِ.

والوَعْدُ بِمَعْنى المَوْعُودِ مُرادٌ بِهِ العِقابُ كَما في البَحْرِ وفي الكَلامِ تَقْدِيرٌ؛ أيْ: فَإذا حانَ وقْتُ حُلُولِ العِقابِ المَوْعُودِ، وقِيلَ: الوَعْدُ بِمَعْنى الوَعِيدِ وفِيهِ تَقْدِيرٌ أيْضًا، وقِيلَ: بِمَعْنى الوَعْدِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الوَقْتُ أيْ: فَإذا حانَ مَوْعِدُ عِقابِ أوْلاهُما ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ﴾ أرْسَلْنا لِمُؤاخَذَتِكم بِتِلْكَ الفِعْلَةِ ﴿عِبادًا لَنا﴾ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَ ما فَعَلُوا ولَمْ نَمْنَعْهم وفِيهِ دَسِيسَةُ اعْتِزالٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى أرْسَلَ إلى مَلِكِ أُولَئِكَ العِبادِ رَسُولًا يَأْمُرُهُ بِغَزْوِ بَنِي إسْرائِيلَ فَتَكُونُ البَعْثَةُ بِأمْرٍ مِنهُ تَعالى. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: (عَبِيدًا ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ذَوِي قُوَّةٍ وبَطْشٍ في الحُرُوبِ، وقالَ الرّاغِبُ: البُؤْسُ والبَأْسُ والبَأْساءُ الشِّدَّةُ والمَكْرُوهُ إلّا أنَّ البُؤْسَ في الفَقْرِ والحَرْبِ أكْثَرُ، والبَأْسَ والبَأْساءَ في النِّكايَةِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ وصْفَ البَأْسِ بِالشَّدِيدِ مُبالَغَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ذَوِي شِدَّةٍ شَدِيدَةٍ كَظِلٍّ ظَلِيلٍ ولا بَأْسَ فِيهِ، وقِيلَ: إنَّهُ تَجْرِيدٌ وهو صَحِيحٌ أيْضًا. واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ العِبادِ فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ: هم جالُوتُ الجَزَرِيُّ وجُنُودُهُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ إسْحاقَ هم سَنْجارِيبُ مَلِكُ بابِلَ وجُنُودُهُ، وقِيلَ: هُمُ العَمالِقَةُ، وفي الأعْلامِ لِلسُّهَيْلِيِّ: هم بُخْتَنَصَّرُ عامِلُ لِهْراسِفَ أحَدِ مُلُوكِ الفُرْسِ الكِيانِيَّةِ عَلى بابِلَ والرُّومِ، وجُنُودُهُ بُعِثُوا عَلَيْهِمْ حِينَ كَذَّبُوا أرْمِيا وجَرَحُوهُ وحَبَسُوهُ. قِيلَ: وهو الحَقُّ.

صفحة 18

﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ أيْ: تَرَدَّدُوا وسَطَها لِطَلَبِكم. قالَ الرّاغِبُ: جاسُوا الدِّيارَ تَوَسَّطُوها وتَرَدَّدُوا بَيْنَها، ويُقارِبُهُ حاسُوا وداسُوا، وقَرَأ: (حاسُوا) بِالحاءِ أبُو السَّمّالِ وطَلْحَةُ، وقُرِئَ أيْضًا: (تَجَوَّسُوا) بِالجِيمِ عَلى وزْنِ تَكَسَّرُوا.

وقالَ أبُو زَيْدٍ: الجَوْسُ والحَوْسُ طَلَبُ الشَّيْءِ بِاسْتِقْصاءٍ، و﴿خِلالَ﴾ اسْمٌ مُفْرَدٌ؛ ولِذا قَرَأ الحَسَنُ (خَلَلَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (خِلالَ) جَمْعَ خَلَلٍ كَجِبالٍ جَمْعِ جَبَلٍ، ويُشِيرُ كَلامُ أبِي السُّعُودِ إلى اخْتِيارِهِ، وكَلامُ البَيْضاوِيِّ إلى اخْتِيارِ الأوَّلِ.

﴿وكانَ﴾ أيْ: وعْدُ أُولاهُما ﴿وعْدًا مَفْعُولا﴾ مُحَتَّمَ الفِعْلِ، فَضَمِيرُ ( كانُ ) لِلْوَعْدِ السّابِقِ، وقِيلَ: لِلْجَوْسِ المَفْهُومِ مِن جاسُوا، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ في هَذِهِ البَعْثَةِ خَرَّبَ هَؤُلاءِ العِبادُ بَيْتَ المَقْدِسِ، ووَقَعَ القَتْلُ الذَّرِيعُ والجَلاءُ والأسْرُ في بَنِي إسْرائِيلَ وحُرِّقَتِ التَّوْراةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وإنَّما جاسَ الغازُونَ خِلالَ الدِّيارِ وانْصَرَفُوا بِدُونِ قِتالٍ

17:6Page 282

ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَٰكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا ٦

Then We gave back to you a return victory over them. And We reinforced you with wealth and sons and made you more numerous in manpower.

﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ﴾ أيِ الدَّوْلَةَ والغَلَبَةَ، وأصْلُ مَعْنى الكَرِّ العَطْفُ والرُّجُوعُ، وإطْلاقُ الكَرَّةِ عَلى ما ذُكِرَ مَجازٌ شائِعٌ كَما يُقالُ: تَراجَعَ الأمْرُ، ولامُ لَكم لِلتَّعْدِيَةِ، وقِيلَ: لِلتَّعْلِيلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيِ الَّذِينَ فَعَلُوا بِكم ما فَعَلُوا، مُتَعَلِّقٌ بِالكَرَّةِ لِما فِيها مِن مَعْنى الغَلَبَةِ أوْ حالٌ مِنها، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِرَدَدْنا، وهَذا عَلى ما في البَحْرِ إخْبارٌ مِنهُ تَعالى في التَّوْراةِ لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا أنَّهُ جَعَلَ ﴿رَدَدْنا﴾ مَوْضِعَ نَرُدُّ لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، وكانَ بَيْنَ البَعْثِ والرَّدِّ عَلى ما قِيلَ مِائَةُ سَنَةٍ؛ وذَلِكَ بَعْدَ أنْ تابُوا ورَجَعُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ.

واخْتُلِفَ في سَبَبِ ذَلِكَ فَرُوِيَ أنَّ أرْدِشِيرَ بِهْمَنَ بْنَ إسْفِنْدِيارَ بْنِ كِشْتاسِفَ بْنِ لِهْراسِفَ لَمّا ورِثَ المُلْكَ مِن جَدِّهِ كَشْتاسِفَ ألْقى اللَّهُ تَعالى في قَلْبِهِ الشَّفَقَةَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَرَدَّ أُسَراءَهُمُ الَّذِينَ أتى بِهِمْ بُخْتَنَصَّرُ إلى بابِلَ، وسَيَّرَهم إلى أرْضِ الشّامِ، ومَلَّكَ عَلَيْهِمْ دانْيالَ فاسْتَوْلَوْا عَلى مَن كانَ فِيها مِن أتْباعِ بُخْتَنَصَّرَ، وجَعَلَ بَعْضُهم مِن آثارِ هَذِهِ الكَرَّةِ قَتْلَ بُخْتَنَصَّرَ ولَمْ يَثْبُتْ.

وفِي البَحْرِ أنَّ مَلِكًا غَزا أهْلَ بابِلَ وكانَ بُخْتَنَصَّرُ قَدْ قَتَلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أرْبَعِينَ ألْفًا مِمَّنْ يَقْرَأُ التَّوْراةَ، وأبْقى عِنْدِهِ بَقِيَّةً في بابِلَ، فَلَمّا غَزاهم ذَلِكَ المَلِكُ وغَلَبَ عَلَيْهِمْ تَزَوَّجَ امْرَأةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَطَلَبَتْ مِنهُ أنْ يَرُدَّ بَنِي إسْرائِيلَ إلى دِيارِهِمْ فَفَعَلَ، وبَعْدَ مُدَّةٍ قامَتْ فِيهِمُ الأنْبِياءُ ورَجَعُوا إلى أحْسَنِ ما كانُوا، وقِيلَ: رَدُّ الكَرَّةِ بِأنْ سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَتَلَ جالُوتَ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ﴾ إلَخْ. فَإنَّ المُرادَ بِهِ بَيْتُ المَقْدِسِ وداوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتَدَأ بِناءَهُ بَعْدَ قَتْلِ جالُوتَ وإيتائِهِ النُّبُوَّةَ ولَمْ يُتِمَّهُ وأتَمَّهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْجِدٌ حَتّى يَدْخُلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ، ودُفِعَ بِأنَّ حَقِيقَةَ المَسْجِدِ الأرْضُ لا البِناءُ، ويُحْمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَخَلُوهُ﴾ عَلى الِاسْتِخْدامِ وهو كَما تَرى، والحَقُّ أنَّ المَسْجِدَ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قَدَّمْنا.

﴿وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ﴾ كَثِيرَةٍ بَعْدَ ما نُهِبَتْ أمْوالُكم ﴿وبَنِينَ﴾ بَعْدَ ما سُبِيَتْ أوْلادُكم ﴿وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ مِمّا كُنْتُمْ مِن قَبْلُ أوْ مِن أعْدائِكُمْ، والنَّفِيرُ عَلى ما قالَ أبُو مُسْلِمٍ كالنّافِرِ مِن يَنْفِرُ مَعَ الرَّجُلِ مِن عَشِيرَتِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نَفْرٍ كَكَلْبٍ وكُلَيْبٍ وعَبْدٍ وعَبِيدٍ وهُمُ المُجْتَمِعُونَ لِلذَّهابِ إلى العَدُوِّ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ؛ أيْ أكْثَرُ خُرُوجًا إلى الغَزْوِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:

فَأكْرِمْ بِقَحْطانَ مِن والِدٍ وحِمْيَرَ أكْرِمْ بِقَوْمٍ نَفِيرا

ويُرْوى: بِالحِمْيَرِيِّينَ أكْرِمْ نَفِيرًا، وصَحَّحَ السُّهَيْلِيُّ أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ لِغَلَبَتِهِ في المُفْرَداتِ وعَدَمِ اطِّرادِ مُفْرَدِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском